كيف يمكن أن ننقذ وقتنا في زحمة الحياة المعاصرة؟

إنقاذ الوقت أحياناً يتطلب تخصيص بعضه للراحة (د.ب.أ)
إنقاذ الوقت أحياناً يتطلب تخصيص بعضه للراحة (د.ب.أ)
TT

كيف يمكن أن ننقذ وقتنا في زحمة الحياة المعاصرة؟

إنقاذ الوقت أحياناً يتطلب تخصيص بعضه للراحة (د.ب.أ)
إنقاذ الوقت أحياناً يتطلب تخصيص بعضه للراحة (د.ب.أ)

الوقت لا يمر بسرعة في هذا العصر أكثر مما كان عليه منذ الأزل، فاليوم كان ولا يزال يتكون من 24 ساعة. التغيير حدث في حياتنا وفي كيفية تعاطينا مع الوقت وفشلنا أو نجاحنا في استغلاله لصالحنا. نيوتن وآينشتاين وأفلاطون وابن خلدون، وغيرهم من عظماء وعباقرة التاريخ كلهم عاشوا 24 ساعة في اليوم، لكنهم استطاعوا أن يحوّلوا الوقت أفكاراً واختراعات ومشاريع رائدة في عصرهم، وأن يحوّلوا الوقت أداة مفيدة لم يستفيدوا منها هم فقط، لكنهم تركوا إرثاً لا يُقدّر بثمن للبشرية من بعدهم.
العبارة الإنجليزية الكلاسيكية الشهيرة «الوقت هو المال» هي العبارة التي تنطبق على الجميع، الطلاب والعمال والقادة، لكنها تكتسب معنى حرفياً بالنسبة لأولئك الذين يديرون الأعمال، حيث بإمكان كل دقيقة أن تدفع الشركة إلى الأمام أو توقف تقدمها أو حتى تعيدها إلى الوراء. المشكلة التي غالباً ما نواجهها هي أن التركيز أكثر من اللازم على نقطة معينة يمكن أن يتسبب في إهمال نقاط أخرى. السر إذن هو في إدارة الوقت بطريقة تجعل الاستفادة منه في حدها الأقصى.
في كتاب «إنقاذ الوقت: اكتشاف الحياة ما وراء الساعة» (راندوم هاوس، مارس «آذار»، 2023) تغوص الكاتبة جيني أوديل في البنية الأساسية لمجتمعنا، وتجد أن الساعات التي نمضيها خلال حياتنا اليومية صُممت بشكل مقصود من أجل تحقيق الربح لأطراف معينة، وليس من أجل سعادة الناس. هذا هو السبب في أن حياتنا، حتى في أوقات الفراغ، تبدو وكأنها سلسلة من اللحظات التي يجب شراؤها وبيعها ومعالجتها بكفاءة أكبر من أي وقت مضى. توضح لنا أوديل كيف ترتبط علاقتنا المؤلمة بالوقت ارتباطاً وثيقاً؛ ليس فقط بالظلم الاجتماعي المستمر، ولكن أيضاً بأزمة المناخ والرهبة الوجودية والقدرية المميتة.
يقدم لنا هذا الكتاب المبهر والمفعم بالأمل ويعرض طرقاً مختلفة لإعادة ترتيب الوقت وإنقاذه، وتبدو أفكار الكتاب وكأنها مستوحاة من ثقافات ما قبل الثورة الصناعية، ومن الحلول البيئية، والمقاييس الزمنية الجيولوجية، التي يمكن أن تجلب لنا طريقة حياة أكثر إنسانية ورخاءً. وباعتبار أن حياتنا مرتبطة بالكوكب الذي نعيش عليه، فإننا نعيش جنباً إلى جنب مع الحدائق التي تنمو حولنا، والطيور التي تهاجر من مكان إلى آخر. تحثنا أوديل على أن نلعب دور المضيف لهذه الإيقاعات المختلفة للحياة التي لا يمكن فيها اختزال الوقت إلى وحدات معيارية للزمن، وبدلاً من ذلك يشكل الوقت سفينة نعبر بها إلى تحقيق كل ما هو ممكن.
يعمل كتاب «إنقاذ الوقت» على إعادة ترتيب الطريقة التي نختبر بها الوقت بطريقة تختلف تماماً عن الطريقة التي نعرفها ونعيشها في واقعنا الحالي. تخيل عالماً لا يتمحور حول العمل، أو الساعات التي نقضيها في المكتب، أو دافع الربح. إذا تمكنا من «إنقاذ» الوقت من خلال تخيل حياة وهوية ومصدر للمعنى خارج هذه الأشياء، فقد ينقذنا الوقت أيضاً.
إن الحصول على عمل يعني فقط الاطمئنان إلى أن الأمور ستكون بخير في نهاية الشهر، ويتكرر الأمر في نهاية كل شهر حتى آخر العمر. لقد أصبح الوقت شيئاً يجب علينا ببساطة أن نعيشه مراراً وتكراراً. قد تتغير الفترة الزمنية ويتغير المسمى حسب طبيعة العمل الذي نقوم به، فالعامل الذي يتقاضى أجره بشكل يومي يتكرر معه الأمر كل يوم، والذي يتقاضى أجره أسبوعياً يتكرر معه الأمر كل أسبوع، أما الطالب فيتكرر معه ذلك كل فصل دراسي إلى أن ينهي دراسته، وهكذا. لكننا دائماً ما نتجه نحو أفق لا يمكننا الوصول إليه أبداً. الوقت هو المال ونحن دائماً نشعر أننا لا نملك ما يكفي من المال، ودائماً ما نجتهد في تنفيذ مشروع بعد الآخر لجمع المزيد؛ أملاً في أن نصل إلى مرحلة نكتفي بها ويصبح الوقت الذي نعيشه هو ملكنا تماماً، دونما الحاجة إلى إضاعته بحثاً عن أمور أخرى.
في حين أن هذا الوضع قد لا يكون جديداً، إلا أنه يبدو غير مستدام ولا يمكن الاستمرار عليه؛ لأننا نعيش أيضاً مع واقع تغير المناخ. البشرية مهددة بالخطر ما دامت الأرض مهددة بالخطر، ومع كل دقيقة تمر، نفقد مزيداً من الوقت، ونتقدم في السن، ونقترب من الموت. تتعقب جيني أوديل في كتابها المسار الذي أوصلنا إلى مفترق الطرق الوجودي هذا، وتحاول أن تعطينا أدوات تساعدنا على التخلي عن مفاهيم الوقت التقليدية في النهاية، ورؤية الوقت نفسه من خلال عدسات مختلفة.
مشكلة الكتاب أنه يتناول موضوع الوقت من خلال طرح أفكار مجردة، قد يجد كثير من القراء صعوبة في فهمها أو تطبيقها من الناحية العملية، خصوصاً أن هذه الأفكار التي تقترحها أوديل لـ«إنقاذ الوقت» تعتمد في الأساس على ما تسميه «المساعدة الذاتية». وربما كان من المفيد أكثر طرح أفكار عملية تساعد الإنسان المعاصر على حماية وقته من الضياع في زحمة الحياة المعاصرة.
إن مقولة «الوقت هو المال» ليست دقيقة وقد تكون خاطئة. فالوقت لا يقدّر بثمن وهو أهم من المال. الوقت لا يعود أبداً، لكن المال يمكن أن يعود. يمكن كسب المال عن طريق الاستخدام الصحيح للوقت؛ لكن لا يمكن إعادة الوقت الذي مضى بكل أموال الدنيا. لذلك؛ إذا كنت تريد أن تصبح ناجحاً في حياتك، فتعلم كيفية استخدام الوقت بكفاءة. يمكن كسب المال بمرور الوقت، لكن لا يمكنك كسب المال عن طريق إضاعة الوقت. قد يعرف المريض الذي يحتاج إلى الوصول إلى المستشفى للحصول على رعاية طبية عاجلة أن الوقت أثمن بكثير من المال، وهو مستعد لدفع أي مبلغ للوصول إلى المستشفى في الوقت المحدد؛ لأنه يعلم أنه يمكنه كسب المال بمجرد أن ينقذ حياته.
وسط الطبيعة الفوضوية لحياتنا، قد يكون من المستحيل تقريباً إنجاز كل شيء في قائمة المهام، ناهيك عن إعادة التواصل مع أنفسنا أو مع من نحبهم، إلا إذا اتبعنا الطريقة الصحيحة لإدارة الوقت. كما ذكرت سابقاً، لدى كل منا 24 ساعة في اليوم، وكل منا يعيش هذه الساعات بطريقته، لكن على الجميع التخطيط ليومهم.
يعد إعداد جدول يومي والالتزام به واتباعه الطريقة الأولى لتوفير الوقت في الحياة اليومية؛ لأن ذلك يبسط العمل ويمنع التأخير. ويفضل إعداد جداول يومية تجمع بين المسؤوليات الشخصية والمهنية للحفاظ على التوازن بين الاثنين. بالطبع، هذا يتطلب مراقبة الوقت طوال اليوم لضمان أن البرنامج يسير على ما يرام.
من ناحية ثانية، يجب تجنب أداء مهام متعددة في وقت واحد إذا أمكن؛ لأن ذلك من شأنه أن يضعف التركيز ويقلل من جودة العمل، وقد يضطر المرء إلى إعادة العمل مما يجعله يقتل مزيداً من الوقت. وفي الوقت نفسه، يجب الابتعاد عن كل ما يمكن أن يشتت الانتباه، مثل الأطفال أو التلفزيون أو حتى الهاتف الجوال، وخصوصاً إذا كان العمل يتم من المنزل؛ لأن ذلك يؤثر على الإنتاجية والنوعية ويضيع كثيراً من الوقت.
وبما أننا نعيش اليوم في عالم رقمي، فيجب أن نستفيد من جميع الفوائد التي يقدمها، مثل الإنترنت، ونحقق أقصى استفادة من إمكاناته. يمكن مثلاً دفع الفواتير أو حضور الاجتماعات أو التسوق عبر الإنترنت، وهذا يوفر كثيراً من الوقت الذي يمكن استخدامه في أداء العمل بشكل أفضل. وبما أننا نتلقى كثيراً من رسائل البريد الإلكتروني، فمن المفيد ابتكار نظام للتعامل مع هذه الرسائل وفرزها؛ لأن تلك إحدى أفضل الطرق لتوفير الوقت.
ولعل من أهم النصائح في هذا المجال: الامتناع عن التسويف؛ لأنه ينطوي على تأخير أو تعليق المهام لإكمالها؛ لأن ذلك يشكل عبئاً على إنتاجيتنا، ويؤخر المهام المهمة.
لكن إنقاذ الوقت أحياناً يتطلب تخصيص بعضه للراحة. يقسم عديد من الكتاب والعلماء والفنانين وغيرهم من الأشخاص الناجحين أيامهم إلى جزأين أو ثلاثة أجزاء صغيرة من الوقت، حيث يمكنهم تخصيص جزء للعمل المكثف، واستخدام بقية الوقت للمهام الشخصية، والمشي لمسافات طويلة، ووقت العائلة أو أمور أخرى. خسارة الوقت الظاهرية هذه ضرورية لإنقاذه؛ لأنها تفيد في أمور عدة. فمن ناحية، تساعدنا راحة الدماغ على «إعادة ضبطه». يحتاج العقل إلى إجازة لإعادة الشحن والاستعداد لإعادة التركيز. والغريب أن الحلول تأتي أحياناً خلال فترات الراحة. ويفسر العلماء ذلك بأن أدمغتنا تستمر في العمل على المشاكل العالقة، حتى عندما نقوم بنشاطات لا علاقة لها بهذه المشاكل، مثل المشي أو الركض أو غير ذلك.

