كيف تتعامل واشنطن مع «أوراق الحرب الأوكرانية»؟

الجواسيس الأميركيون قادرون على الوصول إلى أعماق أسرار الحكومة الروسية

البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
TT

كيف تتعامل واشنطن مع «أوراق الحرب الأوكرانية»؟

البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)

تظهر ردود الفعل، سواء المتشائمة، أو المقللة من أهمية ما بات يعرف بتسريبات «حرب أوكرانيا»، التي صنفت على أنها أحد أخطر الخروق العسكرية والاستخبارية في تاريخ الولايات المتحدة، أن تداعياتها على المستوى القصير، قد تجبر واشنطن، على إعادة صياغة عمليات التجسّس. وكذلك قد تؤدي إلى تغيير أوكرانيا وروسيا أيضاً خططهما القتالية. ثم إن بعض حلفاء أميركا، الذين «يشعرون بالتعب» من تكرار عمليات التجسس عليهم، قد يزداد حذرهم من تشارك المعلومات الاستخبارية مع «حليفتهم الاستراتيجية» الكبرى. إلا أن التجربة تفيد بأنه على المدى الطويل سوف تتضاءل آثار التسريب، وستواصل أوكرانيا المضي قدماً في هجومها المضاد المخطط له. وأيضاً ستستمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في دعم أوكرانيا، في حين أن حلفاء أميركا سيواصلون تبادل المعلومات معها، حتى لو طالبوا بتأكيدات، أو عبروا عن حذرهم بشأن احتمال حدوث تسريبات.
من نافلة القول أن المسؤولين الأميركيين بالغوا في الماضي بتقدير الضرر الناجم عن التسريبات الأمنية والسياسية التي حصلت في مناسبات عدة. وهي تبدأ من تسريبات موقع «ويكيليكس» للبرقيات الدبلوماسية الأميركية، ولا تنتهي بتسريبات إدوارد سنودن لوثائق وكالة الأمن القومي. وبحسب كثير من المعلقين الأميركيين، كانت تلك التقديرات مبالغاً فيها بشكل كبير. على الأقل، هذا ما يُظهره التسريب الأخير، في حال كانت المعلومات المنشورة صحيحة. إذ أظهرت أن المسؤولين والجواسيس الأميركيين ما زالوا قادرين على الوصول إلى أعماق أسرار أعلى مستويات حكومات الدول الأخرى، خصوصاً روسيا، التي اتهمت في السابق بأنها تقف على الأقل وراء تسريبات «ويكيليكس» وسنودن.
رغم ذلك، تظل التسريبات مبعثاً على القلق، لأنها يمكن أن تكشف لروسيا كيف تجمع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) معلومات استخباراتية مهمة عن القوات والقدرات الروسية. وهي لا تحتوي فقط على معلومات عن القوات الأوكرانية، بل تشمل أيضاً تقييماً مفصّلاً للجيش الروسي، من الدبابات إلى المدفعية والطائرات. وما جرى خلال الفترة القصيرة الماضية، طرح سؤالاً عمّا إذا كانت معرفة الجاسوس بأنه عميل مزدوج أم عميل ثلاثي، يعد أمراً مهماً، ما دام أن المعنيين يعرفون الفرق. إذ إن ما يهم - في نهاية المطاف - أنهم يعرفون ما هو دقيق، وما جرى عكسه والتلاعب به. ومع ذلك، يشدد بعض المسؤولين الأميركيين على أن العمل جارٍ على فحص ما جرى تسريبه رغم «كون الأمور تبدو حقيقية».
- تضليل لروسيا أم إفشال لهجوم الربيع؟
طرحت تساؤلات عدة، من قبيل، هل كُشف عن هذه الوثائق (أي تسريبات «حرب أوكرانيا») من قبل الروس لفضح الضعف الأوكراني وتحطيم الروح المعنوية، بحسب بعض المحللين؟ أم أنها جاءت رداً روسياً مباشراً على تسريبات استخبارية أميركية مماثلة، لطالما أشادت بها واشنطن في كشف خطط الجيش الروسي قبل الهجوم المستمر على أوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط) العام الماضي وخلاله وبعده؟
وفي حين اتهم مسؤولون أميركيون روسيا أو عناصر موالية لها، بالوقوف وراء تلك التسريبات، رأى محللون آخرون أن تلك التسريبات ليست سوى «عناصر قياسية» في اللعبة العملياتية للاستخبارات الروسية، وقد لا تكون أكثر من ذلك، وليست لها علاقة بخطط أوكرانيا الحقيقية.
