أفلام عربية تسعى لجوائز النقاد

وسط إشكالات الهويّة والانتماء

لقطتان من «لأجل وطني» (ميزار فيلمز)
لقطتان من «لأجل وطني» (ميزار فيلمز)
TT

أفلام عربية تسعى لجوائز النقاد

لقطتان من «لأجل وطني» (ميزار فيلمز)
لقطتان من «لأجل وطني» (ميزار فيلمز)

واحد من المناسبات التي يحفل بها مهرجان «كان» في كل سنة، هو حفل يقوم به «مركز السينما العربية» خلال فترة المهرجان، حيث يوزّع جائزة أفضل فيلم عربي، حسب الاستفتاء الذي يجريه مع عدد كبير من النقاد والصحافيين العرب والأجانب. تقليد يحيي بعض السكون السائد في العلاقة بين النقد والأفلام العربية.
على مدى عدة سنوات ينتظر متابعون هذه المناسبة المهمّة لمعرفة من هو الفيلم العربي، الذي سيفوز بجائزة أفضل فيلم عربي، حسب تلك المجموعة من النقاد. لا بد، تبعاً لفرضية أن المقترعين هم نقاد يعرفون أصول النقد وشروط التفريق بين أي عمل وآخر، أن تكون المناسبة التي تجتمع فيها الأفلام المتنافسة (23 فيلماً هذا العام) تحت مجهر المحكّمين الذين يخرجون بقرارات منفردة وليس عبر نقاشات كون العروض تتم «أونلاين»، وليس في غرف اجتماعات.

هوية عربية؟
لكن هناك نقطتان لم تُعالجا بعد تُثيران أسئلة محقة حول المناسبة ككل.
1 - ليس كل الأفلام العربية الجيّدة مشمولة في هذه المسابقة. المتوفر هو الأفلام العربية التي عرفت طريقها لعروض مهرجاناتية ومناسبات خارج العالم العربي. بالتالي، إذا كان هناك فيلم رائع لم يجد طريقه للعروض العالمية فإنه غير ممثّل هنا، وليس لديه فرصة لكي يشهد فرصة مماثلة في أهميّتها.
2 - نتائج فرز الأصوات تبقى سر المؤسسة التي تقوم بالمبادرة. ليس أن هناك شكاً في نزاهة أحد، ولا في جدّية وأمانة المشرفين عليها، لكن المجال مفتوح لتأويلات في هذا الشأن، ما دام أنه لا أحد من المشاركين في التصويت يستطيع أن يقرأ كيف اتجه الاستفتاء، ومن صوَّت لمن، وعدد المصوّتين للفيلم الفائز على الأقل. وما دام أنه لا شك في نزاهة أحد فإنه لا شيء يمنع، إذن، من نشر كيف اتجه تصويت النقاد وما الذي حصده كل فيلم على حدة. مجلة «سايت أند ساوند» البريطانية لا تكتفي بنشر الأرقام في إحصائياتها، بل تقوم كذلك بنشر قائمة من صوّت لأي فيلم. هذه شفافية.
ثم هناك مسألة تتجاوز مهام ومسؤوليات المناسبة المحتفى بها. هل «عروبة» تلك الأفلام تنتمي إلى هوية المخرج الذي قد يضع اسم بلده كشريك في الإنتاج سواء قام بالتمويل المادي أو لم يفعل؟ أو تنتمي إلى أن المخرج عربي حتى ولو كان الفيلم غير ناطق بالعربية؟ بعض تلك الأفلام تقوم على عدد من المنح القادمة من مؤسسات عربية، لكن الإنتاج الفعلي أوروبي وكندي وأميركي، فما هو الأساس في «عروبة» هذا الفيلم أو ذاك؟ ليس أن هذه الأفلام لا يحق لها دخول المسابقة لكنها تبدو كما لو كانت تتميّز بوضع لا يشمل باقي الإنتاجات الأخرى المُستحَقة.
فيلم «لأجل وطني» لرشيد حامي وُصف بأنه فرنسي وأنتارتيكي. فرنسا معروفة لكن أنتارتيكي هو مكان وليس بلداً (عند القطب الجنوبي). موقع IMBd يذكر أن الإنتاج فرنسي - تايواني وهذا أكثر دقة وصحّة إذ تم تصوير مشاهد عديدة في تايوان.