* باحث ومترجم سوري



الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).


رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
TT

رئيس وزراء أستراليا يدعو إلى التحلي بالهدوء بعد تهديد بوجود قنبلة في مقر إقامته

مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)
مقر إقامة رئيس الوزراء الأسترالي الرسمي في كانبرا (رويترز)

قال رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، اليوم (الأربعاء)، إنه لا يعدّ أمنه أمراً مفروغاً منه، بعد أن أُجلي من مقر إقامته لعدة ساعات، عقب تهديد بوجود قنبلة.

وأُجلي ألبانيزي من مقر إقامته في كانبرا خلال وقت متأخر من أمس الثلاثاء بعد تهديد أمني، وعاد بعد بضع ساعات، بعدما لم تعثر الشرطة على أي شيء مريب.

رئيس الوزراء الأسترالي (د.ب.أ)

وقالت الشرطة إنه لم يعد هناك أي تهديد.

وذكر ألبانيزي في فعالية بملبورن، اليوم (الأربعاء): «أعتقد أن هذا مجرد تذكير. اغتنموا كل فرصة لإخبار الناس، تحلوا بالهدوء رجاء».

وأضاف: «لا يمكننا أن نعدّ هذه الأشياء أمراً مفروغاً منها».

أعمدة منصوبة خارج «ذا لودج» المقر الرسمي لرئيس الوزراء الأسترالي في كانبرا بأستراليا (رويترز)

وأوضحت محطة «إيه بي سي» الحكومية، اليوم (الأربعاء)، أن التهديد مرتبط بفرقة «شين يون»، وهي فرقة رقص صينية كلاسيكية محظورة في الصين، ومن المقرر أن تقدم عروضاً في أستراليا هذا الشهر.

وذكرت المحطة أن الرسالة التي أُرسلت إلى المنظمين المحليين للفرقة زعمت أنه جرى زرع متفجرات حول مقر إقامة ألبانيزي، وأنها ستنفجر إذا قدمت الفرقة عرضاً في البلاد. ورفضت الشرطة التعليق على مصدر التهديد. ولم ترد «شين يون»، التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، على الفور على طلب للتعليق.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended