بواردي الحرف

تأثر بالعلامة حمد الجاسر فمشى على خطواته وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه

سعد بواردي
سعد بواردي
TT

بواردي الحرف

سعد بواردي
سعد بواردي

قبل أسابيع، كان لقاء مجلس أمناء مؤسسة العلامة حمد الجاسر الخيرية بولي العهد السعودي بوصفه رئيسا فخريّا له.
ويعرف البواردي في العرف الاجتماعي الشعبي بحامل البندقية.
والواقع أن لدى الأديب سعد البواردي سلاحا أمضى من البنادق، وأبلغ من البارود، وهو سلاح الكلمة، الذي ما انفكّ يرفعه منذ ستة عقود مجاهدا به في وجه كل خلل اجتماعي، سلاح لا تنقصه الصراحة، ولا يصدأ مع الوقت، ولا يتلاشى مع العاطفة، ولا تهزّه أعاصير الإحباط.
من سوء حظ كاتب هذه السطور، أنه زامله في العمل التعليمي والثقافي، لكنه لم ينفتح على أعماق فكره ومكامن شخصيّته ومفاتيحها إلا بعد أن تلاقيا على أديم مجلس حمد الجاسر بندواته ومناسباته، وكانا أقرب ما يكونان صفاء وحميميّة عندما تضمّهما مراكب الرحلات الثقافية، فهنا يتجلّى سعد في مزاج رائق صافٍ، ومجالسة تفيد المرافق، لأديب يجيد الصمت والإنصات، لا يبتذل الطرفة، ولا يهذي بما لا يعرف، يتحدث بعبارة منتقاة موزونة، ولا يُعلّق لمجرّد التعليق، ولا ينتقد من أجل الانتقاد، وهو وطني منصف، طيّب السريرة، لا يصبر على الخطأ والخطل، ويطرب لجمال الطبيعة وحسن التنظيم، وينعكس مذاقه على الهندام والكلام والطعام.
تأثّر - بقصد أو من دونه - بالعلامة حمد الجاسر، فمشى على خطواته، وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه، في وفاء لا يبارى، وتعلّم منه معايير الصراحة ورسالة الصحافة ومسؤولية الكلمة، وقد كانا وُلدا وفي فميهما ملعقتان من عصير الحنظل، في بلدتين متجاورتين ومتطابقتين في الظروف المعيشية (الوشم والسِّرّ) شمال غربي الرياض، وإن كان الأخير (البواردي) على حال نسبيّة من اليُسر، فلقد كان والده منذ مطلع القرن الفائت أميرا لبلدته «شقراء» وشاعرا من شعراء النبط فيها، وقد توفي وسعد لمّا يبلغ الثالثة عشرة بعدُ من العمر.
وكما تنقّل حمد الجاسر بين بلدات السِّرّ والقصيم ثم الرياض فمكة المكرمة، خرج البواردي من شقراء إلى عنيزة بالقصيم ليواصل دراسته فيها ثم انتقل إلى مدرسة دار التوحيد بالطائف، لكن حظهما من التعلّم الذاتي كان أكبر مما اكتسباه من التلقّن والحفظ والترديد، فسار التلميذ بوجه عام - كما سلف - على خطى شيخه الجاسر في أسلوب النشأة، وفي مسلك الدراسة، وفي مسألة الزواج المتأخر، وقادتهما الصدف إلى مصاهرة أسرة بذاتها، ثم بفارق ثلاثة أعوام تماثلا في ممارسة النشر عندما قادا مشعل التنوير الصحافي في محيطيهما في الرياض والخبر، وبلغت التلمذة ذروتها عندما تعاونا معا في معاودة إصدار مجلة «اليمامة» الحالية في ظل مؤسسة اليمامة الصحافية.
واليوم يظل سعدٌ يردّد قول عوف الشيباني «إن الثمانين وبلغتها، قد أحوجت سمعي إلى ترجمان» وهو لمّا يزل يمسك بالقلم في يمينه يواصل المقالة في عدد من المطبوعات، ويصدح بلسانه في كل مهرجان يعنيه، ويلتزم بحرية تعبير منضبطة سار عليها منذ اليوم الأول من صدور صحيفته «الإشعاع».
