شرطان للعقلانية في تنظيم الكون وعالم الإنسان

في النظرة الحديثة تحولت الأرض إلى كوكب لكن الشمس لم تعد كذلك (أ.ب)
في النظرة الحديثة تحولت الأرض إلى كوكب لكن الشمس لم تعد كذلك (أ.ب)
TT

شرطان للعقلانية في تنظيم الكون وعالم الإنسان

في النظرة الحديثة تحولت الأرض إلى كوكب لكن الشمس لم تعد كذلك (أ.ب)
في النظرة الحديثة تحولت الأرض إلى كوكب لكن الشمس لم تعد كذلك (أ.ب)

قبل انتشار تيارات ما بعد الحداثة في نهايات القرن العشرين، كانت مقولة عالم الفيزياء ماكس بلانك في بداياته: «الحقيقة العلمية الجديدة لا تنتصر من خلال إقناع خصومها حتى يروا النور، إنما لأن الخصوم يموتون ويصعد جيل جديد نشأ عليها». فليس من السهل «إقناع» من أضاع حياته في معتقدات معينة، وربما ربط ذاته وكيانه بها واستثمر سمعته وهيبته ومكانته فيها، بالتخلي عنها، حتى إن كان عالماً.
تمسك بلانك بمبدأ «الحقيقة العلمية»، لكنّ غيره لم يفعل. في منتصف القرن العشرين، جاء توماس كوهن بأطروحاته عن «بنية الثورات العلمية»، وكان مفادها أنها مثل الثورات السياسية تتخللها حالات من الفوضى الفكرية، حيث تتصارع التصورات المختلفة لملء الفراغ، في ظل غياب الأرضية المشتركة المطلوبة لإمكانية الحوار (والاختيار) العقلاني بينها. وكان الإيحاء بأن «الحقيقة العلمية» التي تسود في نهاية المرحلة الثورية ليست بالضرورة نتاج عملية عقلانية، إنما تدخل في تشكيلها وترجيح فرصها عواملُ مثل النفوذ المؤسسي والتمويلي الداعم لمنهجها، وسلطة وتأثير العلماء المتبنين لتصور العالم المصاحب لها (ما سماه الـ«بارادايم»). وهذا الجانب من أطروحات كوهن هو الذي طوّره كثيراً أمثال ميشيل فوكو فيما بعد.
في نهايات مشواره الفكري تراجع كوهن كثيراً عن أطروحاته الأكثر راديكالية، خصوصاً بعد أن تابع تطورها على يد مَن تطرفوا في سرد تداعياتها. لكنه ظل متمسكاً بعنصر مهم يتعلق بصعوبة التواصل العقلاني بين البشر الذين ينتمون إلى جماعات (علمية أو غيرها) تستخدم لغة فكرية مغايرة جذرياً لشرح العالم**.
يسرد كوهن مثالاً بسيطاً لشرح ما يعنيه: في نظرية بطليموس للعالم، التي سادت خلال العصور الوسطى، الأرض لا تتحرك، بل تظل في مركز الكون الذي يدور حولها، لذلك لا يمكن اعتبار الأرض كوكباً. في المقابل، الشمس والقمر يدوران حول الأرض، ولذلك يجب تلقيبهما بالكوكب. أما في النظرة الحديثة، فالأرض تحولت إلى كوكب لكن الشمس لم تعد كذلك، والقمر تحول إلى مفهوم جديد لم يكن موجوداً من قبل، وهو الجسم الفلكي الذي يدور حول أحد الكواكب بدلاً من مركز الكون. ثم توالت الطفرات في تصور الإنسان للعالم الطبيعي، واختفت فكرة وجود مركز للكون من الأساس.
يمكن إذن سؤال: كيف يمكن للعلماء التواصل، كي يصلوا إلى توافق عقلاني بخصوص تطور تصوراتهم، رغم وجود اختلافات جذرية في تصوير العالم والتعبير عن منطقه؟ بأي لغة يتحاورون في كل مرحلة؟
