كبار قادة «داعش» اليوم من نتاج «الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات

البغدادي جند بعض ضباط الجيش السابق في السجن وأصبحوا الآن ضمن دائرته المقربة

جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)
جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)
TT

كبار قادة «داعش» اليوم من نتاج «الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات

جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)
جنديان أميركيان يمران أمام تمثالين عملاقين من البرونز للرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد في 20 مارس 2009 (أ.ب)

يتذكر علي عمران جيدا ضابطا برتبة رائد حين كان ملتحقا بمدرسة المدفعية التابعة للجيش العراقي قبل نحو عشرين عاما. ولأن الضابط كان متدينا فإنه وبخ عمران لدخوله الحمام وهو يرتدي مشبكا يحمل العلم العراقي لأنه مكتوب عليه عبارة «الله أكبر».
لم ير عمران الرائد طه العاني مرة أخرى إلا بعد سنوات وتحديدا في عام 2003 وقت الغزو الأميركي للعراق واقتحام القوات الأميركية لبغداد. ففي قاعدة عسكرية متواضعة شمال بغداد، كان العاني يتولى الإشراف على شحن أسلحة وذخيرة في سيارات نقل. وأخذ تلك الأسلحة معه عندما انضم إلى جماعة التوحيد والجهاد، وهي نواة تنظيم القاعدة في العراق.
والعاني حاليا قائد في تنظيم داعش، على حد قول عمران، الذي ارتقى في المناصب إلى أن أصبح لواء في الجيش العراقي ويقود حاليا الفرقة الخامسة التي تقاتل تنظيم داعش. وتتبع عمران رفيقه السابق من خلال شبكة القبائل العراقية واستنادا إلى المعلومات الاستخباراتية التي جمعها جهاز مكافحة الإرهاب الرئيسي بالحكومة والذي يعمل به حاليا.
ويعد هذا مسارا شائعا للأحداث، إذ يهيمن على القيادة العليا لتنظيم داعش، تحت قيادة العراقي أبو بكر البغدادي، ضباط سابقون في الجيش العراقي وأجهزة استخبارات في عهد صدام حسين وذلك بحسب ضباط عراقيين رفيعي المستوى يقاتلون تنظيم داعش على خطوط المواجهة الأمامية، وكذلك مسؤولين استخباراتيين رفيعي المستوى، من بينهم رئيس وحدة رئيسية تابعة لاستخبارات مكافحة الإرهاب.
وتعد الخبرة التي يسهمون بها من الأسباب الرئيسية لنجاح التنظيم في السيطرة على مناطق شاسعة من العراق وسوريا. وقد أسهم الضباط بمهاراتهم في التنظيم والانضباط اللازمين من أجل تماسك ووحدة المقاتلين القادمين من مختلف أنحاء العالم، والجمع بين الوسائل الإرهابية مثل العمليات الانتحارية وبين العمليات العسكرية. وقد تولوا مسؤولية جمع المعلومات الاستخباراتية، والتجسس على القوات العراقية، وكذلك صيانة وتطوير الأسلحة ومحاولة وضع برنامج لتصنيع الأسلحة الكيماوية.
وقال باتريك سكينر، مسؤول سابق في الاستخبارات المركزية الأميركية، عمل في العراق، إن «ضباط الجيش والاستخبارات الذين قضوا خدمتهم إبان حكم صدام حسين كانوا (عنصرا ضروريا) في معادلة النجاح المذهل المفاجئ الذي حققه تنظيم داعش على أرض المعركة خلال العام الماضي والذي أسهم في تحول التنظيم من جماعة إرهابية إلى شبه دولة». وأوضح سكينر، الرئيس الحالي للمشروعات الخاصة في شركة «صوفان غروب» الخاصة لخدمات الاستخبارات الاستراتيجية، قائلا: «لم تكن النجاحات التي حققوها خلال العام الماضي نجاحات إرهابية بل نجاحات عسكرية».
وحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس» تفسر الأحداث المتشابكة التي شهدها العقدان الماضيان كيف اندمج ضباط سابقون خدموا خلال حقبة نظام صدام حسين، الذي كان علمانيا بالأساس، في واحد من أكثر التنظيمات تطرفا وتشددا في العالم. ومن بين تلك الأحداث ما سمي بـ«الحملة الإيمانية» التي أطلقها صدام في التسعينات، والغضب الذي كان يعتمل في نفوس الضباط السنة نتيجة حل الولايات المتحدة للجيش العراقي عام 2003، وما أعقبه من ظهور حركة التمرد.
كان سعود محسن حسن، نائب البغدادي، رائدا في جيش صدام حسين. ويعرف باسم «أبو معتز»، و«أبو مسلم التركماني» بحسب ما أوضح رئيس الاستخبارات. كذلك من أسماء حسن الأخرى فاضل الحيالي وهو الاسم المستعار الذي كان يستخدمه قبل سقوط صدام حسين، طبقا لما قاله رئيس الاستخبارات لوكالة «أسوشييتد برس». ومثل آخرين رفض ذكر اسمه في المقال لمناقشته قضايا تتعلق بالاستخبارات.
وبعد عام 2000 سجن حسن في سجن «بوكا»، الذي كانت الولايات المتحدة تتولى إدارته، وكان هو مركز الاعتقال الرئيسي لأعضاء حركة التمرد وحيث كان البغدادي أيضا معتقلا. وكان السجن بمثابة حضانة لتفريخ تنظيم داعش، حيث سمحت لمسلحين مثل البغدادي بالاتصال بضباط سابقين في جيش صدام حسين، من بينهم أفراد في القوات الخاصة، والحرس الجمهوري الذي يعد من النخبة، والقوة شبه العسكرية التي تسمى «فدائيو صدام».
في العنبر رقم 6 بسجن بوكا (قرب البصرة) كان البغدادي يلقي خطبه، وبرز حسن كشخص قادر على التنظيم، إذ كان يقود السجناء في إضرابات من أجل إجبار السجانين الأميركيين على تقديم تنازلات، على حد قول رئيس الاستخبارات. وينتشر نزلاء «بوكا» السابقون حاليا ضمن صفوف قيادة تنظيم داعش ومن بينهم «أبو علاء العفري»، أحد العسكريين السابقين في الجيش العراقي، والذي كان يوما في تنظيم القاعدة، ويعمل حاليا مسؤولا عن «بيت المال» في تنظيم داعش، بحسب وثيقة يعتقد أنها توضح ترتيب المناصب داخل التنظيم عرضها رئيس الاستخبارات.
واستقطب البغدادي هؤلاء الرفاق الموثوق فيهم، وقربهم إليه بعد إصابته في إحدى الهجمات الجوية في وقت سابق من العام الحالي، بحسب ما أوضح رئيس الاستخبارات. كذلك عين عددا منهم في المجلس العسكري للتنظيم، ويعتقد أن عددهم يتراوح بين سبعة وتسعة، أربعة منهم على الأقل كانوا ضباطا في جيش صدام حسين. كذلك قرّب إليه رفاقا سابقين في سجن «بوكا» وجعلهم ضمن دائرته المقربة وأمنه الخاص. كذلك ولى البغدادي بعض الضباط القدامى من حقبة صدام على 12 «ولاية» أقامها التنظيم في المنطقة التي يسيطر عليها في العراق، طبقا لما قاله رئيس الاستخبارات.
وأقر مسؤولون عراقيون بأن تحديد قيادة تنظيم داعش مهمة غير مؤكدة النتائج، فإلى جانب البغدادي ذاته، لا يكشف التنظيم عن أي من قياداته أو مناصبهم تقريبا ولا حتى بأسمائهم المستعارة. وعندما يتم قتل القادة، لا يكون معلوما في أكثر الحالات الأشخاص الذين تولوا المنصب محلهم. وقد وردت تقارير عن مقتل عدد من القيادات، ليتبين فيما بعد أنهم لا يزالون أحياء. ويعتقد أن الشخصيات القيادية تغير أسماءها المستعارة مما يجعل من غير الواضح ما إذا كانت شخصية قيادية أخرى قد تولت المنصب أم لا. ويقول عميد في الاستخبارات العسكرية رفض الإفصاح عن اسمه لمناقشته موضوعا حساسا: «فاق أداء تنظيم داعش العسكري كل التوقعات. وكانت قيادة ضباط سابقين في جيش صدام حسين للمعارك أمرا صادما». وأضاف قائلا: «من الناحية الأمنية، لا نستطيع في أكثر الأحوال معرفة الشخصيات التي تحل محل غيرها في صفوف القيادة. نحن لا نستطيع اختراق التنظيم. إن هذا لأمر مرعب».
وبحسب التقديرات المتاحة، يتراوح عدد الضباط السابقين، الذين انضموا إلى تنظيم داعش، بين 100 و160 ضابطا وأكثرهم يشغلون مناصب متوسطة ورفيعة وذلك بحسب مسؤولين، في حين أن أكثر ضباط الاستخبارات من محافظة الأنبار، وأكثر ضباط الجيش من مدينة الموصل. وينتمي أفراد الأجهزة الأمنية إلى عشيرة صدام حسين المحيطة بمدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين، على حد قول العميد عبد الوهاب الساعدي، أحد المحاربين القدامى المشاركين في القتال ضد تنظيم داعش في شمال وغرب بغداد.
وعلى سبيل المثال، قاد عاصم محمد ناصر، العميد السابق في القوات الخاصة إبان حكم صدام حسين، والذي يعرف أيضا باسم ناجي بركات، هجوما جريئا عام 2014 في مدينة حديثة في محافظة الأنبار أسفر عن مقتل نحو 25 ضابط شرطة، والسيطرة مؤقتا على مبنى المجلس المحلي للمدينة.
وهناك علاقات قوية تربط بين الكثير من الضباط السابقين خلال فترة حكم صدام حسين وبين العشائر أو هم أنفسهم من أبناء شيوخ العشائر في مناطقهم، وهو ما يوفر لتنظيم داعش شبكة دعم حيوية مهمة، ويساعده في تجنيد أفراد في صفوفه. ويعتقد أن هذه العلاقات العشائرية من أسباب الانهيار المفاجئ لقوات الأمن العراقية حين استولى تنظيم داعش على مدينة الرمادي، عاصمة محافظة الأنبار، خلال شهر مايو (أيار).
وقال الكثير من الضباط، الذين أجرت وكالة «أسوشييتد برس» مقابلات معهم، إنهم يعتقدون أن قادة تنظيم داعش قد أقنعوا رجال العشائر المنضمين إلى قوات الأمن بالتخلي عن مواقعهم دون قتال. ولاحظ سكينر، المسؤول السابق في الاستخبارات المركزية الأميركية، مدى تفوق ضباط الاستخبارات، الذين كانوا يعملون خلال فترة حكم صدام حسين، ممن قابلهم في العراق، ولاحظ القدرات الاستخباراتية التي يتمتع بها تنظيم داعش في الرمادي، والموصل، ومدينة الرقة في سوريا، والتي اتخذها التنظيم عاصمة لدولته المزعومة. وأوضح سكينر قائلا: «إنهم يقومون بعمليات اختراق استخباراتية كلاسيكية. ولديهم خلايا نائمة. كذلك ينفذون عمليات اغتيال كلاسيكية تعتمد على الاستخبارات»، مشيرا إلى موجة من الاغتيالات استهدفت ضباط شرطة وجيش عراقيين، وشيوخ عشائر، وأفرادا في قوات الصحوات السنية المدعومة من الحكومة خلال عام 2013. ويحتاج اختيار الشخص الذي يتم اغتياله، وكيفية الوصول إليه قدرا كبيرا من المعلومات، على حد قول سكينر. ومن الواضح أن تنظيم داعش يعلم جيدا كيفية الحصول على تلك المعلومات.
