أجواء رمضان الجمالية: رؤية فلسفية معاصرة

مسلمون يحتلفون بحلول شهر رمضان في القدس (د.ب.أ)
مسلمون يحتلفون بحلول شهر رمضان في القدس (د.ب.أ)
TT

أجواء رمضان الجمالية: رؤية فلسفية معاصرة

مسلمون يحتلفون بحلول شهر رمضان في القدس (د.ب.أ)
مسلمون يحتلفون بحلول شهر رمضان في القدس (د.ب.أ)

في العقود الثلاثة الأخيرة تزايد الاهتمام بـ«صناعة الأجواء» الجمالية، وبرز اسم الفيلسوف الألماني جيرنوت بوهمه (1937 – 2022) ومفهومه الجديد عن ماهية الغلاف الجوي، حيث يمزج في مؤلفاته بين الفلسفة والهندسة المعمارية وتصميم المناظر الطبيعية والسينوغرافيا والموسيقى والفنون المرئية، فيما يشبه نزعة إنسانية جديدة تعزز «ديمقراطية الثقافة»، ومشاركة الجميع في الفن وأعماله.
«الغلاف الجوي» يتوسط كل شيء في حياتنا، ما في الفضاء وما على الأرض، يؤثر فينا ويتأثر بنا، وصار اليوم إحدى التيمات الأساسية في مجال الجماليات والفنون أيضاً، خصوصاً مع انتشار العوالم الافتراضية والتكنولوجيا الرقمية.
ورغم صعوبة أفكار بوهمه الفلسفية، فإن أصحاب الثقافة العربية والإسلامية هم الأقرب إلى استيعابها وفهمها، بمجرد أن يستحضروا أيام وليالي شهر رمضان المبارك، ويتأملوا: كيف تلعب «الثقافة» بالجغرافيا؟ وكيف تلون الأجواء الرمضانية وجداننا، وتؤثر على تصوراتنا وتفاعلاتنا؟
(1)
يعترف بوهمه بأن «صناعة الأجواء» عنوان متناقض: لأن الصنع يتعلق بشيء ملموس، بينما الغلاف الجوي ليس كذلك. المثال الذي يسوقه لشرح فكرته هو «فن المسرح» الذي تتجلى فيه المفاهيم الرئيسية للغلاف الجوي، وكيف يتم التلاعب الفني بالأجواء (عن قصد) للتأثير على مزاجنا ومواقفنا وعواطفنا، من خلال استخدام الديكور والإضاءة ودرجة الحرارة والصوت والعناصر الحسية الأخرى التي تتّحد معاً لتمارس تأثيراً معيناً.
ولا غرابة في ذلك، فقد انتقلت مفردات الغلاف الجوي من الأرصاد الجوية إلى قاموسنا اللغوي منذ القرن الثامن عشر، ولم تعد الآن مجرد «استعارات» أو صيغ بلاغية نستخدمها في وصف الحالات الإنسانية المزاجية والعاطفية، في مجال: الجماليات والسياسة والعلاقات الاجتماعية، مثل: تلطيف الأجواء، والمناخ السياسي، وجو المفاوضات، وأجواء من التوتر ملبّدة بالغيوم، وأجواء ودّية، وسحابة صيف، وفجر جديد في العلاقات الدولية... إلخ.
ما يعني أن «الأجواء» في حضارتنا المعاصرة ليست غلافاً خارجياً محايداً أو خلفية سلبية ساكنة، بل قوة حيوية ديناميكية تشكّل فهمنا للعالم من حولنا.
وفي السنوات الأخيرة، انتشرت أفكار بوهمه وامتدت إلى المعارض الفنية العالمية التي تداعب الحواس الخمس، وتبتلع الجمهور داخل الأعمال الفنية الشهيرة لفان جوخ ودافنشي وبيكاسو وغيرهم، عبر دوامات من الألوان والأنغام والعطور التي تغمر الزوار، وتتحدى الحدود التقليدية السابقة بين الفن والتكنولوجيا بطرق جديدة ومعقدة.
وألهمت أدوات الذكاء الصناعي –في ديسمبر (كانون الأول) 2022– أجواء أسواق الكريسماس وأعياد الميلاد في الغرب عبر الجمع بين المكونات المادية والعوالم الافتراضية: الضوء الدافئ المنبعث من الشموع، وتألق العرض الرقمي المبهر للبضائع، مع الإحساس بالدفء المنبعث من الحشود البشرية في الشوارع ومراكز التسوق، وتصاعد روائح اللوز المحمص، وكعكة التفاح، والنقانق، وطعم المخبوزات الطازجة.
