«مقابلة مع السيد آدم 2»: الغموض بين الجاذبية والنفور

دراما بوليسية ركيزتها توتر الأجواء وتكاثر الأسئلة

غسان مسعود أتقن شخصية آدم عبد الحق (صفحته على «فيسبوك»)   -   محمد الأحمد في لقطة من المسلسل
غسان مسعود أتقن شخصية آدم عبد الحق (صفحته على «فيسبوك») - محمد الأحمد في لقطة من المسلسل
TT

«مقابلة مع السيد آدم 2»: الغموض بين الجاذبية والنفور

غسان مسعود أتقن شخصية آدم عبد الحق (صفحته على «فيسبوك»)   -   محمد الأحمد في لقطة من المسلسل
غسان مسعود أتقن شخصية آدم عبد الحق (صفحته على «فيسبوك») - محمد الأحمد في لقطة من المسلسل

ينجو المسلسل السوري «مقابلة مع السيد آدم 2» من شِباك الوقت. فالزمن الفاصل بين جزئه الأول والثاني في رمضان الحالي، 3 سنوات. وهي مدّة كافية لتسرّب النسيان إلى أحداثه. ما نتابعه مُتقن، لكنه يثير الارتباك. المشاهدة ليست مريحة رغم جماليتها. ومتعة انتظار الآتي يلفحها شعور بـ«الإرهاق». السياق تَعاقُب دهاليز مؤدية إلى ضوء ينبغي اللهاث قبل بلوغه.
بقي البطل غسان مسعود ظلاً حتى أطلّ في منتصف المسلسل (كتابة فادي سليم وإخراجه؛ تعرضه «قناة أبوظبي»). لم تسجل براءته من الجرائم المُتورِّط بها دهشة على مستوى التوقعات. فذلك مُرجّح. أجواؤه من شأنها القبض على الأنفاس. عنصر الغموض، مُحرّكها، سيف ذو حدين.
يزيد قليلاً، فينقلب السحر على الساحر. نشاهد فتتكاثر الأسئلة: كيف ومتى جرى كل هذا؟ قصدُ الغموض الجذب، وأحياناً يغدو منفراً. كأن عقل المُشاهد في مَهمّة، والمسلسل يشترط التركيز لربط الأحداث، وإلا اختلط الحابل بالنابل. هناك الجرائم، في مقابل تحقيقات «المقدّم ورد» (محمد الأحمد بأداء متقن). كلما فُتح باب، أُغلق آخر. والعمل واثق بمفاتيحه، يملك منها ما يجعل التشويق وطرح القضايا وفن المطاردة، في قبضته.
ستبدو لعبة القط والفأر ضئيلة في توصيف السعي إلى الحقيقة. المخطط كبير ومَن وراءه يحرقون الحقل لإخضاع التربة. عقود وصفقات وسمسرة، يطرحها المسلسل من جانب الأثمان المُترتّبة. يخرج عن المستهلَك بكشف العلاقة بين الفساد والحائمين في دوامته من جلادين وضحايا.
هيمنة الفرضية على نقاط الحسم، والمُبطّن على المباشر، تمنحه خصوصيته. صنفه البوليسي يحيله على توتر الأجواء، وأمواجه المتربّصة تسلبه سكينة البرّ. أمام سؤال «مَن الفاعل؟»، تتخبّط المراكب وتحول الثقوب دون الإبحار الآمن إلى الوُجهة.
توريط الدكتور في علم الجناية آدم عبد الحق (أداء بارز لغسان مسعود) بقضية كلّفته مقتل ابنته بعد خطفها (الجزء الأول)، يُشعل في داخله الرغبة بالثأر والتفرّغ لوضع الخطط. الحكم بإعدامه غيابياً، وزجّ يده اليمنى «مصطفى» (مصطفى المصطفى بدور يجيد ضبطه) بالسجن لسنوات، لم يردعا عقله الصاحي من التحرّك نحو الهدف. الأسباب والدوافع متداخلة، ولا سلطة لطرف على آخر. مرة يتقدّم السبب ومرة يتراجع الدافع؛ وفي الحالتين، يُصاب ترتيب الأحداث بعلّة المسلسل: الغموض المتمادي.
على خط فكّ العقدة، يكمن المقدم ورد لطرف الخيط. شخصية تناسب أجواء المسلسل، اندفاعية، جوّانية، غليانها داخلي. ولولا مشهد صفع زوجته السابقة جراء توتره العصبي نتيجة تعقّد معطيات التحقيق؛ لَما انتقل سلوكه إلى درجة الانفعال الأقصى. التوأمة مع العمل تفقده استقراره الأسري، فتغادره امرأته وتضبط مواعيد لقائه بابنته. وكر الدبابير يلدغه.
تحمله حاجة إلى ولادة خطوط درامية جديدة تعزّز مبررات الجزء الثاني، إلى قرية تحت اسم آخر. «ربيع القصاص»، هوية زائفة لصاحب سوابق، ينتحلها بغرض مطاردة آثار الوحش. يدرك المسلسل كيف يولد من جديد ويُقنع بولادته. على مقلب البحث عن دلائل وإثبات فرضيات، تؤدي نور علي بشخصية (هنادي) دوراً لافتاً يُخرجها من كادر الأنثى المتكئ جمالها على شكلها. عملها في أدوات البناء، ومناكفاتها مع طليقها حسن (محمد حداقي، عفوي الأداء)، يمنح السياق «استراحة محارب» على مستوى الإبهام من جهة، و«تشويقاً» على مستوى التقلّبات العاطفية. خطّ القرية موفَّق.
الممثلون يملأون الحكاية ببعدها الحي ومكانتها الفنية. الجميع في دور مناسب، «يتآمرون» على حرق الأعصاب. الحكم على جدوى سيطرة الغموض بهذا الشكل و«فوضى» الأحداث، مُرجأ حتى النهاية. وهي محطّ أنظار تستحق الترقّب. قد يتعمّد المسلسل تشتيت الانتباه وخلط الأوراق، وذلك «مبرر» ما دام هناك شيء «كبير» في الانتظار. الأقل، ليس في مصلحته.
محرّكان إضافيان للأحداث، لا يسمحان لها بالتراخي: رنا شميس بإتقانها شخصية (ديالا العباس)، ويزن خليل بإضافاته على مسار شخصية (يوسف عبد الحق). ثعلبان. الأولى تتفنن في المناورة والقصف على غير جبهة، والثاني متلوّن، حقيقي في استحالة الثقة به. كلاهما يطعن في الظهر، يشكلان رافعة درامية من شأنها تغيير المجريات.
انضمام ترف التقي بشخصية (سماح) إلى ثنائية الزوجين السابقين (ديالا) و(يوسف)، مع المحامي جبران (شادي الصفدي)، ينذر باحتدام السباق نحو المخالفات. وهي قائمة منذ الجزء الأول حين كانت «عليا البيك» (كارمن لبس) في الواجهة. الآن، تُدار الأمور من تحت الطاولة، وتُعقد الصفقات بما يتجاوز تبييض الأموال إلى التورّط في ضرب اقتصاد البلد.
الأسماء كثيرة، جميعها يؤدي المطلوب: منة فضالي، فاديا خطاب، جيانا عنيد، سدير مسعود (يمسك دور «معتصم البيك»)، سوزانا الوز وتولاي هارون، مع ربا المأمون وجمال العلي وخلفهما إشكالية الوصفات الطبية المزوّرة والمعضلة الأخلاقية في صراع الظرف والمال. باقي الأسماء لها موقعها، تتحالف مع النص والكاميرا على ضمان موقع المسلسل في صف متقدّم.
يمكن الرهان على الغائب، بحجم الرهان على العنصر الحاضر. العمل يحتمل «التكتيك» قبل الهجمة الأخيرة. وجود غسان مسعود كفيل بتأكيد الزخم. ذكاء الشخصية ووعيها العقلي لمعة كتابية يجدر الاعتراف بها.


مقالات ذات صلة

سوسن بدر: دوري في «الست موناليزا» منحني فرصة تمثيلية نادرة

يوميات الشرق سوسن بدر (حسابها على فيسبوك)

سوسن بدر: دوري في «الست موناليزا» منحني فرصة تمثيلية نادرة

لا تبدو «سميحة» في «الست موناليزا» شخصية يمكن النظر إليها من زاوية واحدة؛ فهي ليست الشريرة، ولا المرأة الطيبة، بل شخصية تتحرك داخل منطقة رمادية شديدة الثراء.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق رامز جلال وأسماء جلال بعد المقلب (حسابه على فيسبوك)

أسماء جلال تتحرك ضد برنامج رامز جلال

أثار برنامج «رامز ليفل الوحش» جدلاً حول حدود المزاح والمسؤولية الإعلامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق مبنى الإذاعة والتلفزيون المصري «ماسبيرو» (الهيئة الوطنية للإعلام) 

مصريون يتمسكون بـ«الراديو» في رمضان رغم «إغراءات» التلفاز

لم يقتصر استقبال مصريين لشهر رمضان على التزاحم بالأسواق لشراء التمور والياميش أو الفوانيس بل امتد مشهد الزحام إلى ورش الصيانة ومراكز إصلاح أجهزة الراديو 

محمد عجم (القاهرة)
يوميات الشرق مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

بعد يومين من الجدل المصاحب لتسجيل شهادات نسائية عبر حسابات موثقة لأصحابها على «فيسبوك» تجاه مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
يوميات الشرق مسلسل «صحاب الأرض» يرصد اعتداء الجيش الإسرائيلي على الأطباء في غزة (الشركة المتحدة)

إشادات بـ«صحاب الأرض» بعد توثيقه معاناة أهل غزة درامياً

حصدت الحلقات الأولى من المسلسل المصري «صحاب الأرض» إشادات عربية لافتة عبر مواقع «السوشيال ميديا» لتوثيقه معاناة سكان غزة خلال الحرب الإسرائيلية على القطاع.

انتصار دردير (القاهرة)

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».