بواردي الحرف

تأثر بالعلامة حمد الجاسر فمشى على خطواته وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه

سعد بواردي
سعد بواردي
TT

بواردي الحرف

سعد بواردي
سعد بواردي

قبل أسابيع، كان لقاء مجلس أمناء مؤسسة العلامة حمد الجاسر الخيرية بولي العهد السعودي بوصفه رئيسا فخريّا له.
ويعرف البواردي في العرف الاجتماعي الشعبي بحامل البندقية.
والواقع أن لدى الأديب سعد البواردي سلاحا أمضى من البنادق، وأبلغ من البارود، وهو سلاح الكلمة، الذي ما انفكّ يرفعه منذ ستة عقود مجاهدا به في وجه كل خلل اجتماعي، سلاح لا تنقصه الصراحة، ولا يصدأ مع الوقت، ولا يتلاشى مع العاطفة، ولا تهزّه أعاصير الإحباط.
من سوء حظ كاتب هذه السطور، أنه زامله في العمل التعليمي والثقافي، لكنه لم ينفتح على أعماق فكره ومكامن شخصيّته ومفاتيحها إلا بعد أن تلاقيا على أديم مجلس حمد الجاسر بندواته ومناسباته، وكانا أقرب ما يكونان صفاء وحميميّة عندما تضمّهما مراكب الرحلات الثقافية، فهنا يتجلّى سعد في مزاج رائق صافٍ، ومجالسة تفيد المرافق، لأديب يجيد الصمت والإنصات، لا يبتذل الطرفة، ولا يهذي بما لا يعرف، يتحدث بعبارة منتقاة موزونة، ولا يُعلّق لمجرّد التعليق، ولا ينتقد من أجل الانتقاد، وهو وطني منصف، طيّب السريرة، لا يصبر على الخطأ والخطل، ويطرب لجمال الطبيعة وحسن التنظيم، وينعكس مذاقه على الهندام والكلام والطعام.
تأثّر - بقصد أو من دونه - بالعلامة حمد الجاسر، فمشى على خطواته، وحافظ على نهجه ومدرسته ومجلسه، في وفاء لا يبارى، وتعلّم منه معايير الصراحة ورسالة الصحافة ومسؤولية الكلمة، وقد كانا وُلدا وفي فميهما ملعقتان من عصير الحنظل، في بلدتين متجاورتين ومتطابقتين في الظروف المعيشية (الوشم والسِّرّ) شمال غربي الرياض، وإن كان الأخير (البواردي) على حال نسبيّة من اليُسر، فلقد كان والده منذ مطلع القرن الفائت أميرا لبلدته «شقراء» وشاعرا من شعراء النبط فيها، وقد توفي وسعد لمّا يبلغ الثالثة عشرة بعدُ من العمر.
وكما تنقّل حمد الجاسر بين بلدات السِّرّ والقصيم ثم الرياض فمكة المكرمة، خرج البواردي من شقراء إلى عنيزة بالقصيم ليواصل دراسته فيها ثم انتقل إلى مدرسة دار التوحيد بالطائف، لكن حظهما من التعلّم الذاتي كان أكبر مما اكتسباه من التلقّن والحفظ والترديد، فسار التلميذ بوجه عام - كما سلف - على خطى شيخه الجاسر في أسلوب النشأة، وفي مسلك الدراسة، وفي مسألة الزواج المتأخر، وقادتهما الصدف إلى مصاهرة أسرة بذاتها، ثم بفارق ثلاثة أعوام تماثلا في ممارسة النشر عندما قادا مشعل التنوير الصحافي في محيطيهما في الرياض والخبر، وبلغت التلمذة ذروتها عندما تعاونا معا في معاودة إصدار مجلة «اليمامة» الحالية في ظل مؤسسة اليمامة الصحافية.
واليوم يظل سعدٌ يردّد قول عوف الشيباني «إن الثمانين وبلغتها، قد أحوجت سمعي إلى ترجمان» وهو لمّا يزل يمسك بالقلم في يمينه يواصل المقالة في عدد من المطبوعات، ويصدح بلسانه في كل مهرجان يعنيه، ويلتزم بحرية تعبير منضبطة سار عليها منذ اليوم الأول من صدور صحيفته «الإشعاع».