فيما يشبه تقريباً الأجواء الرمضانية المتلألئة في ليالي الرياض والقاهرة وبيروت وغيرها، حيث تتزين الشوارع بالفوانيس والأهلّة والنجوم والزخارف والمنمنمات الإسلامية والأقمشة الخيامية، وتحتضن روائح البخور والعود والمسك والعنبر الشموع الملونة العطرية، وتتراص التمور وقمر الدين والكركديه والخرنوب حول القطائف والكنافة والياميش والمشاوي، على وقع دقات المسحراتي ومدفع الإفطار وأصوات الابتهالات والإنشاد الديني.
(2)
الأجواء ليست مجرد ظواهر طبيعية وجمالية فقط، ولكنها تتأثر أيضاً بالعوامل الثقافية والتاريخية والاجتماعية، كما يشير بوهمه، ذلك أن أماكن العبادة، على سبيل المثال، ليست مجرد مبانٍ مادية مثل غيرها، وإنما تكتسب ماهيتها أساساً من أهميتها الروحية والثقافية.
الشيء نفسه ينسحب على الأماكن التاريخية والتراثية، ذلك أن الغلاف الجوي هو وسيط (غير ملموس) بين الذات والموضوع، ومن ثم يقترح بوهمه دارسة الأجواء من الجانبين، لأن: «الأجواء مساحات تحتضن حالات مزاجية فريدة ومتباينة»، وأفضل ترجمة لهذه العبارة هي «قهوة الفيشاوي» في خان الخليلي بالقاهرة، ورغم تجاوز عمرها أكثر من مائتي عام، وأنها هُدمت وأُعيد بناؤها أكثر من مرة، فإنها ظلت على عهدها الأول كمساحة مكانية متميزة تحتكر فنون السرد والسمر واللعب والصحبة والذكريات، وتحتضن في نفس الوقت الحالات المزاجية والسمات الشخصية والنماذج البشرية شديدة التباين والتفرد: من العامة والدهماء والبسطاء، والمشاهير والكتاب والفنانين، والحرافيش والدراويش والحكام والباشوات والبكوات.
لقد منحها الموقع الجغرافي –إضافةً للعمق التراثي– هـذه المكانة. حيث يقع «مسجد الحسين» على يسار البوابة الرئيسية لعبور خان الخليلي، وعلى اليمين يوجد الأزهر الشريف، إضافة إلى تصميمها على الطراز العربي الإسلامي القديم: المشربيات والزجاج المعشّق الملوّن والمرايات والثريّات وخشب الأرابيسك المطعّم بالصدف.
وتكاد تشم عبق التاريخ في ربوعها، فلونها البنّي المحروق وحوائطها الصفراء الداكنة بفعل دخان الشيشة وآثار الزمان، جعلت منها مزاراً لعشاق الأصالة والتراث على مر العصور.
وهي مقسمة إلى حجرات، لكل منها تاريخ خاص و«أجواء خاصة»: حجرة «الباسفور» مبطنة بالخشب المطعم بالأبانوس، تمتلئ بالتحف والثريّات النادرة والكنب العربي المكسو بالجلد الطوبي، أدواتها من الفضة والكريستال والصيني، وكانت مخصصة للملك فاروق في رمضان، وكبار ضيوف مصر من العرب والأجانب.
أما «التحفة» فهي من أقدم حجرات القهوة، وهي اسم على مسمى؛ حيث الصَّدَف والخشب المزركش والعاج والأرابيسك والكنب المكسوّ بالجلد الأخضر، وهي خاصة بالفنانين.
وتوجد حجرة ثالثة تسمى «القافية»، وهي أشبه بموسوعة كاملة لأجمل القفشات واللعب الساخر بالكلمات، إذ كانت الأحياء الشعبية في النصف الأول من القرن العشرين تتبارى كل خميس من شهر رمضان في فن القافية، عن طريق زعيم يمثلها، من سماته خفّة الظل وسرعة البديهة واللماحية وطلاقة اللسان والقفشة اللاذعة، فكان يبدأ ثم يرد عليه زعيم آخر (إشمعنى)... وهكذا حتى يُفحم أحدهما الآخر، وسط ضحكات وقهقهات الحاضرين.
(3)
الانغماس في الأجواء الجمالية والترفيهية أدى إلى تحول الجماليات إلى نظام من الانعكاسات المعرفية، كما أفرز بدوره إشكاليات معرفية جديدة طالت مفهوم «الزمان» و«المكان»، ومن ثم أصبح السؤال الراهن: أين تقع الحدود بالضبط بين الفضاء والأرض؟ لا سيما مع حالة التماهي بين مستخدمي العوالم الافتراضية في «الفضاء السيبراني» ورواد الأسواق والمعارض الفنية والحفلات الترفيهية على «الأرض».
