«النقد ما بعد الاستعماري»... لِمَ لمْ يتطور في العالم العربي؟

أنشأه مفكرون ونقاد من العالم الثالث لكن الجهاز النظري أوروبي

غرامشي
غرامشي
TT

«النقد ما بعد الاستعماري»... لِمَ لمْ يتطور في العالم العربي؟

غرامشي
غرامشي

كان من الطفرات النقدية الأبرز في الخمسين عاماً الماضية. إنه النقد ما بعد الاستعماري، أو ما بعد الكولونيالي، الذي يؤرخ ابتداؤه بكتب تأسيسية أشهرها كتاب «الاستشراق» لإدوارد سعيد (1978)، لكن شيوعه وتطوره في المشهد النقدي العالمي المعاصر كان عملية شارك فيها وأسهم بقوة وجدارة نقاد هنود يعملون في أوروبا والولايات المتحدة إلى جانب بعض الأوروبيين.
كان سعيد مطلق الشرارة التي واصل إذكاءها بعد أن اشتعلت بإسهامات له أخرى. لكن اللافت أن ذلك النقد لم ينطلق من البلاد التي عرفت الاستعمار مباشرة، من المعايشة الفردية والثقافية والسياسية للاستعمار وأثره على الثقافة عامة، ومنها البلاد العربية. السؤال لماذا لم يحدث ذلك؟
قبل العثور على إجابة للسؤال لعل من المناسب توضيح بدئي للمقصود بالنقد ما بعد الاستعماري. الدلالة الشائعة للنقد ما بعد الاستعماري، هي أنه النقد الذي يتناول الأعمال الأدبية التي تأثرت بالاستعمار الأوروبي، أي التي جاءت ردة فعل للاستعمار بتصوير آثاره السلبية بما يمثل رداً عليه، أو كما ورد في أحد أهم الكتب التي نظرت لهذا اللون من النقد، كان ما حدث هو أن «الإمبراطورية ترد بالكتابة» The Empire Writes Back، وهو عنوان الكتاب الذي أصدره ثلاثة باحثين في جامعات أسترالية منهم بِل آشكروفت. وعنوان الكتاب مستل من مقالة لسلمان رشدي عنوانها «الإمبراطورية ترد كتابة وبعنف» نشرها عام 1982. الروايات والقصائد والنصوص المختلفة التي تضمنت تعبيراً عن آثار الاستعمار الغربي وتضمنت موقفاً منه، أي أدب ما بعد الاستعمار، هي المادة التي يدرسها النقد ما بعد الاستعماري، هي ما أطلق عليه «أدب ما بعد الاستعمار».
منذ أواخر الثمانينات وحتى اليوم صدرت وتصدر أعمال كثيرة في هذا المجال الضخم، الذي صار من أبرز رواده اثنان من نقاد ومفكري الهند هما: غاياتري تشاكرافورتي سبيفاك وهومي بابا. لكن أبحاث هذين وغيرهما أكدت فيما بعد أن آخرين كانت لهم إسهامات نقدية وفكرية تأسيسية لم يلتفت إليها بالصورة التي حدثت فيما بعد، ومن أولئك المناضل والمفكر المارتينيكي فرانتز فانون والمارتينيكي - الفرنسي آيمي سيزير، إلى جانب كتاب أفارقة مهمين أيضاً هما: الكينيان نغوغي واثيونغو والنيجيري تشينوا أتشيبي.