الرد على هذا السؤال يُبرز مدى قصور أطروحات كوهن الأصلية، الرابطة بين الثورات في العلم والسياسة، وفي الوقت نفسه سيشير إلى الظروف التي تمكّن بعض الأنظمة السياسية من استيراد العقلانية العلمية إلى المجال العام، على عكس استيراد العقلانية السياسية إلى المجال العلمي، كما في طرح كوهن الأصلي، وذلك في سبيل تفادي أن يكون العنف هو السبيل الأساسي لتنظيم المجتمع وإبقائه تحت السيطرة.
الرد على السؤال ببساطة هو أن العلماء يربطون النظريات المختلفة، بلغاتها المغايرة ومنطقها المختلف، مباشرةً بمعطيات الواقع. على هذا الأساس يختبرون مدى نجاح كل نظرية على حدة، ليستقروا في النهاية على التصور الذي يشرح أكبر كمٍّ من المعطيات بأقل قدر من الفرضيات النظرية.
قد تبدو هذه عملية بدهية وبسيطة للغاية، لكنها تعتمد على تحقق شروط دقيقة، أعتقد أنه يمكن تلخيصها كالآتي:
الشرط «1» وجود اتفاق عام على طبيعة «معطيات الواقع» التي يجب شرحها، وعلى كيفية التحقق من صحة النتائج التجريبية المؤدية إليها.
الشرط «2» أن يستحيل على أي فريق من الجماعات المتنافسة على شرح معطيات الواقع تغيير تلك المعطيات لصالحه. (في مجال العلوم الطبيعية هذا يعني إلغاء «الغش»، لأن في غير ذلك فالمعطيات تأتي مرتبطة بآليات وقوانين الكون التي ليست لدينا سلطة تغييرها).
خصوصية طبيعة تلك الشروط، التي تفسح المجال أمام الفصل العقلاني بين التصورات المختلفة جذرياً للعالم الطبيعي، تتضح عند محاولة نقلها لعالم الإنسان.
في أعقاب الثورة العلمية، في عصر التنوير، بدأت محاولات نقل عقلانية المنهج العلمي، بما يتضمنه من آليات «الفصل السلمي» في النزاعات بين التصورات المختلفة، إلى عالم الإنسان. وربما كان ذلك واضحاً بالذات في عملية بناء النظام الأميركي، من حيث الإشارات المكثفة في كتابات ونقاشات «آباء مؤسسين»، مثل جيفرسون وماديسون وهاملتون، لفلاسفة من أمثال جون لوك ومونتسكيو. وكان الهدف، حسبما دوّنه هاملتون في أول فقرة من أول «ورقة فيدرالية» تعلّل وتشرح الدستور، هو الرد على «السؤال المهم المتعلق بما إذا كان بإمكان المجتمعات الإنسانية تشييد الحكم الرشيد، المؤسَّس على التعقل والاختيار، بدلاً من التأسيس على العشوائية والعنف».
استقرار مثل هذا النظام، كما لاحظ الفيلسوف السياسي جون رولز، يضمنه وجود توافق اجتماعي بخصوص ما هو معقول أو عقلاني، مما يتطلب مثلاً إخراج الأطروحات التي تُلوّح بامتلاك حقائق مطلقة تعتمد على غيبيات (على عكس مجرد التمسك بأخلاقيات ومبادئ عامة معبّرة عن روح العقيدة) من المجال السياسي. فوجود مثل هذه الأطروحات يجهض إمكانية تكافؤ الفرص في التنافس بين التصورات والأطروحات المختلفة فقط على أساس نجاحها في التعامل مع «معطيات الواقع»، كما في المنهج العلمي.
دون ذلك، لا يمكن أن يتبلور «التوافق العقلاني». وفي غيابه يتشرذم المجتمع إلى قبائل متصارعة، لا تتواصل عقلانياً فيما بينها لأنها لا تتعامل مع نفس العالم؛ لا تتفق على أبسط المفاهيم، بل لا تتفق حتى على حقائق «معطيات الواقع» ومعايير التحقق من صحتها.
