مرحلة سلام انتقالية يمنية بانتظار اللمسات الأخيرة

خالد بن سلمان التقى العليمي وأكد استمرار الدعم السعودي

رئيس مجلس القيادة اليمني لدى لقائه الأمير خالد بن سلمان في الرياض (واس)
رئيس مجلس القيادة اليمني لدى لقائه الأمير خالد بن سلمان في الرياض (واس)
TT

مرحلة سلام انتقالية يمنية بانتظار اللمسات الأخيرة

رئيس مجلس القيادة اليمني لدى لقائه الأمير خالد بن سلمان في الرياض (واس)
رئيس مجلس القيادة اليمني لدى لقائه الأمير خالد بن سلمان في الرياض (واس)

تدخل الأزمة اليمنية عامها التاسع وسط مداولات ومدارسات لمرحلة انتقالية تغلق الحرب فصولها، إذ كشف مصدر يمني مطّلع لـ«الشرق الأوسط» عن مسودة سلام شاملة للأزمة يتم وضع اللمسات الأخيرة لها برعاية أممية، وتنقسم إلى عدة مراحل وفي مقدمها وقف شامل لإطلاق النار في البلاد، وفتح جميع المنافذ البرية والجوية والبحرية، ودمج البنك المركزي، واستكمال تبادل الأسرى والمعتقلين (الكل مقابل الكل).
جاءت الأنباء في وقت أكد فيه الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي استمرار دعم المملكة المتواصل لليمن، وجهود مجلس القيادة الرئاسي لتحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، ودعم الجهود كافة للتوصل إلى حل سياسي شامل يُنهي الأزمة اليمنية وينقل اليمن وشعبه للسلام والتنمية.
ووفقاً لبيان نُشر صباح أمس (الخميس)، شدد الأمير خالد بن سلمان لدى لقائه رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني على استمرار دعم السعودية للمجلس في المجالات كافة؛ وبما يخدم الشعب اليمني ويحقق تطلعاته، ناقلاً تحيات خادم الحرمين الشريفين وولي العهد رئيس مجلس الوزراء، لرئيس وأعضاء المجلس، وتمنياتهما للجمهورية اليمنية وشعبها الأمن والاستقرار.
المصادف أن «الشرق الأوسط» رصدت رجال الأعمال اليمنيين الذي كانوا يُشهرون (الخميس) ناديهم في مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد، وفاجأهم رئيس الغرفة التجارية بنبأ الإجراءات الاقتصادية والسياسية الجديدة، مؤكداً رفع الحظر عن 500 من السلع التي كانت ممنوعة منذ بداية الحرب، كما أعلن أن السفن التجارية ستتجه مباشرةً إلى ميناء عدن.
ونقلت وكالة «سبأ» أن اجتماع رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي مع وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ناقش مستجدات الجهود الرامية لإحياء مسار السلام في اليمن من خلال عملية سياسية شاملة برعاية الأمم المتحدة، تضمن إنهاء المعاناة الإنسانية، واستعادة الأمن والاستقرار والتنمية في البلاد.
كان محمد عبد السلام، الناطق باسم الحوثيين، قد أفاد على «توتير» بأنهم ناقشوا مع المبعوث الأممي لليمن قبل يومين، في سلطنة عمان، الترتيبات الإنسانية والسياسية للحل الشامل ومراحل ترتيبات الإفراج عن الأسرى في خطوات مستمرة لا تتوقف وصولاً إلى الإفراج الكامل.