وأُشير هنا إلى «موسم الرياض» في المملكة العربية السعودية بمختلف فعالياته وأنشطته، كنموذج عالمي تطبيقي لنظرية الأجواء الجمالية عند بوهمه وكيفية صناعتها بمهارة في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر.
الجديد هنا أن هذا النموذج الخاص من «نظرية الأجواء الجمالية» جاء ضمن تخطيط علمي مدروس لتحقيق حزمة من الأهداف الطموحة، في مقدمتها: «جودة الحياة» داخل رؤية وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (للمملكة 2030)، من خلال هيئة الترفيه التي يُبدع في إدارتها المستشار تركي آل الشيخ.
وكلما شاهدت كمَّ الإبهار والمتعة في ليالي الرياض الفنية ومدى تفاعل النجوم وتألقهم فضلاً عن انغماس الجمهور في الأجواء الجمالية الترفيهية، أقارن بشكل آليٍّ بين: كيف كنا في الماضي وكيف أصبحنا في الألفية الثالثة، من حيث الإمكانيات الحديثة والعوالم الافتراضية والوسائط التكنولوجية والنظريات الجمالية والتخطيط والتنفيذ والاستراتيجيات الجديدة؟
وتحضرني هذه الواقعة التاريخية التي تكشف عن مدى حب الجمهور العربي للفن والفنانين، وشغفه بالأجواء الجمالية الترفيهية على مر العصور، حتى ولو كانت الإمكانيات المادية والتكنولوجية متواضعة، فما بالك بما نمتلكه اليوم!
ففي إحدى ليالي شهر رمضان اعتلى عبده الحامولي (1836 - 1901) ألمع المطربين في عصره، مئذنة «مسجد الحسين» لينقذ بصوته الجميل حي الجمالية في القاهرة من كارثة محققة.
كان الحامولي جالساً على قهوة «الخان» يدندن لمجموعة من أصدقائه (يهوداً ومسلمين ومسيحيين ولا دينيين) في ضيافة الخواجة إسكندر، أشهر تاجر منيفاتورة بالمغربلين، وما إن علم رواد القهاوي المجاورة بوجوده حتى تدافعوا داخل القهوة وخارجها، ليشاهدوا الحامولي، إذ لم تكن وسائل الإعلام والميديا في ذلك الزمان كما هي اليوم، ومن شدة الزحام والاختناق وخشية نشوب معركة كبيرة بين أصحاب القهاوي والفتوات في هذا الشهر الكريم، نصح أحد المقربين الحامولي بحل عبقري يُرضي جميع الأطراف، خصوصاً جمهوره الذي لا يملك المال لسماع صوته في الحفلات، وتَمثل هذا الحل في اعتلائه مئذنة المسجد لينشد بعض المدائح النبوية.
وجرت العادة على أن تُنشَد المدائح والتسابيح عقب أذان العشاء وصلاة التراويح من أعلى المنابر، لا سيما في العشر الأواخر من رمضان وتسمى بـ«التواحيش» في توديع الشهر الكريم، وبث ما لفراقه من الوحشة في النفوس.
وما إن بدأ الحامولي إنشاده الديني بصوته الجميل المنحدر إلى المسامع، حتى اكتظت ساحة الميدان وأسطح المنازل بالناس، وعلى أثر كل وقفة من وقفاته كان الجو يمتلئ تهليلاً وتكبيراً:
يا من تُحلّ بذكره
عُقد النوائب والشدائد
يا من لديه الملتقى
وإليه أمر الخلق عائد
وترتفع الآهات من الصدور كدويّ البحر الهادر: الله الله الله
واستمر الحامولي على هذه الحال لساعات من دون انقطاع.
بقي أن تعرف عزيزي القارئ أن رواية هـذه الواقعة –التي لا أملّ من تكرراها والكتابة عنها- على عُهدة الخواجة إسكندر، جدّ كاتب هذه السطور، الذي دوّن في مذكراته الكثير عن «أجواء رمضان العالمية» في ذلك الزمن الجميل.
* باحث مصري



مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

TT

مخيمات الضفة... قطعة من «جحيم غزة»

نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)
نازحون يعودون لتفقد بيوتهم في مخيم جنين بعد انتهاء الاقتحام الإسرائيلي (الشرق الأوسط)

صباح الثلاثاء 21 مايو (أيار) كان يفترض أن يكون صباحاً عادياً في مدينة جنين. فبعد ليلة لم تعكر صفوها اقتحامات الجيش الإسرائيلي أو عمليات الاغتيال والمداهمات، دبّت الحركة في أرجاء المدينة. سار الموظفون والعمال والطلبة إلى أعمالهم ومدارسهم وجامعاتهم كما يفعلون كل صباح، وشرّعت المحال التجارية أبوابها إيذاناً ببدء يوم جديد. بيد أن الدقائق القليلة التي تلت حملت فصلاً دامياً آخر من فصول المدينة الحزينة.

لا أحد ممن شقوا طريقهم في شوارع جنين ذاك الصباح كان يعلم أن ساعة الصفر لعملية عسكرية إسرائيلية موسعة في المدينة كانت قد دنت، وأن الدقائق القليلة التالية ستحيل الشوارع والطرقات والبنايات المحيطة إلى ساحة حرب مفتوحة. كانت قوة إسرائيلية خاصة قد تسللت داخل سيارة تحمل لوحة فلسطينية، وعمدت بنشر فرق من القناصة فوق عدد من الأبنية والعمارات تمهيداً لتحرك عسكري في المنطقة.

بعد الساعة الثامنة بقليل، شرَعت القوة الخاصة رفقةَ القناصة بإطلاق الرصاص على «كل ما يتحرك أمامها»، بحسب ما روى شهود، فقتلت على الفور 7 من سكان المدينة، بينهم تلميذان ومعلم وطبيب جراح.

محمود خرج لتقديم امتحاناته فقتله قناص قرب مدرسته

أحد التلميذين كان محمود حمادنة (15 عاماً)، طالب في الصف التاسع. غادر بيته في الصباح الباكر رفقة شقيقه التوأم للالتحاق بالمدرسة قرب مخيم جنين، وتقديم امتحانات آخر العام الدراسي. بصوت مختلج وبعينين مثقلتين بألم الفقد، يقول والد محمود المفجوع بخسارة نجله إنه اتصل به فور انطلاق صفارات الإنذار في المخيم، فأجابه أنه وصل المدرسة مع شقيقه. يضيف: «حينها شعرت بالاطمئنان على أنهما بخير».

سكان مخيم جنين يشيعون ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

بيد أن الاقتحام الإسرائيلي المفاجئ أحدث إرباكاً كبيراً في مؤسسات المدينة كافة، ما دفع المسؤولين إليها لاتخاذ إجراءات الإخلاء والطلب من الطلاب والموظفين والعاملين العودة إلى منازلهم خشية تفاقم الأوضاع، وتجنباً لسيناريوهات الحصار التي سبق أن تعرضوا لها في اجتياحات سابقة، ما استدعى تدخل «الصليب الأحمر» ومنظمات دولية لإفساح المجال أمام عودة الطلاب إلى منازلهم.

يروي والد الطفل محمود تفاصيل تلك اللحظات الثقيلة، في حديثه مع «الشرق الأوسط»، يقول: «تفاجأت بعودة شقيق محمود وحيداً إلى البيت... حاولت الاتصال به، لكن هاتفه لا يجيب إطلاقاً. كررت الاتصال أكثر من 15 مرة دون رد». كان محمود في الأثناء قد شقّ طريقه عائداً إلى منزله على دراجته الهوائية. وما أن غادر بوابة مدرسته حتى عاجله قناص إسرائيلي اعتلى إحدى البنايات القريبة بـ5 رصاصات اخترقت صدره ورأسه.

«اتصلت مجدداً، فأجاب أحدهم وقال لي إن صاحب الهاتف موجود في المستشفى. لم يعرف اسمه. قال إنه وصل مصاباً»، يستذكر والد محمود التفاصيل بحرقة وألم شديدين، مضيفاً: «فقدت عقلي حين علمت أن ابني قد أصيب... توجهت سريعاً مع زوجتي إلى المستشفى. قدت السيارة بسرعة كبيرة... كانت القوات الخاصة منتشرة في المنطقة حولنا، أطلق قناص النار باتجاهنا... وصلنا المستشفى وأنا أعتقد أن ابني مصاب، فوجدته قد استشهد. لم ألحق به، كان قد فارق الحياة».

إسرائيل تطيل أمد عملياتها داخل الضفة

كانت صافرات الإنذار تدوي في أرجاء مخيم جنين، فيما انتشرت عناصر الكتائب العسكرية الفلسطينية لاتخاذ مواقعها في الشوارع والميادين بعد اكتشاف أمر الوحدة الإسرائيلية الخاصة، فاندلعت اشتباكات عنيفة، ترددت أصداؤها في أرجاء المدينة.

آثار الدمار الذي طال البنى التحتية الرئيسية في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

في الأثناء، تقدمت أرتال من المركبات العسكرية الإسرائيلية، ترافقها جرافات ثقيلة، وتحوم فوقها طائرات مسيرة، نحو من مداخل المدينة، التي لطالما مثلت معقلاً رئيسياً للعمل الفلسطيني المسلح في الضفة الغربية طيلة عقود مضت، تزامناً مع إعلان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي عن البدء في عملية عسكرية موسعة في جنين بهدف القضاء على مقاتلين فلسطينيين.

لم يحمل بيان الجيش الإسرائيلي تفاصيل حول العملية الجديدة، إذ لم يعلن الجيش هدفاً واضحاً للعملية ولم يضع سقفاً زمنياً محدداً لها أسوة بمرات سابقة. مثّلت العملية وحجم القوات المشاركة فيها - الذي قدّرت بأكثر من ألف جندي، وكذلك تحركاتها وتمركزاتها على الأرض، واحتلالها عدداً من المنازل والبنايات، ناهيك عن فرضها حصاراً محكماً على المخيم - تطوراً في استراتيجية الجيش الإسرائيلي في جنين ومدن شمال الضفة الغربية بشكل عام، وتحولاً في شكل العمليات من الاقتحامات الليلية والمطاردات الساخنة التي تمتد لساعات، إلى عمليات موسعة تمتد لأيام.

شوارع جنين... اشتباكات وانفجارات وسحب سوداء

كان فريق «الشرق الأوسط» ذاك الصباح قد وصل إلى مشارف جنين في مهمة معدة مسبقاً لرصد واقع المدينة بعد أشهر من الحرب الممتدة في غزة. تزامن وصولنا لمداخل المدينة مع بدء العملية العسكرية الإسرائيلية وتصاعد القتال فيها.

خلت الشوارع تماماً إلا من صوت الرصاص ودوي الانفجارات المتتالية التي تخلّفها العبوات الناسفة واستهدافات الجيش وضرباته. غطت سحابة سوداء سماء المدنية التي لم تفارقها الطائرات المسيرة. فيما أغلقت المحال أبوابها، ولاذ السكان إلى بيوتهم. أضحت الشوارع والأزقة والحارات ساحة حرب مفتوحة بين المقاتلين الفلسطينيين ووحدات الجيش المدعومة بالقناصة والمتحصنة في عربات مصفحة.

فلسطيني وسط مدينة جنين خلال اقتحام القوات الإسرائيلية أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

فرض الجيش حصاراً على المخيم، أو كما يسميه «عش الدبابير»، ومنع حركة الدخول أو الخروج منه، وقطع إمدادات الكهرباء والاتصالات، حتى بات بقعة معزولة عن العالم الخارجي. مَنعت المركبات العسكرية دخول سيارات الإسعاف لإخلاء الإصابات أو الحالات المرضية، بل أطلقت النار عليها، كما منعت وصول الطواقم الصحافية للمنطقة، فيما شرعت الجرافات العسكرية في تجريف عدد من الشوارع والميادين وهدم بنى تحتية حيوية.

تواصلت العملية العسكرية الإسرائيلية 48 ساعة قبل انسحاب القوات منها، لنتمكن بعد ذلك من دخول المخيم وحاراته، ولتتكشف أمامنا آثار المعركة في المدينة ومخيمها.

ترك الرصاص بصمةً واضحةً على جدران المنازل والمتاجر بين الأزقة الضيقة، فيما تركت الحرائق علاماتها على بعض نوافذ البيوت والمساكن المتلاصقة في مساحة ضيقة لا تزيد عن 0.42 كيلومتر مربع، يسكنها نحو 12 ألف نسمة. بدا نصيب بعض البيوت الأخرى أكبر، إذ لحقها دمار كبير بعد أن قامت الوحدات الإسرائيلية بنسفها وتسويتها بالأرض. كذلك ألحقت الجرافات العسكرية دماراً بالشوارع والميادين والبنى التحتية التي طالتها أعمال تجريف لم تتوقف طيلة اليومين الماضيين.

الحاضنة الاجتماعية... هدف للعمليات العسكرية

كان الجيش الإسرائيلي صعّد من عملياته مؤخراً، التي تطول البنى التحتية الحيوية في المدينة والمخيم، إذ باتت هدفاً رئيسياً للاعتداءات الإسرائيلية، في مسعى، كما يرى السكان هنا، للضغط على الحاضنة الشعبية للكتائب المسلحة ومعاقبتها. ويرى جمال حويل، عضو «المجلس الثوري» لحركة «فتح» والمقاتل السابق إبّان معركة جنين عام 2002، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن إسرائيل تسعى عبر سياسات التدمير والتجريف لضرب الحاضنة وربط دعمها للعمل المسلح بمشاهد الدمار والخراب.