كان سعد من أجل طلب الرزق قد نزح من شقراء إلى مدينة الخبر في المنطقة الشرقية مرورا بالأحساء، ليعمل بالتالي في متجر لأدوات السيارات جامعا بين الوظيفة والهواية، وقد بدأ يمارس الكتابة في «يمامة» الجاسر و«أخبار الظهران» للجهيمان والملحوق وفي صحيفة «البلاد السعودية» التي كان يرأس تحريرها عبد الله عريف، ثم صار - بانتظام وبإنتاج غزير إلى اليوم - يكتب نثرا وشعرا مرة باسمه الصريح ومرّات بأسماء مستعارة، بحسب طبيعة الموضوع.
كانت الرياض العاصمة (1952) أسبق من شرق السعودية بسنتين في إصدار المطبوعات الصحافية، باستثناء صحف أرامكو «مجلة قافلة الزيت»، والصحيفة الإنجليزية «الشمس والوهج». لكن المنطقة الشرقية ما إن بدأت فيها جريدة «أخبار الظهران» لعبد الكريم الجهيمان حتى تسابق صدور المجلات فيها، فلحقت بها صحيفة «الفجر الجديد» ليوسف الشيخ يعقوب، ومجلة «الإشعاع» لسعد البواردي، ثم مجلة «الخليج العربي» من الأحساء ثم «الخبر» لعبد الله شباط، وانتهاء بمجلة «مارد الدهناء» من سكة الحديد.
كان لافتا للنظر في عهد الملك سعود في الخمسينات تسارعُ صدور المطبوعات الصحافية في المناطق السعودية الثلاث؛ الوسطى والغربية والشرقية، وإن كانت السمة الغالبة عليها ضعف الإمكانات المادية والفنية، لكنها تميّزت بمستوى من الحريّة النسبية في ممارسة النقد الاجتماعي، وهي ظاهرة صحيحة إلى حدٍ ما لكنها جعلت معظم الصحف - و«الإشعاع» من بينها - تدفع الثمن من أجلها بأنواع مختلفة من الإجراءات المشددة، وقد دفع ضعف الصحف بالحكومة في عام 1963 بُعيد إنشاء وزارة الإعلام، لتغيير نظام الصحافة مما كان يطلق عليه عُرفا عهد الأفراد إلى ما سمي صحافة المؤسسات الأهلية.
وكان لافتا للنظر ثانيا، أن المنطقة الشرقية التي أنجبت هذا العدد من ال مطبوعات الصحافية في الخمسينات قد انكفأت فيها الصحافة في العقود اللاحقة مكتفية بصحيفة «اليوم» وبمجلة «الشرق» التي تحوّلت مؤخرا إلى جريدة يومية، في حين حافظت صحافة أرامكو على مكانتها.
أصدر سعد البواردي مجلة «الإشعاع» الأدبية الاجتماعية الشهرية في سبتمبر (أيلول) 1955 من مدينة الخبر شرق السعودية واستمرت عامين صدر منها خلالهما ثلاثة وعشرون عددا جمعها مؤخّرا في مجلد واحد، مجلة قاسمت سعدا حلاله وراحته، لكنها - باستقطابها أسماء لامعة وبثباتها على منهج من الصراحة والشفافية - سجلت نفسها علامة مضيئة من علامات النهضة الفكرية في شرق السعودية، وسجلت صاحبها ورئيس تحريرها ضمن قائمة أبرز الروّاد في عالم الأدب والصحافة في المنطقة ذاتها، من أمثال عبد الله شباط ويوسف الشيخ يعقوب وشقيقه أحمد وعبد الكريم الجهيمان وعبد الله الملحوق وخليل الفزيع ومحمد أحمد الفقي وعبد الله الجشّي وخالد الفرج ومحمد سعيد المُسْلِم وعباس خزام وسعيد البريكي وموسى آل الشيخ حسّان وعبد الرحمن العُبيّد وموسى الشيخ علي ومحمد سعيد الخنيزي وأخيه عبد الله وحسن الشيخ فرج وعبد المحسن الخنيزي ومهدي الشمّاسي وعبد الجليل السيف وعبد الوهاب المجمّر وعلي باقر العوّامي وأخيه حسن، ومنهم من كتب بأسماء مستعارة مثل غازي القصيبي الذي نشر قصائده في تلك الفترة تحت اسم محمد العليني، ويمكن أن يضاف إلى تلك القائمة عبد الله بن خميس وزملاؤه الذين أصدروا العدد اليتيم من مجلة «هجر» بالأحساء (1956م) وذلك فضلا عن صحافيي أرامكو وعموم الأدباء وأرباب القلم، والصحافيين الآخرين المهاجرين من أبناء القطيف (كسلمان الصفواني).
