سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة

خبراء دوليون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» عن محددات التنافس الدولي المحتدم

سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة
TT

سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة

سباق الذكاء الاصطناعي... أميركا تتقدم والصين وروسيا قد تغيران المعادلة

إن ثورة الذكاء الاصطناعي تبدو في طريقها لتطوير آلات ربما تكون أكثر ذكاءً، مثلما خلقت الثورة الصناعية في الماضي آلات أقوى من البشر؛ لذلك ينظر إلى هذه التكنولوجيا، على أنها «ستكون حاسمة في تحديد الدول التي تهيمن على السياسة العالمية»، كما يقول خبراء استطلعت «الشرق الأوسط» تقديراتهم، التي حصرت المنافسات الكبرى راهناً في هذا المضمار بين الولايات المتحدة والصين، مع حضور بعيد نسبياً لدول أخرى، ومراقبة لإمكانية تأثير تحالف محتمل للصين وروسيا على تغيير المعادلة.
واكتسب الحديث عن الذكاء الاصطناعي زخماً كبيراً، بعد إصدار تطبيق روبوت المحادثة «تشات جي بي تي»، وما تلاه من إصدارات أحدث مثل «جي بي تي–4»، غير أن مفهوم تكنولوجيا «الذكاء الاصطناعي» يشمل عدداً لا يحصى من التطبيقات، التي تسهم في تسهيل حياة الناس اليومية، مثل تشخيص الأمراض، وتحسين مقومات التربة الزراعية، وتحليل بيانات العملاء بالنسبة للشركات، وتحديد المحتوى السيئ على وسائل التواصل الاجتماعي، والترجمة بين اللغات.
ووفق هذا المفهوم الأوسع للذكاء الاصطناعي، فإن «الولايات المتحدة الأميركية تأتي في مقدمة السباق، يليها الصين، بينما توجد محاولات بارزة قد تساعد دولاً نامية مثل الهند على اللحاق بالسباق، فيما تقتصر مساهمات الدول النامية الأخرى، على النوع الأبسط من الذكاء الاصطناعي، وهو التعلم الآلي»، وفق ما يقدر جون ويتلوفر، أستاذ الرياضيات والفيزياء بجامعة ييل الأميركية في تصريحات لـ«الشرق الأوسط».
ويوضح ويتلوفر أن «الذكاء الاصطناعي يشمل مجالين رئيسيين، وهما التعلم الآلي والتعلم العميق؛ وبينما تتوافق آليات التعلم الآلي مع مجموعات البيانات الأصغر والمنظمة جيداً، فإن خوارزميات التعلم العميق أكثر ملاءمة لمشكلات العالم الواقعي المعقدة، على سبيل المثال، التنبؤ بأمراض الجهاز التنفسي باستخدام صور الأشعة السينية للصدر».
وتعمل الكثير من التطبيقات الحديثة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مثل ميزة الترجمة من (جوجل) إلى العمليات الجراحية بمساعدة الروبوت، على الاستفادة من الشبكات العصبية العميقة، وهذا نوع خاص من نماذج (التعلم العميق)، التي تعتمد بشكل فضفاض على بنية الدماغ البشري.
وبشكل حاسم، فإن هذه الشبكات العصبية تكون متعطشة للبيانات، وغالباً ما تتطلب ملايين الأمثلة لتعلم كيفية أداء مهمة جديدة بشكل جيد، وهذا يعني أنها «تتطلب بنية تحتية معقدة لتخزين البيانات وأجهزة الحوسبة الحديثة، وعلماء ومهندسي الذكاء الاصطناعي الموهوبين، والموارد اللازمة لذلك، مقارنة بنماذج التعلم الآلي الأبسط، التي لا تحتاج لكل ذلك».
ويقول ويتلوفر: «بينما يمكن أن تجد في دول نامية تطبيقاً قائماً على التعلم الآلي البسيط مثل تطبيق يربط بين أصحاب محلات البقالة والموردين، أو تطبيق يساعدك على معرفة أماكن الزحام المروري، فإن النوع الآخر من تطبيقات التعلم العميق، لا يزال بعيداً عن متناول هذه الدول، باستثناء الهند التي اتخذت خطوات مهمة».
وتملك 44 دولة حول العالم خططها الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، لكن لا تزال أميركا، ومن بعدها الصين في مقدمة هذا السباق.
مواهب الذكاء الاصطناعي