يقول أحمد ناجي، وهو كبير الباحثين في «مجموعة الأزمات الدولية»، لـ«الشرق الأوسط»: «من المهم الإشارة إلى أن اعتماد المسار السياسي في حل الصراع في اليمن هو خطوة في الاتجاه الصحيح، خصوصاً أن النهج العسكري أثبت فشله».
- المراحل الثلاث
الخطة التي تتم مناقشتها تنقسم إلى ثلاث مراحل: الأولى ستة أشهر، ثم ثلاثة أشهر، وأخيراً سنتان. إلا أن المصادر نفسها أشارت إلى أن هذه الترتيبات الزمنية ما زالت خاضعة للنقاش، وقد يتم إجراء تعديلات عليها حسبما تراه الأطراف اليمنية لصالح إنهاء النزاع.
وتقضي الخطة التي يتم وضع اللمسات الأخيرة عليها –حسب المصدر– في مرحلتها الأولى بإعلان وقف إطلاق النار ثم تشكيل لجان فنية لدمج البنك المركزي وتبادل الأسرى (الكل مقابل الكل)، وبناء الثقة بين الأطراف، ثم مرحلة التفاوض المباشر لتأسيس كيف يرى اليمنيون شكل الدولة، تليها مرحلة انتقالية.
«الخطة تشمل كذلك فتح المنافذ جميعها ورفع القيود على المنافذ البرية والبحرية والجوية وتعود للعمل بشكل طبيعي سواء في مناطق الحوثي أو الشرعية، إلى جانب عملية إصلاح اقتصادية شاملة بدعم سعودي».
وحسب المصدر، فقد شُكلت لجنة لمتابعة هذا الأمر برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، ورئيس الحكومة اليمنية، مع لجنة سعودية مختصة بالجانب الاقتصادي، ويُنتظر أن تُعقد لقاءات خلال اليومين المقبلين.
وفي حين سلمت الحكومة اليمنية ردودها الأخيرة والتعديلات التي تريدها على الخطة المطروحة حالياً، بيَّن المصدر أن الجانب الحكومي طالب بضمانات بعدم وجود أي تحايل أو تراجع من جانب الحوثيين، وأنه في حال حدث أي تلاعب أو التفاف من الحوثيين ستكون الحكومة اليمنية في حِلٍّ من كل هذه الالتزامات، ويجب على المجتمع الدولي ردع هذه الحركة.
جميع الملفات خلال النقاشات بما فيها القضية الجنوبية طُرحت بشكل كبير -على حد تعبير المصدر- الذي زاد بالقول: «طرحت كل الملفات بما فيها القضية الجنوبية بشكل كبير جداً، وهذه مسألة توجد فيها خلافات بين أقطاب العملية السياسية في الدولة، لكنهم يعملون على إصلاحها، العملية طويلة وتحتاج إلى وقت». وتابع بالقول إن «هناك خيارات من ضمنها أن تكون المراحل خمس سنوات أو ثلاثاً بدلاً من سنتين، المسألة تعتمد على الالتزامات والضمانات، الأمر تُرك للأطراف اليمنية في حال رأوا خيارات أخرى، خصوصاً المرحلة الانتقالية، فالجنوبيون يرون أن المرحلة الانتقالية يجب أن تشمل تصوراً لشكل الدولة يُفضي إلى استفتاء أو تقرير مصير (...) وقد أوكل مجلس القيادة الرئاسي إلى أعضائه الجنوبيين؛ الزبيدي والبحسني والعليمي وأبو زرعة، لوضع ورقة تصوُّر حول القضية الجنوبية لمناقشتها ضمن الملفات الرئيسية، وقد عقدوا الاجتماع الأول وسيواصلون العمل».