كان سعد من أجل طلب الرزق قد نزح من شقراء إلى مدينة الخبر في المنطقة الشرقية مرورا بالأحساء، ليعمل بالتالي في متجر لأدوات السيارات جامعا بين الوظيفة والهواية، وقد بدأ يمارس الكتابة في «يمامة» الجاسر و«أخبار الظهران» للجهيمان والملحوق وفي صحيفة «البلاد السعودية» التي كان يرأس تحريرها عبد الله عريف، ثم صار - بانتظام وبإنتاج غزير إلى اليوم - يكتب نثرا وشعرا مرة باسمه الصريح ومرّات بأسماء مستعارة، بحسب طبيعة الموضوع.
كانت الرياض العاصمة (1952) أسبق من شرق السعودية بسنتين في إصدار المطبوعات الصحافية، باستثناء صحف أرامكو «مجلة قافلة الزيت»، والصحيفة الإنجليزية «الشمس والوهج». لكن المنطقة الشرقية ما إن بدأت فيها جريدة «أخبار الظهران» لعبد الكريم الجهيمان حتى تسابق صدور المجلات فيها، فلحقت بها صحيفة «الفجر الجديد» ليوسف الشيخ يعقوب، ومجلة «الإشعاع» لسعد البواردي، ثم مجلة «الخليج العربي» من الأحساء ثم «الخبر» لعبد الله شباط، وانتهاء بمجلة «مارد الدهناء» من سكة الحديد.
كان لافتا للنظر في عهد الملك سعود في الخمسينات تسارعُ صدور المطبوعات الصحافية في المناطق السعودية الثلاث؛ الوسطى والغربية والشرقية، وإن كانت السمة الغالبة عليها ضعف الإمكانات المادية والفنية، لكنها تميّزت بمستوى من الحريّة النسبية في ممارسة النقد الاجتماعي، وهي ظاهرة صحيحة إلى حدٍ ما لكنها جعلت معظم الصحف - و«الإشعاع» من بينها - تدفع الثمن من أجلها بأنواع مختلفة من الإجراءات المشددة، وقد دفع ضعف الصحف بالحكومة في عام 1963 بُعيد إنشاء وزارة الإعلام، لتغيير نظام الصحافة مما كان يطلق عليه عُرفا عهد الأفراد إلى ما سمي صحافة المؤسسات الأهلية.
وكان لافتا للنظر ثانيا، أن المنطقة الشرقية التي أنجبت هذا العدد من ال مطبوعات الصحافية في الخمسينات قد انكفأت فيها الصحافة في العقود اللاحقة مكتفية بصحيفة «اليوم» وبمجلة «الشرق» التي تحوّلت مؤخرا إلى جريدة يومية، في حين حافظت صحافة أرامكو على مكانتها.
أصدر سعد البواردي مجلة «الإشعاع» الأدبية الاجتماعية الشهرية في سبتمبر (أيلول) 1955 من مدينة الخبر شرق السعودية واستمرت عامين صدر منها خلالهما ثلاثة وعشرون عددا جمعها مؤخّرا في مجلد واحد، مجلة قاسمت سعدا حلاله وراحته، لكنها - باستقطابها أسماء لامعة وبثباتها على منهج من الصراحة والشفافية - سجلت نفسها علامة مضيئة من علامات النهضة الفكرية في شرق السعودية، وسجلت صاحبها ورئيس تحريرها ضمن قائمة أبرز الروّاد في عالم الأدب والصحافة في المنطقة ذاتها، من أمثال عبد الله شباط ويوسف الشيخ يعقوب وشقيقه أحمد وعبد الكريم الجهيمان وعبد الله الملحوق وخليل الفزيع ومحمد أحمد الفقي وعبد الله الجشّي وخالد الفرج ومحمد سعيد المُسْلِم وعباس خزام وسعيد البريكي وموسى آل الشيخ حسّان وعبد الرحمن العُبيّد وموسى الشيخ علي ومحمد سعيد الخنيزي وأخيه عبد الله وحسن الشيخ فرج وعبد المحسن الخنيزي ومهدي الشمّاسي وعبد الجليل السيف وعبد الوهاب المجمّر وعلي باقر العوّامي وأخيه حسن، ومنهم من كتب بأسماء مستعارة مثل غازي القصيبي الذي نشر قصائده في تلك الفترة تحت اسم محمد العليني، ويمكن أن يضاف إلى تلك القائمة عبد الله بن خميس وزملاؤه الذين أصدروا العدد اليتيم من مجلة «هجر» بالأحساء (1956م) وذلك فضلا عن صحافيي أرامكو وعموم الأدباء وأرباب القلم، والصحافيين الآخرين المهاجرين من أبناء القطيف (كسلمان الصفواني).
