سوق عكاظ يعيد شاعر السلام والحكمة بعد 14 قرنًا من رحيله

ينطلق غدًا في الطائف ولبيد بن ربيعة شخصيته الشعرية

يستعيد سوق عكاظ في الطائف أهم الشخصيات الشعرية العربية
يستعيد سوق عكاظ في الطائف أهم الشخصيات الشعرية العربية
TT

سوق عكاظ يعيد شاعر السلام والحكمة بعد 14 قرنًا من رحيله

يستعيد سوق عكاظ في الطائف أهم الشخصيات الشعرية العربية
يستعيد سوق عكاظ في الطائف أهم الشخصيات الشعرية العربية

بعد نحو 14 قرنا من رحيله، يستعيد مهرجان سوق عكاظ التاريخي الشاعر الجاهلي لبيد بن ربيعة صاحب المعلقة الرابعة في تصنيف النقاد بين المعلقات السبع، بعد اختياره شخصية السوق الذي ينطلق غدا الأربعاء بمحافظة الطائف في دورته التاسعة، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.
وقد عاش الشاعر لبيد في نعيم من العيش وفي حياة يتوق فيها إلى مطلق دائم، يعانق فيه السلام والحكمة والسعادة، رافضا قيود الواقع حيث يتناحر الناس ويتنابزون ولا ينجب فيهم ويسلم بينهم إلا الأقوياء المدربون على البطش، وهي ذات الأجواء التي يعيش فيها عالمنا العربي اليوم، والذي تشهد معظم دوله أعمال عنف وقتل وتفجير وتدمير.
اشتهر لبيد بمطولاته، فبخلاف معلقته التي بدأها بوصف الديار المقفرة والأطلال الدارسة والتي حددها النقاد بـ88 بيتا ومنها:
عفتِ الديارُ محلُّها فمُقامُهَا ** بمنًى تأبَّدَ غَوْلُها فَرِجَامُهَا
فمدافعُ الرَّيَّانِ عرِّي رسْمُها ** خلقًا كما ضَمِنَ الوُحِي سِلامُها
دمِنٌ تَجَرَّمَ بعدَ عهد أنِيسِهَا ** حِجَجٌ خَلَوْنَ حَلالُهَا وحَرَامُهَا
رزقَتْ مرابيعَ النُّجومِ وصابَهَا ** ودقُ الرواعدِ جوْدُهَا فرهامُها
كما أن هناك قصائد رثائية في أخيه إربد وأخرى في الرد على اللئيمين على شدة إنفاقه.
عاش الشاعر لبيد في الجاهلية والإسلام، حيث عد من المؤلفة قلوبهم، إلا أنه لم ينظم في الإسلام سوى بيت واحد، ومعظم شعره المعدود نظم في الجاهلية، وهو آخر أصحاب المعلقات، وشكلت حياة الشاعر شخصيته وطبيعة شاعريته والموضوعات التي طرقها في أشعاره، إذ قتل والده وهو في السنوات الأولى في طفولته، فكفله أعمامه، وعاش بينهم في نعيم من العيش، وكان والده كريما وصاحب سؤدد وهو ما جعله يلقب بـ«ربيعة المقترين»، وقد عاش لبيد عيشة السادة وحمل جينات أبيه في الكرم، فكان يقري الضيف، ويهرع للنجدة، وينظم في الفخر والوصف والحكم، مترفعا عن التكسب بشعره، وقد نحا نحوا زهديا ظاهرا، في حين غلبت الصفة الحكمية في شعره.
فجع لبيد بمقتل أخيه إربد، وشرع ينظم فيه المراثي المتفجعة التي تدنو في معظم معانيها إلى مراثي المهلهل في مقتل أخيه كليب، والخنساء في أخيها صخر، وذلك بتعداد المآثر والعويل والندم، لكن الشاعر لبيد ينفرد فيها إلى النظرة الحكمية التي تتصدى لمصير الإنسان عامة، والتأمل بالحياة والموت، مستسلما عبرها إلى الله، علما بأن الشاعر اشتهر في شعره بتقواه ونهجه نهجا دينيا معبرا فيه عن أفراحه وأتراحه، ومظهرا في ذلك جوانب نفسه المتعددة.
سجل لبيد بن ربيعة اسمه من أصحاب المعلقات السبع، بل إن معلقته تم تصنيفها الرابعة بينها رغم أنه آخر أصحابها، وأظهر الشاعر فيها بل وفي معظم شعره نظرته التشاؤمية للحياة وللكون وقد وقع الشاعر في شعره على أنه الإنسان الفاجع الشديد التوتر، وأن لا خلاص للإنسان من نفسه، ومما طبع فيه من رغبات متناقضة لا تتحقق إحداها حتى تفجعه بأخرى، فالديار عفت الريح بها، وأزالت آثارها وقد توحشت لارتحال أهلها، ذاكرا في معلقته ديار أهله بني عامر، التي بدت معشبة لترادف الأمطار عليها وهو تعبير واقعي بخلو المكان وانعدام استخدامه مدللا على هذا الخلو بوجود الظباء والنعام، وقد تكاثرت لأن المكان استحال إلى مسكن للبهائم.
ويسرد لبيد في معلقته ما سكن الديار بعد رحيل أهلها من البقر الواسعات العيون متسائلا بحسرة أمام هذه الجوامد عن سكانها، ومسترجعا ذكرى الرحيل وقد حمل السكان خيامهم التي يسمع لها صريرا لجدتها، وقد بدت النساء يسرن جماعات وتظهر بينهم «نوار» التي تشبب بها وقد بعدت، وتقطعت أسباب وصالها بعد أن تجاوزت مكان ارتحالها ومنازل قومها في بيشة لتحل بموضع «فيد» مجاورة أهل الحجاز.