شهد منتصف تسعينات القرن الماضي واحد من المبادرات، التي أسفرت في النهاية عن اندماج رجال صدام حسين السابقين في صفوف تنظيم داعش. كان ذلك عندما تخلى صدام عن المبادئ العلمانية الصارمة، التي يقوم عليها حزب البعث الحاكم آنذاك، ودشن ما يعرف بـ«الحملة الإيمانية». وبدأت أجهزة أمن صدام حسين المخيفة في التسامح مع مظاهر التدين بل وحتى مع الآراء الدينية المتشددة في صفوف الجيش رغم مراقبتهم لأصحابها لضمان عدم وصولهم إلى مناصب قيادية. في ذلك الوقت، كانت ينظر إلى تلك الخطوة باعتبارها محاولة للحصول على دعم سياسي من المؤسسة الدينية بعد هزيمة العراق في حرب الخليج عام 1991 وما تبعها من انتفاضات الأكراد والشيعة.
ويقول رئيس الاستخبارات: «أكثر ضباط الجيش وأجهزة الاستخبارات الذين يعملون في صفوف تنظيم داعش من أولئك الذين بدت عليهم إمارات التدين إبان حكم صدام حسين. لقد شجعتهم الحملة الإيمانية».
وقبيل الغزو الأميركي للعراق عام 2003 دعا صدام حسين المقاتلين الأجانب علنا إلى القدوم للعراق من أجل مقاومة المحتلين. وأتى الآلاف إلى العراق، وتباهى المسؤولون العراقيون بهم أمام وسائل الإعلام بينما يتلقون تدريبا على أيدي مدربين عراقيين. وبقى الكثيرون وانضموا في النهاية إلى حركة مقاومة القوات الأميركية وحلفائهم من العراقيين. وبعد سقوط نظام صدام حسين، اندفع مئات الضباط في الجيش العراقي، نتيجة الشعور بالغضب من قرار الولايات المتحدة بحل الجيش العراقي، نحو الانضمام إلى صفوف حركة التمرد. وخلال الأيام الأولى، كانت الكثير من جماعات المقاومة علمانية الطابع نسبيا، لكن تنامى نفوذ المسلحين المتطرفين، خاصة مع تأسيس تنظيم القاعدة في العراق وتزايد قوته.
وكان أبو مصعب الزرقاوي، المسلح الأردني، يقود تنظيم القاعدة في العراق في البداية، وكان هناك حضور أجنبي قوي في صفوف قيادات التنظيم، لكن بعد وفاة الزرقاوي في إحدى الهجمات الجوية الأميركية عام 2006، بدأ خليفته العراقي أبو عمر البغدادي في استقطاب المزيد من العراقيين خاصة الضباط السابقين في حقبة صدام حسين. وتنامى هذا التوجه عندما تولى أبو بكر البغدادي القيادة بعد مقتل سلفه عام 2010 في إحدى الهجمات الجوية. وكان أول نائبين لأبو بكر البغدادي، اللذان اضطلعا بدور مهم في الإعداد إلى العمليات التي أسفرت فيما بعد عن اجتياح سوريا والعراق، من ضباط حقبة صدام حسين بحسب من تم إجراء مقابلات معهم. وهذان النائبان هما سامر الخلفاوي، العقيد السابق في القوات الجوية الذي قتل في إحدى المعارك في سوريا عام 2014، وعبد الله البيلاوي، ضابط استخبارات سابق قتل في الموصل على أيدي الجيش العراقي في مايو 2014 قبل شهر من سقوط المدينة في أيدي تنظيم داعش وحل حسن محله.
وقال مايكل رايان، مسؤول تنفيذي سابق رفيع المستوى في وزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين: «من الواضح أن بعضهم (ضباط صدام حسين) كان في قلب التمرد منذ البداية». وأضاف: «لقد باتت معرفتهم جزء لا يتجزأ من بنية تنظيم داعش. ونتج عن دمج هذه الخبرة العراقية، وما يمكن تسميته بالخبرة العربية الأفغانية، تنظيم داعش، الذي حقق نجاحا أكبر مما حققه تنظيم القاعدة في العراق. وهو حتى هذه اللحظة على الأقل أقوى من تنظيم القاعدة في سوريا».



مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مهلة نزع سلاح «حماس»... ورقة ضغط تُربك مسار «اتفاق غزة»

أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
أطفال يلعبون بجوار أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

استبقت تسريبات إسرائيلية اجتماع مجلس السلام المقرر عقده الخميس في واشنطن لبحث قضايا مرتبطة بقطاع غزة، وتحدثت عن مهلة 60 يوماً لنزع سلاح حركة «حماس» أو العودة للحرب بضوء أخضر أميركي.

تلك التسريبات التي تكاد تتطابق مع حديث للرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب فيه نزعاً فورياً وكاملاً لسلاح «حماس»، يراها خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» ورقة ضغط مشتركة من الولايات المتحدة من أجل فرض الملف على أجندة الاجتماع، محذرين من أن هذا الضغط «سيُربك مسار اتفاق غزة».

ويسري في القطاع الفلسطيني منذ العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة، استناداً إلى مقترح تقدم به ترمب، ويشكل نزع سلاح «حماس» جزءاً أساسياً من مرحلته الثانية التي أعلنت الولايات المتحدة الانتقال إليها في منتصف يناير (كانون الثاني)، وكان من المفترض أن يتوازى مع انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً من القطاع، ونشر قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة.

وتتحدث إسرائيل عن منح «حماس» مهلة 60 يوماً قد تبدأ بعد اجتماع مجلس السلام، الخميس، لنزع سلاحها بطلب من إدارة ترمب، وهددت باستئناف الحرب إن لم تستجب، وفق ما نقلته صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، نقلا عن سكرتير الحكومة الإسرائيلية يوسي فوكس مساء الاثنين.

ويجيء ذلك في أعقاب منشور لترمب على منصته «تروث سوشيال»، الأحد، قال فيه إنه «ينبغي على (حماس) أن تحترم التزامها بنزع سلاحها بشكل كامل وفوري».

ويمثل ذلك التسريب تكراراً لآخر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين نقلت صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء جمع الرئيس الأميركي ترمب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في فلوريدا.

ووقتها قال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيُمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور»، بينما قال نتنياهو آنذاك في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز» إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)».

فلسطينيون يسيرون أمام خيام النازحين وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويعتقد الخبير العسكري والاستراتيجي محمد العمدة أن ذلك التسريب «لا يختلف عن عقيدة إسرائيل الساعية لإفشال مسار الاتفاق وليس إرباكه فقط، خاصة أن مصالح نتنياهو المرتبطة بانتخابات هذا العام تجعله يطيل أمد المفاوضات ويضع عراقيل وذرائع تمهد للعودة للحرب».

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني نزار نزال أن التسريب وراءه عدة أهداف، منها رفع سقف التوقعات، والإشارة لاحتمال تغير في قواعد اللعبة قبل تثبيت المرحلة الثانية، والضغط على «حماس» بطرح أفكار مغايرة عما سبق من مقترح متدرج لنزع السلاح.

وعدَّ نزال هذا اختباراً لجدية واشنطن للمضي في «اتفاق غزة»، معبراً عن اعتقاده بأن حكومة نتنياهو تريد إرباك مسار الاتفاق ومنع أي تفاهمات قد تكون محتملة بمجلس السلام.

وتُعد التسريبات الأخيرة مغايرة لأخرى ترددت قبل أسبوع حين أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلاً عن مصادر بأن واشنطن تجهّز مقترحاً جديداً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح باحتفاظها ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى. وذكرت الصحيفة أنه سيتم تقديم هذا المقترح خلال أسابيع.

فلسطينيون يعلّقون زينة رمضان فوق حطام المباني المدمرة في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم الأحد الماضي (إ.ب.أ)

ولا تزال «حماس» تتمسك بموقفها من السلاح. وقد رفض القيادي البارز بالحركة، خالد مشعل، خلال منتدى بالدوحة قبل أسبوع، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي»، ودعا «مجلس السلام» إلى اعتماد «مقاربة متوازنة».

ويعتقد العمدة أن المقترح التدريجي هو ما يمكن أن تدور حوله المناقشة، لكن مهلة الشهرين لن تكون كافية كي تتمكن «حماس» أو غيرها من تسليم سلاحها؛ مضيفاً: «الحركة بالأساس لن تفعل ذلك ولن تقبل بهذا المسار».

وهو يرى أن تفكيك تسليح أي حركة مثل «حماس» سيستغرق فترة لا تقل عن عام حال وجود تفاهمات، «لكن إسرائيل تناور (حماس)».

ويرجح نزال أن تكون تلك التسريبات المتضاربة «مجرد ورقة ضغط تفاوضية»، باعتبار أن المهلة تحمل سيناريوهين: إما دفع «حماس» نحو تنازلات جزئية يستمر معها مسار اتفاق غزة بشكل بطيء، أو تمهيد لتجميد الاتفاق لفترة طويلة والسماح لإسرائيل بخروقات أكبر.


مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
TT

مصر تتدارك آثار «حكم دستوري» أبطل تحديث قوائم المخدرات

مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)
مضبوطات وزارة الداخلية في إحدى قضايا المخدرات فبراير 2026 (وزارة الداخلية)

بشكل عاجل، عملت وزارة الصحة المصرية، على محاولة تدارك الآثار المترتبة على حكم دستوري صدر الاثنين، ببطلان الجداول الخاصة بتصنيف وإدراج المواد المخدرة، التي أصدرها رئيس الهيئة العامة للدواء أبريل (نيسان) 2021 لـ«عدم اختصاصه».

وهذا الأمر استدعى قراراً من وزير الصحة خالد عبد الغفار، لإعادة إصدار الجداول نفسها الملغاة بصفته ذا الصفة لذلك.

وأثار حكم المحكمة الدستورية العليا حالة من الجدل في مصر، مع نشر شائعات عن خروج وشيك لتجار مخدرات بناء عليه. وهذا ما نفاه متخصصون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مؤكدين أن «الحكم - قبل قرار الصحة - لن يترتب عليه مباشرة خروج أي من المدانين أو المتهمين حالياً في قضايا مخدرات، وإنما قد يستفيد منه بعض المُدانين أو المتهمين الحاليين في تخفيف الأحكام، وليس من المتوقع أن يصل الأمر لحد البراءة في معظم القضايا خصوصاً الاتجار».

وقالت وزارة الصحة في بيان، الثلاثاء، إن الوزير قرر استبدال الجداول الملحقة بقانون مكافحة المخدرات، وتنظيم استعمالها والاتجار فيها رقم 182 لسنة 1960، تنفيذاً مباشراً وفورياً لحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر في جلستها بتاريخ 16 فبراير (شباط) 2026 في الدعوى الدستورية رقم (33) لسنة 47 - قضائية دستورية - الذي أكد عدم دستورية بعض الإجراءات السابقة المتعلقة بتعديل تلك الجداول.

وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار (أرشيفية - وزارة الصحة)

وبصدور القرار «تُصبح جداول المخدرات الملغاة من قبل المحكمة الدستورية هي المطبقة حالياً في القضايا التي سيتم تحريكها منذ اليوم، ما يسد أي ثغرة تشريعية. أما الآثار التي ما زالت قائمة ومربكة للحكم فهي الخاصة بالقضايا التي حُركت بناء على تعديلات جدول المخدرات في الخمسة أعوام السابقة»، وفق الصحافي المتخصص في الشأن القضائي محمد بصل.

وأكد بصل لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه القضايا عُرضة للاستفادة من حكم الدستورية حسب درجة التقاضي التي وصلت لها... غير أن ذلك لا يعني بأي حال خروج متهمين أو مدانين في قضية مباشرة بناء على حكم الدستورية».

ويهدف القرار الأخير، حسب وزارة الصحة، إلى «إعادة ترتيب الاختصاص التشريعي والتنفيذي في تعديل جداول المواد المخدرة والمؤثرات العقلية، بما يتوافق تماماً مع أحكام الدستور المصري ومبدأ سيادة القانون، كما يسعى في الوقت ذاته إلى تعزيز الرقابة الدوائية والأمنية على هذه المواد، وفق أحدث التطورات العلمية والقانونية، لضمان حماية أكثر فاعلية للمجتمع من مخاطر التعاطي والاتجار غير المشروع».

وأشار بصل إلى أن «غالبية المواد المُخدرة حتى المُستحدث منها مثل الأيس والشابو وغيرها موجودة بالفعل في جداول المخدرات من قبل تعديلات رئيس هيئة الدواء، التي نقلتها من الدرجة الثانية في الجدول ذات العقوبات المُخففة نوعاً ما بصفتها جُنحة، إلى الدرجة الأولى والتي تجعل عقوبة تعاطيها والاتجار فيها جناية، وتصل هذه العقوبات المشددة إلى السجن المؤبد 25 عاماً»، مستبعداً أن يستفيد تجار المخدرات من هذه التعديلات، «عادة ما تحال القضية بوصفها اتجاراً بغض النظر عن نوع المُخدر أو درجة تصنيفه».

وتنشط وزارة الداخلية المصرية في قضايا مكافحة المخدرات، وتم «ضبط مواد مخدرة بقيمة تقديرية نحو 27 مليار جنيه (الدولار نحو 47 جنيهاً) وإيقاف تهريب مخدرات صناعية بقيمة سوقية نحو 34 مليار جنيه في الأسواق المستهدفة» خلال عام 2025، وفق كلمة وزير الداخلية اللواء محمود توفيق في احتفالية عيد الشرطة الماضية.

