كيف طوّر غوارديولا مهمة الظهير في كرة القدم الحديثة؟

القوة الدفاعية الكبيرة لناثان أكي أحد الأسباب الرئيسية لتقديم غريليش أداءه الرائع

جاك غريليش قدّم أداءً رائعاً في الآونة الأخيرة (أ.ب)
جاك غريليش قدّم أداءً رائعاً في الآونة الأخيرة (أ.ب)
TT

كيف طوّر غوارديولا مهمة الظهير في كرة القدم الحديثة؟

جاك غريليش قدّم أداءً رائعاً في الآونة الأخيرة (أ.ب)
جاك غريليش قدّم أداءً رائعاً في الآونة الأخيرة (أ.ب)

من أكثر الأشياء المضللة في عالم كرة القدم تلك المقولة التي تشير إلى أن اللعبة تتطور باستمرار وأن الأشياء القديمة عفا عليها الزمن ولا تعود مرة أخرى، فعلى العكس تماما علمنا التاريخ أن نفس الأفكار تعود من جديد بعد فترة من الوقت، سواء كان ذلك يتعلق بالاعتماد على ثلاثة لاعبين في الخط الخلفي، أو اعتذار هاورد ويب لبرايتون بسبب الأخطاء التحكيمية، أو تولي روي هودجسون القيادة الفنية لكريستال بالاس!
فإذا نظرنا على سبيل المثال إلى الطريقة التي يلعب بها مانشستر سيتي، سنجد أنه يعتمد على الاستحواذ المتواصل على الكرة، ويلعب بمهاجم صريح ولاعبين آخرين على الأطراف، كما يعتمد على كيفين دي بروين وبيرناردو سيلفا أو إلكاي غوندوغان في مركز لاعب خط الوسط المهاجم الذي يتحرك بحرية من منطقة جزاء فريقه وحتى منطقة جزاء الفريق المنافس، وهي في الأساس نفس الطريقة الهجومية التي كانت تلعب بها الفرق في السابق، والتي كانت تعتمد على دخول المهاجمين من الأطراف إلى عمق الملعب. ويُفضل مانشستر سيتي أن يكون هناك خمسة لاعبين خلف الكرة، والذين عادة ما يشكلون شكلا شبه منحرف: خط دفاع مكونا من ثلاثة مدافعين وأمامهم اثنان من لاعبي خط الوسط. وعلى الرغم من أن مانشستر سيتي يلعب بشكل مباشر أكثر على المرمى، فإن هذه هي الطريقة التي كان يعتمد عليها المدير الفني الراحل هربرت تشابمان!
لكن هذا لا يعني ببساطة أن جوسيب غوارديولا يلعب بنفس الطريقة التي كانت موجودة منذ ما يقرب من قرن من الزمان، فقد تغيرت الكثير من الأشياء منذ ذلك الحين، ليس أقلها ظهور دفاع المنطقة، لذا لم تعد كرة القدم عبارة عن سلسلة من المعارك الفردية كما كانت أيام تشابمان عندما قاد أرسنال للفوز بلقب الدوري في موسم 1930-1931، لكن الشكل شبه المنحرف أثبت بمرور الوقت فعاليته الشديدة في منع الهجمات المرتدة للمنافسين.
وهذا هو السبب في أن طريقة 3-4-2-1 حققت نجاحا كبيرا لبعض الوقت، ولعل أبرز مثال على ذلك هو فوز تشيلسي بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز تحت قيادة المدير الفني الإيطالي أنطونيو كونتي في موسم 2016-2017 عندما كان يلعب بهذه الطريقة. لكن المشكلة في هذه الطريقة، كما رأينا لاحقاً في تشيلسي وتوتنهام، هي أنها على الرغم من أنها قد تجعل الفريق صلبا وقويا من الناحية الدفاعية، فإنها تعتمد بشكل كبير على الظهيرين وانطلاقتهما للأمام باستمرار للقيام بواجباتهما الهجومية وتقديم الدعم اللازم للمهاجم الصريح. وبالتالي، يمكن للفريق المنافس أن يتنبأ بسهولة بهذا الأمر، ويعمل على تعطيل الظهيرين، وهو الأمر الذي يحد من خطورة الفريق ككل في نهاية المطاف.

ناثان أكي مدافع سيتي (أ.ف.ب)

فإذا كنت تريد أن تلعب بطريقة تتسم بالمرونة، فكيف يمكنك تكوين شبه منحرف من ثلاثة مدافعين واثنين من لاعبي خط الوسط للحد من الهجمات المرتدة للمنافسين؟ غالباً ما تسمح الفرق التي تلعب بأربعة لاعبين في الخط الخلفي للظهرين بالتقدم للأمام، على أن يعود محور الارتكاز للعب بين قلبي الدفاع ليشكلوا خط دفاع مكونا من ثلاثة لاعبين، أو أن يتقدم أحد الظهيرين للأمام على أن يبقى الظهير الآخر في الخلف إلى جانب قلبي الدفاع.
لقد كانت هذه هي الطريقة التي نجح بها غوارديولا في برشلونة، عندما كان الظهير الأيمن داني ألفيش يتقدم باستمرار للقيام بواجباته الهجومية وتقديم الدعم اللازم لديفيد فيا في الأمام، في الوقت الذي كان يعود فيه سيرجيو بوسكيتس بين قلبي الدفاع. وخلال توليه القيادة الفنية لبايرن ميونيخ، كان غوارديولا محظوظا بوجود لاعب بارع للغاية في النواحي الخططية والتكتيكية وهو فيليب لام، وبالتالي بدأ المدير الفني الإسباني في تجربة جديدة تسمح لأحد الظهيرين بالدخول إلى عمق الملعب، بدلا من اللعب من على الأطراف.
وفي مانشستر سيتي، كان غوارديولا يعتمد في بعض الأحيان على تقدم الظهيرين للأمام بالتناوب - باكاري ساغنا أو خيسوس نافاس وغايل كليشي أو ألكسندر كولاروف في موسمه الأول، على سبيل المثال - لكنه حاول أيضا تكرار تجربته مع فيليب لام، وفعل ذلك في بعض الأحيان مع فابيان ديلف، وقد نجح الأمر بشكل أكبر مع جواو كانسيلو، وبشكل استثنائي مع برناردو سيلفا، ثم فعل الأمر نفسه مؤخرا مع جون ستونز - حتى لو كان ستونز، في المباراة التي فاز فيها مانشستر سيتي على بايرن ميونيخ بثلاثية نظيفة، يتقدم للأمام من مركزه في الخلف، مع بقاء مانويل أكانجي وناثان أكي كظهيرين بالشكل التقليدي القديم. وربما تكون القوة الدفاعية الكبيرة لناثان أكي أحد الأسباب الرئيسية لتقديم جاك غريليش هذا الأداء الرائع في الآونة الأخيرة، على العكس تماما مما كان عليه الأمر عندما كان يلعب خلفه جواو كانسيلو، حيث أصبح غريليش يجد الآن المساحات التي يمكنه الانطلاق بها في الأمام.
وعلى مدار ثلاثة عقود، كان مركز الظهير في مقدمة المراكز التي تتطور بشكل كبير من الناحية التكتيكية. لقد أصبح الظهير يقوم بأدوار هجومية بشكل متزايد، وأصبح يدخل إلى عمق الملعب في كثير من الأحيان، بل ووصل الأمر لأن يلعب كمهاجم وهمي. ربما يتعامل غوارديولا، حتى الآن، مع مركز الظهير بشكل مختلف فيما يتعلق بالتقدم للأمام والدخول إلى عمق الملعب، لكن قد تكون هذه هي الخطوة المنطقية التالية فيما يتعلق بالتطور الكبير الذي طرأ على دور الظهير خلال السنوات الأخيرة.
وربما يكون هناك تحول تدريجي ضد الفكرة العصرية القائلة بأن الظهير هو في الأساس مركز هجومي. فلكي يتقدم الظهير للأمام ويلعب بنفس طريقة ترينت ألكسندر أرنولد وأندي روبرتسون مع ليفربول على سبيل المثال، فإن الأمر يتطلب أن يمارس الفريق الضغط على الفريق المنافس بطريقة مثالية وبلا أخطاء تقريبا. وإذا لم يحدث ذلك، كما رأينا في موسم 2020- 2021 ومرة أخرى خلال الموسم الجاري، فسيصبح بإمكان المنافسين استغلال المساحة الخالية الموجودة خلف الظهير المتقدم للأمام. وعندما كان ماوريسيو بوكيتينو يتولى القيادة الفنية لتوتنهام، فإنه كان يعتمد على أربعة من ظهراء الجنب بالتناوب بسبب المجهود البدني الخرافي الذي يبذلونه لتغطية هذه المساحات الكبيرة بطول الملعب. وربما كان دخول الظهيرين إلى عمق الملعب لبعض الوقت بمثابة وسيلة لتخفيف الضغط عنهما.
يرى كثيرون منذ فترة طويلة أنه من الأفضل لألكسندر أرنولد أن يلعب في خط الوسط وليس كظهير أيمن، وكانت وجهة النظر هذه تعتمد في الأساس على أن هذا التغيير في المركز سيساعد اللاعب على المشاركة في اللعب بشكل أكبر (لكن التفكير بهذا الشكل يبدو وكأنه يقلل من أهمية مركز الظهير في كرة القدم الحديثة)، ثم أصبحت تعتمد بشكل أكبر على حقيقة أن فشل ليفربول في تطبيق طريقة الضغط على المنافسين بشكل صحيح أظهر نقاط الضعف التي يعاني منها ألكسندر أرنولد في النواحي الدفاعية.
فهل من المنطقي أن يلعب ألكسندر أرنولد في خط الوسط بدلا من مركز الظهير الأيمن؟ قد تكون الفكرة جذابة، لأن هذا اللاعب الشاب يمتلك قدرات وفنيات هائلة ستساعده كثيرا على التألق في عمق الملعب، بالإضافة إلى أن هذا الأمر سيساعد في إخفاء المشاكل الدفاعية التي يعاني منها اللاعب، لكن في نفس الوقت يجب ألا ننسى أن ألكسندر أرنولد يرسل كرات عرضية خطيرة للغاية من الناحية اليمنى ويشكل جبهة قوية مع الجناح المصري محمد صلاح، وهي الجبهة التي لعبت دورا كبيرا في كل النجاحات التي حققها ليفربول خلال المواسم الأخيرة.
على مدار 60 عاماً، أصبح الظهير يهاجم بشكل متزايد، لدرجة أن كل ظهراء الجنب تقريبا أصبحوا يتحولون في الواقع إلى أجنحة داخل الملعب. وكان السؤال دائماً هو، ما الذي سيأتي بعد ذلك، وكيف سيتطور الظهير عندما لا يكون هناك المزيد من الأدوار الهجومية؟ ربما تكون الإجابة هي العودة إلى نفس الطريقة التي كان يلعب بها تشابمان قبل قرن من الزمان تقريبا، وهو ما يعني أن التاريخ يعيد نفسه!


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.