فرضية أخرى أشارت إلى أن أوكرانيا هي من أقدم على نشرها بالفعل - بحسب بعض المواقع الروسية - التي تعتقد أن الهدف من نشرها، هو «تضليل» الكرملين، وإيهامه بأن أوكرانيا ضعيفة، لكنها تخفي قوتها الحقيقية قبل «هجوم الربيع» المضاد الذي تخطط له في الأسابيع المقبلة؟ وبحسب الصحافة الأميركية، كان رد فعل موسكو لافتاً في «هدوئه» غير العادي بشأن التسريبات، رغم قيام وكالة «تاس» الحكومية بنشرها. ذلك أن المدوِّنين الروس عادةً متشككون ويشيرون إلى أخطاء إملائية، وفي المواد المسرَّبة نفسها. ولقد نقلت عن مدوِّن روسي شهير، لديه أكثر من مليون متابع على تطبيق «تليغرام»، قوله إن الأمر هو «تسريب محكم وحملة تضليل ضخمة» لإظهار الأوكرانيين كأنهم غير مستعدين... ما سيشجع روسيا بالتالي على ارتكاب خطأ.
يقول الخبراء إن «اللعبة» تدور حول دراسة «كيف نعرف ما نعرفه»، ويدعون إلى التركيز على الحقائق من خلال فحص بعض المواضيع الأساسية في الوثائق التي تتوافق مع المعلومات المستقاة من مصادر أخرى. فالمدوّنون العسكريون الروس نشروا بالفعل الوثائق المسرّبة على نطاق واسع، بما في ذلك تلك التي تقدّر عدد أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة التي تنشرها أوكرانيا. لكن أوكرانيا تواجه، في الحقيقة، نقصاً حاداً في أسلحة الدفاع الجوي ما قد يكلفها الحرب. والولايات المتحدة، تعلم هذه المشكلة، وأعلنت قبل أسبوعين عن تسريع تقديم 2.6 مليار دولار إضافية لدعم أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة الأخرى المرتبطة بها. ومع أن تقييمات «البنتاغون» وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفق التسريبات، تشير أيضاً إلى أن أوكرانيا لا تستطيع تحمل سوى بضع موجات أخرى من الضربات الصاروخية الروسية، مع توفير خريطة لمكان وجود أنظمة دفاعها الجوي. بيد أن أياً من الوثائق لا يحتوي على أي معلومات مهمة ما كان يعرفها من قبل حلفاء «ناتو» والاستخبارات الروسية. ورغم أن الضرر يتركز حول كشف المعلومات المتعلقة بالدفاعات الجوية الأوكرانية، باعتبارها الجزء «الأكثر سوءاً» من الوثائق المسربة، فإن ذلك لا يُعد أزمة مهولة.
- مجموعة أسئلة بناء عليه، طرحت مجموعة أسئلة عمّا كشفته تلك الوثائق:
أولاً: هل الوثائق حقيقية؟ يقول المسؤولون الأميركيون إنها صحيحة... على الأقل، بالنسبة للجزء الأكبر منها. ويضيفون أن بعض الوثائق جرى تغييرها على ما يبدو. ولذا يشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من هذا الكشف عن معلومات سرّية، الأمر الذي دعا «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) إلى فتح تحقيق لتحديد مصدر التسريب.
ثانياً: من أين أتت المواد؟ تشير الدلائل إلى أن الأمر «تسريب» وليس «اختراقاً قوياً». وعلى الرغم من ظهور المواد على منصات التواصل الاجتماعي، مثل «ديسكورد» و«تويتر» و«شان4» و«تليغرام»، فإن ما يُتداوَل مجرّد صور لتقارير موجزة مطبوعة.
ثالثاً: ما الذي تكشفه عن الحرب في أوكرانيا؟ توضح الوثائق بالتفصيل خطط واشنطن و«ناتو» السرية، لبناء الجيش الأوكراني قبل «هجوم الربيع» المتوقع. وكذلك تشير إلى أن القوات الأوكرانية «في حالة يرثى لها أكثر مما اعترفت به حكومة كييف علناً».
رابعاً: هل اخترقت الولايات المتحدة الاستخبارات الروسية؟ تكشف الوثائق المسربة مدى عمق قدرة الولايات المتحدة على اختراق أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية، وهو ما سمح لواشنطن بتحذير أوكرانيا في التوقيت الحقيقي، بشأن الضربات الروسية المخطط لها، واكتساب نظرة ثاقبة على قوة آلة الحرب الروسية.
خامساً: ما الدول الأخرى التي جرى التنصت عليها؟ يبدو أن التسريب يتجاوز المواد السرّية المتعلقة بأوكرانيا. إذ يقول المحللون إن مجموعة الوثائق تشمل أيضاً مواد حساسة عن كندا والصين وإسرائيل وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى المسرح العسكري في المحيطين الهندي والهادي والشرق الأوسط.
وبينما لم يوضح «البنتاغون» ما إذا كان من المحتمل ظهور مزيد من الوثائق على الإنترنت، أو عدد المسؤولين في وزارة الدفاع الذين تمكنوا من الوصول إلى هذه الوثائق، يقول المسؤولون إن التسريب دفع الوزارة إلى اتخاذ خطوات لمراجعة كيفية مشاركة بعض المعلومات السرّية... ومع مَن. ومن ناحية ثانية، بادرت الإدارة الأميركية إلى إجراء اتصالات مكثفة مع حلفاء واشنطن منذ شيوع الأنباء عن تلك التسريبات. ولقد نفت كوريا الجنوبية صحة التسريبات المتعلقة بها، قائلة إنها «مزورة». وأيضاً نفى جهاز «الموساد» الإسرائيلي الادعاءات بأنه لعب دوراً رئيسياً في تأجيج الاحتجاجات ضد حكومة بنيامين نتنياهو على خلفية مشروعه الخاص بالتعديلات القضائية.
مع هذا، يعد التسريب أحد أوسع الانتهاكات نطاقاً على صعيد المعلومات الدفاعية في الولايات المتحدة خلال عقد من الزمان. وهو يسلط الضوء على الأسرار العسكرية، بينما يصار إلى الكشف عنها في بعض الأحيان بتسريبات صغيرة، تظل إلى حد كبير سرية في «البنتاغون» وأروقة الصناعات الدفاعية.
- تسريبات سابقة غيرت سياسات
بالمناسبة، لطالما تعرّضت الولايات المتحدة لعمليات تجسس وقرصنة إبان حقبة «الحرب الباردة»، ربما كان أشهرها تسريبات ما يعرف بـ«أوراق البنتاغون» عام 1971، وقضية تجسّس روبرت هانسن الموظف الكبير في الـ«إف بي آي» لمصلحة الاتحاد السوفياتي، منذ عام 1976. وبعد انتهاء «الحرب الباردة»، وإثر صعود روسيا بزعامة فلاديمير بوتين، شكّلت تسريبات «ويكيليكس» عام 2010 حول «حرب العراق»، أول التسريبات الكبرى في المعركة التي فتحها ضد «الهيمنة» الأميركية. ثم في عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن، أحد المطلعين على مجتمع الاستخبارات، عن تفاصيل مفاجئة حول مراقبة الحكومة الأميركية لملايين الأميركيين سراً. وفي عام 2016، كشفت «ويكيليكس» عن البريد الدبلوماسي لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والبريد الإلكتروني لقيادة الحزب الديمقراطي. وهو المفصل الذي اعتُبر سبباً مباشراً لهزيمتهم في انتخابات الرئاسة لمصلحة دونالد ترمب. وأيضاً، كثيرون الذين يعتقدون أن تلك التسريبات أدّت في كل مرة إلى تغييرات جوهرية في قرارات الولايات المتحدة وسياساتها، وهو ما يخشى حصوله اليوم مع تسريبات أوكرانيا.
- أوراق «البنتاغون»
أخيراً، مع استمرار الصراع في السبعينات، سُرّبت دراسة دفاعية بالغة السرّية حول تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام، التي لم تعد تحظى بشعبية لدى الأميركيين، إلى صحيفة «نيويورك تايمز» في مارس (آذار) عام 1971. ويومذاك أطلقت التقارير التي نشرتها الصحيفة العنان لعاصفة من الانتقادات ضد الحكومة الأميركية، بعد كشفها بالتفصيل تورّط البلاد منذ عقود في حرب فيتنام، مثبتة صحة كثير من الانتقادات المناهضة للحرب. أيضاً، أوضحت الوثائق، بالتفصيل قرارات ومداولات السياسة الأميركية بين عامي 1945 و1967، جرى تسريبها إلى الصحيفة، من قبل المحلل العسكري دانيال إلسبيرغ، الذي تولى تصوير التقرير سرّاً، وقدمه إلى صحافيي الجريدة.
وكذلك الأوراق أدلة دامغة، بما في ذلك الخطوات التي اتخذها رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون، من هاري ترومان ودوايت أيزنهاور وجون كيندي وليندون جونسون، لإثارة الصراع في المنطقة بشكلين سرّي وعلني. وعدّ التسريب ضربة كبيرة للجيش الأميركي والإدارة السياسية، كونه أدى إلى كشف التفاصيل التي عمل المسؤولون على إبقائها سرية لسنوات. ونتج عنها واحدة من أضخم المعارك بين الإدارة الأميركية والصحافة، عندما أصدرت وزارة العدل أمراً مؤقتاً بمنع نشر التقارير. ولكن في نهاية يونيو (حزيران) 1971، سمحت المحكمة العليا لصحيفتي «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، بمواصلة نشر التقارير، في قرار حصل على أصوات غالبية 6 مقابل 3 من قضاة المحكمة. ونُظِر إلى ذلك القرار على أنه إحدى أهم القضايا المتصلة بحرية الصحافة في تاريخ الولايات المتحدة.

تسريبات إدوارد سنودن

> في عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن، وهو أحد الموظفين في وكالة الأمن القومي، عن كيفية إقدام الحكومة الأميركية على مراقبة ملايين الأميركيين بشكل سرّي. واتهمت روسيا بالوقوف وراء العملية، خصوصاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشاد بسنودن، ومنحه الإقامة الدائمة ومن ثم الجنسية الروسية.

إدوارد سنودن

وكشفت التسريبات، عن برنامج مراقبة وضع في أعقاب «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، بعدما رأى المسؤولون حاجة ماسة إلى تعزيز البرامج الأمنية وعمليات المراقبة لتحديد نطاق التهديدات الإجرامية والإرهابية المحتملة. لكنها كشفت أيضاً أن الحكومة كانت تجمع معلومات عن المواطنين العاديين، وليس فقط عن تهديدات إرهابية محتملة. وفضحت معلومات سنودن - الذي فر أولاً إلى هونغ كونغ، ثم إلى روسيا، واتُهم بسرقة ممتلكات حكومية وجرائم أخرى - وجود برامج أميركية للتجسس على الحكومات الأجنبية، بينها ألمانيا وفرنسا، والتنصت على عدد من مكاتب الاتحاد الأوروبي، والتجسس على 38 سفارة أجنبية في واشنطن على الأقل.
وأيضاً أثارت الوثائق عالية السرّية التي سرّبها سنودن - الذي ينظر إليه البعض على أنه إمّا مخبر شجاع أو خائن للحكومة - قلق الأميركيين بشأن «بصماتهم» الرقمية وبياناتهم الشخصية، في معركة لا تزال مستمرة حتى اليوم، لكنها أدت في نهاية المطاف، إلى وقف البرنامج.

سجلات «ويكيليكس» عن «حرب العراق»

> في عام 2010، نشرت «ويكيليكس»، وهي منظمة إعلامية أسسها جوليان أسانج، مجموعة من الوثائق العسكرية السرّية المسرّبة، توضح بالتفصيل تصرفات القوات الأميركية و«قوات التحالف» في «حرب العراق» بين عامي 2004 و2009. وفي حينه، عُدّت التسريبات من أكثر النظرات الواقعية عن الصراع في المنطقة، وكشفت عن عدد من الديناميكيات المقلقة للحرب، من بينها عدد القتلى المدنيين. إذ تبين أنه بحلول عام 2009، قتل 66 ألف مدني، أي أكثر من 60 في المائة من قتلى الحرب. كما أظهرت أن المئات من هؤلاء المدنيين قتلوا على أيدي «قوات التحالف»، مع أنه لم يُعلن حتى الآن عن آلاف القتلى المدنيين.

جوليان آسانج

وتزعم الوثائق أيضاً حدوث انتهاكات في السجون، حتى بعد الإبلاغ عن انتهاكات واسعة النطاق للمعتقلين في سجن أبو غُريب في المراحل الأولى من الحرب. وخلصت إلى أن القوات الأميركية سلّمت سجناء إلى مجموعة عراقية معروفة بتمرسها في أساليب التعذيب.
وتضم التسريبات ما يقرب من 400 ألف تقرير أو سجل، سجلها جنود على الأرض في الحرب. وساعد تسريب تلك الوثائق، التي يعتقد أن روسيا تقف وراءها، في إضعاف التأييد الشعبي للحرب، الذي كان بدأ يتضاءل بالفعل. وبحلول الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عن خطط لإنهاء العمليات العسكرية الأميركية في العراق عام 2011، وافق 75 في المائة من المستطلعين تماماً على قرار إنهاء الحرب، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو» للأبحاث في ذلك الوقت.

تجسس روبرت هانسن

> في عام 1976، انضم روبرت هانسن إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كعميل خاص. وطوال 25 سنة أمضاها في الـ«إف بي آي»، تجسس على حكومة الولايات المتحدة لصالح الاتحاد السوفياتي وأجهزة الاستخبارات الروسية.

روبرت هانسن

هانسن كان طوال «الحرب الباردة» جاسوساً لموسكو، ولم يتسنّ اكتشافه حتى منتصف الثمانينات. وحقاً، بفضل مكانته في الـ«إف بي آي»، تمكن هانسن من الوصول إلى معلومات سرّية للغاية، وباع آلاف الوثائق إلى روسيا السوفياتية، التي توضح بالتفصيل الخطط العسكرية الأميركية، والاستراتيجيات في حال نشوب الحرب النووية، وتقنيات الأسلحة. وبحسب ما ورد في أوراق الاتهام التي وجهت إليه، حصل الرجل على 1.4 مليون دولار نقداً ومجوهرات من بيع المعلومات الاستخباراتية. وتمكّنت أجهزة الاستخبارات الأميركية عام 2000، من العثور على تأكيدات روسية، تفيد بأن هانسن جاسوس. وبينما كان على وشك التقاعد مباشرة، قبض المحققون عليه متلبساً بتسليم معلومات سرّية لمصادر روسية في إحدى الحدائق العامة بولاية فيرجينيا وتم اعتقاله. وفي وقت لاحق من العام، أقرّ هانسن بأنه مذنب في 15 تهمة تجسس، وهو راهناً يمضي 15 حكماً متتالياً مدى الحياة في أحد سجون ولاية كولورادو، من دون أي حق في الإفراج المشروط.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا تتبنى قصف مصنع في غرب روسيا... وموسكو تعلن سقوط 6 قتلى

أوروبا عمال يصلحون الأسلاك أمام عيادة أطفال متضررة في أعقاب قصف حديث وصفه مسؤولون بأنه ضربة عسكرية أوكرانية في دونيتسك الخاضعة للسيطرة الروسية (أ.ف.ب)

أوكرانيا تتبنى قصف مصنع في غرب روسيا... وموسكو تعلن سقوط 6 قتلى

أعلن الرئيس فولوديمير زيلينسكي أن أوكرانيا شنت، الثلاثاء، ضربة صاروخية على مصنع عسكري في بريانسك بغرب روسيا.

«الشرق الأوسط» (كييف - موسكو)
أوروبا سعر لتر البنزين الخالي من الرصاص ووقود الديزل خارج محطة وقود تابعة لشركة «إيسو» في لوتروورث وسط إنجلترا (أ.ف.ب) p-circle

بوتين على خط الوساطة لإنهاء الحرب... مقترحات روسية لتسوية الأزمة

الرئيس الروسي يتوسط مع نظيره الأميركي لوقف الحرب على إيران بعد مرور يوم واحد على تعهده بمواصلة دعم طهران وتأكيد التزام بلاده بمسار الشراكة بين البلدين

رائد جبر (موسكو )
أوروبا عمال يصلحون أسلاكاً أمام عيادة أطفال تضررت بشدة جراء قصف في منطقة دونيتسك التي يسيطر عليها الروس في أوكرانيا (أ.ف.ب)

تحقيق أممي يتهم روسيا بنقل أطفال أوكرانيين قسراً

قالت لجنة تابعة للأمم المتحدة إن أدلة تثبت أن روسيا نقلت قسراً أطفالاً من أوكرانيا.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا جانب من لقاء جمع ترمب وبوتين على هامش أعمال قمة العشرين في أوساكا بشهر يونيو 2019 (رويترز)

ترمب وبوتين بحثا في مكالمة هاتفية حربَي إيران وأوكرانيا

بحث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، في مكالمة هاتفية «صريحة وبناءة» الحرب في كل من إيران وأوكرانيا، حسبما أعلن الكرملين.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا خلال إحياء ذكرى الجنود الأوكرانيين الذين سقطوا في الحرب... في المقبرة العسكرية بخاركيف في أوكرانيا - 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ) p-circle

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»... وواشنطن قد ترفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي

«الشرق الأوسط» (لندن)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.