وفي السباق على هيمنة الذكاء الاصطناعي: «تمتلك الصين أحد الموارد المهمة، وهي مواهب الذكاء الاصطناعي، حيث تعد موطناً لمجتمع أبحاث الذكاء الاصطناعي الأسرع نمواً في العالم»، وفق ما يقول يو تشوان، بمعهد الدراسات العليا للمعلوماتية الطبية الحيوية بجامعة تايبيه الطبية بالصين.
وتقدم الصين أوراقاً بحثية في مجال الذكاء الاصطناعي أكثر مما تقدمه الولايات المتحدة، وزاد «عدد المؤلفين الصينيين الذين يسهمون في أهم مجلات الذكاء الاصطناعي بمقدار 12 ضعفًا من عام 2009 إلى عام 2019. وهو الآن أعلى بنحو 2.5 مرة من عدد المساهمين الأميركيين»، كما يوضح تشوان لـ«الشرق الأوسط».
ولكن في مقابل كمّ الأبحاث، ترى دراسة أجراها مركز الأبحاث الأميركي (ماكرو بولو) في عام مارس (آذار) من 2020، أن «الولايات المتحدة لا تزال رائدة في مجال الجودة، حيث يجري الاستشهاد بأوراق البحث الأميركية بنسبة 70 في المائة أكثر من الأوراق الصينية».
وتشير هذه الدراسة أيضاً، إلى أن «هناك تدفقاً في المواهب الدولية بمجال الذكاء الاصطناعي من الصين إلى أميركا، وذلك بناءً على تحليل عينة من الأوراق التي جرى قبولها في أحد مؤتمرات الذكاء الاصطناعي، حيث وجدوا أنه على الرغم من قيام باحثين بارزين في الذكاء الاصطناعي بإجراء دراساتهم الجامعية في الصين أكثر من أي دولة أخرى، فإن الغالبية العظمى من هؤلاء الخبراء غادروا لمتابعة عملهم في الخارج، وجاء أكثر من نصفهم إلى الولايات المتحدة.
وبالتالي وفقاً لهذه الدراسة: «قد تكون الصين أكبر مصدر لمواهب الذكاء الاصطناعي، لكن الولايات المتحدة هي المستفيد الأكبر من مواهب الباحثين الصينيين».
الشرائح المتقدمة
وكما تثير نقطة الأكثر إنتاجاً للأبحاث والمواهب خلافاً بين كبيريْ مجال الذكاء الاصطناعي (أميركا، والصين) فإن هناك مجالاً آخر للتنافس في القطاع يتعلق بـ«الشرائح المتقدمة المتخصصة»، والتي تمنح الولايات المتحدة نفوذاً لا مثيل له في سلسلة توريد الذكاء الاصطناعي.
ويستخدم نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً الآلاف من الرقائق المتقدمة، ولا يمكن تصنيع هذه الرقائق إلا باستخدام التكنولوجيا الأميركية.
وللاستفادة من هذه الميزة، حظرت إدارة الرئيس جو بايدن في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022 على الشركات بيع معدات تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة وشرائح الذكاء الاصطناعي المصنوعة باستخدام التكنولوجيا الأميركية إلى الصين.
ووفق تقرير نشرته، مجلة «فورين أفيرز» في 4 أبريل (نيسان) الحالي، تعتمد الصين بشكل كبير على الرقائق الأجنبية، حيث تستورد ما يزيد على 400 مليار دولار منها سنوياً، ولهذا الحظر وفق تقرير المجلة تأثير مزدوج يتمثل في «حرمان الصين من القدرة على شراء أجهزة ذكاء اصطناعي متطورة والأدوات التي تحتاج إليها لبناء أجهزة خاصة بها».
ويقول التقرير إنه في بدايات عام 2023، انضمت اليابان وهولندا، وهما المصنعان الرئيسيان الآخران لمعدات تصنيع أشباه الموصلات إلى الضوابط الأميركية للحظر، حيث تسيطر الدول الثلاث على 90 في المائة من السوق العالمية لمعدات تصنيع أشباه الموصلات، وبالتالي يمكن للقيود أن تضمن تراجع الصين في مجال الذكاء الاصطناعي.
ولكن إذا كانت السيطرة على إنتاج الشرائح تمنح الولايات المتحدة ميزة على الصين، فإن تشوان، يراها في المقابل: «تحمل جانباً سلبياً، لأن كثافة أبحاث الذكاء الاصطناعي في الحوسبة، ستحتاج من الولايات المتحدة المزيد من الاستثمار في موارد الحوسبة، لذلك قد يكون منع الشرائح عن الصين، وكأن أميركا تعاقب نفسها اقتصادياً، وهو ما يقتضي البحث عن موارد لمساعدة الأكاديميين الأميركيين على البقاء في المنافسة في أبحاث الذكاء الاصطناعي المتطورة».