وتوقع المصدر أن تشهد الأيام القليلة المقبلة إعلاناً لوقف إطلاق النار وتثبيت التهدئة والانسحابات والوقوف عند خطوط التماس، فيما ستحتاج الترتيبات الأخرى ربما إلى أسابيع، على حد تعبيره. وأضاف: «الحوثيون يصعّدون في الجبهات من أجل تحقيق أكبر قدر من المكاسب قبل إعلان وقف إطلاق النار، واستخدام ذلك كجزء من التنازلات، بينما ترى الحكومة أن لديهم جانباً عقائدياً وسلالياً في المنطقة وربما في أي لحظة يخرجون عن سيطرة إيران، وهذا أمر وارد، وبالتالي نعمل على مسارات عدة».
- ترحيب شعبي حذر
وسط ترقب في الشارع اليمني لما ستؤول إليه جهود إحلال السلام وتوقعاتهم أن يكون شهر رمضان نهايةً لمعاناة سببها انقلاب الحوثيين على الشرعية، يؤكد أبو بكر باعبيد، رئيس الغرفة التجارية في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن التغيير هو سُنّة الحياة، وتمنى أن يكون تغييراً إلى الأفضل، ولكنه شدد على أن تحقيق ذلك يتطلب أن يتم الاختيار وفقاً للكفاءة لا المحاصصة الحزبية، وتفعيل مبدأ الثواب والعقاب، ومغادرة اليمنيين مربع الثورة إلى مربع البناء والتنمية.
ويرى رئيس غرفة عدن التجارية أن الإجراءات الاقتصادية سيكون لها تأثير إيجابي كبير على الوضع في اليمن. ووصفها بأنها أهم القرارات التي عرفتها البلاد منذ ثماني سنوات.
أمام ذلك عبّر ناشطون وباحثون عن حذرهم من المبالغة في التفاؤل، وعزوا ذلك إلى عدم ثقتهم بالحوثيين، بخاصة خلال الهدنة الأخيرة التي لم يلتزم الحوثيون فيها لا بوقف النار الكامل، ولا بفتح معابر تعز، محذّرين من المراوغات التي قد تتخذها الجماعة حيال الالتزام.
يعتقد الباحث أحمد ناجي أنه حسب المعلومات المتداولة عن ترتيبات الفترة الانتقالية، وما تحويها من إجراءات إنسانية واقتصادية وسياسية، فإنها بلا شك ستنعكس إيجاباً على حياة المدنيين وتسهم في تخفيف حدة الأزمة الإنسانية التي يعاني منها اليمن منذ بدء الحرب، من ناحية أخرى من المتوقع أن تساعد هذه الإجراءات في تهدئة مستوى التوتر العسكري والسياسي بما يشجع على مزيد من التفاهمات مستقبلاً. خصوصاً أنها تتزامن مع تحسن العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران. لكنّ هذا لا يعني أن إرث ثماني سنوات من الحرب سينتهي قريباً. لأن أي حلول سريعة تظل عاجزة عن معالجة الأوضاع الكارثية في اليمن ما لم تُقرن بحلولٍ تركز على مسببات الصراع واحتواء آثاره.
لكنّ مختار عبد الله، وهو صاحب متجر في عدن، يرى أن هذه الخطوة هي ما يتمناه اليمنيون بعد سنوات من الصراع، ويتمنى أن تكون الأحزاب اليمنية عند مستوى المسؤولية، وأن تعمل من أجل المصلحة العامة لا المصالح الذاتية.
ويؤكد أن الإجراءات الجديدة ستؤدي إلى خفض قيمة السلع وتكاليف نقلها وانسيابها، وهذا أبرز ما يُثقل كاهل المواطن البسيط بعيداً الحسابات والمكاسب والخسائر السياسية.
أما الكاتب عباس الزامكي، فيرى أن التوجه نحو تشكيل حكومة انتقالية مؤشر إيجابي على أن السلام قادم، لأنه لا يمكن الوصول إلى هذه المرحلة دون توصل أطراف الصراع إلى تفاهمات سياسية، لأن إحلال السلام هو غاية كل أبناء الوطن.


مقالات ذات صلة

خالد بن سلمان وعاصم منير يستعرضان التعاون الدفاعي

الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان لدى لقائه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسطنبول الاثنين (واس)

خالد بن سلمان وعاصم منير يستعرضان التعاون الدفاعي

استعرض الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز وزير الدفاع السعودي، مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، آفاق التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الخليج وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء أركان السعودية وتركيا وباكستان في صورة جماعية قبل بدء اجتماعهم في إسطنبول اليوم (أ.ف.ب)

«حلف مكة» يفتح الباب أمام أعضاء جدد وخريطة طريق لتوسيع التعاون

انطلق في إسطنبول، الاثنين، الاجتماع الأول للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية المنبثقة عن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)

وزير الدفاع السعودي يعزي رئيس وزراء قطر في وفاة الشيخ حمد بن خليفة

قدم وزير الدفاع السعودي تعازيه ومواساته في وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، لرئيس مجلس الوزراء القطري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)

لقاء سعودي - بريطاني يبحث التنسيق لمواجهة تحديات المنطقة

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، مع مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول، في جدة، التنسيق المشترك لمواجهة تحديات المنطقة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان (واس)

وزير الدفاع السعودي ونظيره السويدي يبحثان التطورات

بحث الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي، مع نظيره السويدي بول جونسون، التطورات الراهنة في المنطقة والجهود المبذولة تجاهها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أمير قطر أمام الأمم المتحدة: المنطقة في أخطر مراحلها

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

أمير قطر أمام الأمم المتحدة: المنطقة في أخطر مراحلها

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)
الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ف.ب)

أكد الشيخ تميم بن حمد، أمير دولة قطر، الثلاثاء، أن المنطقة تمر بواحدة من أخطر مراحلها، مشيراً إلى أن السبيل لحل الخلافات هو الحوار والتفاوض للتوصل إلى حلول عادلة على أسس منبثقة من القانون الدولي.

وقال أمير قطر خلال كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، في نيويورك، إن «إغلاق ممر مائي دولي (مضيق هرمز) يعبره ربع تجارة الطاقة في العالم، وتحويل شرايين الاقتصاد العالمي إلى أوراق ضغط ومساومة يدفع ثمنه الناس في كل قارة».

ولفت إلى أن قطر «ظلَّت وسيطاً موثوقاً تحذر من أن الزمن لا يحل النزاعات المعلقة دون تسوية عادلة بل يضاعف كلفتها»، منوهاً بأنها «لا تكتفي بدور الوساطة وتيسير الحوار بين أطراف النزاعات بل تبذل جهوداً في الاستجابة الإنسانية لمعاناة الناس نتيجة للحروب والكوارث الطبيعية».

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر يلقي كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وأضاف الشيخ تميم بن حمد: «لا يستقيم الحديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نقطة عمياء فيه»، عادّاً «ما جرى في غزة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، ووصمة عار في جبين الإنسانية جمعاء».

وأشار إلى أن قطر «لم تتوقف عن بذل جهود الوساطة لوقف نزيف الدم، وتخفيف معاناة المدنيين، وإطلاق سراح الأسرى والمحتجزين حتى تحقق وقف إطلاق النار»، مبيناً أن «العدوان الإسرائيلي امتد ليطاول دول الجوار وأمن المنطقة ومن بينها سوريا».

وجدَّد أمير قطر دعم بلاده مؤسسات الدولة في لبنان وسيادتها على كامل أراضيها، معرباً عن إدانتها الاعتداءات الإسرائيلية عليها، ومؤكداً ضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن.

الشيخ تميم بن حمد أمير دولة قطر لدى إلقائه كلمته أمام الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وواصل: «في الوقت الذي نبذل فيه كل ما في وسعنا لتدارك الأوضاع بالجهود الدبلوماسية، عززنا صمودنا دفاعاً عن سيادتنا وأرضنا وشعبنا وعن مقومات حياتنا الطبيعية، وصممنا خططاً اقتصادية مرنة».

وتابع الشيخ تميم بن حمد: «خيارنا في كل أزمة هو الجمع بين الثبات والمرونة وإعلاء مصلحة وطننا وشعبنا والمقيمين على أرضنا، وقيمنا ليست شعاراً نرفعه بل واقعاً نعيشه ونهجاً نمارسه».