طرق الاستفادة من الحكم

وفسّر المحامي حسن شومان، لـ«الشرق الأوسط» طرق استفادة المتهمين من حكم الدستورية، في القضايا التي ضُبطت خلال الفترة محل الجدل، في أنه «إذا كانت القضية منظورة حالياً في أول درجة أو مُستأنف، فيحق لي بصفتي محامياً أن أطلب من المحكمة براءة موكلي، دافعاً ببطلان إجراءات القبض والتفتيش والإحالة، بمعنى إحالة النيابة القضية بوصفها جناية، بينما هي جنحة وفق الآثار المترتبة على حكم المحكمة الدستورية»، متوقعاً في الوقت نفسه ألا يأخذ القاضي في كثير من القضايا بهذا الدفع بالنظر إلى قرار وزير الصحة الأخير الذي أعاد تفعيل هذه الجداول، وهذا حق تقديري للقاضي، على حد وصفه.

وأضاف شومان: «إذا كانت القضية قد صدر فيها حكم نهائي لكن ليس باتاً، فيحق للمحامي أن يتخذ إجراءات للدفع بالبطلان أمام النقض، أما إذا كان الحكم باتاً صدر من النقض، فيحق أن أقدم التماساً بإعادة النظر في القضية بناء على وجود متغيرات جديدة فيها، وفي هذه الحالة تُعاد المُحاكمة، وقد يحصل المتهم على البراءة في حالة كان المُخدر الذي أُحيل به من المدرجة في الجداول الملغاة وهو أمر قد لا يحدث كثيراً، فعادة ما يُضبط المُدان بأكثر من نوع مخدر».

وقد يتيح حكم الدستورية لمُدانين قضوا مدة عقوبتهم في حكم صدر بناء على الجداول الملغاة، المطالبة بتعويض مدني عن العقوبة التي قضوها، حسب بصل، الذي أشار إلى أن الأزمة كان يمكن تفاديها بسهولة لو التفتت الحكومة ومجلس النواب إلى الأصوات التي حذرت منذ عام 2021 من أن النص القانوني الذي تم بناء عليه نقل مهمة تحديث جدول المخدرات إلى رئيس هيئة الدواء بدلاً من وزير الصحة «غير منضبط ويحتاج إلى ضبط في الصياغة».

المخدرات المُجرّمة

ولا تقتصر جداول المخدرات المُجرّمة في مصر على المواد المُصنعة للتعاطي، أو الحشائش للغرض ذاته، وإنما تضم كثيراً من الأدوية التي يستلزم لصرفها وصفة طبية، ويجب عدم تناولها أكثر من الجرعات والمدد المُحددة.

وأشاد الصحافي المتخصص في الشأن القضائي بالقرارات التي أصدرتها هيئة الدواء في جداول المُخدرات، التي كانت دائمة التحديث، وأدرجت كثيراً من المواد، وهو جهد لم يذهب سُدى في كل الأحوال، إذ أعيد العمل به بقرار وزير الصحة.

وأكدت وزارة الصحة في بيانها «التزامها الكامل بتنفيذ أحكام المحكمة الدستورية العليا، واستكمال الإطار القانوني السليم الذي يجمع بين الحزم في مكافحة المخدرات، وبين احترام مبادئ الدستورية والشرعية».


تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
TT

تدخل سعودي ينهي أزمة الكهرباء في سقطرى

إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)
إعادة تشغيل مولدات الكهرباء في سقطرى بعد تدخل سعودي (إكس)

شهدت محافظة أرخبيل سقطرى اليمنية خلال الأيام الماضية انفراجة خدمية مهمة بعد تدخل سعودي عاجل أسهم في إعادة تشغيل محطات توليد الكهرباء، منهياً أزمة انقطاع التيار التي أثّرت بشكل مباشر على الحياة اليومية للسكان، وعلى عمل المؤسسات الحيوية، وفي مقدمتها المستشفى العام والجامعة والمعهد الفني.

وجاءت هذه الخطوة عقب توقف مفاجئ للمحطات نتيجة انسحاب الشركة المشغلة وتعطيل أنظمة التشغيل، الأمر الذي تسبب في اضطرابات واسعة في الخدمة الكهربائية وارتفاع معاناة المواطنين.