لم يكن يدور في خلد البواردي عندما جاء إلى الخبر وعمره في منتصف العشرينات، أنه سيلج إلى عالم الصحافة ولو من نافذتها، مقتفيا أثر أستاذه الجاسر في الرياض ونهج صديقه الجهيمان في الظهران، لكن التجربة بتحدّياتها كانت قد انغرست في ذهنه، وهواجس الكتابة الصحافية كانت تدغدغ خياله، فنجده يستجيب لاقتراح من يوسف الشيخ يعقوب - الذي تعرّضت صحيفته «الفجر الجديد» للإيقاف - بأن يصدر البواردي صحيفة بديلة، جاعلا اسمها «الإشعاع» الذي ينبثق عن الفجر عند انبلاجه.
صمدت «أخبار الظهران» ومجلة «الإشعاع» سنوات قليلة في منتصف الخمسينات، مشكّلتين علامتين بارزتين تُذكران كلما ذُكرت الصحافة الأهلية في عنقود مدن المنطقة الشرقية (الدمام والخبر والظهران) ومنبرين للرأي النزيه الشفّاف، ضمن محيط تتلاطم فيه فورات الشباب المتحمس من عمّال أرامكو وغيرها، الذين أوقدت فيهم التقلبات السياسية في المنطقة العربية رغبة استباق التغيير وطيش التقليد غير المدروس.
ومع أن الشاب المتحمّس المستنير سعد البواردي المتسلّح بالحرف والكلمة شعرا ونثرا الذي ولج عالم الصحافة مبكرا، كان يعي بتبصّر، مخاطر اللعبة الصحافية منذ بداياتها، حيث افتتح مجلته «الإشعاع» بالعزم على «ألا تكون الصحيفة بوقا ولا مزمارا تدوّي منه صرخات عقيمة، وأن الصحيفة لن تتّخذ من لغة السباب والتهكّم أسلوبا تلج منه إلى قلب القارئ الساذج». وطرق في العامين اللذين أصدر فيهما الصحيفة مواضيع اجتماعية حساسة في معيار تلك الحقبة، ليس أقلها الدعوة إلى تعليم الفتاة، الموضوع الذي اكتوى به كثير من حملة القلم آنذاك.
أقول؛ ومع أنه كان يسير في صحيفته بوعي وبصيرة، فإنها لم تسلم في آخر عامها الثاني من الوقوع في المحذور غير المتوقع، عبر جرأة متزايدة في نقد بعض الهيئات، فكان نصيبها من العقوبة الإيقاف وحظ صاحبها التوقيف ثم الانطواء لمدة عام في صومعة داره في مسقط رأسه؛ شقراء.
وبعد؛ في مجتمعاتنا العربية، هناك شخصيّاتٌ لها تاريخ؛ ماضٍ وحاضر، ولها مجدٌ وإرث، نعايشها يوما بعد يوم، لكننا نادرا ما نفكّر في إنزالها المنزلة التي تناسب مكانتها الرفيعة التي بنتها، أو بتكريمها التكريم الذي يتلاءم وتاريخها، شخصيّاتٌ نقابلها ونتعامل معها ونسمع عنها إذا كانت إدارية أو سياسية، ونقرأ لها إذا كانت رموزا ثقافية، كتّابا أو شعراء أو باحثين، نتحدث داخل مجالسنا عن إنجازاتها ومآثرها، ثم لا نهتم بها إلا بعد أن ترحل ويفوت الأوان بانطفاء ضوئها، ولولا أن في مجتمعنا مؤسساتٍ رسمية ومدنية مثل هذا المهرجان الثقافي تعمل في الوقت المناسب على إبراز مآثرهم والتذكير بهم وهم أحياء، لكان هذا الحكمُ التعميمي هو الأصدق، وما سعد البواردي إلا من هؤلاء.

* إعلامي وباحث سعودي، والكلمة بمناسبة تكريم الأديب السعودي سعد البواردي في المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية 29) 17 - 2 - 2014.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.