100 عامٍ من عاصي الرحباني

في كواليس العبقري العصي على الغياب

عاصي الرحباني وفيروز (تويتر)
عاصي الرحباني وفيروز (تويتر)
TT

100 عامٍ من عاصي الرحباني

عاصي الرحباني وفيروز (تويتر)
عاصي الرحباني وفيروز (تويتر)

في الرابع من شهر الخِصب وبراعم اللوز والورد، وُلد عاصي الرحباني. كانت البلادُ فكرةً فَتيّة لم تبلغ بعد عامها الثالث. وكانت أنطلياس، مسقط الرأس، قريةً لبنانيةً ساحليّة تتعطّر بزهر الليمون، وتَطربُ لارتطام الموج بصخور شاطئها.
لو قُدّر له أن يبلغ عامه المائة اليوم، لأَبصر عاصي التحوّلات التي أصابت البلاد وقُراها. تلاشت الأحلام، لكنّ «الرحباني الكبير» ثابتٌ كحقيقةٍ مُطلَقة وعَصي على الغياب؛ مقيمٌ في الأمس، متجذّر في الحاضر وممتدّةٌ جذوره إلى كل الآتي من الزمان.


عاصي الرحباني خلال جلسة تمرين ويبدو شقيقه الياس على البيانو (أرشيف Rahbani Productions)

«مهما قلنا عن عاصي قليل، ومهما فعلت الدولة لتكريمه قليل، وهذا يشمل كذلك منصور وفيروز»، يقول المؤلّف والمنتج الموسيقي أسامة الرحباني لـ«الشرق الأوسط» بمناسبة مئويّة عمّه. أما الصحافي والباحث محمود الزيباوي، الذي تعمّق كثيراً في إرث الرحابنة، فيرى أن التكريم الحقيقي يكون بتأليف لجنة تصنّف ما لم يُنشر من لوحاته الغنائية الموجودة في إذاعتَي دمشق ولبنان، وتعمل على نشره.
يقرّ أسامة الرحباني بتقصير العائلة تجاه «الريبرتوار الرحباني الضخم الذي يحتاج إلى تضافر جهود من أجل جَمعه»، متأسفاً على «الأعمال الكثيرة التي راحت في إذاعة الشرق الأدنى». غير أنّ ما انتشر من أغانٍ ومسرحيات وأفلام، على مدى أربعة عقود من عمل الثلاثي الرحباني عاصي ومنصور وفيروز، أصبح ذخيرةً للقرون المقبلة، وليس للقرن الرحباني الأول فحسب.

«فوتي احفظي، قومي سجّلي»
«كان بركاناً يغلي بالعمل... يكتب بسرعة ولا يتوقف عند هاجس صناعة ما هو أجمل، بل يترك السرد يمشي كي لا ينقطع الدفق»، هكذا يتذكّر أسامة عمّه عاصي. وفي بال الزيباوي كذلك، «عاصي هو تجسيدٌ للشغف وللإنسان المهووس بعمله». لم يكن مستغرباً أن يرنّ الهاتف عند أحد أصدقائه الساعة الثالثة فجراً، ليخرج صوت عاصي من السمّاعة قارئاً له ما كتب أو آخذاً رأيه في لحنٍ أنهاه للتوّ.
ووفق ما سمعه الزيباوي، فإن «بعض تمارين السيدة فيروز وتسجيلاتها كان من الممكن أن يمتدّ لـ40 ساعة متواصلة. يعيد التسجيل إذا لم يعجبه تفصيل، وهذا كان يرهقها»، رغم أنه الزوج وأب الأولاد الأربعة، إلا أن «عاصي بقي الأستاذ الذي تزوّج تلميذته»، على حدّ وصف الزيباوي. ومن أكثر الجمل التي تتذكّرها التلميذة عن أستاذها: «فوتي احفظي، قومي سَجّلي». أضنى الأمر فيروز وغالباً ما اعترفت به في الحوارات معها قبل أن تُطلقَ تنهيدةً صامتة: «كان ديكتاتوراً ومتطلّباً وقاسياً ومش سهل الرِضا أبداً... كان صعب كتير بالفن. لمّا يقرر شي يمشي فيه، ما يهمّه مواقفي».


عاصي وفيروز (تويتر)
نعم، كان عاصي الرحباني ديكتاتوراً في الفن وفق كل مَن عاصروه وعملوا معه. «كل العباقرة ديكتاتوريين، وهذا ضروري في الفن»، يقول أسامة الرحباني. ثم إن تلك القسوة لم تأتِ من عدم، فعاصي ومنصور ابنا الوَعر والحرمان.
أثقلت كتفَي عاصي منذ الصغر همومٌ أكبر من سنّه، فتحمّلَ وأخوه مسؤولية العائلة بعد وفاة الوالد. كان السند المعنوي والمادّي لأهل بيته. كمعطفٍ ردّ البردَ عنهم، كما في تلك الليلة العاصفة التي استقل فيها دراجة هوائية وقادها تحت حبال المطر من أنطلياس إلى الدورة، بحثاً عن منصور الذي تأخّر بالعودة من الوظيفة في بيروت. يروي أسامة الرحباني أنها «كانت لحظة مؤثرة جداً بين الأخوين، أبصرا خلالها وضعهما المادي المُذري... لم ينسيا ذلك المشهد أبداً، ومن مواقفَ كتلك استمدّا قوّتهما».
وكما في الصِبا كذلك في الطفولة، عندما كانت تمطر فتدخل المياه إلى المدرسة، كان يظنّ منصور أن الطوفان المذكور في الكتاب المقدّس قد بدأ. يُصاب بالهلَع ويصرخ مطالباً المدرّسين بالذهاب إلى أخيه، فيلاقيه عاصي ويحتضنه مهدّئاً من رَوعه.

«سهرة حبّ»... بالدَين
تعاقبت مواسم العزّ على سنوات عاصي الرحباني. فبعد بدايةٍ متعثّرة وحربٍ شرسة ضد أسلوبه الموسيقي الثائر على القديم، سلك دروب المجد. متسلّحاً بخياله المطرّز بحكايا جدّته غيتا و«عنتريّات» الوالد حنّا عاصي، اخترع قصصاً خفتت بفعلِ سحرِها الأصواتُ المُعترضة. أما لحناً، فابتدعَ نغمات غير مطابقة للنظريات السائدة، و«أوجد تركيبة جديدة لتوزيع الموسيقى العربية»، على ما يشرح أسامة الرحباني.


صورة تجمع عاصي ومنصور الرحباني وفيروز بالموسيقار محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، بحضور بديعة مصابني وفيلمون وهبي ونجيب حنكش (أرشيف Rahbani Productions)
كان عاصي مستعداً للخسارة المادية من أجل الربح الفني. يحكي محمود الزيباوي أنه، ولشدّة مثاليته، «سجّل مسرحية (سهرة حب) مرتَين ولم تعجبه النتيجة، فاقترض مبلغاً من المال ليسجّلها مرة ثالثة». ويضيف أن «أساطير كثيرة نُسجت حول الرحابنة، لكن الأسطورة الحقيقية الوحيدة هي جمال عملهم».
ما كانت لتكتمل أسطورة عاصي، لولا صوت تلك الصبية التي دخلت قفصَه الذهبي نهاد حدّاد، وطارت منه «فيروز».
«أدهشته»، يؤكّد الزيباوي؛ ويستطرد: «لكنّ أحداً منهما لم يعرف كيف يميّز بين نهاد حداد وفيروز»... «هي طبعاً المُلهِمة»، يقول أسامة الرحباني؛ «لمح فيها الشخصية التي لطالما أراد رسمَها، ورأى امرأةً تتجاوب مع تلك الشخصية»، ويضيف أن «عاصي دفع بصوت فيروز إلى الأعلى، فهو في الفن كان عنيفاً ويؤمن بالعصَب. كان يكره الارتخاء الموسيقي ويربط النجاح بالطبع الفني القوي، وهذا موجود عند فيروز».


زفاف عاصي الرحباني ونهاد حداد (فيروز) عام 1955 (تويتر)

دماغٌ بحجم وطن
من عزّ المجد، سرقت جلطة دماغيّة عاصي الرحباني عام 1972. «أكثر ما يثير الحزن أن عاصي مرض وهو في ذروة عطائه وإبداعه، وقد زادت الحرب اللبنانية من مرضه وصعّبت العمل كثيراً»، وفق الزيباوي. لم يكن القلق من الغد الغامض غريباً عليه. فهو ومنذ أودى انفجارٌ في إحدى الكسّارات بحياة زوج خالته يوسف الزيناتي، الذي كان يعتبره صياداً خارقاً واستوحى منه شخصيات لمسرحه، سكنته الأسئلة الحائرة حول الموت وما بعدَه.
الدماغ الذي وصفه الطبيب الفرنسي المعالج بأنه من أكبر ما رأى، عاد ليضيء كقمرٍ ليالي الحصّادين والعاشقين والوطن المشلّع. نهض عاصي ورجع إلى البزُق الذي ورثه عن والده، وإلى نُبله وكرمه الذي يسرد أسامة الرحباني عنهما الكثير.
بعد المرض، لانت قسوة عاصي في العمل وتَضاعفَ كرَمُه المعهود. يقول أسامة الرحباني إن «أقصى لحظات فرحه كانت لحظة العطاء». أعطى من ماله ومن فِكرِه، وعُرف بيدِه الموضوعة دائماً في جيبِه استعداداً لتوزيع النقود على المحتاجين في الشارع. أما داخل البيت، فتجسّد الكرَم عاداتٍ لطيفة وطريفة، كأن يشتري 20 كنزة متشابهة ويوزّعها على رجال العائلة وشبّانها.
خلال سنواته الأخيرة ومع احتدام الحرب، زاد قلق عاصي الرحباني على أفراد العائلة. ما كان يوفّر مزحة أو حكاية ليهدّئ بها خوف الأطفال، كما في ذلك اليوم من صيف 1975 الذي استُهدفت فيه بلدة بكفيا، مصيَف العائلة. يذكر أسامة الرحباني كيف دخل عاصي إلى الغرفة التي تجمّع فيها أولاد العائلة مرتعدين، فبدأ يقلّد الممثلين الأميركيين وهم يُطلقون النار في الأفلام الإيطالية، ليُنسيَهم ما في الخارج من أزيز رصاص حقيقي. وسط الدمار، بنى لهم وطناً من خيالٍ جميل، تماماً كما فعل وما زال يفعل في عامِه المائة، مع اللبنانيين.


عاصي الرحباني (غيتي)



الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
TT

الملك تشارلز: سنواصل الدفاع عن «القيم المشتركة» مع الولايات المتحدة

ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)
ملك بريطانيا تشارلز الثالث (رويترز)

أكد الملك تشارلز الثالث السبت، أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستواصلان الدفاع عن «القيم المشتركة»، وذلك في رسالة وجهها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والشعب الأميركي بمناسبة الذكرى الـ250 للاستقلال.

وكتب الملك في الرسالة التي نُشرت على «إكس»، أنه بينما يتطلع البلدان «إلى الـ250 عاماً المقبلة، فأنا على يقين من أننا سنواصل الدفاع عن قيمنا المشتركة»، بما فيها الحرية وسيادة القانون.

ترمب خلال مراسم توديع الملك تشارلز في واشنطن (إ.ب.أ)

وكان الملك، البالغ 77 عاماً، قد قام برفقة الملكة كاميلا، بزيارة دولة إلى الولايات المتحدة استمرت أربعة أيام في نهاية أبريل (نيسان). وحظيت هذه الزيارة التي هدفت إلى رأب الصدع في العلاقات بين واشنطن ولندن، بإشادة من وسائل الإعلام البريطانية والأميركية.

وقال الملك السبت، إنه يعتقد أن «الرابط بين شعبينا... سيزداد قوة مع مرور الوقت».


«علم فلسطين» يشعل الإعلام الإسرائيلي... ودعوات لتشجيع الأرجنتين أمام مصر

حسام حسن مدرب منتخب مصر يحتفل بعلم فلسطين بعد الفوز على أستراليا (رويترز)
حسام حسن مدرب منتخب مصر يحتفل بعلم فلسطين بعد الفوز على أستراليا (رويترز)
TT

«علم فلسطين» يشعل الإعلام الإسرائيلي... ودعوات لتشجيع الأرجنتين أمام مصر

حسام حسن مدرب منتخب مصر يحتفل بعلم فلسطين بعد الفوز على أستراليا (رويترز)
حسام حسن مدرب منتخب مصر يحتفل بعلم فلسطين بعد الفوز على أستراليا (رويترز)

تحوّلت ليلة التأهل التاريخي لمنتخب مصر إلى دور الـ16 من كأس العالم من احتفال كروي إلى قضية سياسية شغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية، بعدما رفع المدير الفني حسام حسن العلم الفلسطيني عقب الفوز على أستراليا بركلات الترجيح، وأهدى الانتصار إلى الشعب الفلسطيني.

وقال حسام حسن عقب المباراة، إن «قلبه وروحه مع الشعب الفلسطيني»، كما دعا بالرحمة للشهداء، قبل أن يحتفل بالعلم الفلسطيني داخل أرض الملعب، في مشهد انتشر على نطاق واسع عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل، وأثار ردود فعل غاضبة في إسرائيل.

وسارع موقع «واي نت» الإسرائيلي إلى إبراز الواقعة بعنوان يُفيد بأن مدرب منتخب مصر احتفل بالتأهل وهو يحمل العلم الفلسطيني، مشيراً إلى أن تصريحاته ورسالة التضامن لقيت انتشاراً واسعاً في العالم العربي، كما لفت إلى مشاهد احتفال فلسطينيين في غزة بفوز المنتخب المصري.

أما موقع «والا سبورت»، فركّز على الجانب السياسي للمشهد، وكتب: «مدرب منتخب مصر احتفل بعلم فلسطين وقال: رحم الله شهداءهم»، عادّاً أن المدرب المصري استغل لحظة التأهل لتوجيه رسالة تضامن مع الفلسطينيين.

وفي السياق نفسه، وصف موقع «N12» الإسرائيلي ما حدث بأنه «استغلال للمنصة الرياضية» لتوجيه رسالة سياسية، مشيراً إلى أن رفع العلم الفلسطيني قد يتعارض مع لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم الخاصة بحظر الرسائل السياسية داخل الملاعب، كما ذكّر بمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

بينما أبرزت صحيفة «هآرتس» تصريحات حسام حسن التي أهدى فيها الفوز إلى الفلسطينيين، عادّة أنها كانت أبرز مشاهد ما بعد المباراة.

ولم يتوقف الغضب عند وسائل الإعلام بل امتد إلى منصات المستوطنين على مواقع التواصل؛ حيث ظهرت دعوات صريحة لتشجيع منتخب الأرجنتين في مواجهته المقبلة أمام مصر. ومن بين أكثر التعليقات تداولاً تغريدة جاء فيها: «كل من لا يقف مع الأرجنتين في مباراتها المقبلة ضد مصر، هو كاره لإسرائيل وكاره لكرة القدم».

كما عدّت صحيفة «بيلد» الألمانية أن رفع العلم الفلسطيني قد يُعد مخالفة للوائح «فيفا» الخاصة بحظر الرسائل السياسية، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى أن فرض عقوبة على المدرب المصري لا يبدو مرجحاً، في ظل سوابق مشابهة شهدتها بطولات دولية.

وبينما احتفى الشارع المصري والعربي بما عدّه موقفاً إنسانياً ورسالة تضامن مع الفلسطينيين، بدا المشهد في إسرائيل مختلفاً تماماً، إذ تحوّلت ليلة التأهل التاريخية لمصر إلى مادة رئيسية في الإعلام العبري، وأشعلت موجة من الغضب والدعوات لمساندة الأرجنتين في المباراة المرتقبة أمام الفراعنة، لتدخل المواجهة المقبلة بأبعاد سياسية وإعلامية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.


كنز ملاحي عمره قرنان يكشف عن أسرار البحر الأحمر وخليج عدن

خرائط الأمس لا تزال تهدي العابرين (جامعة إكستر)
خرائط الأمس لا تزال تهدي العابرين (جامعة إكستر)
TT

كنز ملاحي عمره قرنان يكشف عن أسرار البحر الأحمر وخليج عدن

خرائط الأمس لا تزال تهدي العابرين (جامعة إكستر)
خرائط الأمس لا تزال تهدي العابرين (جامعة إكستر)

كشف فريق بحثي من جامعة إكستر البريطانية عن أسرار ظلَّت طي الكتمان على مدى قرنَين في خريطة ملاحية بديعة، صُمِّمت خصوصاً لبحارة القرن الـ18 الذين كانوا يبحرون في البحر الأحمر وخليج عدن.

وتمكّن الباحثون للمرة الأولى من تحديد أسماء الأماكن والبيانات الفلكية المنقوشة على الخريطة، وتفسيرها، ممّا ساعد على تحديد خطوط العرض وتقديم توجيهات ملاحية.

وتعود الخريطة المزيّنة برسوم للسفن والمباني الدينية إلى أواخر القرن الـ18 أو أوائل القرن الـ19. وقد حصل ألكسندر بيرنز عليها عام 1835، خلال خدمته ملازماً في شركة الهند الشرقية ومساعداً للمقيم البريطاني في كوتش، من قبطان بحري مجهول الاسم في ولاية كوتش الهندية، ثم تبرَّع بها للجمعية الجغرافية الملكية البريطانية. إلا أنه، كما الباحثون الذين جاءوا بعده، لم يتمكن من ترجمتها وتحليلها بالقدر الذي حقّقته هذه الدراسة.

