«بوغاتي» تدخل مضمار سباق الأزياء بالتفصيل على المقاس

خزانة متنقلة تضم كل ما تتطلبه حياة الترف أيا كان المكان والزمان

من عرض «إيتوري بوغاتي» للأزياء الجاهزة و تضم الخزانة المتنقلة كل ما يحتاجه من أزياء وإكسسوارات وهناك فريق من الخياطين يقومون بكل الترتيبات والإجراءات  التي تجعل العملية سهلة لا تأخذ الكثير من وقت الزبون و كل قطعة في الخزانة يمكن أن تفصل على مقاس الزبون
من عرض «إيتوري بوغاتي» للأزياء الجاهزة و تضم الخزانة المتنقلة كل ما يحتاجه من أزياء وإكسسوارات وهناك فريق من الخياطين يقومون بكل الترتيبات والإجراءات التي تجعل العملية سهلة لا تأخذ الكثير من وقت الزبون و كل قطعة في الخزانة يمكن أن تفصل على مقاس الزبون
TT

«بوغاتي» تدخل مضمار سباق الأزياء بالتفصيل على المقاس

من عرض «إيتوري بوغاتي» للأزياء الجاهزة و تضم الخزانة المتنقلة كل ما يحتاجه من أزياء وإكسسوارات وهناك فريق من الخياطين يقومون بكل الترتيبات والإجراءات  التي تجعل العملية سهلة لا تأخذ الكثير من وقت الزبون و كل قطعة في الخزانة يمكن أن تفصل على مقاس الزبون
من عرض «إيتوري بوغاتي» للأزياء الجاهزة و تضم الخزانة المتنقلة كل ما يحتاجه من أزياء وإكسسوارات وهناك فريق من الخياطين يقومون بكل الترتيبات والإجراءات التي تجعل العملية سهلة لا تأخذ الكثير من وقت الزبون و كل قطعة في الخزانة يمكن أن تفصل على مقاس الزبون

عندما تقرر شركة مثل «بوغاتي» أن تطلق خطا للأزياء، فلك أن تتصور مدى ما تتضمنه من فخامة وخامات بالنظر إلى سياراتها الفارهة التي تقدر بمئات الآلاف، إن لم نقل الملايين.
قد يعلق بعض المتابعين للموضة والمراقبين لتحولات الأسواق، بأن الأمر ليس جديدا، وبأن الكثير من شركات السيارات دخلت مجال الموضة بدءا من مرسيدس بنز التي مولت أسبوع نيويورك منذ 2009 قبل أن تسحب دعمها هذا الموسم، إلى تعاون فيكتوريا بيكام مع راينج روفر، والمصمم جون فارفاتوس مع غرايسلر وإرمينجلدو زيغنا مع مازيراتي، من دون أن ننسى فيراري ولامبورغيني اللتين دخلتا بدورهما هذا المضمار منذ فترة. لكن عندما يسمع ماسيميليانو فيراري، الرئيس الإداري لقسم الموضة بـ«بوغاتي» هذه المقارنات يسارع مصححا «لكن هؤلاء يتناولون الموضة من الناحية الاستهلاكية التجارية، بينما نحن نركز على صورة فنية، أو بالأحرى الموضة كأسلوب يكمل حياة كل من يمتلك سيارة بوغاتي، أو له نية في اقتنائها.
كان لقاء «الشرق الأوسط» مع ماسيمليانو فيراري وجوناثان كلاي، كبير خياطي الشركة بفندق بلغاري، وسط لندن، بمناسبة كشف «بوغاتي» عن آخر عناقيدها في مجال الموضة: «ذي ترافل ترانك» The Travel Trunkأي الخزانة المتنقلة، وهي عبارة عن دولاب مصمم بتقنيات عالية وخامات بجودة لا مثيل لها ناهيك بتصميمه المستوحى من سيارة «أتلنتيك» الأيقونية. ما إن تفتحه حتى تتراءى لك أزياء وإكسسوارات، بعضها مرتب في علب بنقشات مبتكرة وبعضها الآخر معلق على شماعات. يقول فيراري إن كل ما تتضمنه مجرد اقتراحات أو عينات تساعد الزبون على اختيار ما يروق له منها، أو إضافة بصماته الخاصة إليها حسب متطلبات حياته وذوقه وأنشطته «فنحن هنا أمام خدمة تعتمد التفصيل (على المقاس)، وهي خدمة استحدثناها لمخاطبة زبون يمتلك سيارة أو أكثر من (بوغاتي) ولا يهمه السعر بقدر ما يهمه التفرد والجودة».
ولا شك أن هذه الخدمة بمثابة امتداد طبيعي لثقافة الشركة واهتمامها بالموضة منذ عهد المؤسس، السيد بوغاتي، الذي كان يصمم أزياءه بنفسه، وكان أول من طالب بوضع أزرار أكمام (كبك) فوق كم القميص عوض جانبه، كما هو معروف ومتداول، حتى لا يعيق حركته عند القيادة.
يتدخل جوناثان كلاي، كبير الخياطين، مضيفا بأن الأزياء التي تضمها الخزانة المتنقلة هي بالأساس «هوت كوتير» لأنها مفصلة على المقاس وحسب مقاييس ومقاسات الزبون. بعضها مصنوع من الكشمير والحرير وبعضها الآخر من جلود التماسيح أو سمك الجريث الذي تنتج منه قطعا في منتهى الخفة والنعومة. ويشرح كلاي، الذي ينحدر من أصول إنجليزية وإيطالية، وتعلم أصول الخياطة من والده، بأن كل قطعة هنا قابلة للتغيير حتى تناسب متطلبات الزبون، الذي يمكنه التدخل في تصميمها أو اختيار أقمشتها مع إضافة بعض التفاصيل عليها. ولا يخفي أن بعض الزبائن يحتاجون إلى مساعدته، وبعضهم الآخر يعرفون تماما ما يريدونه والأسلوب الذي يرتاحون فيه. يتدخل ماسيميليانو فيراري مقاطعا «يمكنك القول إننا نقترح الأفكار والزبون يرسم الصورة التي يتطلع إليها».
يضم الدولاب، الذي لا يمكن تحديد سعره لأنه يتباين حسب متطلبات كل زبون، بدلة أساسية وسترات مختلفة لكل المناسبات وإكسسوارات تجمع الكلاسيكية بالعصرية حتى تفسح له المجال بتنسيقها بسهولة.
إلى جانب التصاميم، تكتسب الأقمشة أهمية كبيرة في هذه المجموعة، إذ لا بد أن تتمتع بالترف حتى يمكن تشكيلها بسهولة في تصاميم راقية. للوهلة الأولى، وعندما تنظر إلى ما بداخل الدولاب لا ترى جديدا بالمعنى الثوري من حيث التصميم. فللرجل دائما بدلات وإكسسوارات تبدو متشابهة، لكن عندما تنظر إلى فيراري وترى في عيونه نظرة شقية وهو يحفزك على لمس جاكيت، تشعر بأن في الأمر سرا لا تراه العين. وبالفعل ما إن تتسلم منه الجاكيت المصنوع من جلد سمك الجريث، وتلمسه حتى تفهم ما كان وجوناثان كلاي يقصدانه. فمن بعيد يبدو الجاكيت عاديا بلونه الرصاصي لكن ما إن تلمسه حتى يتبين لك مدى خفته وافتقاده لأي سمك يُذكر. أتسلم قطعا أخرى من جلد النابا وفي كل مرة تكتشف أنها تتميز بنفس الخاصية لدرجة أنك لا تصدق بأنك تلمس جلدا طبيعيا. الألوان أيضا كانت مثيرة للانتباه بانعكاساتها الضوئية. والمقصود هنا ليس الأزرق، ماركتها المسجلة فحسب بل كل درجات الألوان المقترحة، والتي كان القاسم المشترك بينها تدرجاتها العاكسة للضوء، وهو ما يشرحه فيراري قائلا، إن اختيار هذه الدرجات كان من بين أهم العناصر التي طلب من المصممين احترامها. والسبب أنها جزء من جينات الشركة وتظهر جليا في كل سياراتها. يلتقط جوناثان كلاي خيط الحديث قائلا إن الأمر لم يخل من التحدي، لكن فريقه، نجح في خلق درجات تتلون مثل الحرباء حسب الزاوية التي توضع فيها.
تستغرق صناعة كل بدلة هنا نحو أسبوعين، وهو وقت قياسي إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها مفصلة على المقاس، لكن كان مهما أن لا تستغرق أكثر من ذلك، لأن زبون اليوم لا يطيق انتظار ستة أشهر وإجراء بروفات قبل الحصول عليها من خياطي إيطاليا أو «سافيل رو» بلندن. بل يريدها في أسرع وقت ممكن ودون تعب أو التنقل لإجراء بروفات متكررة. خياطو «بوغاتي» وجدوا الحل، وجاهزون للانتقال للقاء زبائنهم في أي مكان مناسب لهم. فأحيانا يسافرون إليهم في بلدانهم، وأحيانا يأخذون المقاسات أو يضعون اللمسات الأخيرة، بداخل طائرات خاصة أو في قاعات الانتظار بالمطارات قبل مغادرة هؤلاء الزبائن إلى وجهتهم.
كلما توغل في الحديث، تكتشف أنك في عالم وزبون «بوغاتي» في عالم آخر. فقدراته الشرائية لا سقف لها، ما دام سيحصل على قطع خاصة به.
ولم يعد هذا الجري وراء اسم «بوغاتي» يقتصر على الرجل، لأن المرأة انضمت إليه تريد نفس المنتجات، أو بالأحرى نفس الترف. طبعا لم تكذب الشركة خبرا وسارعت لتغذية رغبتها بقطع كلاسيكية متنوعة، مثل جاكيتات الجلد وطبعا حقائب من جلود التماسيح وغيرها، يمكن أن يصل ثمنها إلى أكثر من 25 ألف جنيه إسترليني. وهذا ما سيجعلها في نفس مستوى حقائب «هيرميس» ومنافسا قويا لها، بحيث لن نستغرب إن سمعنا مستقبلا، أنها هي الأخرى أصبحت لها لائحة انتظار طويلة. يشير فيراري ضاحكا «إنها منتجات تتمتع بروح ونفس (بوغاتي) الطويل، وبأسلوب يخاطب امرأة مرفهة لا يهمها تنسيق حقيبتها بحذائها بقدر ما يهمها تنسيقها مع سيارتها».
عندما يذكر بأن زبونة واحدة اقتنت عدة حقائب من جلد التمساح في اليوم السابق، تستغرب أقوال بعض المتشائمين الذين ينعون المنتجات المرفهة ويقولون إن عصرها الذهبي انتهى. ينكر جوناثان كلاي أن يكون الأمر كذلك بالنسبة لهم «أما إذا كان المقصود هو بيوت الأزياء الكبيرة، فأنا أفهم ما يقولونه، لأنها عندما تفتتح ما يقارب الـ20 محلا في شنغهاي وحدها، فإنها تقضي على فكرة التفرد ويصبح المنتج شائعا وبالتالي عاديا. إذن ما فائدة شراء حقيبة بآلاف الدولارات عندما تكون متوفرة بكميات هائلة وفي متناول الكل، ففي هذه الحالة تموت تلك الرغبة المحمومة أو اللهفة للحصول على منتج لا يصل إليه أحد غيري، وتكون النتيجة أنه يفقد قيمته».
من هذا المنطلق تنوي «بوغاتي» افتتاح 30 محلا في عواصم عالمية منتقاة بعناية، في محاولة لخدمة زبائنها الأوفياء، وفي الوقت ذاته استقطاب زبائن جدد، ولو بإغراقهم بشراء منديل جيب أو ربطة عنق. ماسيميليانو فيراري في المقابل، له تطلعات أخرى يلمح لها قائلا «لا تستغربي أن يتعرف بعض الزبائن على سياراتنا من خلال الموضة، فكل شيء جائز».



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.