مزاد لمقتنيات المغني فريدي ميركوري يُدخل الجمهور إلى عالمه الخاص

قال إنه يحب أن يرى نفسه مثل الفرعون توت عنخ آمون داخل هرمه الخاص المليء بالكنوز

فريدي ميركوري في إحدى حفلاته (ريتشارد يونغ)
فريدي ميركوري في إحدى حفلاته (ريتشارد يونغ)
TT

مزاد لمقتنيات المغني فريدي ميركوري يُدخل الجمهور إلى عالمه الخاص

فريدي ميركوري في إحدى حفلاته (ريتشارد يونغ)
فريدي ميركوري في إحدى حفلاته (ريتشارد يونغ)

الأساطير الفنية في العالم لا ينطفئ بريقها، لا يمل محبوها ولا تقل أهميتها على مر الزمن، فريدي ميركوري المغني الإنجليزي الراحل مثال لهذه المكانة العالية التي تمنحها الجماهير لفنانيها الأحب. أغنيات ميركوري الشهيرة مع فريق «كوين» مثل «وي ويل روك يو» و«بوهيميان رابسودي»، لا تزال تتردد في كل مكان، يعرفها الصغار والكبار، فقد أصبحت جزءاً من الثقافة العالمية وتخطت الحواجز والثقافات.

... ومع ماري أوستن في حفل عام 1986 (غيتي)

ولعل ذلك ما يمنح خبر طرح مجموع مقتنيات فريدي ميركوري للبيع في المزاد بـدار «سوذبيز» بلندن هذا الصيف أهمية خاصة. فعبر شهر بالكامل سيتحول مقر الدار في لندن ليصبح المقر المؤقت لكل قطعة امتلكها المغني الراحل، حيث سيقام معرض بجميع العناصر التي يبلغ عددها 1500 من المقتنيات الموجودة في منزل ميركوري المسمى بـ«غاردن لودج» ضمن سلسلة من المعارض الغنية والمصممة لتعرض كل منها جانب مختلف من حياة ميركوري الثرية والمتنوعة. سيفتتح المعرض بتاريخ 4 أغسطس (آب) وينتهي يوم عيد ميلاده السابع والسبعين في الخامس من سبتمبر (أيلول). وقبل عرضها في لندن، ستجول أبرز مقتنيات المجموعة نيويورك ولندن ولوس أنجليس وهونغ كونغ في شهر يونيو (حزيران).

تاج وعباءة ملكية ارتداهما ميركوري في حفلاته (سوذبيز)

المقتنيات الكاملة لميركوري، التي كانت تحتل جوانب منزله المحبوب «غاردن لودج» في كنسينغتون غرب لندن تمثل عالمه الخاص، الذي صممه بعناية وقام بتجميع مجموعة فنية عَكَسَت وأطلقت خياله الواسع.

حجرة الطعام في منزله ولوحة من القرن الـ19 (سوذبيز)

بقي «غاردن لودج» منذ نحو 30 عاماً كما تركه ميركوري بالكامل تقريباً، يضم العديد من الأعمال الفنية التي عَنَت له الكثير، التي تشمل اللوحات الفيكتورية والأعمال الفنية المدهشة على الورق لأعظم الفنانين في القرن العشرين وأبرز الأمثلة عن فنون صناعة الزجاج (نوع فني كان يحبه إلى أبعد الحدود) وغيرها من المقتنيات الجميلة الأخرى والأقمشة الاستثنائية والأعمال الفنية الرائعة، التي كان يبحث عنها في رحلاته إلى اليابان، إضافةً إلى العناصر الأصغر والأكثر خصوصية التي كانت جزءاً مهماً من حياته اليومية. وتكملها عناصر من حياته العامة كعدد من مسودات كلمات الأغاني الشهيرة، إلى جانب مع بعض الأزياء التي كانت السمة المميزة لأسلوب ميركوري.