وشدَّد على مواصلة بلاده «الاستثمار في التنمية والتعليم والصحة والأمن والتنويع الاقتصادي بما يتماشى مع رؤية قطر الوطنية 2030»، لافتاً إلى أنها «تبقى فضاءً مفتوحاً للحوار والتفاعل الثقافي بين الشعوب وتبادل الآراء والتجارب».


فيصل بن فرحان يشارك في افتتاح أعمال «جمعية الأمم المتحدة»

الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
TT

فيصل بن فرحان يشارك في افتتاح أعمال «جمعية الأمم المتحدة»

الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)
الأمير فيصل بن فرحان لدى ترؤسه وفد السعودية المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)

ترأّس الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، الثلاثاء، وفد بلاده المشارك في افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة بدورتها الـ81، التي تستضيفها مدينة نيويورك الأميركية.

وضم وفد السعودية في افتتاح أعمال الجمعية، الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة لدى الولايات المتحدة، وعادل الجبير وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والدكتور عبد الرحمن الرسي وكيل وزارة الخارجية للشؤون الدولية المتعددة والمشرف العام على وكالة الوزارة لشؤون الدبلوماسية العامة، والأمير مصعب بن محمد الفرحان مستشار وزير الخارجية للشؤون السياسية، والسفير الدكتور عبد العزيز الواصل المندوب الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك.

وفد السعودية المشارك خلال افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة (واس)

كان الأمير فيصل بن فرحان قد أكد في تصريح، الاثنين الماضي، أن مشاركة السعودية في أعمال الجمعية تأتي امتداداً لنهجها في التفاعل مع المجتمع الدولي، ومواصلة دورها في دعم السلم والأمن الدوليين، وتفعيل الحوار والوساطة، والإسهام في مواجهة التحديات المشتركة.

وأضاف وزير الخارجية السعودي أن بلاده تنظر إلى أعمال الدورة المنعقدة تحت شعار «استعادة الثقة وإدارة التحوُّل... أمم متحدة تلبي تطلعات الجميع»، بوصفها فرصة لتجديد التأكيد على المبادئ التي أُنشِئت من أجلها المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بما فيها الاضطلاع بدورها في إحلال الأمن والسلام، وترسيخ القوانين والأعراف الدولية، وتعزيز التعاون الدولي في مواجهة الأزمات.

جانب من افتتاح أعمال الأسبوع رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الـ81 بمدينة نيويورك (واس)

وأضاف الأمير فيصل بن فرحان أن السعودية تؤكد مع التطورات الراهنة في المنطقة، ضرورة التمسُّك بمبادئ القانون الدولي، واحترام سيادة الدول، وحل النزاعات بالوسائل السلمية، وضمان سلامة وحرية الملاحة في الممرات المائية الدولية، بما يحفظ أمن الدول كافة، ويحقق تطلعات شعوبها.

وأشار وزير الخارجية إلى أن السعودية تولي، في مشاركتها هذا العام، اهتماماً بالتنمية المستدامة، وفي مقدمتها تقنيات الذكاء الاصطناعي وسبل الاستفادة منها بصورة مسؤولة في تطوير القطاعات ورفع كفاءتها ودعم الابتكار، بما يحقق عوائد ملموسة للشعوب، بالتزامن مع تسمية المملكة عام 2026 «عام الذكاء الاصطناعي».


السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
TT

السعودية تكتب فصلاً جديداً في مسيرة الطاقة... إرث نفطي وطموح نووي

صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)
صورة أرشيفية لمضخة استخراج النفط في السعودية (واس)

حين تدفّق النفط من بئر الدمام رقم 7 عام 1938، كانت السعودية قد مضى على إعلان توحيدها نحو ستة أعوام، وكان البحث عن موارد تعين على بناء الدولة حاضراً في قرارات مؤسسها الملك عبد العزيز. وبعد سنوات من التنقيب والانتظار، حملت البئر، التي عُرفت لاحقاً باسم «بئر الخير»، بداية تحوّل اقتصادي امتد أثره إلى حياة الناس، وإلى المدن التي اتسعت، والطرق التي وصلت أطراف البلاد.