آثار الدمار الذي طال البيوت في مخيم جنين أواخر مايو الماضي (الشرق الأوسط)

يقول: «نحن ندرك من تجربة طويلة جداً منذ عام 2002 حين دخل الاحتلال إلى مخيم جنين في أكبر معركة بعد عام 1967، ودمّر 1200 بيت وقتل العشرات في المخيم، أن الاحتلال يركز على الانتصار على الوعي الفلسطيني. وبالتالي يركز على الحاضنة الاجتماعية حتى تصبح المعادلة أمامها، المقاومة تقابل الخراب»، مضيفاً: «لكن هذه الحاضنة الشعبية تدرك أن المقاومة هي من تحضر العزة والكرامة والحرية، رغم الدمار الذي يحدثه هذا العدو».

ضحايا جنين... الأعلى في الضفة الغربية

منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول)، كثّف الجيش الإسرائيلي من عملياته العسكرية في جنين ومدن الضفة الغربية. ونفذ الجيش أكثر من 70 اقتحاماً لجنين منذ اندلاع الحرب في غزة، قتل خلالها أكثر من 142 فلسطينياً، ما يمثل الحصيلة العليا لعدد الضحايا في الضفة الغربية، الذي تجاوز 540 قتيلاً، فيما بلغت أعداد الجرحى 5200، كما اعتقل الجيش أكثر من 8000 فلسطيني.

الطواقم الطبية تنقل إصابات خلال اقتحام الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

كما دفع الجيش بالطيران الحربي لميدان حربه في جنين لأول مرة منذ الانتفاضة الثانية، إذ شنّ عدداً من الغارات على أهداف في المدينة ومخيمها، طالت عدداً من المقاتلين في «كتبة جنين» التابعة لـ«سرايا القدس» الجناح العسكري لـ«حركة الجهاد الإسلامي».

الضفة... جبهة خارج حسابات الهدنة

تظل جبهة الضفة الغربية ساحة غير مشمولة بحسابات ومفاوضات الهدنة وترتيبات وقف إطلاق النار المرتقبة في غزة، ما يثير مخاوف عميقة لدى الفلسطينيين بأن الفترة المقبلة قد تحمل مزيداً من فصول التصعيد. هذه المخاوف تعززها تصريحات الوزيرين في حكومة نتنياهو، بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، التي توعدا فيها بنقل مجريات الحرب في غزة إلى الضفة الغربية.

فور انتهاء معركة الساعات الثماني والأربعين الأخيرة، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تحدثت «الشرق الأوسط» مع مقاتلي كتيبة جنين. قال لنا أحد قادتها إن هذه المعركة جاءت مختلفة عن سابقاتها، إذ شهدت «تكتيكاً عالياً ودقيقاً» من مقاتلي الكتيبة الذين باتوا يلجأون أكثر من السابق، في مواجهة القوات الإسرائيلية، للكمائن والعبوات الناسفة المزروعة، التي أظهرت تطوراً في فاعليتها، مقارنة بالمراحل السابقة. الأمر الذي أثار قلقاً عميقاً لدى الدوائر العسكرية والأمنية الإسرائيلية، وصعّد من وتيرة المداهمات والاستهدافات للبنية التحتية للكتائب المسلحة ومعامل العبوات والمتفجرات.

مسلحون من "كتيبة جنين" خلال تشييع جثامين ضحايا العملية العسكرية الإسرائيلية في مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الكتيبة لم تتلقَّ خسائر في صفوفها خلال هذه الجولة، مشيراً إلى أن «جميع الشهداء الذين سقطوا كانوا من المدنيين، ولم يفلح المحتل في قتل أو إصابة أي من عناصر الكتيبة»، ما يعكس تحولاً في عمل المقاتلين على الأرض خلال الاقتحامات الإسرائيلية وتكيفاً مع معطيات القتال، الذي يعتمد فيه الجيش على الوحدات الخاصة والقناصة، وكذلك على الغطاء الجوي.

وأشار الشاب إلى أن الحرب الدائرة في المخيم امتدادٌ للحرب في غزة ولعملية «طوفان الأقصى»، موضحاً أن المواجهة مع الجيش الإسرائيلي ارتفعت وتيرتها منذ 7 أكتوبر. ويضيف أن وحدات من الجيش كانت قاتلت في غزة، باتت تقاتل اليوم في جنين: «هذا باعترافهم وشهادات جنودهم بأن بعض قوات الجيش التي كانت تقاتل في غزة، واكتسبت خبرة هناك، تم استدعاؤها للدخول لمخيم جنين. والفرق بين ما قبل 7 أكتوبر وبعده هو عدد القوات التي تدخل إلى المخيم، ناهيك عن تصاعد ضربات الطيران والقصف وأعداد الآليات».

عمليات الجيش... من «جزّ العشب» إلى «الحسم الشامل»

تكاد العمليات التي تمتد لأيام تكون جولات «استطلاعية» لعمليات أوسع وأطول أمداً، تهدف من خلالها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى بسط سيطرتها الأمنية بشكل أوسع على الضفة الغربية، وتضييق الخناق على الفصائل المسلحة التي تنشط في المدن والبلدات والمخيمات. وشرعت القوات الإسرائيلية مؤخراً في تصعيد مداهماتها وضرباتها على البنى التحتية للكتائب، وكذلك على بعض مصادر تمويلها. كما شنَّ الجيش سلسلةً من المداهمات لمحال الصرافة وتحويل الأموال، ونفّذ اعتقالات بحقّ بعض العاملين فيها، وزاد من وتيرة استهدافاته لمعامل تصنيع العبوات الناسفة. وتواصل جرافاته إزالة «الخطوط الدفاعية» على مداخل المخيمات من سواتر ترابية وأحجار إسمنتية لتأمين دخول وحدات الجيش لمناطق أعمق داخل المخيم.

دوريات إسرائيلية في شوارع جنين مايو الماضي (الشرق الأوسط)

وتعكس مجريات العمليات الإسرائيلية تبدلاً في سياسة «جز العشب» التي أطلقها الجيش الإسرائيلي قبل عامين بهدف ملاحقة المجموعات المسلحة واغتيال أو اعتقال قادتها وعناصرها، إلى التوجه اليوم نحو استراتيجية تحمل مؤشرات بالمضي لـ«الحسم الشامل».

كانت الضفة الغربية شهدت أكثر من 460 عملية إطلاق نار واشتباك منذ بداية العام الحالي، استهدفت قوات الجيش والمستوطنين، وأوقعت 13 قتيلاً وعشرات الإصابات.

مخيم نور شمس... محاكاة للتدمير في غزة

بات السكان في مخيم نور شمس للاجئين في مدينة طولكرم، شمال الضفة الغربية، يطلقون عليه اسم «غزة الصغرى»، إذ يشهد المخيم الواقع شرق المدينة تصعيداً عسكرياً إسرائيلياً، ارتفعت وتيرتُه مع اندلاع الحرب في غزة، كثّفت خلاله إسرائيل من هجماتها عليه خلال الشهور الماضية، مخلفة دماراً كبيراً في أحيائه وأزقته الضيقة.

وما أن وصلنا مدخل المخيم حتى بدأت تتكشف مشاهد الدمار. لحق الدمار والخراب بواجهات البيوت والمحال التجارية المطلة على الشارع الرئيسي المقابل للمخيم، والواصل بين مدينتي طولكرم ونابلس. داخل المخيم، سلكنا طريقاً ترابية وعرة خلّفتها أعمال التجريف نحو حارة المنشية وسط المخيم. بدت بيوت الحارة وبناياتها أثراً بعد عين. حفرت الجرافات الإسرائيلية في قلب المخيم بقعة ترابية واسعة تكسوها أكوام من الركام وجدران البيوت المهدمة، فاقتلعت هنا مربعات سكنية كاملة، وهجَّرت سكانها، في استدعاء لسياسة التدمير الواسع في غزة.

تقول نهاية الجندي، إحدى سكان المخيم وعضو لجنة الخدمات الشعبية، لـ«الشرق الأوسط»، بينما وقفت وسط بقعة ترابية فارغة على أنقاض بيوت حارة المنشيّة، التي سوّتها الجرافات الإسرائيلية بالأرض، وأحالت مجمعات سكنية كانت تأوي 40 أسرة إلى ركام، إن حال مخيم نور شمس «شبيه بحال غزة، وأطلق عليه اسم غزة الصغرى، وذلك بسبب تدمير مجمعات سكنية كاملة».

وتضيف الجندي: «الفرق بيننا وبين غزة هو وجود جثث تحت الأنقاض. نخشى أن يتم تدمير البيوت هنا على رؤوس ساكنيها. فنحن أمام نفس الحال ونفس الوجع ونفس الفقدان، ونفس المأساة ونفس التدمير وتفجير البنيان... هذه غزة رقم 2».

آثار الدمار الذي طال البيوت والمتاجر في مخيم جنين (الشرق الأوسط)

في أبريل (نيسان) الماضي، في عملية عسكرية امتدت 3 أيام، حاصرت القوات الإسرائيلية المخيم وقطعت عنه إمدادات المياه والكهرباء والاتصالات ، وشرعت الجرافات العسكرية من طراز «D-9» و«D-10» في قضم بيوت حارة المنشية المتراصة وتسويتها بالأرض، بينما كان بعض سكانها داخل بيوتهم، فشقّت شارعاً واسعاً لدخول الآليات العسكرية والجنود فوق أنقاض البيوت.

وتلاحق إسرائيل «كتيبة طولكرم» التي تنشط في المخيم، وتضم عناصر من «سرايا القدس» الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، وكذلك «كتائب القسام» الجناح العسكري لحركة «حماس»، وكذلك «كتائب شهداء الأقصى» التابعة لحركة «فتح».

وتصاعدت في الآونة الأخيرة أعمال التجريف التي ترافق الاجتياحات الإسرائيلية، التي يقول الجيش عنها إن هدفها إبطال العبوات المزروعة على جنبات الطرق والأزقة وهدم التحصينات البدائية للكتائب الفلسطينية، بيد أن حجم الدمار والخراب التي تخلّفه أعمال التجريف التي تطول البنى التحتية الحيوية والمنشآت المدنية من بيوت ومدارس وغيرها، تعكس سياسة عقاب جماعي تطول سكان المخيمات.

تشير الأرقام الرسمية الفلسطينية وأرقام وكالة غوث وتشغيل اللاجئين «أونروا» إلى أن نحو 2000 بيت في المخيم لحقَ بها دمار كليّ أو جزئي، ما يمثل نحو نصف عدد البيوت في المخيم. واضطر سكان البيوت المدمرة، ولا سيما تلك التي سوّتها الجرافات بالأرض، إلى النزوح خارج المخيم واللجوء لمساكن مؤقتة لحين إعادة إعمار بيوتهم، وهو ما يبدو الأفق أمامه غير واضح المعالم، في ضوء التحديات المالية التي تواجه «أونروا»، وكذلك السلطة الفلسطينية، في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وأعمال الهدم والتجريف التي طالت سابقاً بيوتاً جرى ترميمها وإصلاحها، ما يجعل مسار إعادة الإعمار معقداً وشائكاً ورهناً بتطورات الأوضاع على الأرض.

شبح التهجير يقفز للواجهة

تدفع هذه التطورات في المخيمات بشبح التهجير إلى الواجهة، إذ تخشى أوساط فلسطينية واسعة من اتساع رقعة العمليات العسكرية والإسرائيلية وتصاعد وتيرة الهدم والتدمير والتجريف للبيوت والمنشآت، ما قد يخلق مشاهد من النزوح القسري، ويمثل شروعاً فعلياً بتنفيذ سياسة اقتلاع المخيمات وإفراغها من السكان. يترافق ذلك مع سياسات توسيع الاستيطان في الضفة وتسريع مخططات الضم، كما يتوافق مع «خطة الحسم» الذي وضعها وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، إذ يدعم كثير من الشواهد الملموسة على الأرض هذه المخاوف من تصاعد حدة الهجمات الإسرائيلية في المخيمات، وخلق واقع جديد فيها لصالح مشاريع الاستيطان والتوسع.

وتشير الأرقام الفلسطينية إلى أن عدد المنشآت التي تم هدمها في الضفة الغربية منذ عام 2023 تجاوز 1100 منشأة، ما أسفر عن تشريد أكثر من 4300 شخص، وهو ما يمثل زيادة بنحو 5 أضعاف، مقارنة بعام 2022 الذي بلغ فيه عدد المهجرين 700 شخص.

أبو رامي من سكان حارة المنشية بمخيم نور شمس يتفقد منزله الذي هدمته الجرافات الإسرائيلية في مايو الماضي. (الشرق الأوسط)

ويروى أبو رامي، من سكان حارة المنشيّة المدمرة، لـ«الشرق الأوسط»، اللحظات الصعبة التي عاشها هو وعائلته حين تقدمت الجرافات الإسرائيلية نحو بيته الذي تسكنه 3 عائلات وشرعت بعمليات الهدم والتجريف، بينما كان السكان بالداخل. يقول: «لو بقينا داخل البيت لسقطت جدرانه علينا. دخلت الجرافات وشرعت بهدم هذا الجزء من البناية التي تسكنها 3 عائلات»، مشيراً بيده نحو غرف البيت الذي قضمته الجرافات وأحالته خراباً.

نزح الرجل الستيني مع عائلته وأبنائه خارج المخيم لحين تأمين عودتهم. يتحسر على ما حلّ ببيته وحارته، قائلاً: «نرجو الله أن تنفرج الأمور، وألا نبقى مشتتين هنا وهناك... فبعد خسارة البيت، ما قيمة حياتنا؟»