رضوى عاشور

النقد ما بعد الاستعماري أسهم فيه لاحقاً أوروبيون مثل البريطاني روبرت يونغ، وأضافت له إسهامات تلك وغيرهم ضمتها فيما بعد كتب كثيرة وكبيرة من المختارات. يضاف إلى ذلك باحثون من إيران من أشهرهم حالياً حامد دباشي، الذي يدرس في جامعة كولومبيا بنيويورك.
أما على المستوى العربي فقد نشرت بعض الدراسات في هذا الباب لكنها ليست بكثافة ما نشر من قبل غير العرب. يسترعي الانتباه بين أولئك ساري المقدسي الذي يدرّس الأدب في جامعة لوس أنجليس بكاليفورنيا، وهو ابن الباحث المعروف أنيس المقدسي وابن أخت لإدوارد سعيد. لساري المقدسي دراسة لرواية الطيب صالح «موسم الهجرة إلى الشمال» من زاوية ما بعد كولونيالية أو ما بعد استعمارية. غير أن الأعمال الفكرية الأدبية التي عبرت عن مواقف مضادة للاستعمار كثيرة، وتمتد إلى بدايات الاحتكاك بالمستعمر في سوريا والعراق ومصر والمغرب العربي، ولكنها مما لم يلتفت إليها بالجمع والتحليل لتصير جزءاً من الحراك النقدي والفكري المناهض للاستعمار.
السؤال الذي تطرحه هذه المقالة يتأسس على هذا الوعي بأن الأدب العربي، مثل الثقافة العربية، مر بالتجربة الاستعمارية وتأثر بالاستعمار قليلاً أو كثيراً، كما يتضح من دراسة المقدسي لرواية الطيب صالح، ومع ذلك لم يلتفت النقاد العرب التفاتة جادة إلى أثر الاستعمار في الرواية أو الشعر أو المسرح إلا من باب التأثر بالآخر، وهذا ليس ما يعنى به النقد ما بعد الاستعماري. رضوى عاشور التي نشرت كتاباً حول التابع، الكتاب الذي توقفت عنده في مقالة سابقة، كان رائداً دون شك لكنه لم يستمر فيما أعلم فضلاً عن أن موضوع كتابها لم يكن الأدب العربي وإنما الأفريقي. بل لعل الأهم في هذا السياق المنتج الفكري للجزائري مالك بن نبي الذي وضع أسساً كان يمكن أن يتطور منها نقد ما بعد استعماري، كما في مفهومه الرائد «القابلية للاستعمار». لكن ذلك لم يحدث.
لقد تعرف النقاد العرب على ذلك اللون من النقد، والانشغال الفكري، ليس من خلال إدوارد سعيد فحسب، وإنما من خلال دراسات نشرت بعد ذلك سواء في دوريات مثل «ألف» أو في كتب ومقالات متفرقة، أو في رسائل جامعية. لكن هذا كله لا يعني أن الدراسات ما بعد الاستعمارية قد ازدهرت في العالم العربي، فضلاً عن أن تكون قد تأسست فيها. فلماذا لم يتطور ذلك النقد لدينا وفيما يتصل بأدبنا؟
هنا من الضروري أن أشير إلى أن النقد ما بعد الاستعماري، وإن نشأ على يد مجموعة من مفكري ونقاد ينتمون إلى العالم الثالث، فإن الجهاز النظري، الذي تبلور ذلك النقد من خلاله كان أوروبياً في المقام الأول. في كتاب «الاستشراق» أشار إدوارد سعيد إلى المنطلقين النظريين لنقده للاستشراق: أطروحات الإيطالي غرامشي والفرنسي ميشيل فوكو، مفاهيم مثل «الهيجيموني» (الهيمنة) عند غرامشي و«الخطاب» عند فوكو، فضلاً عن دراسات هذا الأخير لعلاقة المعرفة بالسلطة. لكن هذا لا يعني أن النقد ما بعد الاستعماري ليس سوى نقد أوروبي أو غربي. هو كذلك فيما يتعلق ببنيته النظرية، وفي البيئة التي أتاحت له الظهور والازدهار، لكنه ليس كذلك في الدوافع التي أدت إلى تبلوره، الدوافع التي أدت إلى انتقاء المكونات النظرية ابتداءً ثم البناء عليها بتفاصيل وتفريعات لا يعرفها أو لا يعنى بها الغربيون عامة، ومن ذلك دراسة الاستشراق نفسه، ذلك الحقل الواسع الذي تطور في أوروبا لكن عامة المثقفين الأوروبيين، من مفكرين وعلماء وباحثين، لم يعنوا به. كما أن من ذلك أوضاع العالم غير الغربي سواء كان العالم العربي أو دول آسيا وأفريقيا التي عرفها أبناؤها ولم تعن الكثير لغيرهم. العلاقة بتلك الحقول والأوضاع هي مما يتوقع أن يعنى به مثقف قادم من خارج أوروبا أو في خلفيته الإنسانية والمعرفية ذلك الإرث من الحضارات ومن المعاناة مع المستعمر الأوروبي.
كل ذلك ينطبق بطبيعة الحال على النقاد العرب لا سيما في البلاد، التي عانت بصورة مباشرة وعنيفة من الهيمنة الاستعمارية. وقد أفرزت تلك المعاناة بالفعل أعمالاً اتضح فيما بعد أنها تأسيسية في تطور الدراسات ما بعد الكولونيالية. ففرانتز فانون ناضل، كما هو معروف، مع الثوار الجزائريين وكتابه الشهير «المعذبون في الأرض» كان إفرازاً لذلك النضال. لكن من الصعب القول أيضاً إن فانون وضع أسس النقد ما بعد الكولونيالي على المستوى النظري رغم أهمية تحليله للفكر الغربي وعلاقته بالاستعمار.
إن تطور النظريات في مختلف العلوم الإنسانية يرتبط في نهاية المطاف بالأسس الفلسفية التي تتنامى منها الأسئلة وتتبلور المفاهيم فتنشأ من ذلك قراءات تستكنه حركة التاريخ وتسبر تكوين المجتمعات وتربط ذلك بالاقتصاد والسياسة والمعرفة. المعاناة لا تكفي والحاجة لا تكفي أيضاً. لم تكن الحاجة يوماً أم الاختراع، كما يقول كارل بوبر، أو لم تكن أمه الوحيدة، فإلى جانب تلك الأمومة كان من الضروري أن يكون هناك تراكم معرفي لا فرصة بدونه للاختراع أو الاكتشاف. ولذا فمن من باب أولى أن الحاجة لا تكفي لصياغة النظريات والمفاهيم. النقد العربي الحديث لم يفتقر إلى المعرفة بالفلسفات الغربية أو نظريات علم النفس والاقتصاد والسياسة، لكن المشكلة لدى كثير من النقاد العرب هو غلبة الموقف التتلمذي إزاء تلك الفلسفات والنظريات، أي الاعتقاد الشائع بأن قصارى ما يستطيعه المفكر أو الناقد الأدبي هو هضم ما لدى الآخر هضم المتعلم وليس هضم الدارس الباحث، أي ليس التفاعل معه على نحو مستقل وخلاق.
وتحضرني في هذا السياق صورة ساخرة ومؤثرة تركها الناقد الكبير شكري عياد حين وصف وضع النقد العربي إزاء النقد الغربي بأنه أشبه ما يكون بموقف التلميذ الخجول أمام أستاذه، فالنقد العربي يذهب إلى الجامعات الغربية، كما يقول عياد، ليجلس في الصف «طالباً حيياً متوارياً في زحمة النقد الحديث، لا يتكلم إلا حين يبتسم الأستاذ مشجعاً، فيعلق تعليقه الصغير المؤدب، ثم يعود إلى الاستماع والنقل». إنها بالفعل مشكلة الاستماع والنقل، المشكلة التي اختصرها مالك بن نبي بمفهوم «القابلية للاستعمار»، الذي كان يمكن أن يفضي إلى مفهوم مضاد هو «مقاومة الاستعمار» أو «ما بعد الاستعمار».



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».