واليوم، فيما تستقبل المملكة يومها الوطني السادس والتسعين، تتسع حكاية الطاقة لتشمل صناعة النفط والغاز، ومشروعات الشمس والرياح، وآفاق الاستخدام السلمي للطاقة النووية. وتستعيد البلاد هذه الرحلة في عام أظهرت فيه اضطرابات الإمداد خلال الحرب مع إيران قيمة ما بنته من منشآت ومنافذ تصدير بديلة، برز معها «ينبع» على ساحل البحر الأحمر بوصفه أحد المواقع التي أسهمت في استمرار وصول النفط السعودي إلى الأسواق.

البئر التي فتحت الطريق

بدأت إحدى المحطات الحاسمة في هذه الرحلة بتوقيع امتياز التنقيب عام 1933 مع شركة «ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا». وفتح القرار مجالاً لاستكشاف ثروات لم تكن حدودها معروفة، في دولة وضعت التوحيد أساساً لبناء مؤسساتها وتوسيع مواردها. غير أن الوصول إلى النفط بكميات تجارية تطلَّب سنوات من العمل، تخلّلتها نتائج محدودة وأعطال فنية وضغوط بسبب تكلفة التنقيب.

وتحفظ الرواية التاريخية المنشورة في «أرامكو وورلد» تفاصيل من تلك الصعوبات؛ من تعثّر أدوات الحفر وتساقط الصخور داخل البئر، إلى القلق المتزايد بشأن جدوى مواصلة الإنفاق. وفي تلك الأجواء، تمسّك الجيولوجي ماكس ستاينكي بقناعته بأن الاستمرار يستحق المحاولة، مستنداً إلى ما جمعه من شواهد خلال عمله الميداني. وجاءت اختبارات مارس (آذار) 1938 لتثبت وجود إنتاج تجاري، وتفتح الطريق أمام التوسع.

وحول مواقع التنقيب، أخذت تنشأ متطلبات حياة وعمل جديدة. احتاجت الآلات إلى صيانة، واحتاج العاملون إلى مساكن وماء وطرق، واتسعت الحاجة إلى التدريب والنقل والخدمات. ومن هذه التفاصيل اليومية يمكن قراءة جانب من التحوّل؛ إذ دخل السعوديون أعمالاً ومهارات ارتبطت بالصناعة الحديثة، وأصبحت الخبرة التي يكتسبها العامل في موقعه جزءاً من الثروة التي تتراكم فوق الأرض.

جانب من العمل في محطة سكاكا لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية (واس)

صناعة تتسع وخبرة تتراكم

ومع تعاقب العقود، تطورت الصناعة، واتسع الحضور السعودي في إدارتها. واكتملت ملكية الحكومة لأرامكو عام 1980، ثم تأسست شركة الزيت العربية السعودية «أرامكو السعودية» عام 1988. وحملت هذه المسيرة انتقالاً في المسؤولية والقدرة على إدارة الموارد، بالتوازي مع نمو أعمال التكرير والتسويق والاستثمار في الخارج.

وأصبح للبرميل امتداد داخل الاقتصاد؛ من تشغيل المصافي إلى الصناعات التي تستخدم مشتقاته، وما يتصل بها من مقاولات وخدمات هندسية. ومع توسّع هذه الأنشطة، ازدادت أهمية الجامعات والتدريب المهني والبحث التطبيقي، بما يجعل المعرفة المحلية قادرة على تشغيل المنشآت وتطويرها. فالقدرة على إدارة حقل أو مصفاة تتراكم عبر سنوات من العمل، ثم تنتقل من جيل إلى آخر داخل المؤسسة.