ثلاثية
«لأجل وطني»، إخراج الجزائري - الفرنسي رشيد حامي، دراما حول مجنّد من أصل جزائري مات برصاص رفاق سلاح فرنسيين بطريق الخطأ. والدته وشقيقه يطالبان الإدارة العسكرية بوضع رفاته في قبر الجنود الذين ماتوا خلال خدمة العلم وليس في مقبرة مدنية. موضوع جيد في معالجة ذكية بحد ذاتها.
فيلم «الملكة الأخيرة» يجمع كذلك الجزائر (من خلال هوية مخرجيه داميان وينوري وعديلة بندمراد) لجانب فرنسا وتايوان. فيلم مختلف تماماً، من حيث إنه يدور في حقبة تاريخية بعيدة تقع أحداثها خلال الحكم الإسباني للجزائر ومعني بصراع على الحكم ما بين الملكة التي تم اغتيال زوجها وبين شقيقه الذي قام بفعل الاغتيال.
اسم فرنسا موجود على 13 فيلماً من الأفلام المشتركة في «جوائز الفيلم العربي»، والفيلم الوحيد الذي يحمل اسم بلد عربي من دون شراكة ثانية (عربية أو أجنبية) هو الفيلم الفلسطيني «اليد الخضراء» لجمانة منّاع.
الفيلم الفلسطيني ذكي الإخراج بديع المعالجة يجمع بين التسجيلي والروائي بأسلوب تلقائي النبرة والتنفيذ. فكرته تقوم على حقيقة أن حصاد نباتَي الزعتر الأخضر والعقّوب اللذين ينموان طبيعياً في فلسطين حق الإسرائيليين فقط حسب القانون. في المقابل لا يحق للفلسطينيين لا زرعه ولا حصده ولا حتى قطف بعضه.
الفيلم الفلسطيني الثاني المتوفر في المسابقة هو «عَلَم»، لفراس خوري، الذي جمع تمويلاً سعودياً وقطرياً وتونسياً وفرنسياً وتم تصويره في القدس الغربية. حكاية محاولة لرفع العلم الفلسطيني فوق مدرسة يرفرف فوقها العلم الإسرائيلي وقصّة استلطاف قد يقود إلى حب بين طالب وطالبة.
اللبناني وسام شرف يعرض «قذر صعب خطر» (على هذا النحو وبلا فواصل). جهد لتأمين أسلوب يشبه طريقة كتابة العنوان إذ يسرح بلا ضوابط ما بين الحكاية وأبعادها. شاب سوري مهاجر إلى بيروت، وإثيوبية تعمل في الخدمة وقعا في الحب. لا مستقبل لهما لكنهما لن يعترفا بذلك وهما يقرران الهجرة من لبنان.
علي شري هو مخرج لبناني جديد آخر وضع سيناريو فيلم «السد»، وانتقل لتصويره في السودان. حكاية عامل في موقع صحراوي بعيد يبني تمثالاً من الطين. كان حرياً به أن يدرك أن المطر سوف يحيل التمثال إلى كومة طمي. بعض التجريب لكن الفيلم لا يوفر سبباً لنفسه.
أفضل ما شاهده الناقد من هذه الأفلام، لجانب «الملكة الأخيرة»، ثلاثة تتجانس في طموحها صوب تأكيد الأهمية الفنية أولاً وهي «أشكال» ليوسف شبّي (تونس) و«حرقة» للطفي ناتان (تونس). كلا الفيلمان يقومان على طرح وضع تونس الاجتماعي. كلاهما يحتويان على مشاهد لبشر يحرقون أنفسهم في مكان عام، مما يذكّر بمأساة محمد البوعزيزي، و«القفطان الأزرق» لمريم توزاني (المغرب).
في صف ثانٍ، يأتي «لأجل وطني» لرشيد حامي (فرنسا) و«شظايا السماء» لعدنان بركة (المغرب) و«اليد الخضراء» لجمانة منّاع (فلسطين).



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز