الحرية والإنسان.. بين وجودية سارتر وفاعلية آلان تورين

ليست معطاة له سلفًا ولا يمكن الوعي بها في معزل عن حركية الواقع

آلان تورين وجان بول سارتر
آلان تورين وجان بول سارتر
TT

الحرية والإنسان.. بين وجودية سارتر وفاعلية آلان تورين

آلان تورين وجان بول سارتر
آلان تورين وجان بول سارتر

يستمد النقاش الفلسفي حول حرية الإنسان وقيمته، من التصورات الفلسفية الكلاسيكية التي أعلت من قيمة الأبعاد الجوهرية في الإنسان بوصفه شخصا، وبكونه مفكرا وعاقلا وأخلاقيا وحقوقيا وإيكولوجيا. وهذا ما قوضته العلوم الإنسانية بمختلف مقارباتها السيكولوجية والسوسيولوجية والأنثربولوجية، التي ركزت في دراساتها على الحتميات التي تقيد الفعل الإنساني. وهذا ما فرض إعادة النظر في مجمل التصورات الفلسفية التي نظرت إلى الشخص باعتباره حرا حرية مطلقة. فإذا كنت أميز نفسي بكوني كائنا حرا، وحريتي نابعة من إرادتي العاقلة، التي تمنحني الحق في الاختيار والتمييز بناء على وعيي التام بهذا الاختيار، فإنني في مرات كثيرة، أجد نفسي في مواقف أتصرف فيها أو أسلك فيها انطلاقا من إكراهات داخلية (نفسية / بيولوجية)، أو خارجية (اجتماعية وسياسية وقانونية وثقافية) - بالمعنى التايلوري النسقي الشامل لمفهوم الثقافة.

وهكذا فالتفكير في موضوع حرية الشخص بشكل خاص، هو أصلا تفكير في الإنسان ككل، والعكس صحيح. من هنا نفهم الدلالة العميقة لما قاله غرامشي: عندما اعتبر أن السؤال «ما الإنسان؟» هو في الأصل سؤال عن مصير الإنسان، أي: هل يمكن أن يتحكم الإنسان في مصيره الخاص ويسيطر عليه؟ هل هو حر بما يكفي؟ وهل يمكن أن يصبح حرا أكثر، وبالتالي ما السبيل إلى تقليص الموانع وتوسيع دائرة حريته؟

سارتر
ينظر سارتر في كتابه الأساس «الوجود والعدم»، وفي حواره مع بيير نافيل: المنشور بعنوان «الوجودية نزعة إنسانية» للوجود الإنساني باعتباره فعلا acte وليس حالة état – ولفهم هذا التمييز الذي أقامه سارتر، لا بد من أن نتخيل اللحظة الأولى التي وجدنا فيها عراة في هذا العالم إلى جانب كائنات أخرى في الطبيعة. ما وقع واكتشفناه بعد مئات الآلاف من السنين والتطور، هو أننا لم نقبل الحالة التي وجدنا عليها، ورفضناها رفضا تاما، بحيث أنه انتقلنا من العراء إلى اختراع اللباس، ومن السكن في الطبيعة، إلى الأكواخ، ثم إلى القرى والمدن، وحينما لم تعد المدن قادرة على تلبية حاجاتنا أسسنا الدول، وحينما مللنا الأرض، فكرنا في الفضاء، وهكذا يبدو الوجود الإنساني ليس حالة خاما أو جامدة، بل هو عبارة عن سيرورة يختار فيها الإنسان في كل لحظة تاريخية ما يريد أن يكون عليه، ويرفض فيها ما هو عليه، بينما الحيوان ظل محافظا على عاداته، وسلوكاته وتصرفاته، لأنه مبرمج، ولا يملك الملكة التي نتفوق عليه بها وهي العقل. وهذا ما يقصده سارتر في قوله إن الوجود الإنساني فعل وليس حالة خاما. فنحن نرى الإنسان من خلال الأبحاث الأنثربولوجية الخاصة، وقد انتقل بالزواج مثلا، من الإباحية إلى المأسسة التي تقتضي حصول الشرعية القانونية والدينية أحيانا في بعض المجتمعات اليوم. لكننا لم نر يوما مجتمعا للقردة أو الأسود قد أقام مؤسسات ثقافية وقانونية يوثق فيها عقود الزواج أو يقننها – هكذا يكون الوجود في صميمه عند سارتر هو انتقال من الإمكانية إلى الواقعية، وهو ما يعني بحرية الإرادة الإنسانية عند سارتر. فالوجود الطبيعي الممنوح لنا قبل أي مجهود شخصي لا يحيل إلى واقعة تجريبية، بل هو وجود لا ينفصل في ماهيته عن فعل الحرية الذي يقوم به الإنسان ويعبر عنه من خلال فعل الاختيار. فأنا من أختار نفسي، وأحدد مصيري وأخلق ذاتي، لأن الوجود عند سارتر متماه مع الاختيار. فالوجود في العمق، ليس إلا فعل اختيار يقدم عليه الشخص. فإذا كان ديكارت يقول “بأنا أفكر، فأنا إذن موجود. ففي الوجودية يصبح الكوجيطو الوجودي هو «أنا أختار، إذن أنا موجود». فالإنسان عند سارتر حر حرية مطلقة ما دام يرفض تقبّل تأثيرات التجربة تقبلا تلقائيا، بل يتعالى على التجربة بواسطة فعل الحرية الذي يمكنه من اختيار ما يريد أن يكون عليه. فالحرية عند سارتر ليست معطاة بشكل قبلي وتلقائي، بل الإنسان هو من يسهم في تحقيقها وخلقها. فالإنسان لا يوجد، حسب سارتر، إلا إذا اختار نفسه بحرية عاملا على خلق ذاته. والإنسان عند سارتر هو قدرة على الفعل، لكنه لا يمكنه أن يقيم في صورة واحدة من صور الوجود التي يختارها. وهذا ما يرفضه سارتر بقوله من الخطأ أن يعتقد الإنسان أنه لكي يوجد يكفي أن يختار ما يريد مرة واحدة، معتقدا أنه سيختار صورة نهائية لا تقبل المراجعة، بل ينبغي أن نتذكر أن الإنسان يواصل سلسلة اختياراته دون أن يتحجر في صورة ثابتة مطلقة. ومعنى هذا أنه لكي يوجد المرء حقا، فلا بد له من أن يعمل باستمرار على تمييز الممكنات الحقيقية التي ينطوي عليها وجوده، وذلك بملاحظة الموجود الجديد الذي ينبثق من سلسلة أفعاله السابقة، فالإنسان عند سارتر يتعالى على كل جبرية معينة، إنه خاضع فقط لحرية فعله واختياره. فهو عند سارتر قادر على اختيار شخصيته وماهيته، لأنه الكائن الوحيد الذي ينحصر وجوده في حريته، أما باقي الموجودات فإنها خاضعة لجبرية صارمة بمقتضاها تسير أفعالها. ويؤكد سارتر ذلك في كتابه «الوجود والعدم» بقوله إنه ليس في حياتنا عوارض أو ظروف خاصة، فأي حدث جمعي يقع في حياتنا لا يمكن اعتباره حدثا مفاجئا قد صدر من الخارج، ثم تلبّس بنا مجرد تلبس: إن الحرب التي جندت لها هي حربي أنا، فهي صورتي ومثالي، وهي الحرب التي أستحقها، وهذا ما عبر عنه جيل رومان بقوله، «ليس في الحرب ضحايا بريئة». فأنا إذن مسؤول عن تلك الحرب، لأنني ما دمت لم أتخلف عنها فكأنني أردتها. وتبعا لذلك علي تحمل مسؤوليتي تجاه الخيارات التي أقدم عليها، وهذا ما يؤكده سارتر بقوله «إنني مسؤول عن كل شيء، ومسؤوليتي تمتد حتى على تلك الحرب التي اشتركت فيها، كأنني أنا الذي أعلنتها». ما يمكن الخلوص إليه بوضوح مع سارتر، هو كون الشخص حرا حرية مطلقة، لكنه مسؤول في الآن نفسه عن أفعاله واختياراته، لأنه هو الوحيد الذي اختارها بمحض إرادته. وهذا ما يوضحه سارتر في «الوجودية نزعة إنسانية» بصريح القول: «وهكذا فإننا لا نجد خلفنا ولا أمامنا في الميدان الإنساني، قيما، ولا تبريرات أو أعذارا. نوجد وحدنا من دون أعذار». وهذا ما أعبر عنه بالقول، «الإنسان محكوم عليه بالحرية». محكوم عليه لأنه ليس هو من خلق نفسه، في حين أنه مع ذلك يكون حرا، لأنه بمجرد ما يلقى به في العالم يكون مسؤولا عن كل ما يفعل. ولا يقر الوجودي بسلطان الانفعال. إنه لن يتصور أبدا انفعالا جميلا قد أصبح سيلا جارفا يؤدي حتما بالإنسان إلى أفعال معينة، فيكون ذلك بمثابة العذر. إنه يعتبر الإنسان مسؤولا عن انفعاله.

تصور آلان تورين
في كتابه الموسوم «براديغما جديدة لفهم عالم اليوم»، يناقش آلان تورين الذات الفاعلة وعلاقتها بالحتميات الاجتماعية، موجها نقدا لكل التصورات الميتافيزيقية التي نظرت إلى الإنسان من خلال دوره الاجتماعي (هربرت ميد مثلا)، أو من خلال التزامه بقضايا عمومية (مونيي)، أو من خلال فردانيته (ايركسون). بل يدافع آلان تورين عن كون الشخص كجوهر أو كوجود فردي في عالم صوري خالص، لم يعد مقولة قادرة على مقاومة الابتذال الذي يعرفه العالم اليوم، وكذلك الانحرافات التي أدى إليها تطور الحداثة الغربية. كما وجه آلان تورين نقدا لاذعا للفلسفة الديكارتية التي تنظر لحرية الإنسان من خلال قدرته على الانعزال والتحكم في الرغبات والأهواء، بل تكمن حرية الشخص الذي عوضه آلان تورين بالفاعل، أي بالذات الفاعلة التي تكمن حريتها في فعلها المقاوم لكل أشكال الابتذال، والتحكم التي تفرضها وسائل الإعلام والثقافة الجماهيرية وأنظمة السلطة. فالفاعل لا يستمد حريته من خلال وعيه بفردانيته، لأن الفردانية هي مقولة آيديولوجية غايتها عزل الأفراد من أجل التحكم بهم.
فحرية الذات الفاعلة عند آلان تورين، تستمدها من خلال «الصراع ضد نقيض الذات وأشكال منطق السلطة» على حد قوله. إن ما يؤكد عليه آلان تورين، هو أن الذات لا تكون حرة إلا إذا قاومت عالم الاستهلاك وكل وسائله الآيديولوجية. وفي هذا الصدد يقول آلان تورين، في كتابه «براديغما جديدة لفهم عالم اليوم»: «إنني أحدد الذات الفاعلة بمقاومتها عالم الاستهلاك اللاشخصي أو عالم العنف والحرب. إن الذات الفاعلة هي استحضار للذات. هي إرادة العودة للذات بعكس تيار الحياة العادية. إن فكرة الذات الفاعلة تستدعي إلى خاطري فكرة النضال الاجتماعي، إضافة إلى فكرة الوعي الطبقي والشعور القومي في مجتمعات سالفة، لكن بمضمون مختلف ينأى على كل تمظهر خارجي، ويتجه مع بقائه صراعيا نحو الذات بالكامل، لذا كان أول ما خطر ببالي، من أجل توضيح فكرة الذات الفاعلة، صور المقاومين، صور المقاتلين من أجل الحرية».
هكذا فحرية الشخص ليست معطاة سلفا، ولا يمكن الوعي بها في معزل عن حركية الواقع، بل الذات الفاعلة لا تكون حرة إلا من خلال نضالها المستمر على جميع المستويات الثقافية والسياسية من أجل الحصول على حريتها. ويمكن إجمال ما قلناه في كون الحرية إبداع مستمر يسهم فيه الكائن الإنساني بانخراطه في حركية الواقع.



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».