هذا وضع عرفناه جيداً في عالمنا العربي (راجع بالذات فصل «الربيع»)، لكنه يتبلور الآن كذلك في ديمقراطيات ليبرالية عريقة مثل الولايات المتحدة. فالعشائر المتصارعة في المجال العام الأميركي باتت لا تتفق على طبيعة وهوية الدولة والمجتمع: لا تتفق على دور الدين، ولا تتفق على ما إذا كانت التعددية الثقافية والعرقية شيئاً حميداً أم مدمِّراً. بل لا تتفق حتى على أبسط حقائق الواقع، فبعضها متقوقع في عوالم فكرية بديلة من صنع سياسيين مثل دونالد ترمب ومسانديهم في الإعلام والتواصل الاجتماعي. هكذا كان يمكن لجريدة وقورة مثل «نيويورك تايمز» أن تسرد عشرات الأكاذيب لترمب خلال خطاب واحد، لكنّ مؤيديه كانوا يصدقونه في كل حال؛ لأنهم لم يبحثوا عن الحقائق التي تتوافق مع الواقع؛ إنما عن «حقيقة» تريحهم معنوياً، لأنها تدعم ترابط عصابيتهم القبائلية المبنية على معانٍ ليست قابلة للتفنيد.
هكذا يتلاشى الشرط رقم «1» من المشهد. أما محاولات تدمير الشرط «2» فتأتي عادةً لاحقاً، كما في اقتحام مناصري ترمب للكونغرس. وقد تنجح تلك المحاولات في النهاية، لأن من أهم السمات التي تفصل عالم الإنسان عن العالم الطبيعي هي أن الإنسان لديه قدرة تغيير أسس وقوانين ومنظومات عالمه عن طريق الفعل (العنيف أحياناً). في عالم الإنسان، على عكس الحال في العالم الطبيعي، يستطيع كل من لديه تصورات فكرية وسياسية عن طبيعة هذا العالم أن يتحرك ليثبت صحة نظرياته. مثلاً، إذا اعتقد قائد أو تيار سياسي ما في حتمية الصراع العنيف مع عدو داخلي أو خارجي، يمكنه التحرك لخلق مقومات هذا الصراع وجعلها واقعاً، لتصبح نبوءاته محقَّقة. لذلك، فالعقلانية في إطار عالم الإنسان تتطلب الاتفاق المسبق على أن ذلك ليس مقبولاً.
هكذا، فإن استمرار النظام العقلاني في عالم الإنسان يتطلب الاتفاق الاجتماعي المسبق على المبدئين «1» و«2» اللذين سردناهما، لأنهما لا يتحققان تلقائياً كما في مجال العلوم الطبيعية. دون ذلك يتزعزع النظام وينقطع الاستمرار.
أما واقع مداهمة هذا الخطر لنظام سياسي تعددي عريق -في جوهره محاولة دؤوبة، ومدونة في دستور دقيق، لبنائه على أسس عقلانية- فيشير إلى أن الحضارة الناتجة عن الفكر العلمي دائماً ما تظل مجرد قشرة تغطي واقعاً إنسانياً فوضوياً، قاسياً وشرساً.
هذه هي الإشكالية التي لاحظها أمثال سيغموند فرويد وإرنست كاسيرير عند انهيار العالم الألماني في النصف الأول من القرن العشرين، الذي كان ربما الأكثر تقدماً تقنياً وعلمياً وفكرياً وثقافياً عندما انحدر نحو الوحشية.
التقدم في فهم الكون لا يصاحبه تطور موازٍ في عالم الإنسان، إلا عندما تتوفر الشروط التي تتيح الاختيار العقلاني في المجال العام كما في مجال العلم. غير ذلك تكون تداعيات التطور العقلاني في العلم، لا سيما في صورها التكنولوجية المدمرة، بمثابة لعنة وليس خلاصاً.

* كاتب مصري ومدير مركز الفيزياء النظرية بالجامعة البريطانية في مصر
** أفكار وآراء كوهن الأخيرة ملخَّصة في كتاب بعنوان «The Road since Structure» صادر عن دار نشر جامعة شيكاغو سنة 2002.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.