ينبع في اختبار الحرب

وخلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في 2026، أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز أهمية تعدّد منافذ التصدير. وأوردت وكالة «رويترز»، في الثاني من أبريل (نيسان)، أن صادرات الخام السعودي عبر ينبع ارتفعت إلى نحو 4.6 مليون برميل يومياً مع تحويل مسارات الشحن. وجاء ذلك في وقت اضطرت فيه دول منتجة، بينها السعودية، إلى خفض الإنتاج بسبب تعطل المرور عبر المضيق.

واستندت هذه الاستجابة إلى خط أنابيب «شرق - غرب» ومرافق التخزين والتصدير التي أُنشئت وطُوّرت على مدى عقود. وأتاحت هذه المنظومة نقل جانب كبير من الإمدادات إلى البحر الأحمر، فظهرت القيمة العملية للاستثمار في منفذ بديل يستطيع استقبال النفط وتخزينه وتحميله عندما يتعثر المسار المعتاد. واستفادت المملكة بذلك من امتدادها بين ساحلين، ومن البنية التي تصل مناطق الإنتاج بمنافذ التسويق.

وفي بيان نتائج النصف الأول من 2026، أوضح رئيس أرامكو وكبير إدارييها التنفيذيين أمين الناصر، أن التخطيط الممتد لعقود، بما يشمله من خطوط أنابيب وتخزين ومرافئ، ساعد الشركة على مواصلة الإنتاج والتصدير رغم اضطرابات هرمز. وأعلنت «أرامكو» صافي دخل معدّلاً بلغ 67.2 مليار دولار للنصف الأول، وهو مؤشر إلى قدرتها المالية خلال تلك الفترة المضطربة.

صورة أرشيفية لمرافق التخزين والأرصفة في ميناء الملك فهد الصناعي بينبع (واس)

وتقدّم تجربة ينبع مثالاً ملموساً على مرونة قطاع الطاقة السعودي؛ فقد مكّنت الاستثمارات السابقة من الحد من تعطل الإمدادات، وأبقت جزءاً مهماً من النشاط التجاري قائماً تحت الضغط. وتظل الحرب مكلفة للإنتاج والنقل والأسواق، فيما تساعد البدائل الجاهزة على احتواء بعض آثارها، وتمنح إدارة الاقتصاد مجالاً أوسع للتعامل مع الصدمات.

خيارات أوسع للطاقة

وتوازي المحافظة على قدرات الصناعة النفطية خطوات لتنويع مصادر الطاقة؛ ففي يوليو (تموز) 2025، أُعلنت اتفاقات شراء طاقة لمشروعات شمسية ورياح بقدرة إجمالية تبلغ 15 غيغاواط، باستثمارات تقارب 8.3 مليار دولار، عبر تحالف تقوده «أكوا باور». وتأتي هذه المشروعات في سياق استهداف توليد نحو نصف الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030، بما يوسّع الاستفادة من موارد الشمس والرياح في المملكة.

ويشمل التوسع قطاع الغاز أيضاً؛ إذ أفادت نتائج «أرامكو» للنصف الأول من 2026 باستمرار إنتاج المرحلة الأولى من الجافورة من غاز البيع والمكثفات، ومواصلة أعمال المرحلة الثانية المتوقع إنجازها في 2027. ويضيف تطوير الغاز مورداً يمكن توظيفه في توليد الكهرباء والصناعة، ويمنح منظومة الطاقة خيارات أوسع لتلبية الطلب المحلي.

وتحمل هذه الاستثمارات أثراً يتجاوز مواقع التوليد نفسها؛ فالمشروعات تحتاج إلى شبكات تنقل الكهرباء، ومورّدين يوفّرون المعدات، وكفاءات تتولى التشغيل والصيانة. وتزداد قيمة التنويع حين يرتبط ببناء هذه القدرات داخل المملكة، وبتوسيع مشاركة المنشآت المحلية في الأعمال، بحيث يرافق نمو الإمدادات نموٌّ في الخبرة والفرص الاقتصادية.

