جدوى مشاريع الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا

هل تكون صفقةً رابحةً بين العرب والأوروبيين؟

ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)
ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

جدوى مشاريع الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا

ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)
ألواح للطاقة الشمسية في مقاطعة نافارا الإسبانية (أ.ف.ب)

تتمتع الدول العربية في شمال أفريقيا بساعات إشعاع شمسي طويلة على مدار السنة، ما يجعل ألواح الطاقة الشمسية فيها قادرة على توليد كمية من الكهرباء تزيد بنحو ثلاثة أضعاف مقارنةً بالدول الأوروبية. ومع رغبة أوروبا في التخلي عن إمدادات الغاز الروسي بسبب الصراع في أوكرانيا، تتسارع وتيرة الاستثمارات لبناء مشاريع طاقة شمسية عملاقة في شمال أفريقيا، وتصدير الكهرباء النظيفة الناتجة عنها إلى أوروبا بواسطة كابلات عابرة للقارات.
وبينما توصف مناطق المشاريع المقترحة لإقامة محطات الطاقة الشمسية على أنها أراضٍ صحراوية شاسعة وقليلة السكان، تزداد المخاوف بشأن التأثيرات البيئية لهذه المشاريع، وما قد ينتج عنها من تعريض النظم البيئية الصحراوية للضرر، إلى تهديد مصدر معيشة المجتمعات المحلية، إذا لم تُدرس بعناية. لكنها يمكن أن تساعد في رعاية البيئة وتنمية المناطق النائية إذا التزمت بشروط محددة.

استثمارات ضخمة ومشاريع كبرى
تُصنَّف محطتا نور ورزازات المغربية وبنبان المصرية ضمن أضخم محطات الطاقة الشمسية في العالم. وفيما كانت الغاية الأساسية من هاتين المحطتين تعزيز إمدادات الطاقة المحلية وتقليل الاعتماد على الفحم، يجري تطويرهما حالياً لتساهما أيضاً في توفير طاقة نظيفة للدول على الضفة الشمالية من البحر المتوسط عبر كابلات بحرية، أو عن طريق تصنيع هيدروجين أخضر متاح للتصدير.
ويصدّر المغرب حالياً الكهرباء إلى أوروبا عبر وصلتي طاقة تمتدان إلى إسبانيا، وكان وقّع في العام الماضي على اتفاقية لتوسيع صادرات الطاقة إلى الاتحاد الأوروبي. وفيما تدرس مصر ثلاثة مقترحات لربط كابلات مع اليونان، يعتزم الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي تمويل مشروع يربط محطات الطاقة الشمسية الجديدة في صحراء جنوب تونس بشبكة الكهرباء الإيطالية.
وتأمل شركة «إكس لينكس» (Xlinks) الناشئة توفير 8 في المائة من إمدادات الكهرباء في بريطانيا من خلال كابل يربط المغرب بالمملكة المتحدة، ويزوّد 7 ملايين منزل بالطاقة بحلول 2030. ومن المتوقّع أن تبلغ كلفة هذا المشروع الضخم 22 مليار دولار، نصفها لتنفيذ مزارع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ونصفها الآخر لتوريد الكابلات ومدها عبر سواحل المحيط الأطلسي.
وترى الشركة أن هذا المشروع يعتمد على الخبرة المغربية الراسخة في مجال الطاقة المتجددة، حيث يدير المغرب أكبر مشروع للطاقة الشمسية المركّزة على مستوى العالم، وبرنامجاً متكاملاً لطاقة الرياح. كما أرست الدولة إطاراً قانونياً متيناً لتعزيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة، ودعم دورها الرائد عالمياً في مواجهة تغيُّر المناخ، وتحقيق صافي انبعاثات صفرية بحلول 2050.
وكان الاتحاد الأوروبي تبنّى قبل نحو عام استراتيجية الطاقة الخارجية بهدف إنهاء اعتماد دوله على الوقود الأحفوري الروسي، وتسريع التحوُّل الأخضر. وتوفّر هذه الاستراتيجية الدعم السياسي والمالي للاستثمارات العابرة للحدود، بما فيها استثمارات الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا. وتساهم الاستراتيجية في تمكين الاتحاد من تحقيق هدفه المناخي لسنة 2030 المتمثّل بخفض الانبعاثات بنسبة 55 في المائة بالمقارنة مع مستويات 1990.
وبالنسبة إلى شمال أفريقيا، يساعد تصدير الطاقة المتجددة إلى أوروبا في تعزيز النمو الاقتصادي ودعم التنمية الشاملة، وتوفير المزيد من الوظائف ضمن قطاع الطاقة المتجددة، وتوليد عائدات ضريبية للحكومات، وجذب الاستثمار الأجنبي. كما تساهم محطات الطاقة المتجددة في تنويع اقتصاد المنطقة وتقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري.
ويثير تصدير الطاقة المتجددة من أفريقيا إلى أوروبا إشكالية تأمين الطاقة للبلدان الغنية على حساب الحاجة الفعلية للبلدان الأقل دخلاً. وفيما يحظى مُجمل المواطنين في المغرب ومصر بحاجتهم من الكهرباء، لا يزال أكثر من نصف الأفارقة بمعزل عن شبكات الكهرباء العامة. وينضوي المغرب في إطار «تجمُّع الطاقة لغرب أفريقيا»، الذي يسعى إلى إنشاء شبكة طاقة موثوقة وسوق كهرباء مشتركة في المنطقة، بينما ترتبط مصر بتجمُّع مماثل لمعظم دول شرق أفريقيا. أما صادرات البلدين من الكهرباء حالياً فهي مخصصة للأسواق الأوروبية.
ومن ناحية أخرى، تتطلب مشاريع الطاقة المتجددة الأوروبية في شمال أفريقيا مساحات واسعة من الأراضي، ما قد يترك أثره على النظم البيئية الصحراوية، ويقيّد تنقلات مربّي المواشي، ويستنزف الموارد المائية الشحيحة. فمشروع «إكس لينكس» مثلاً، يتطلّب تشغيل 12 مليون لوح شمسي و530 توربين رياح عملاقا على مساحة تصل إلى 960 كيلومتراً مربعاً في جهة كلميم واد نون جنوب المغرب، وهي منطقة تتمتع بتقاليد ثقافية صحراوية وذات موارد مائية محدودة.
ومع ذلك، تبقى المكاسب المحتملة من استغلال موارد الطاقة المتجددة في شمال أفريقيا كبيرة، وتدعم جهود مكافحة تغيُّر المناخ والتنمية المحلية. ويجمع المغرب بين كونه واحداً من أكثر البلدان إشراقاً على سطح الأرض، وسرعات رياح مجدية نتيجة تباينات الحرارة بين الصحراء الحارّة وتيارات المحيط الأطلسي الباردة. وتشجّع عوائد تصدير الطاقة النظيفة السلطات المغربية على زيادة مساهمات الطاقة المتجددة، ما يسمح لها بتوفير فائض لبيعه إلى أوروبا.
وتعمل تونس حالياً على تطوير مشروعين لتصدير الكهرباء النظيفة إلى مالطا وإيطاليا، بالاعتماد على محطات للطاقة الشمسية بالقرب من قرية رجيم معتوق في جنوب غرب البلاد. وتتميز منطقة رجيم معتوق بثروتها النباتية من الشجيرات الصحراوية المقاومة للملوحة، كما تقع على تخوم شط الجريد، إحدى أضخم السبخات المالحة في الصحراء.
وفي مصر، ستنضم محطة كوم أمبو الجديدة إلى محطة بنبان لدعم قدرات البلاد في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية. ومن المتوقّع أن يتم تصدير فائض الكهرباء من هاتين المحطتين إلى الاتحاد الأوروبي، ولا سيما اليونان. وتُعد محطة بنبان أحد أضخم مشاريع الطاقة الشمسية في العالم بقدرة تبلغ 1650 ميغاواط، في حين تبلغ القدرة الإنتاجية لمحطة كوم أمبو 200 ميغاواط. وتوجد حالياً ثلاثة مشاريع قيد الدراسة لمدّ كابلات بين مصر وأوروبا بقدرة تصل إلى 3000 ميغاواط.

تصدير «حوامل» الطاقة الخضراء
إلى جانب تصدير الكهرباء النظيفة إلى أوروبا، تعمل مصر والمغرب حالياً على تطوير صناعة الهيدروجين والأمونيا، بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. وتأمل مصر في أن تصبح مصدر الهيدروجين الأخضر الرئيسي لأوروبا بإنتاجية تبلغ 10 ملايين طن سنوياً مع نهاية هذا العقد. كما يعتزم المغرب رفع قدراته الحالية من الطاقة المتجددة (نحو 4151 ميغاواط) بأكثر من 50 في المائة، وإنتاج 3 ملايين طن من الهيدروجين الأخضر بحلول 2030.
ورغم المشاكل السياسية في ليبيا، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية مؤخراً عزم بلاده إنشاء خط كهربائي يسمح بتصدير الطاقة المتجددة بكلفة منخفضة إلى أوروبا، إلى جانب الاستثمار في الهيدروجين الأخضر. وتتبنى ليبيا استراتيجية وطنية للطاقة المتجددة تهدف إلى زيادة حصتها في كهرباء الشبكة العامة إلى 22 في المائة بحلول 2030. وتتضمن الاستراتيجية خططاً لتطوير مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وطاقة الحرارة الأرضية.
وتتمتع بلدان شمال أفريقيا بعدد من المزايا التي تدعم إنتاج الهيدروجين والأمونيا الأخضرين، اللذين يصنّفان في فئة ناقل الطاقة، إذ يحتاجان إلى كهرباء من مصادر نظيفة متجددة لإنتاجهما. فالمنطقة ذات موقع استراتيجي بالقرب من الأسواق الأوروبية الرئيسية، وتكلفة الطاقة المتجددة فيها منخفضة نسبياً، ولديها قوة عمالة ماهرة يمكن تدريبها للعمل في هذا القطاع.
وتواجه شمال أفريقيا عدداً من التحديات التي يجب التصدي لها قبل أن تصبح منتِجاً رئيسياً للهيدروجين والأمونيا الأخضرين. وتشمل هذه التحديات تكلفة الإنتاج التي لا تزال مرتفعة نسبياً، والحاجة لتطوير البنية التحتية لنقل وتخزين حوامل الطاقة الخضراء، وضرورة تطوير أسواق الهيدروجين والأمونيا الأخضرين.
هذه المشروعات الطموحة في شمال أفريقيا، التي تسير على خطى نجاحات مشروعات الطاقة المتجددة السابقة، تجعل من المنطقة بمثابة جوهرة التاج لرغبات أوروبا في تخضير مصادر طاقتها، وإنهاء الاعتماد على الغاز الروسي. ولتكون الصفقة رابحة للجميع، يجب على الشراكات الجديدة بين بلدان القارتين أن تلحظ أيضاً التعاون على حماية النظم البيئية، والحفاظ على الموروث المحلي.



«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.