لم يكن يدور في خلد البواردي عندما جاء إلى الخبر وعمره في منتصف العشرينات، أنه سيلج إلى عالم الصحافة ولو من نافذتها، مقتفيا أثر أستاذه الجاسر في الرياض ونهج صديقه الجهيمان في الظهران، لكن التجربة بتحدّياتها كانت قد انغرست في ذهنه، وهواجس الكتابة الصحافية كانت تدغدغ خياله، فنجده يستجيب لاقتراح من يوسف الشيخ يعقوب - الذي تعرّضت صحيفته «الفجر الجديد» للإيقاف - بأن يصدر البواردي صحيفة بديلة، جاعلا اسمها «الإشعاع» الذي ينبثق عن الفجر عند انبلاجه.
صمدت «أخبار الظهران» ومجلة «الإشعاع» سنوات قليلة في منتصف الخمسينات، مشكّلتين علامتين بارزتين تُذكران كلما ذُكرت الصحافة الأهلية في عنقود مدن المنطقة الشرقية (الدمام والخبر والظهران) ومنبرين للرأي النزيه الشفّاف، ضمن محيط تتلاطم فيه فورات الشباب المتحمس من عمّال أرامكو وغيرها، الذين أوقدت فيهم التقلبات السياسية في المنطقة العربية رغبة استباق التغيير وطيش التقليد غير المدروس.
ومع أن الشاب المتحمّس المستنير سعد البواردي المتسلّح بالحرف والكلمة شعرا ونثرا الذي ولج عالم الصحافة مبكرا، كان يعي بتبصّر، مخاطر اللعبة الصحافية منذ بداياتها، حيث افتتح مجلته «الإشعاع» بالعزم على «ألا تكون الصحيفة بوقا ولا مزمارا تدوّي منه صرخات عقيمة، وأن الصحيفة لن تتّخذ من لغة السباب والتهكّم أسلوبا تلج منه إلى قلب القارئ الساذج». وطرق في العامين اللذين أصدر فيهما الصحيفة مواضيع اجتماعية حساسة في معيار تلك الحقبة، ليس أقلها الدعوة إلى تعليم الفتاة، الموضوع الذي اكتوى به كثير من حملة القلم آنذاك.
أقول؛ ومع أنه كان يسير في صحيفته بوعي وبصيرة، فإنها لم تسلم في آخر عامها الثاني من الوقوع في المحذور غير المتوقع، عبر جرأة متزايدة في نقد بعض الهيئات، فكان نصيبها من العقوبة الإيقاف وحظ صاحبها التوقيف ثم الانطواء لمدة عام في صومعة داره في مسقط رأسه؛ شقراء.
وبعد؛ في مجتمعاتنا العربية، هناك شخصيّاتٌ لها تاريخ؛ ماضٍ وحاضر، ولها مجدٌ وإرث، نعايشها يوما بعد يوم، لكننا نادرا ما نفكّر في إنزالها المنزلة التي تناسب مكانتها الرفيعة التي بنتها، أو بتكريمها التكريم الذي يتلاءم وتاريخها، شخصيّاتٌ نقابلها ونتعامل معها ونسمع عنها إذا كانت إدارية أو سياسية، ونقرأ لها إذا كانت رموزا ثقافية، كتّابا أو شعراء أو باحثين، نتحدث داخل مجالسنا عن إنجازاتها ومآثرها، ثم لا نهتم بها إلا بعد أن ترحل ويفوت الأوان بانطفاء ضوئها، ولولا أن في مجتمعنا مؤسساتٍ رسمية ومدنية مثل هذا المهرجان الثقافي تعمل في الوقت المناسب على إبراز مآثرهم والتذكير بهم وهم أحياء، لكان هذا الحكمُ التعميمي هو الأصدق، وما سعد البواردي إلا من هؤلاء.

* إعلامي وباحث سعودي، والكلمة بمناسبة تكريم الأديب السعودي سعد البواردي في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية 29) 17 - 2 - 2014.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».