كيف تتعامل واشنطن مع «أوراق الحرب الأوكرانية»؟

الجواسيس الأميركيون قادرون على الوصول إلى أعماق أسرار الحكومة الروسية

البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
TT

كيف تتعامل واشنطن مع «أوراق الحرب الأوكرانية»؟

البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)
البنتاغون... مقر وزارة الدفاع الأميركية (رويترز)

تظهر ردود الفعل، سواء المتشائمة، أو المقللة من أهمية ما بات يعرف بتسريبات «حرب أوكرانيا»، التي صنفت على أنها أحد أخطر الخروق العسكرية والاستخبارية في تاريخ الولايات المتحدة، أن تداعياتها على المستوى القصير، قد تجبر واشنطن، على إعادة صياغة عمليات التجسّس. وكذلك قد تؤدي إلى تغيير أوكرانيا وروسيا أيضاً خططهما القتالية. ثم إن بعض حلفاء أميركا، الذين «يشعرون بالتعب» من تكرار عمليات التجسس عليهم، قد يزداد حذرهم من تشارك المعلومات الاستخبارية مع «حليفتهم الاستراتيجية» الكبرى. إلا أن التجربة تفيد بأنه على المدى الطويل سوف تتضاءل آثار التسريب، وستواصل أوكرانيا المضي قدماً في هجومها المضاد المخطط له. وأيضاً ستستمر الولايات المتحدة وحلفاؤها في دعم أوكرانيا، في حين أن حلفاء أميركا سيواصلون تبادل المعلومات معها، حتى لو طالبوا بتأكيدات، أو عبروا عن حذرهم بشأن احتمال حدوث تسريبات.
من نافلة القول أن المسؤولين الأميركيين بالغوا في الماضي بتقدير الضرر الناجم عن التسريبات الأمنية والسياسية التي حصلت في مناسبات عدة. وهي تبدأ من تسريبات موقع «ويكيليكس» للبرقيات الدبلوماسية الأميركية، ولا تنتهي بتسريبات إدوارد سنودن لوثائق وكالة الأمن القومي. وبحسب كثير من المعلقين الأميركيين، كانت تلك التقديرات مبالغاً فيها بشكل كبير. على الأقل، هذا ما يُظهره التسريب الأخير، في حال كانت المعلومات المنشورة صحيحة. إذ أظهرت أن المسؤولين والجواسيس الأميركيين ما زالوا قادرين على الوصول إلى أعماق أسرار أعلى مستويات حكومات الدول الأخرى، خصوصاً روسيا، التي اتهمت في السابق بأنها تقف على الأقل وراء تسريبات «ويكيليكس» وسنودن.
رغم ذلك، تظل التسريبات مبعثاً على القلق، لأنها يمكن أن تكشف لروسيا كيف تجمع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) معلومات استخباراتية مهمة عن القوات والقدرات الروسية. وهي لا تحتوي فقط على معلومات عن القوات الأوكرانية، بل تشمل أيضاً تقييماً مفصّلاً للجيش الروسي، من الدبابات إلى المدفعية والطائرات. وما جرى خلال الفترة القصيرة الماضية، طرح سؤالاً عمّا إذا كانت معرفة الجاسوس بأنه عميل مزدوج أم عميل ثلاثي، يعد أمراً مهماً، ما دام أن المعنيين يعرفون الفرق. إذ إن ما يهم - في نهاية المطاف - أنهم يعرفون ما هو دقيق، وما جرى عكسه والتلاعب به. ومع ذلك، يشدد بعض المسؤولين الأميركيين على أن العمل جارٍ على فحص ما جرى تسريبه رغم «كون الأمور تبدو حقيقية».
- تضليل لروسيا أم إفشال لهجوم الربيع؟
طرحت تساؤلات عدة، من قبيل، هل كُشف عن هذه الوثائق (أي تسريبات «حرب أوكرانيا») من قبل الروس لفضح الضعف الأوكراني وتحطيم الروح المعنوية، بحسب بعض المحللين؟ أم أنها جاءت رداً روسياً مباشراً على تسريبات استخبارية أميركية مماثلة، لطالما أشادت بها واشنطن في كشف خطط الجيش الروسي قبل الهجوم المستمر على أوكرانيا منذ 24 فبراير (شباط) العام الماضي وخلاله وبعده؟
وفي حين اتهم مسؤولون أميركيون روسيا أو عناصر موالية لها، بالوقوف وراء تلك التسريبات، رأى محللون آخرون أن تلك التسريبات ليست سوى «عناصر قياسية» في اللعبة العملياتية للاستخبارات الروسية، وقد لا تكون أكثر من ذلك، وليست لها علاقة بخطط أوكرانيا الحقيقية.
فرضية أخرى أشارت إلى أن أوكرانيا هي من أقدم على نشرها بالفعل - بحسب بعض المواقع الروسية - التي تعتقد أن الهدف من نشرها، هو «تضليل» الكرملين، وإيهامه بأن أوكرانيا ضعيفة، لكنها تخفي قوتها الحقيقية قبل «هجوم الربيع» المضاد الذي تخطط له في الأسابيع المقبلة؟ وبحسب الصحافة الأميركية، كان رد فعل موسكو لافتاً في «هدوئه» غير العادي بشأن التسريبات، رغم قيام وكالة «تاس» الحكومية بنشرها. ذلك أن المدوِّنين الروس عادةً متشككون ويشيرون إلى أخطاء إملائية، وفي المواد المسرَّبة نفسها. ولقد نقلت عن مدوِّن روسي شهير، لديه أكثر من مليون متابع على تطبيق «تليغرام»، قوله إن الأمر هو «تسريب محكم وحملة تضليل ضخمة» لإظهار الأوكرانيين كأنهم غير مستعدين... ما سيشجع روسيا بالتالي على ارتكاب خطأ.
يقول الخبراء إن «اللعبة» تدور حول دراسة «كيف نعرف ما نعرفه»، ويدعون إلى التركيز على الحقائق من خلال فحص بعض المواضيع الأساسية في الوثائق التي تتوافق مع المعلومات المستقاة من مصادر أخرى. فالمدوّنون العسكريون الروس نشروا بالفعل الوثائق المسرّبة على نطاق واسع، بما في ذلك تلك التي تقدّر عدد أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المقاتلة التي تنشرها أوكرانيا. لكن أوكرانيا تواجه، في الحقيقة، نقصاً حاداً في أسلحة الدفاع الجوي ما قد يكلفها الحرب. والولايات المتحدة، تعلم هذه المشكلة، وأعلنت قبل أسبوعين عن تسريع تقديم 2.6 مليار دولار إضافية لدعم أنظمة الدفاع الجوي والأسلحة الأخرى المرتبطة بها. ومع أن تقييمات «البنتاغون» وحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفق التسريبات، تشير أيضاً إلى أن أوكرانيا لا تستطيع تحمل سوى بضع موجات أخرى من الضربات الصاروخية الروسية، مع توفير خريطة لمكان وجود أنظمة دفاعها الجوي. بيد أن أياً من الوثائق لا يحتوي على أي معلومات مهمة ما كان يعرفها من قبل حلفاء «ناتو» والاستخبارات الروسية. ورغم أن الضرر يتركز حول كشف المعلومات المتعلقة بالدفاعات الجوية الأوكرانية، باعتبارها الجزء «الأكثر سوءاً» من الوثائق المسربة، فإن ذلك لا يُعد أزمة مهولة.
- مجموعة أسئلة بناء عليه، طرحت مجموعة أسئلة عمّا كشفته تلك الوثائق:
أولاً: هل الوثائق حقيقية؟ يقول المسؤولون الأميركيون إنها صحيحة... على الأقل، بالنسبة للجزء الأكبر منها. ويضيفون أن بعض الوثائق جرى تغييرها على ما يبدو. ولذا يشعر المسؤولون الأميركيون بالقلق من هذا الكشف عن معلومات سرّية، الأمر الذي دعا «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) إلى فتح تحقيق لتحديد مصدر التسريب.
ثانياً: من أين أتت المواد؟ تشير الدلائل إلى أن الأمر «تسريب» وليس «اختراقاً قوياً». وعلى الرغم من ظهور المواد على منصات التواصل الاجتماعي، مثل «ديسكورد» و«تويتر» و«شان4» و«تليغرام»، فإن ما يُتداوَل مجرّد صور لتقارير موجزة مطبوعة.
ثالثاً: ما الذي تكشفه عن الحرب في أوكرانيا؟ توضح الوثائق بالتفصيل خطط واشنطن و«ناتو» السرية، لبناء الجيش الأوكراني قبل «هجوم الربيع» المتوقع. وكذلك تشير إلى أن القوات الأوكرانية «في حالة يرثى لها أكثر مما اعترفت به حكومة كييف علناً».
رابعاً: هل اخترقت الولايات المتحدة الاستخبارات الروسية؟ تكشف الوثائق المسربة مدى عمق قدرة الولايات المتحدة على اختراق أجهزة الأمن والاستخبارات الروسية، وهو ما سمح لواشنطن بتحذير أوكرانيا في التوقيت الحقيقي، بشأن الضربات الروسية المخطط لها، واكتساب نظرة ثاقبة على قوة آلة الحرب الروسية.
خامساً: ما الدول الأخرى التي جرى التنصت عليها؟ يبدو أن التسريب يتجاوز المواد السرّية المتعلقة بأوكرانيا. إذ يقول المحللون إن مجموعة الوثائق تشمل أيضاً مواد حساسة عن كندا والصين وإسرائيل وكوريا الجنوبية، بالإضافة إلى المسرح العسكري في المحيطين الهندي والهادي والشرق الأوسط.
وبينما لم يوضح «البنتاغون» ما إذا كان من المحتمل ظهور مزيد من الوثائق على الإنترنت، أو عدد المسؤولين في وزارة الدفاع الذين تمكنوا من الوصول إلى هذه الوثائق، يقول المسؤولون إن التسريب دفع الوزارة إلى اتخاذ خطوات لمراجعة كيفية مشاركة بعض المعلومات السرّية... ومع مَن. ومن ناحية ثانية، بادرت الإدارة الأميركية إلى إجراء اتصالات مكثفة مع حلفاء واشنطن منذ شيوع الأنباء عن تلك التسريبات. ولقد نفت كوريا الجنوبية صحة التسريبات المتعلقة بها، قائلة إنها «مزورة». وأيضاً نفى جهاز «الموساد» الإسرائيلي الادعاءات بأنه لعب دوراً رئيسياً في تأجيج الاحتجاجات ضد حكومة بنيامين نتنياهو على خلفية مشروعه الخاص بالتعديلات القضائية.
مع هذا، يعد التسريب أحد أوسع الانتهاكات نطاقاً على صعيد المعلومات الدفاعية في الولايات المتحدة خلال عقد من الزمان. وهو يسلط الضوء على الأسرار العسكرية، بينما يصار إلى الكشف عنها في بعض الأحيان بتسريبات صغيرة، تظل إلى حد كبير سرية في «البنتاغون» وأروقة الصناعات الدفاعية.
- تسريبات سابقة غيرت سياسات
بالمناسبة، لطالما تعرّضت الولايات المتحدة لعمليات تجسس وقرصنة إبان حقبة «الحرب الباردة»، ربما كان أشهرها تسريبات ما يعرف بـ«أوراق البنتاغون» عام 1971، وقضية تجسّس روبرت هانسن الموظف الكبير في الـ«إف بي آي» لمصلحة الاتحاد السوفياتي، منذ عام 1976. وبعد انتهاء «الحرب الباردة»، وإثر صعود روسيا بزعامة فلاديمير بوتين، شكّلت تسريبات «ويكيليكس» عام 2010 حول «حرب العراق»، أول التسريبات الكبرى في المعركة التي فتحها ضد «الهيمنة» الأميركية. ثم في عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن، أحد المطلعين على مجتمع الاستخبارات، عن تفاصيل مفاجئة حول مراقبة الحكومة الأميركية لملايين الأميركيين سراً. وفي عام 2016، كشفت «ويكيليكس» عن البريد الدبلوماسي لوزيرة الخارجية هيلاري كلينتون والبريد الإلكتروني لقيادة الحزب الديمقراطي. وهو المفصل الذي اعتُبر سبباً مباشراً لهزيمتهم في انتخابات الرئاسة لمصلحة دونالد ترمب. وأيضاً، كثيرون الذين يعتقدون أن تلك التسريبات أدّت في كل مرة إلى تغييرات جوهرية في قرارات الولايات المتحدة وسياساتها، وهو ما يخشى حصوله اليوم مع تسريبات أوكرانيا.
- أوراق «البنتاغون»
أخيراً، مع استمرار الصراع في السبعينات، سُرّبت دراسة دفاعية بالغة السرّية حول تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام، التي لم تعد تحظى بشعبية لدى الأميركيين، إلى صحيفة «نيويورك تايمز» في مارس (آذار) عام 1971. ويومذاك أطلقت التقارير التي نشرتها الصحيفة العنان لعاصفة من الانتقادات ضد الحكومة الأميركية، بعد كشفها بالتفصيل تورّط البلاد منذ عقود في حرب فيتنام، مثبتة صحة كثير من الانتقادات المناهضة للحرب. أيضاً، أوضحت الوثائق، بالتفصيل قرارات ومداولات السياسة الأميركية بين عامي 1945 و1967، جرى تسريبها إلى الصحيفة، من قبل المحلل العسكري دانيال إلسبيرغ، الذي تولى تصوير التقرير سرّاً، وقدمه إلى صحافيي الجريدة.
وكذلك الأوراق أدلة دامغة، بما في ذلك الخطوات التي اتخذها رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون، من هاري ترومان ودوايت أيزنهاور وجون كيندي وليندون جونسون، لإثارة الصراع في المنطقة بشكلين سرّي وعلني. وعدّ التسريب ضربة كبيرة للجيش الأميركي والإدارة السياسية، كونه أدى إلى كشف التفاصيل التي عمل المسؤولون على إبقائها سرية لسنوات. ونتج عنها واحدة من أضخم المعارك بين الإدارة الأميركية والصحافة، عندما أصدرت وزارة العدل أمراً مؤقتاً بمنع نشر التقارير. ولكن في نهاية يونيو (حزيران) 1971، سمحت المحكمة العليا لصحيفتي «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، بمواصلة نشر التقارير، في قرار حصل على أصوات غالبية 6 مقابل 3 من قضاة المحكمة. ونُظِر إلى ذلك القرار على أنه إحدى أهم القضايا المتصلة بحرية الصحافة في تاريخ الولايات المتحدة.

تسريبات إدوارد سنودن

> في عام 2013، كشفت تسريبات إدوارد سنودن، وهو أحد الموظفين في وكالة الأمن القومي، عن كيفية إقدام الحكومة الأميركية على مراقبة ملايين الأميركيين بشكل سرّي. واتهمت روسيا بالوقوف وراء العملية، خصوصاً أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أشاد بسنودن، ومنحه الإقامة الدائمة ومن ثم الجنسية الروسية.

إدوارد سنودن

وكشفت التسريبات، عن برنامج مراقبة وضع في أعقاب «هجمات 11 سبتمبر (أيلول)»، بعدما رأى المسؤولون حاجة ماسة إلى تعزيز البرامج الأمنية وعمليات المراقبة لتحديد نطاق التهديدات الإجرامية والإرهابية المحتملة. لكنها كشفت أيضاً أن الحكومة كانت تجمع معلومات عن المواطنين العاديين، وليس فقط عن تهديدات إرهابية محتملة. وفضحت معلومات سنودن - الذي فر أولاً إلى هونغ كونغ، ثم إلى روسيا، واتُهم بسرقة ممتلكات حكومية وجرائم أخرى - وجود برامج أميركية للتجسس على الحكومات الأجنبية، بينها ألمانيا وفرنسا، والتنصت على عدد من مكاتب الاتحاد الأوروبي، والتجسس على 38 سفارة أجنبية في واشنطن على الأقل.
وأيضاً أثارت الوثائق عالية السرّية التي سرّبها سنودن - الذي ينظر إليه البعض على أنه إمّا مخبر شجاع أو خائن للحكومة - قلق الأميركيين بشأن «بصماتهم» الرقمية وبياناتهم الشخصية، في معركة لا تزال مستمرة حتى اليوم، لكنها أدت في نهاية المطاف، إلى وقف البرنامج.

سجلات «ويكيليكس» عن «حرب العراق»

> في عام 2010، نشرت «ويكيليكس»، وهي منظمة إعلامية أسسها جوليان أسانج، مجموعة من الوثائق العسكرية السرّية المسرّبة، توضح بالتفصيل تصرفات القوات الأميركية و«قوات التحالف» في «حرب العراق» بين عامي 2004 و2009. وفي حينه، عُدّت التسريبات من أكثر النظرات الواقعية عن الصراع في المنطقة، وكشفت عن عدد من الديناميكيات المقلقة للحرب، من بينها عدد القتلى المدنيين. إذ تبين أنه بحلول عام 2009، قتل 66 ألف مدني، أي أكثر من 60 في المائة من قتلى الحرب. كما أظهرت أن المئات من هؤلاء المدنيين قتلوا على أيدي «قوات التحالف»، مع أنه لم يُعلن حتى الآن عن آلاف القتلى المدنيين.

جوليان آسانج

وتزعم الوثائق أيضاً حدوث انتهاكات في السجون، حتى بعد الإبلاغ عن انتهاكات واسعة النطاق للمعتقلين في سجن أبو غُريب في المراحل الأولى من الحرب. وخلصت إلى أن القوات الأميركية سلّمت سجناء إلى مجموعة عراقية معروفة بتمرسها في أساليب التعذيب.
وتضم التسريبات ما يقرب من 400 ألف تقرير أو سجل، سجلها جنود على الأرض في الحرب. وساعد تسريب تلك الوثائق، التي يعتقد أن روسيا تقف وراءها، في إضعاف التأييد الشعبي للحرب، الذي كان بدأ يتضاءل بالفعل. وبحلول الوقت الذي أعلن فيه الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عن خطط لإنهاء العمليات العسكرية الأميركية في العراق عام 2011، وافق 75 في المائة من المستطلعين تماماً على قرار إنهاء الحرب، وفقاً لاستطلاع أجرته مؤسسة «بيو» للأبحاث في ذلك الوقت.

تجسس روبرت هانسن

> في عام 1976، انضم روبرت هانسن إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) كعميل خاص. وطوال 25 سنة أمضاها في الـ«إف بي آي»، تجسس على حكومة الولايات المتحدة لصالح الاتحاد السوفياتي وأجهزة الاستخبارات الروسية.

روبرت هانسن

هانسن كان طوال «الحرب الباردة» جاسوساً لموسكو، ولم يتسنّ اكتشافه حتى منتصف الثمانينات. وحقاً، بفضل مكانته في الـ«إف بي آي»، تمكن هانسن من الوصول إلى معلومات سرّية للغاية، وباع آلاف الوثائق إلى روسيا السوفياتية، التي توضح بالتفصيل الخطط العسكرية الأميركية، والاستراتيجيات في حال نشوب الحرب النووية، وتقنيات الأسلحة. وبحسب ما ورد في أوراق الاتهام التي وجهت إليه، حصل الرجل على 1.4 مليون دولار نقداً ومجوهرات من بيع المعلومات الاستخباراتية. وتمكّنت أجهزة الاستخبارات الأميركية عام 2000، من العثور على تأكيدات روسية، تفيد بأن هانسن جاسوس. وبينما كان على وشك التقاعد مباشرة، قبض المحققون عليه متلبساً بتسليم معلومات سرّية لمصادر روسية في إحدى الحدائق العامة بولاية فيرجينيا وتم اعتقاله. وفي وقت لاحق من العام، أقرّ هانسن بأنه مذنب في 15 تهمة تجسس، وهو راهناً يمضي 15 حكماً متتالياً مدى الحياة في أحد سجون ولاية كولورادو، من دون أي حق في الإفراج المشروط.


مقالات ذات صلة

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أوروبا نظام الهجوم بالطائرات المسيّرة انتشر على نطاق واسع بين الوحدات العسكرية الأوكرانية (إ.ب.أ)

زيلينسكي: ينبغي تشديد قواعد تصدير الطائرات المسيّرة الأوكرانية

أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنه لا ينبغي للدول الأجنبية الراغبة في شراء طائرات مسيّرة أوكرانية أن تتمكن من التواصل مباشرة مع الشركات المصنعة.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي: روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة

‌قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لقناة «سي.إن.إن» في مقتطفات من ​مقابلة بُثت أمس السبت إن روسيا تزود إيران بطائرات «شاهد» المسيرة.

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي يتبادلان التحية خلال اجتماع في طهران - 19 يوليو 2022 (أرشيفية - أ.ب) p-circle

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط «ليس في صالح أوكرانيا»

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إنه يتفهم تحول انتباه العالم إلى الشرق الأوسط، لكن ذلك «ليس في صالح أوكرانيا». وأضاف زيلينسكي للطلاب في باريس، خلال…

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يتحدث إلى طلاب في باريس

زيلينسكي: التركيز العالمي على الشرق الأوسط ليس في مصلحة أوكرانيا

​قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم الجمعة، إنه ‌يتفهم تحول انتباه ‌العالم إلى ​الشرق ‌الأوسط، ⁠لكن ​ذلك «ليس في ⁠مصلحة أوكرانيا».

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا المستشار الألماني لدى عقده مؤتمراً صحافياً في قاعدة «باردوفوس» بالنرويج يوم 13 مارس (أ.ف.ب)

المستشار الألماني ينتقد قرار واشنطن إعفاء النفط الروسي من العقوبات

وصف المستشار الألماني فريدريش ميرتس قرار واشنطن اعتماد إعفاءات على صادرات النفط الروسي، بأنه «خاطئ»، داعياً إلى عدم التلهي بالحرب في إيران لتخفيف دعم أوكرانيا.

راغدة بهنام (برلين)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».