تركيا تؤكد استعدادها لدعم التوصل إلى حل لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا

مباحثات لافروف في أنقرة ركزت على اتفاقية الحبوب والطاقة والتطبيع مع سوريا

تركيا تؤكد استعدادها لدعم التوصل إلى حل لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا
TT

تركيا تؤكد استعدادها لدعم التوصل إلى حل لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا

تركيا تؤكد استعدادها لدعم التوصل إلى حل لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا

أكدت تركيا استعدادها لتقديم الدعم للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب بين روسيا وأوكرانيا على أساس القانون الدولي.
جاء ذلك خلال مباحثات وزيري خارجية تركيا وروسيا؛ مولود جاويش أوغلو وفلاديمير بوتين، في أنقرة، اليوم (الجمعة)، التي تناولت العديد من القضايا، في مقدمتها العلاقات بين أنقرة وموسكو بجميع جوانبها، حيث يتم تأكيد رغبة الجانبين في الاستمرار بتطوير العلاقات فيما بينهما، على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث سيتم شحن أول مفاعل في محطة «أككويو» النووية لتوليد الكهرباء في مرسين جنوب تركيا، في 27 أبريل (نيسان) الحالي، بحسب ما أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الأسبوع الماضي.
وناقش جاويش أوغلو ولافروف العديد من الملفات الدولية والإقليمية، في مقدمتها تطور الملف السوري، والأزمة الأوكرانية، واتفاقية إسطنبول بشأن الممر الآمن للحبوب في البحر الأسود، التي جرى تجديدها لمدة 60 يوماً فقط في 19 مارس (آذار) الماضي، بسبب تمسك روسيا برؤية خطوات جادة لتطبيق الشق المتعلق بتصدير إنتاجها من الحبوب والأسمدة والمنتجات الزراعية أسوة بالحبوب الأوكرانية.
كما تناولت المباحثات الأوضاع في منطقة القوقاز، والملف الليبي، وملف انضمام فنلندا والسويد إلى عضوية «حلف شمال الأطلسي» (ناتو)، وغيرها من الملفات التي تهم تركيا وروسيا.
ووصل لافروف إلى أنقرة، مساء أمس، واستقبله جاويش أوغلو على مأدبة إفطار في أنقرة. ومن المحتمل أن يستقبله الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في وقت لاحق، اليوم، قبل مغادرته.
وتنسق تركيا وروسيا في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، رغم التباينات في مواقفهما تجاه العديد من هذه القضايا. وتسعى أنقرة إلى وساطة لإنهاء الحرب في أوكرانيا، كما تسعى لإقناع روسيا بتمديد اتفاقية الحبوب لمدة 120 يوماً، بعد بادرة حسن النية التي أبدتها موسكو؛ بالموافقة على تمديد الاتفاقية لمدة 60 يوماً، بدلاً من الـ120 يوماً المتفَق عليها من الأساس. وتدعم أنقرة تنفيذ الشق الثاني منها المتعلق بتصدير الأسمدة والمنتجات الزراعية الروسية، التي لا تُعدّ خاضعة للعقوبات الغربية المفروضة على موسكو بسبب اجتياحها أوكرانيا في 24 فبراير (شباط) 2022، لكن الدول الغربية عرقلت الصادرات التركية، وتبذل الأمم المتحدة، الطرف الرابع والرعي للاتفاقية الموقعة في إسطنبول، في 22 يوليو (تموز) 2022 مع روسيا وأوكرانيا وتركيا، التي جرى تمديدها للمرة الأولى في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لمدة 120 يوماً.
وسمح الاتفاق بخروج أكثر من 25 مليون طن من الحبوب من أوكرانيا، التي تُعدّ من أكبر منتجي الحبوب في العالم؛ ما ساهم في تجنب وقوع أزمة غذاء عالمية بسبب الحرب مع روسيا.
ونجحت تركيا منذ بدء الحرب في الحفاظ على علاقات جيدة مع أوكرانيا وروسيا، رغم مصادقتها مؤخراً، بعد أشهر من الرفض، على طلب انضمام فنلندا إلى «الناتو» لتصبح العضو 31 في الحلف الغربي، منذ الثلاثاء الماضي، كما يُتوقع أن تصادق تركيا في نهاية المطاف على طلب مماثل للسويد.
ولفتت وزارة الخارجية الروسية، في بيان عشية زيارة لافروف لأنقرة، إلى أنه رغم تعقيد الوضع الدولي، فإن الحوار السياسي الروسي التركي مستمر على مستوى رئيسي البلدين في المقام الأول، حيث يتواصل الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان باستمرار، إما عبر الهاتف أو وجهاً لوجه، والتقيا العام الماضي 4 مرات في سوتشي وطهران وسمرقند وأستانا.
واحتل الملف السوري، لا سيما ما يتعلق بتطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، حيزاً كبيراً من مباحثات جاويش أوغلو ولافروف، حيث تدفع روسيا باتجاه تحقيق التطبيع وإعادة العلاقات التركية - السورية إلى طبيعتها قبل عام 2011.
وفي هذا الإطار، عُقدت سلسلة من اللقاءات، بوساطة روسيا، بدأت باجتماعات أمنية بين أجهزة الأمن والاستخبارات، وانتقلت إلى مستوى أعلى بالاجتماع الثلاثاء لوزراء الدفاع ورؤساء أجهزة المخابرات في كل من روسيا وتركيا وسوريا في موسكو، 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكان ينتظر أن يعقبه اجتماع لوزراء الخارجية، يمهد للقاء الرئيسين رجب طيب إردوغان وبشار الأسد، لكن الخطوة تعثرت بسبب إصرار دمشق على انسحاب القوات التركية من شمال سوريا.
وأعلنت تركيا أن الأمر يستدعي عقد اجتماعات فنية جديدة بمشاركة إيران، ورحبت روسيا بانضمامها. وعُقد في موسكو، الثلاثاء، اجتماع رباعي على مستوى نواب ووزراء خارجية الدول الأربع، لمناقشة مسار التطبيع بين أنقرة ودمشق، الذي تحرص تركيا على أن يتواكب مع مسار أستانا للتسوية السياسية في سوريا، وعلى ضمان تعاون فعال في القضاء على الإرهاب ومظاهر التهديد على حدودها الجنوبية، لا سيما من المسلحين الأكراد، وهو السبب الذي تقول إنه هو الذي من أجله تواصل قواتها العسكرية البقاء في شمال سوريا، فضلاً عن ضمانات لعودة آمنة وكريمة للاجئين السوريين لديها.
وكان اجتماع موسكو ذو الطبيعة الفنية، انتهى بالتوافق على الاستمرار في المباحثات. وأعلن المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، أول من أمس (الأربعاء)، عن لقاء محتمل قريباً بين وزراء خارجية ودفاع تركيا وسوريا وروسيا وإيران.
ويُعدّ ملف الطاقة أحد الملفات المهمة، التي تناولتها مباحثات جاويش أوغلو لافروف، حيث تم التأكيد على استمرار تعزيز التعاون بين البلدين، وإقامة مركز في تركيا لتصدير الغاز الروسي إلى أوروبا، بموجب الاتفاق بين الرئيسين إردوغان وبوتين، في العام الماضي.
وبحث الوزيران موضوع بدء تحميل أول مفاعل نووي في محطة «أككويو» الكهروذرية التي تتولى شركة «روساتوم» الروسية إنشاءها في مرسين جنوب تركيا، المقرر في 27 أبريل الحالي.
في السياق ذاته، كشفت وسائل إعلام تركية عن زيارة قام بها كالين إلى موسكو في 30 مارس (آذار) الماضي، عقد خلالها اجتماعاً خاصاً مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حضره اثنان من مستشاري بوتين مسؤولان عن الاقتصاد والسياسة الخارجية.
وذكرت التقارير التركية أنه تم خلال الاجتماع، الذي استغرق نحو الساعة، بحث التعاون في مجال الطاقة النووية ومراسم تدشين المفاعل الأول من المفاعلات الأربعة لمحطة أككويو في 27 أبريل، وخطة إنشاء مركز الغاز الدولي في تركيا، الذي سيعمل على وصول الغاز الروسي إلى دول أوروبا، والعلاقات التجارية، وتعزيز التعاون السياحي بين البلدين، وتداعيات كارثة زلزالي 6 فبراير في تركيا، والمساعدات التي قدمتها روسيا، وكذلك تمديد اتفاقية شحن الحبوب عبر البحر الأسود، ومساعي تركيا لإنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا.
ولفتت إلى أن كالين نقل رسائل من إردوغان حول هذه الموضوعات مباشرة إلى بوتين.
ومن المقرر أن تقام مراسم تحميل أول مفاعلات محطة أككويو للطاقة النووية بالوقود في 27 أبريل، وأعلن إردوغان عن احتمال حضور بوتين مراسم التحميل رغم قرار «المحكمة الجنائية الدولية» اعتقاله لاتهامه بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا. ومن المقرر أن يحضر بوتين الافتتاح عبر «الفيديو كونفرنس».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...