وأوضح البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن أن فرقاً هندسية وفنية باشرت عملها فور تلقي مناشدة من السلطة المحلية، حيث جرى إرسال متخصصين لإعادة تفعيل أنظمة التشغيل التي تم تشفيرها قبل مغادرة الشركة المشغلة للجزيرة. وتمكنت الفرق من استعادة تشغيل المولدات تدريجياً، ما أدى إلى عودة الاستقرار الكهربائي في معظم مناطق المحافظة خلال فترة زمنية قصيرة.

وأدى استئناف تشغيل محطات الكهرباء إلى تخفيف الضغط الكبير الذي شهدته الشبكة خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً مع ارتفاع الأحمال وتوقف المولدات بشكل كامل.

وكانت المرافق الصحية والتعليمية الأكثر تأثراً، إذ اضطرت بعض الأقسام الطبية إلى تقليص خدماتها، بينما توقفت العملية التعليمية جزئياً بسبب غياب التيار الكهربائي اللازم لتشغيل القاعات والمختبرات.

وحسب إدارة كهرباء سقطرى، فإن الأزمة نشأت بعد قيام الشركة المشغلة السابقة بوضع مؤقتات إطفاء وإدخال كلمات مرور على أنظمة التحكم، ما حال دون قدرة الفرق المحلية على إعادة تشغيل المحطات. وأشارت الإدارة إلى أن هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها، إذ سبق أن واجهت المحافظة وضعاً مشابهاً عام 2018 قبل أن تتم معالجة المشكلة بتدخل رسمي.

عودة عمل القطاع الصحي في سقطرى بدعم سعودي (إكس)

وأكدت مصادر محلية أن عودة الكهرباء انعكس فوراً على استقرار الخدمات الأساسية، حيث عادت شبكات المياه للعمل بانتظام، وتحسنت خدمات الاتصالات، إضافة إلى استئناف النشاط التجاري بشكل تدريجي بعد فترة من الاضطراب الاقتصادي المرتبط بانقطاع الطاقة.

دعم صحي وتعليمي

في القطاع الصحي، أسهم استقرار الكهرباء إلى جانب الدعم التشغيلي المقدم في ضمان انتظام عمل مستشفى سقطرى العام، الذي يُعد المرفق الطبي الأهم في الأرخبيل. وقد ساعد التمويل التشغيلي في توفير الوقود والمستلزمات الطبية ودعم الكادر الصحي، ما عزز قدرة المستشفى على استقبال الحالات المرضية، وتقليل الحاجة إلى تحويل المرضى للعلاج خارج المحافظة، وهو أمر كان يشكل عبئاً إنسانياً ومادياً على السكان.

وأفادت مصادر طبية بأن استقرار الطاقة الكهربائية مكّن الأقسام الحيوية، مثل العناية المركزة وغرف العمليات، من العمل بصورة طبيعية بعد فترة من الاعتماد على حلول طارئة محدودة.

أما في قطاع التعليم، فقد انعكس التدخل بشكل واضح على انتظام الدراسة في جامعة سقطرى والمعهد الفني، حيث استؤنفت المحاضرات والأنشطة الأكاديمية بعد أسابيع من التوقف. وأسهمت مبادرة دعم استقرار التعليم في تغطية التكاليف التشغيلية، بما في ذلك رواتب الكادر الأكاديمي والنفقات الأساسية، الأمر الذي قلل من نسب الغياب وساعد على استعادة الجدول الدراسي.

انتظمت العملية التعليمية في جامعة سقطرى بفعل الدعم السعودي (إكس)

وأعلنت السلطات المحلية استئناف الدراسة رسمياً في المعهد الفني بدءاً من يوم الاثنين، في خطوة عُدت مؤشراً على عودة الاستقرار التدريجي للخدمات العامة في الأرخبيل. ويرى مراقبون أن استمرار الدعم الفني والتشغيلي يمثل عاملاً حاسماً للحفاظ على استدامة الكهرباء، وضمان عدم تكرار الأزمة مستقبلاً، خصوصاً في منطقة تعتمد بشكل شبه كامل على الطاقة لتسيير قطاعاتها الحيوية.