ساعة فابرجية في حجرة نوم ميركوري (سوذبيز)

الفرعون في هرمه
ديفيد ماكدونالد، رئيس قسم مبيعات الملاك الأفراد في دار سوذبيز لندن يتحدث معي حول سلسلة المزادات المخصصة لمقتنيات ميركوري قائلاً: «أعيش أكثر لحظات حياتي إثارة وأنا أجهز لهذا المشروع، لم أنخرط خلال 20 عاماً عملت فيها لدى (سوذبيز) في مشروع سحري ورائع مثل هذا». ماكدونالد، الذي ما زال يتفحص القطع المختلفة يشير إلى أن اللحظة التي دخل فيها لمنزل ميركوري كانت مذهلة «وجدت نفسي أهمس أثناء الحديث، كان أمراً رائعاً».
المعرف عن ميركوري أنه كان شخصاً متحفظاً، يحافظ على خصوصيته بشكل كبير، وبالتالي فإن الدخول لعالمه الخاص المتمثل في منزله بلندن كان أمراً مثيراً لماكدونالد، يصف المنزل وأسواره العالية وثراء محتوياته، ويؤكد على أن شخصية ميركوري الاستعراضية المتميزة بالإسراف والاستعراض تظهر من خلال القطع المختلفة التي تتنوع من اللوحات الفنية والمنمنمات الفارسية وفنون القرن الـ19 والمفروشات، وأيضاً مجموعات الخزف والكريستال وغيرها. يتحدث ماكدونالد عن زيارته للمنزل، الذي يصفه بأنه يعكس شخصية ميركوري المتكتمة «كان شخصاً متحفظاً ومحافظاً على خصوصيته، المنزل محاط بأسوار عالية»، ويضيف: «كان يقول ضاحكاً إنه يحب أن يرى نفسه مثل الفرعون توت عنخ آمون داخل هرمه الخاص»، وبمعنى ما يمكننا تخيل ذلك، فالمنزل لم يمس منذ وفاة ميركوري بفضل محافظة السيدة ماري أوستن، صديقة ميركوري المقربة، التي ورثت ممتلكاته، على شخصية المكان ومحتوياته. وبفضل ذلك حافظ المنزل على «خصوصيته» وتاريخ ميركوري.

سترة ارتداها ميركوري في حفل عيد ميلاده الـ39 (سوذبيز)

يقدم المزاد عدداً كبيراً من القطع المرتبطة بالمسيرة الفنية لميركوري صاحب «بوهيميان رابسودي» من الملابس المسرحية التي ارتداها في حفلاته، مسودات كلمات الأغاني وآلات موسيقية استخدمها. غير أن ذلك الجانب المتوقع في مزاد كهذا يجاوره جانب آخر لا يعرفه الكثيرون، وهو الجانب الفني؛ فالراحل كان يحرص على ارتياد دور المزادات العالمية وشراء الأعمال الفنية المختلفة مثل لوحات لشاغال وماتيس وبيكاسو وبراك موجودة في منزله، إضافة إلى قطع أخرى كثيرة من الفن الياباني والفارسي والكريستال والسيراميك وغيرها. يرجع ماكدونالد تنوع المقتنيات إلى دراسة ميركوري للفنون في كلية إيلنغ للفنون بلندن، وأيضاً دراسته للتصميم الغرافيكي. «كان يقتني القطع المنتمية لأقسام مختلفة وتيارات متنوعة من قطع المفروشات من القرن الـ19 إلى اللوحات والمجوهرات، الزجاج ومجموعة بديعة من الفن الياباني فهو كان عاشقاً للفن الياباني».

غيتار ميركوري (سوذبيز)

يرى ماكدونالد في القطع علاقات مع أغنيات ميركوري وحياته الفنية وأيضاً أصوله الإثنية، فهو ولد في زنزبار ودرس طفلا في مومباي بالهند «تكتسب المنمنمات المغولية التي علقها ميركوري في حجرة المعيشة معنى خاصا هنا مرتبط بحياته المبكرة».
أسأله: «هل عرف عن ميركوري اقتناء القطع الفنية، هل كان ذلك أمراً معروفاً؟» يجيبني: «لا أعتقد ذلك، كان لا يجاهر كثيراً بذلك، يقوم بزيارة دور المزادات بعد إغلاقها في المساء ليتحدث مع المختصين واختيار القطع، التي يريدها، كان يحب الشراء في المزاد، ربما بسبب الأجواء المسرحية المرافقة لعملية المزايدة وهناك مقولة له بأن الشيء الذي سيفتقده إذا رحل عن بريطانيا هو دار سوذبيز، رغم أنه كان يشتري من دور مزادات كثيرة أخرى».

رسم لماتيس (سوذبيز)

حفلات وولائم
يشير ماكدونالد إلى أن ميركوري كان يشتري القطع ليستخدمها في منزله، بعضها ليحتفي بأصدقائه من خلال الحفلات والولائم، حيث كان يستخدم أفخر أدوات المائدة من البورسلين والفضة والكريستال من توقيع أسماء عالمية مثل باكارا وكريستوف وتيفاني. كان يبتاع القطع لاستخدامها في عروضه الغنائية مثل الملابس، أو قد يبتاع قطعاً لأنها أعجبته وجعلته يضحك.
يصف ماكدونالد حجرة الطعام في «غاردن لودج» بأنها مميزة بلونها الأصفر المشرق، بينما جملت جدرانها بلوحات لماتيس وشاغال وبراك في تمازج مذهل مع قطع الأثاث الإنجليزي من القرن التاسع عشر. يعلق ضاحكاً: «في المطبخ رأيت لوحة لبيكاسو، وصندوقاً للموسيقى من بدايات القرن العشرين».
أسأله: «لماذا استغرق الأمر 30 عاماً قبل أن تظهر مقتنياته للجمهور؟» يقول: «سؤال مهم، لأن بعض الفنانين يقومون ببيع قطع من مقتنياتهم مثل السير ألتون جون، الذي باع جانباً كبيراً من مقتنياته في الثمانينات. ترك فريدي مقتنياته لصديقته المقربة ماري أوستن، التي أعتقد أنها اعتبرت نفسها حارسة على المقتنيات. ولكنها الآن في مرحلة من حياتها رأت فيها أن الأمر الأصح هو أن تنتقل القطع لآخرين».

هاتف من طراز قديم من منزل ميركوري (سوذبيز)

أعلق على تنوع اهتمامات ميركوري وهنا يقول: «بالفعل، البعض قد يقول إن ميركوري كان يحب الشراء للاقتناء فقط ولكنه في الحقيقة كان يشتري ما يغذي اهتماماته. والدليل على ذلك أنه كان لديه مجموعة ضخمة من كتب الفن، نرى آثار تصفحه الكتب، والإشارات التي كان يتركها، تبدي كتب الفن الياباني بالتحديد مدى اهتمامه بهذا النوع من الفنون، اهتمام من النوع الأكاديمي في الحقيقة. هذا لا يمنع من أنه كان يشتري قطعاً كمالية ومجوهرات، ويروى أن دار كارتييه في بوند ستريت كانت تغلق أبوابها في المساء ليستطيع التجول فيها وشراء ما يعجبه من القطع الثمينة».
هل ترى بأن المزاد سيجعل الجمهور يرى جانباً مختلفاً لم يعرفوه عن ميركوري؟ يقول «أتمنى هذا، أريد أن يرى الجمهور الجانب الخلاق في ميركوري، أن يروا فيه أيضاً جامع التحف الجاد، فإلى جانب القطع المرتبطة بعمله الموسيقي هناك الكثير من القطع، التي اختارها لتعيش معه ويحصل منها على الإلهام والمتعة».
مزادات فعلية وإلكترونية
سيفتتح المعرض في مقر سوذبيز بلندن بتاريخ 4 أغسطس وينتهي يوم عيد ميلاد ميركوري السابع والسبعين في الخامس من سبتمبر. وقبل عرضها في لندن، ستجول أبرز مقتنيات المجموعة نيويورك ولندن ولوس أنجليس وهونغ كونغ في شهر يونيو.
ستتم إدارة المزادات الستة المخصصة التي ستلي المعارض من خلال مزاد مسائي مباشر سيقام في 6 سبتمبر، حيث سيتم عرض أهم العناصر في المجموعات للبيع. وسيتبع ذلك مزادان مباشران آخران في 7 و8 سبتمبر، وسيكون الأول مخصصاً لميركوري «على خشبة المسرح» والثاني سيكون مخصصاً لحياته «في المنزل» والأشياء التي أحبها وعاش معها في «غاردن لودج».
كما ستقام ثلاثة مزادات على الإنترنت إلى جانب المزادات الفعلية، وسيسلط أحدها الضوء على مقتنياته التي تُظهر حبه العميق لليابان، بينما سيعرض المزادان الآخران «مقتنيات صغيرة ومجنونة»، حيث سيقدم الجزء الأول والثاني مجموعة منتقاة من الأشياء الغريبة واليومية التي رسمت البسمة على وجه ميركوري.
سيصاحب المزاد إصدار محدود من كتاب عبارة عن مجلد تذكاري يعيد سرد حياة وقصة فريدي ميركوري والأشياء التي أحاطت به.