آفاق التقنية النووية

وفي هذا السياق، تبرز الطاقة النووية السلمية ضمن الخيارات التي تعمل السعودية على تطويرها لتلبية احتياجاتها المستقبلية. وتتيح هذه التقنية إنتاج كهرباء منخفضة الانبعاثات الكربونية؛ إذ تُستخدم الحرارة الناتجة من الانشطار النووي في تشغيل منظومة توليد الكهرباء. وبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن تشغيل المحطات النووية لا يُنتج عملياً انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تصاحب حرق الوقود الأحفوري.

ويحتاج بناء برنامج نووي إلى إعداد طويل، يشمل الكوادر والتراخيص والرقابة، وترتيبات الوقود وإدارة النفايات المشعّة. وتوفّر الوكالة الدولية إرشادات ومراجعات للدول التي تطوّر برامجها، بما يساعدها على بناء المؤسسات والخبرات اللازمة. ومن هنا، يرتبط الطموح السعودي في هذا المجال بامتلاك القدرة على إدارة التقنية واستيعاب متطلباتها على امتداد عمر المشروع.

شراكة سعودية - أميركية

وضمن الشراكات التي تخدم هذا المسار، حملت الزيارتان المتبادلتان للرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان محطات للتعاون. ففي زيارة ترمب إلى الرياض في مايو (أيار) 2025، شملت المباحثات ملفات الطاقة والتقنية والمعادن والبنية التحتية. ثم شهدت زيارة ولي العهد إلى واشنطن في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه إعلان استكمال مفاوضات التعاون في الطاقة النووية المدنية، إلى جانب اتفاقات في مجالات أخرى.

وفي 22 يوليو (تموز) 2026، أعلنت وزارة الطاقة الأميركية توقيع اتفاق للتعاون النووي السلمي، المعروف باتفاق «المادة الـ123»، بين وزير الطاقة ووزير الصناعة والثروة المعدنية الأمير عبد العزيز بن سلمان، ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت. وأفاد البيان بأن الاتفاق يضع أساساً قانونياً لشراكة طويلة الأمد، وذكر أنه سيُحال إلى الكونغرس للمراجعة. وتندرج هذه الخطوة ضمن مراحل تأسيس التعاون، تمهيداً لما قد يتبعها من مشروعات وترتيبات تنفيذية.

وتكتسب هذه الشراكات قيمتها بقدر ما تتيحه من وصول إلى التقنيات والخبرات، وما تسهم به في تطوير القدرات السعودية. فالمشروع الذي يبدأ باتفاق يحتاج، عند تنفيذه، إلى مؤسسات وكفاءات تستطيع تحويله إلى إنتاج وخدمات، وربطه باحتياجات الاقتصاد المحلي.

امتداد لحكاية الاستدامة

وفي هذه الرحلة، تبقى الخبرة السعودية عنصراً يصل المراحل ببعضها؛ من العامل الذي تعلّم صيانة معدات الحفر، إلى المهندس الذي يدير شبكة الإمداد، والباحث الذي يستعد لتطبيقات جديدة للطاقة. وكلما اتسعت قدرة المؤسسات على إعداد هؤلاء وتأهيل مَن يأتي بعدهم، اتسعت قدرتها على الاستفادة من الموارد ومواجهة التغيرات.

وتستحضر السعودية في يومها الوطني «بئر الخير» بوصفها بداية فصل اقتصادي مهم في دولة سبق أن وحّدت أرضها. وبعد ثمانية وثمانين عاماً على الاكتشاف، تظهر ثمار تلك الرحلة في صناعة متكاملة، ومنافذ تصدير برهنت على أهميتها وقت الأزمات، ومصادر جديدة يجري تطويرها. وتواصل البلاد، بما راكمته من خبرة، كتابة الفصل التالي من حكاية الطاقة، وتوسيع ما تمنحه هذه الحكاية لأجيالها المقبلة.