قواعد بيانات متنوعة
ويتفق جويجيت تشاترجي، عالم البيانات بجامعة هال البريطانية، مع ما ذهب إليه تشوان في أن نقاط التميز الأميركي السابقة، تحمل في طياتها بعض الجوانب السلبية، ولكن ربما تكون الميزة الأهم في رأيه، هي أنه ورغم أن عدد سكان الصين يبلغ 1.4 مليار شخص، وبالتالي يكون ذلك ميزة للباحثين للصينيين في الوصول إلى بيانات أكثر من نظرائهم الأميركيين، إلا أن التكنولوجيا ليست دائمًا مقيدة بالحدود، وشركات التكنولوجيا الأميركية الكبرى، لديها انتشار عالمي يتجاوز الشركات الصينية.
ويقول تشاترجي لـ«الشرق الأوسط»: «لدى (فيسبوك)، على سبيل المثال، 2.7 مليار مستخدم، و(يوتيوب) لديه أكثر من 2 مليار مستخدم، بينما (وي تشات)، أكبر تطبيق في الصين، لديه 1.2 مليار مستخدم، وهذا من شأنه أن يمنح شركات التكنولوجيا الأميركية قواعد بيانات أكثر تنوعاً».
ومع اعترافه بالتفوق الأميركي على الصين، وهو تفوق تغذية شركات مثل «مايكروسوفت» و«جوجل» و«آي بي إم»، وهما رواد في التعلم العميق والتعلم الآلي، إلا أن جويدو فيلر، من جامعة ويسترن بكندا، والذي عمل على تطبيقات للذكاء الاصطناعي في مجال الصحة، لا يستبعد حدوث تغيير في الخريطة «إذا نجحت روسيا في تحقيق هدفها بإقامة نظام عالمي جديد».
ويقول فيلر لـ«الشرق الأوسط»: «إذا نجحت روسيا في ذلك، وأصبح هناك تحالف صيني - روسي، فلن يكون السباق حينها سباقاً أميركياً - صينيا، ولكنه سيكون تنافساً بين الشرق والغرب»، مستدركاً: «إذا لم يحدث ذلك، فيجب ألا نغفل وجود كندا واليابان وكوريا الجنوبية في السباق، وهي دول تمضي قدماً بهدوء في مبادراتها الخاصة في مجال تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي».
أما بوريس سلافين، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة مالية بموسكو، فيضيف «الهند لقائمة الدول التي أشار فيلر، وقال: «إنه في مجال تقنيات الذكاء الاصطناعي، يتغير كل شيء بسرعة، ويمكن للبلدان النامية مثل الهند، التنافس مع الدول القائدة في مجالات معينة».
محاولات محدودة
وحملت الكثير من الأوراق البحثية المنشورة مؤخراً مبادرات كان مصدرها دولاً نامية استخدمت الذكاء الاصطناعي في مجالات مختلفة، مثل الزراعة، ومنها ما نشرته دورية «بلانت ميثودز» المتخصصة في طرق الزراعة المختلفة في أغسطس (آب) من عام 2019، عن نجاح فريق بحثي من معهد التنوع البيولوجي والبحوث البيئية في دار السلام بتنزانيا، في ابتكار تطبيق إلكتروني يعمل على الهواتف الذكية يتيح لمزارعي الموز فحص مزارعهم لاكتشاف خمسة أنواع مختلفة من أمراض النباتات التي قد تصيب محاصيلهم.
وتوجد أيضاً مبادرات في مجال الصحة، ومنها تطوير تطبيق قائم على الرسائل القصيرة في تنزانيا، يجعل عملية تسجيل المواليد أكثر كفاءة وفاعلية من حيث التكلفة، ويمكن للآباء الوصول إليها.
وتظل هذه المبادرات مجرد محاولات محدودة للغاية، وهذا «ليس بسبب افتقار تلك البلدان إلى التصميم أو الإرادة للحاق ببقية العالم، ولكن نتيجة لانشغال تلك الدول بالتحديات الإنمائية الجادة والمتعددة، مثل القضاء على الفقر وتحقيق التنمية المستدامة»، كما توضح فيكيتامويلوا أوتويكامانو، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والممثلة السامية لأقل البلدان نمواً والبلدان النامية غير الساحلية والدول الجزرية الصغيرة النامية، في مقال نشرته بموقع الأمم المتحدة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...