ويعتقد الباحثون أنهم تمكنوا الآن من تحديد إحداثيات جميع أسماء المواقع الـ66 الواردة في الخريطة. كما وجدوا أنها تؤدّي 3 أغراض رئيسية: تحديد الاتجاه العام للساحل، وتحديد اتجاه الإبحار في المياه المفتوحة، وإظهار الممر الآمن للدخول إلى الميناء والخروج منه في حالتَين محتملتَين.

وقال البروفسور جون كوبر، من معهد الدراسات العربية والإسلامية بجامعة إكستر، الذي قاد البحث: «قد لا تبدو هذه الخريطة دقيقة وفقاً لمفاهيمنا الحديثة، لكنها مكّنت البحارة ذوي الخبرة والمعرفة بالملاحة النجمية من الإبحار في بعض أصعب وأخطر المياه في العالم. وقد جُمعت جميع المعلومات المطلوبة في لفافة صغيرة محمولة لا يتجاوز عرضها 25 سنتيمتراً».

وأضاف، في بيان نشره موقع الجامعة، الخميس: «إنها مرجع ملاحي ثري وفعّال؛ فقد مكّنت معلوماتها النجمية البحارة من معرفة خطوط عرضهم وتحديد اتجاهات إبحارهم، كما مكّنتهم أسماء الأماكن الكثيرة والمعلومات الطبوغرافية من تحديد مواقعهم بدقّة. وتشير المباني الدينية فيها إلى الديانة الإسلامية للملاح، في حين تشير الأعلام إلى مراكز النشاط السياسي والاقتصادي».

قبل الأقمار الاصطناعية... كانت النجوم ترسم الطريق (جامعة إكستر)

أداة مساعدة فعّالة

تُعدّ هذه المخطوطة الورقية دليلاً على أنّ المجتمعات البحرية في المنطقة استخدمت نظاماً ملاحياً فعّالاً مكّن من التجارة والتبادل بين الهند والجزيرة العربية والقرن الأفريقي في عصر السفن الشراعية. وتُظهر الدراسة الجديدة أنها كانت أداة ملاحية فعّالة، تُجسّد المعرفة الدقيقة التي امتلكها بحارة ولاية غوجارات الهندية الحالية.

وتُمثل هذه الوثيقة الهندية، المكتوبة باللغتين الكوتشية والغوجاراتية، جزءاً من مجموعة الجمعية الجغرافية الملكية منذ 189 عاماً. وقد أتاح تصميمها الملفوف فتحها جزئياً بحيث لا يظهر منها إلا الجزء المطلوب، فيما يبقى باقيها مطوياً، ممّا سهَّل تخزينها والتعامل معها على السفينة.

وسبقت هذه الدراسة محاولات عدة لتفسير الخريطة في أعوام 1947 و1987 و2002 و2012 و2022، وإنما الباحثون أغفلوا دلالاتها الملاحية. فقد بقي نحو نصف أسماء المواقع المكتوبة بالخط الديفاناغاري مجهولاً، فيما لم تُحدّد مواقع أخرى بدقة. كما لم تُنقل أسماء المواقع الـ66 كاملة، وذهب معظم الباحثين الأوروبيين، على نحو غير دقيق، إلى أنها لا تتضمّن معلومات عن خطوط الطول والعرض. ورأوا أيضاً أن عدم إظهارها الزاوية الحقيقية للبحر الأحمر وخليج عدن يمثل عيباً، في حين كان الهدف في الواقع تسهيل حمل الخريطة.

وأنتج فريق الدراسة إسقاطاً جغرافياً للخريطة يُظهر المعلومات التي تتضمّنها وفق الطريقة المُعتمدة في الخرائط الحديثة. ويصوّر رسام الخريطة أكثر من 180 جزيرة، إلى جانب مواقع الشعاب المرجانية ومعالم أخرى، مثل المباني التاريخية والمعابد والأعلام.

وقالت مديرة مجموعات الخرائط في الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، الدكتورة كاثرين باركر: «إن إعادة فحص مجموعاتنا عملية مستمرّة تتيح للباحثين تطبيق أساليب وتقنيات ووجهات نظر جديدة، بما يكشف عن المعاني والفوائد التي حملتها هذه القطع الأثرية للشعوب التي أنشأتها قبل قرون. وقد سُررنا بالعمل جنباً إلى جنب مع الفريق للوصول إلى فهم أعمق للقيمة الملاحية والجغرافية والثقافية لهذه الخريطة، فضلاً عن إبراز مهارة صانعيها ومعرفتهم في رسم الخرائط».

Your Premium trial has ended