استطلاع.. {ديلي شو} كان مصدر إلهام للشباب الأميركي

استطلاع.. {ديلي شو} كان مصدر إلهام للشباب الأميركي

نهاية الطريق لألمع برنامج حواري ليبرالي ساخر واجه المحافظين منذ 1999
الاثنين - 3 ذو القعدة 1436 هـ - 17 أغسطس 2015 مـ

في الأسبوع الأول من هذا الشهر، قدم المذيع التلفزيوني الأميركي جون ستيوارت آخر حلقات برنامج «ديلي شو» (العرض اليومي) في القناة التلفزيونية الفكاهية «كوميدي سنترال». بذلك، ختم ستة عشر عاما تخصص فيها في خلطة من الأخبار الجادة والنكات اللاذعة. وكانت أغلبيتها عن السياسيين. وكان الرئيس السابق بوش الابن موضوع كثير من التعليقات اللاذعة خلال سنوات البرنامج الأولى.
لم يظهر بوش في البرنامج الليبرالي. وظهر أوباما مرة واحدة. وكانت الأسئلة خلطة من مواضيع جادة ونكات ساخرة. أثناء البرنامج، تندر أوباما نفسه على ستيوارت. وقال إنه «أعظم هدية من التاريخ للولايات المتحدة».
في آخر ليلة، وفي لقطات فيديو قصيرة، ودع البرنامج عدد من السياسيين الذين لم يسلموا من لسان ستيوارت. وكان من بينهم جون كيري، وزير الخارجية، وهيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، والآن مرشحة الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية. قالت، في فيديو قصير، وهي تخاطب ستيوارت: «تنهى برنامجك، بينما بدأت أنا حملتي الانتخابية. يا لسوء الحظ».
بدأ ستيوارت البرنامج عام 1999، وسريعا، صار واحدا من أشهر المذيعين الساخرين في الولايات المتحدة بتصديه للمحافظين بالنقد اللاذع. ثم انتشرت شهرته خارج الولايات المتحدة. وصار له مقلدون، مثل المصري باسم يوسف.
في كلمة ستيوارت الختامية، شكر زملاءه، وجمهوره، وعائلته. وقال: «لا شيء ينتهي. يستمر كل شيء. لهذا، كان هذا البرنامج وقفة صغيرة أثناء محادثة لا تنتهي». وأضاف: «لهذا، لن أقل وداعًا، أو تصبحون على خير». لكنه، خلال البرنامج، وأكثر من مرة، أظهر عواطف جياشة، وسالت دموع من عينيه. البداية: كانت بداية تحول البرنامج نحو نجاح مستمر بعد ستة أيام من انتخابات عام 2000، عندما تنافس بوش الابن (الحزب الجمهوري) وآل غور (الحزب الديمقراطي). وكانت المنافسة حادة جدا، بدليل أن الفرق في الأصوات كان أقل من ألف صوت فقط. ووصلت المشكلة إلى المحكمة العليا (التي تفسر الدستور) التي حسمتها لصالح بوش.
في ذلك الوقت، قال ستيوارت في برنامجه: «نواجه واحدا من شيئين: أزمة دستورية؟ أو مسرحية فكاهية؟» وبدأ يتحول من فكاهي هاوٍ إلى خبير سياسي لا يجامل.
في الأسبوع الماضي، قالت اميلي باهر، صحافية في صحيفة «واشنطن بوست»: «من خلال النكات، برهن ستيوارت على أنه معلق لا يجامل. في الحقيقة، خلال أول سنوات برنامجه، سعى برامج (توداي) الصباحى (في تلفزيون «إن بي سي») لضم ستيوارت إليه. كان ظهور ستيوارت في ذلك الوقت مثل دواء لجنون السياسة الأميركية».
وقال رون سايمون، خبير في مركز «بالي» للإعلام (في نيويورك): «بالنسبة لكثير من الناس، كان ظهور ستيوارت مثل رسم سيريالى غير حقيقي لما كانوا يعتقدون أنه واقع حقيقي».
في عام 2000، بعد عام واحد من بداية برنامجه، حاز ستيوارت على جائزة «بيبوداي» الشهيرة في الإعلام التلفزيوني (تشرف عليها كلية الإعلام في جامعة جورجيا). وفي عام 2004، حصل عليها مرة ثانية. في حفل تقديم الجائزة الثانية، قال جفري جونز، مدير مؤسسة «بيبوداي»: «هذا دليل على أن الكوميديين يمكن أن يكون لهم دور هام. حتى عندما يحس الصحافيون والمعلقون بالقلق».


* وسط الشباب
حسب استطلاع أجراه مركز «بيو» (في واشنطن العاصمة)، قال نصف الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عاما إن «ديلي شو» (العرض اليومي)، الذي يقدمه ستيوارت، هو مصدر أخبارهم مع نهاية اليوم.
لأن الشباب هم أكثر الذين شاهدوا البرنامج، اهتم به السياسيون، بهدف كسب هؤلاء الشباب. حتى أوباما، تردد لسنوات في الظهور في البرنامج، ثم ظهر.
في آخر ليلة، وسط تصفيق المشاهدين، بدأ ستيوارت بسؤال ساخر: «ماذا يجري؟ هل هناك شيء غريب الليلة؟» ومع تصفيق وضحكات المشاهدين، واصل: «هذه هي النهاية. هذه آخر حلقات هذا البرنامج. ما أكبرها، وأروعها، من ليلة». ثم انتقل إلى مراسليه الذين يقدمون الأخبار من داخل وخارج الولايات المتحدة. لحسن حظه، في نفس الليلة، عقد قادة الحزب الجمهوري المرشحون لرئاسة الجمهورية أول مناظراتهم في نفس وقت ليلة ستيوارت. ومن كليفلاند (ولاية أوهايو)، إذ انعقدت المناظرة، نقل مراسل الخبر، طبعا، في خلطة من جد وفكاهة.
ولأن عدد المرشحين الجمهوريين كان كثيرا، تندر ستيوارت بأنهم أكثر من عدد مراسليه. وواحدا بعد واحد، انضم إليه مراسلوه، ليغطي كل مراسل واحدا من مرشحي الحزب الجمهوري. وزادوا الفكاهة فكاهة.
وسط المراسلين، كان هناك أميركيان شرقيان، هاجر والدا كل واحد منهما من الهند:
الأول: عاصف حكيم ماندفي، ولد في مومباي، ودرس في جامعة جنوب فلوريدا، وعمر 50 عاما.
الثاني: حسن منهاج، ولد ودرس في جامعة كاليفورنيا، وعمره 30 عاما. بعد تغطية مؤتمر الحزب الجمهوري، عدد ستيوارت بعض مراسلي البرنامج خارج الولايات المتحدة. وأشار إلى اسم (مع صورة) المصري باسم يوسف، صاحب برنامج تلفزيوني يشبه برنامج ستيوارت، وأيضا، يخلط بين الجد والمرح. وزيادة في المرح، قدم ستيوارت مراسله في الفضاء الخارجي: دارث فيدار (من أفلام «حرب النجوم»).


* آخر كلماته
عكس آخر كلمات كثير من المذيعين المتقاعدين، وهي كلمات هادئة ورزينة،، كانت آخر كلمات ستيوارت عن «سخف الدنيا، وسخف الحياة، وسخف الناس» (استعمل كلمة بذيئة). وأضاف: «توجد في الحياة أشياء قليلة جدا ليس فيها سخف». وقسم السخف إلى أقسام. منها: سخف مقبول، مثل الذين يكذبون كذبات «بيضاء» (لا تؤذي أحدا، ولا توذي شيئا). وسخف وطني لكنه شرير. مثل قانون «باتريوت» (الوطنية) الذي أصدره الكونغرس بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001.
وأضاف: «إذا سمعت أي شيء فيه كلمات مثل: الوطنية، الحرية، العائلة، التراث، العدل، أميركا، ادرسه جيدا. يمكن أن يكون فيه سخف كثير».
كان من أسباب نجاح ستيوارت سنوات كثيرة انتقد فيها الرئيس جورج بوش الابن. ورغم أن ستيوارت كرر التعبير عن وطنية قوية وحماسية، ركز على أن السياسيين يخدمون مصالحهم الخاصة أكثر من مصالح وطنهم.


* هذه بعض الأمثلة لسخرية ستيوارت
في عام 2000، بعد أن فاز بوش برئاسة الجمهورية، ألقى خطابا للشعب الأميركي قال فيه: «أدعو المواطنين للصلاة من أجل أميركا» (علق ستيوارت: «سبقك المواطنون»).
في عام 2004، في مقابلة في تلفزيون «سي إن إن»، قال له المذيع: «لماذا تتكلم في جدية؟ لماذا لا تضحكنا بنكاتك؟» وأجاب ستيوارت: «لست قردا».
في عام 2010، نظم مهرجانا في واشنطن اسمه: «حملة العودة إلى عقولنا، أو العيش في خوف أبدي». وفي خطاب الافتتاح، قال: «الأميركيون ليسوا مختلفين ومتناحرين كما يريد السياسيون، وكما يقول الصحافيون. ليست هذه هي الصورة الحقيقية. يجب أن نكشف أن الصورة الحقيقية هي أننا شعب يعيش في سعادة».
في عام 2011، شن هجوما عنيفا على تلفزيون «فوكس» (اليمينى)، وعلى روبرت ميردوخ، ملياردير الإعلام العالمي الذي يملك «فوكس». ومما قال: «يقف ملايين الناس في صفوف الجنسية الأميركية. لكن، لأن ميردوخ ملياردير، حصل عليها قبل هؤلاء الملايين».
في الشهر الماضي، تعليقا على ترشح ملياردير العقارات دونالد ترامب لرئاسة الجمهورية باسم الحزب الجمهوري، قال ستيوارت: «إذا فاز، سيمنح كل أميركي بيتا، أو شقة، وسيخصم قيمة كل بيت أو شقة من الميزانية الحكومية».


* جنيفر أرمسترونغ
قالت جنيفر أرمسترونغ، وهي ناقدة تلفزيونية في نيويورك: «عندما أعلن ستيوارت، في فبراير (شباط) الماضي أنه سيغادر برنامجه الساخر، كان ذلك صدمة ثقافية ذكرتنا بأن الحياة محدودة. لم يخطر ببال كثير منا أنه يمكننا أن نعيش دون أن نتابع ستيوارت كل ليلة، وهو يناقش قضية اليوم، ويحلل سخافة تغطية وسائل الإعلام التقليدية، ويكشف الستار عن نفاق السياسيين، ويجعلنا نضحك على الأشياء التي تجعلنا نبكي أيضا».
وأضافت: «دائما، أحب ستيوارت وصف نفسه بالصحافي المزيف، وهو وصف ذكي جعله يظهر بشخصية غير مؤذية، ولكن يضرب ضربة قاسية وقت الحاجة لها».
وكتب هوارد كيتز، محرر الشؤون الإعلامية سابقا في صحيفة «واشنطن بوست»، والآن معلق في تلفزيون «فوكس»: «يوجد سر يجب أن نبوح به، وهو أن النقاد والسياسيين كان يعجبهم أن يتعرضوا للانتقاد من ستيوارت. كان مجرد ذكر اسم واحد منهم في برنامج (دايلي شو) نجاحا كبيرا».
في عام 2009، وضعت مجلة «تايم» الأميركية، بعد استطلاع لها، ستيوارت في المركز الأول بين مقدمي الأخبار الذين وثق فبهم الأميركيون. وخلال السنوات التي تلت ذلك، صقل مواهبه السياسية، وأدرك مواطن قوته. وفاز بعدة جوائز إعلامية هامة.
وأخيرًا..
لم يكشف ستيوارت ما ينوي عمله بعد مغادرته برنامجه. لكن، خلال الأسابيع الأخيرة، تحدثت أخبار عن لقاءين سريين مع الرئيس أوباما في البيت الأبيض. عندما سأل صحافيون ستيوارت، قلل من أهمية هذه اللقاءات. لكنه أضاف أنه قابل روجر ايلز، مدير تلفزيون «فوكس نيوز». وكما قالت أرمسترونغ: «تكشف هذه الاجتماعات، واللغط المحيط بها، أهمية ستيوارت، ودوره المؤثر. إنه، بالتأكيد، ليس شخصية مزيفة، ولا مصطنعة، وليس مجرد شخصية فكاهية».


اختيارات المحرر

فيديو