أنشيلوتي: دانيلو سيكون إضافة لتشكيلة البرازيل في كأس العالم

كارلو أنشيلوتي (أ.ف.ب)
كارلو أنشيلوتي (أ.ف.ب)
TT

أنشيلوتي: دانيلو سيكون إضافة لتشكيلة البرازيل في كأس العالم

كارلو أنشيلوتي (أ.ف.ب)
كارلو أنشيلوتي (أ.ف.ب)

دعم كارلو أنشيلوتي مدرب البرازيل، المدافع المخضرم دانيلو، ليكون ضمن التشكيلة النهائية المكونة ​من 26 لاعباً لخوض كأس العالم لكرة القدم هذا العام في أميركا الشمالية. وأضاف أنه استقر على التشكيلة إلى حد كبير.

وأوقعت القرعة البرازيل في المجموعة الثالثة إلى جانب المغرب وهايتي واسكوتلندا، في البطولة ‌التي تقام ‌في الفترة من ​11 ‌يونيو (حزيران) إلى ​19 يوليو (تموز) المقبلين، ومن المقرر أن يعلن أنشيلوتي تشكيلته النهائية بحلول 18 مايو (أيار) المقبل.

وقال أنشيلوتي للصحافيين أمس (الاثنين)، في أورلاندو قبل مباراة فريقه الودية ضد كرواتيا: «دانيلو لاعب مهم للغاية؛ ليس فقط في الملعب بل ‌خارجه أيضاً. من ‌المؤكد أن دانيلو سيكون ​ضمن التشكيلة النهائية ‌المكونة من 26 لاعباً لأنه يعجبني... ‌أحب طابعه وشخصيته وأسلوبه في اللعب. يمكنه اللعب في جميع مراكز الدفاع. لديّ فكرة واضحة إلى حد ما عن التشكيلة ‌الأساسية للمباراة الأولى، كما تم تحديد التشكيلة النهائية إلى حد كبير».

ويلعب دانيلو (34 عاماً)، المدافع السابق لريال مدريد ومانشستر سيتي، حالياً في فلامنغو البرازيلي. وخاض 67 مباراة دولية مع البرازيل في جميع المسابقات حتى الآن.

وقال أنشيلوتي إن الدفاع القوي سيكون ضرورياً حتى تفوز البرازيل بكأس العالم للمرة السادسة. وأضاف المدرب الإيطالي: «حتى تفوز البرازيل بكأس العالم نحتاج للموهبة - ونحن نملكها - ونحتاج ​للدفاع بشكل ​جيد أيضاً. لا توجد طريقة أخرى. لست مقتنعاً بالأداء الهجومي وحده».


إقالة أدو من تدريب غانا قبل 72 يوماً من انطلاق كأس العالم

أوتو أدو (إ.ب.أ)
أوتو أدو (إ.ب.أ)
TT

إقالة أدو من تدريب غانا قبل 72 يوماً من انطلاق كأس العالم

أوتو أدو (إ.ب.أ)
أوتو أدو (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الغاني لكرة القدم يوم الثلاثاء، ​انفصاله عن أوتو أدو مدرب المنتخب الأول، قبل 72 يوماً من انطلاق بطولة كأس العالم 2026.

جاء القرار بعد ساعات قليلة من هزيمة ‌غانا 2 - 1 ‌أمام ​ألمانيا ‌في شتوتغارت، وذلك خلال ​استعداداتها للنهائيات التي ستقام في أميركا الشمالية الصيف المقبل. كما خسرت غانا أيضاً بنتيجة 5 - 1 في النمسا يوم الجمعة.

وقال الاتحاد في بيان: «انفصل الاتحاد الغاني لكرة ‌القدم ‌عن مدرب المنتخب الوطني ​الأول ‌للرجال النجوم السوداء (غانا) أوتو ‌أدو، بأثر فوري».

وفشل أدو لاعب بروسيا دورتموند السابق، الذي تم تعيينه في مارس (آذار) 2024، في قيادة غانا ‌للتأهل لكأس الأمم الأفريقية 2025، على الرغم من وجود لاعبي الدوري الإنجليزي الممتاز أنطوان سيمينيو ومحمد قدوس في تشكيلته.

وفاز في 8 مباريات وخسر 9 مرات في 22 مباراة تولى فيها المسؤولية.

وتقع غانا، التي وصلت إلى كأس العالم للمرة الخامسة، ​في المجموعة 12 ​إلى جانب كرواتيا وإنجلترا وبنما.


خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
TT

خناق «هرمز» يطارد ثورة الذكاء الاصطناعي بـ«شبح الهيليوم»

حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)
حروف الذكاء الاصطناعي ويد روبوت موضوعة على لوحة أم لجهاز كمبيوتر (رويترز)

بينما ينشغل العالم بمراقبة تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي عبر مضيق هرمز، تنفجر أزمة صامتة في إمدادات «الغاز غير المرئي» الذي تعتمد عليه أحدث التقنيات البشرية... الهيليوم، الغاز الذي يعرفه الجمهور لقدرته على رفع بالونات الحفلات، هو في الواقع عنصر لا غنى عنه لصناعات استراتيجية تبدأ من أشباه الموصلات وإبقاء أجهزة الرنين المغناطيسي (MRI) قيد العمل وصولاً إلى صواريخ الفضاء ومكونات الطائرات المسيّرة العسكرية. فمن دون الهيليوم، تتوقف عجلة العصر الرقمي عن الدوران.

يعتمد قطاع الذكاء الاصطناعي بشكل كبير على قطر في توفير الهيليوم الصناعي. فالهيليوم يُعدّ منتجاً ثانوياً لاستخراج الغاز الطبيعي المسال. وبما أن قطر من كبار مُصدّري الغاز الطبيعي المسال، فإنها تُعدّ المركز الرئيسي للهيليوم في العالم. ومع توقف الإمدادات القطرية، التي تمثّل وحدها نحو ثلث الإنتاج العالمي، بدأت ملامح اضطراب حاد تظهر في الأسواق. وعلى الرغم من أن مُصنعي الرقائق والمعدات الدفاعية لا يشعرون بالأثر الفوري نظراً إلى اعتمادهم على مخزونات مسبقة، فإن الموردين بدأوا بالفعل إخطار عملائهم بتخفيضات محتملة في الكميات وفرض رسوم إضافية، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

ويحذّر مدير الشؤون التجارية في شركة «بولسار»، كليف كين، من أننا أمام «حدث البجعة السوداء» الذي لطالما تخوف منه الجميع، مشيراً إلى أن الأزمة ستتحول إلى سباق محموم حول «من سيتمكن من الحصول على جزيئاته ومن سيفشل»، وفق «وول ستريت جورنال».

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» في مدينة رأس لفان الصناعية (رويترز)

مفارقة الندرة

تكمن خطورة الهيليوم في طبيعته الفيزيائية واللوجيستية؛ فهو ثاني أكثر العناصر شيوعاً في الكون بعد الهيدروجين، لكنه نادر جداً على كوكب الأرض، حيث يوجد بتركيزات ضئيلة داخل جيوب الغاز الطبيعي نتيجة لتحلل إشعاعي استغرق ملايين السنين.

وتقوم شركات الطاقة بفصله عن الميثان والنيتروجين، ثم شحنه سائلاً فائق التبريد، وهي عملية تقنية معقدة لا يمكن «تشغيلها» أو تعويض نقصها بضغطة زر. وبما أن إنتاج الهيليوم «مرتهن» تقنياً بإنتاج الغاز الطبيعي المسال، فإن أي تعثر في صادرات الغاز القطرية يعني توقفاً فورياً لإنتاج الهيليوم، وهو ما لا يمكن سد فجوته من مصادر أخرى بسرعة، نظراً إلى أن بناء منشآت الفصل يحتاج إلى سنوات من العمل المعقّد.

أدت صدمة المعروض إلى تحول جذري في سلوك السوق؛ فالمشترون الذين يعتمدون عادة على عقود طويلة الأجل، وجدوا أنفسهم يهرعون نحو السوق الفورية لتأمين شحنات شحيحة؛ ما أشعل «حرب مزايدة» تسببت في تضاعف الأسعار بأكثر من 100 في المائة.