ثم يواصل الشاعر التقاط صور عدة في المعلقة منها الوصف الوجداني المتصل بـ«الأتان» وفحلها الذي يرمز إلى الغيرة الغريزية الوحشية المشبوبة بحمّى الأنثى الهالعة عليها هلعا مفجعا، كما تحفل بعض مقطوعات المعلقة بالرموز الإنسانية المتقمصة من تصرف الحيوان الغريزي، الحريص على أنثاه ليخلع الشاعر على ذلك الفحل من نفسية العربي الحريص على عرضه ونفسية الإنسان عامة، وإلى الخوف من الموت والبؤس والتشبث بالحياة، ليعود الشاعر إلى التشبيب بالعشيقة وتعداد الليالي التي طابت له، وتلذذ فيها بالهوى، ومنادمة الكرام بأقداح الخمر بحضور جارية تضرب على عودها إلى وقت السحر وعلى وقع صياح الديكة.
ثم يكمل معلقته مفتخرا بكرمه وشجاعته وأمانة قومه وتكافلهم في حين أن مطولاته الأخرى فقد كان يستهلها بمطلع حكمي، بدلا من المطلع الطللي، واصفا الصحراء والناقة التي امتطاها، داعيا إلى حياة المسالمة والتأمل والترجّي فيما وراء الكون، فهناك مطولة أخرى حملت عنوان: «مطولة لبيد» استهلها بمطلع حكمي بدلا من المطلع الطللي، وعدد أبياتها 84 بيتا ومطلعها:
إنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيرُ نَفَلْ ** وبإذْنِ اللّهِ رَيْثي وعَجَلْ
أحمد اللهَ فَلا نِدَّ لَهُ ** بيدَيْهِ الخَيرُ ما شاء فَعَلْ
مَنْ هَداهُ سُبُلَ الخَيرِ اهْتَدَى ** ناعِمَ البَالِ ومَنْ شاءَ أضَلّ
وتعد قصيدة لبيد التي يرثي فيها أخاه إربد الأشهر بين قصائده، وقد استهلها بمطلع حكمي مشيرا فيها إلى حقيقة الموت للمرء وتبقي النجوم وسائر مظاهر الطبيعة من دونه ذاكرا ما كان من أمره مع شقيقه وأنسه به، قبل أن يفارقه ويفصله عنه الموت ويؤكد على أن فجيعته بأخيه هي فجيعة عامة، لافتا إلى أنه عانى أحوال الدهر كلها فلم يعد يجزع أو يطرب لها، بل غدا لا مباليا بها، محتقرا ما يتفاخر به الناس، ويرى أن المال والأهل ليسوا سوى ودائع في أيدينا، لا يلبث الموت أن ينتزعها منا. فالموت محتم يلازم الحياة ملازمة الأصابع للعصا. وتنحو القصيدة في مجملها نحوا مشبعا بالسويداء والقنوط والنعي، ومما جاء في القصيدة ذات الـ20 بيتا:
بلينا وما تبلى النجومُ الطَّوالِعُ ** وتَبْقَى الجبالُ بَعْدَنَا والمَصانِعُ
وقد كنتُ في أكنافِ جارِ مضنّة ٍ ** ففارقَني جارٌ بأرْبَدَ نافِعُ
فَلا جَزِعٌ إنْ فَرَّقَ الدَّهْرُ بَيْنَنا ** وكُلُّ فَتى ً يَوْمًا بهِ الدَّهْرُ فاجِعُ
فَلا أنَا يأتيني طَريفٌ بِفَرْحَة ٍ ** وَلا أنا مِمّا أحدَثَ الدَّهرُ جازِعُ
ومَا النّاسُ إلاّ كالدّيارِ وأهْلها ** بِها يَوْمَ حَلُّوها وغَدْوًا بَلاقِعُ
وَيَمْضُون أرْسَالاً ونَخْلُفُ بَعدهم ** كما ضَمَّ أُخرَى التالياتِ المُشايِعُ
ومَا المَرْءُ إلاَّ كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ** يحورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هُوَ ساطِعُ
ومَا البِرُّ إلاَّ مُضْمَراتٌ منَ التقَى ** وَما المَالُ إلاَّ مُعْمَراتٌ وَدائِعُ
ومَا المالُ والأهْلُونَ إلاَّ وَديعَة ٌ ** وَلا بد يَوْمًا أنْ تُرَدَّ الوَدائِعُ
وفيما يشبه الوصية يوجه لبيد رسالة في قصيدة من 5 أبيات إلى ابنتيه يظهر فيها مودته أن يعيش ولا يموت لافتا إلى أن جميع أبائه من ربيعة إلى مضر قد ماتوا ولم يسلم منهم أحد، فكذلك هو لا بد له من الموت، مشيرا إلى ما أصاب ابنه نزار لعظة لكم تجعلكما تدركان أن الناس متساوون أمام الموت.
تَمَنّى ابنَتَاي أنْ يَعيشَ أبُوهُما ** وهلْ أنا إلاَّ من ربيعة َ أو مضرْ
وفي ابني نزارٍ أُسوة ٌ إنْ جزعتُما ** وَإنْ تسألاهُمْ تخبرَا فيهِمُ الخبرْ
فَقُوما فَقُولا بالذي قَدْ عَلِمْتُمَا ** وَلا تَخْمِشَا وَجْهًا وَلا تحْلِقا شَعَرْ
وقُولا هوَ المرءُ الذي لا خليلَهُ ** أضاعَ، وَلا خانَ الصَّديقَ وَلا غَدَرْ
إلى الحَوْلِ ثمَّ اسم السّلاَمِ علَيكُما ** وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كاملاً فقدِ اعتذرْ



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.