زوار معرض «سيميكون الصين» التجاري لتكنولوجيا أشباه الموصلات (رويترز)

وتُعدّ كوريا الجنوبية، عملاق صناعة الرقائق، المتضرر الأكبر لاعتمادها الكثيف على الغاز القطري، حيث بدأت سيول بالفعل التواصل مع المنتجين في الولايات المتحدة لتأمين كميات إضافية. وفي خطوة تعكس عمق الأزمة، أعلنت شركة «إيرغاز» الأميركية العملاقة حالة «القوة القاهرة»، مبلّغة عملاءها أنها لن تفي إلا بـ50 في المائة من احتياجاتهم، مع فرض رسوم إضافية تصل إلى 13.5 دولار لكل 100 قدم مكعبة فوق السعر المتعاقد عليه.

رئة الذكاء الاصطناعي... والبدائل المستحيلة

في قلب «وادي السيليكون»، يلعب الهيليوم دور «المبرد الاستراتيجي» في تقنية الليزر (EUV) المستخدمة لحفر الدوائر المجهرية في رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة مثل «إنفيديا بلاكويل». فمن دون هذا التبريد، تتدمر الويفرات السيليكونية فوراً.

ويقول مدير الأبحاث في «ستاندرد آند بورز غلوبال إنرجي»، رالف غوبلر، إن «صدمة الهيليوم تسلط الضوء على هشاشة بناء الذكاء الاصطناعي، واعتماده المفرط على نقاط جيوسياسية مكشوفة». وفي ظل النقص الحالي، اضطر عمالقة مثل «SK Hynix» و«تي إس إم سي» للمفاضلة بين المنتجات، وتوجيه الكميات المتاحة لرقائق الذكاء الاصطناعي ذات الهامش الربحي العالي على حساب الإلكترونيات الاستهلاكية، مما يُنذر بقفزة في أسعار الهواتف والحواسيب عالمياً.

كابلات تملأ مركز بيانات بُني لتشغيل البرامج وإجراء اختبارات أخرى على رقائق الشبكات في كاليفورنيا (رويترز)

الطب والفضاء في دائرة الخطر

لا يقتصر الضرر على الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يمتد ليشمل القطاع الطبي أيضاً، حيث يحتاج كل جهاز تصوير بالرنين المغناطيسي إلى آلاف اللترات من الهيليوم السائل للتبريد، وقد أدى النقص المستمر إلى ارتفاع تكلفة الفحوصات الطبية عالمياً، مما يهدد كفاءة التشخيص في المستشفيات الكبرى.

وعلى صعيد استكشاف الفضاء، تستخدم مركبات إطلاق الصواريخ الهيليوم لضغط خزانات الوقود. وحالياً، تخضع جداول إطلاق الصواريخ لعام 2026 لعدد من شركات الفضاء الخاصة للمراجعة، مما قد يؤخر مهام استراتيجية وبعثات دولية كانت مبرمجة مسبقاً.

سباق ضد «التبخر»

إلى جانب التحديات الجيوسياسية، يواجه الهيليوم «عدواً زمنياً»؛ فالحاويات الكريوجينية المتطورة (تكلفة الواحدة مليون دولار) تملك فترة صلاحية تتراوح بين 35 و48 يوماً فقط قبل أن يبدأ الغاز بالتبخر (Boil-off) والضياع في الفضاء نتيجة ارتفاع الضغط. وحالياً، توجد مئات الحاويات عالقة في مياه المنطقة، مما يعني ضياع كميات هائلة من هذا المورد غير المتجدد.

ختاماً، تثبت أزمة الهيليوم الحالية حقيقة قاسية: المستقبل الرقمي الذي نراه في «السحابة» يعتمد في جوهره على استقرار ممرات مائية مادية هشة. وإذا استمر إغلاق مضيق هرمز وتوقف منشآت «رأس لفان» القطرية التي قد يستغرق إصلاح أضرارها 5 سنوات، فإن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تضطر إلى دخول مرحلة «سبات قسري» ما لم ينجح العالم في ابتكار طرق إبداعية لتدوير هذا الغاز النادر أو إيجاد بدائل استراتيجية لتأمين سلاسل التوريد.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended