فاكلاف سمِل... قدرة موسوعية تشتغل في حقول معرفية متعددة

كتابه الأخير دليل عالِمٍ إلى ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا

فاكلاف سمل
فاكلاف سمل
TT

فاكلاف سمِل... قدرة موسوعية تشتغل في حقول معرفية متعددة

فاكلاف سمل
فاكلاف سمل

يبدو فاكلاف سمل Vaclav Smil مصداقاً لعبارة (وُلِد ليعمل Born to Work)، إنه قاطرة عمل بشرية حقيقية وأحد كبار المفكّرين في هذا العالم، ولديه القدرة على التفكير بالمشخّصات المادية والأفكار الموغِلة في التجريدية. لا تكاد تمرّ سنة أو سنتان - في أقصى الحالات - إلا ونشهد له كتاباً جديداً يحقق أعلى أرقام المبيعات، رغم صعوبة مادته وطبيعتها التي تتطلب ذهناً بحثياً مدققاً لا يرتاح للقراءات السياحية العابرة. تمتاز كتب سمل بخصيصتين مميزتين: الموسوعية، والعمل على حقول معرفية متعددة. مهارة سمل الاستثنائية تكمن في كيفية ربط هذه الحقول المعرفية بطريقة مدهشة حقاً.

فاكلاف (ويسمى فاتسلاف بالتشيكية) سمل، المولود في تشيكوسلوفاكيا (السابقة) عام 1943، هو أستاذ مميز Emeritus للجغرافيا البشرية ومحلل السياسات الحكومية في قسم البيئة بجامعة مانيتوبا الكندية. تضم قائمة موضوعاته البحثية موضوعات الطاقة والبيئة والغذاء والسكان والدراسات الاقتصادية والتاريخية، ومبحث السياسات العامة.
بدأ سمِل النشر عام 1976 بكتاب عن سياسات الطاقة في الصين، ثم مضى منذ ذلك الحين في النشر المنتظم، حتى تعدّت كتبه المنشورة الخمسين كتاباً، منها كتابه الأحدث المنشور، هذا العام 2023، وهو بعنوان «الاختراع والابتكار Invention and Innovation». أودّ الإشارة بالتخصيص إلى 3 كتب لفاكلاف من بين عشرات كتبه:
- تحوّلات عظمى: كيف صُنع العالم الحديث
Grand Transitions: How the Modern World Was Made
نشرته جامعة أكسفورد عام 2021.
- النمو: من العضويات الدقيقة إلى المدن العملاقة
Growth: From Microorganisms to Megacities
نشرته مطبعة MIT عام 2019.
- الطاقة والحضارة: تاريخ
Energy and Civilization: A History
نشرته مطبعة MIT عام 2017، وهو الكتاب الوحيد الذي ترجم لـ«سمل» إلى العربية ضمن سلسلة مشروع «كلمة».
لكنّ الكتاب الذي سأقدّم مراجعة مقتضبة له هو كتاب سمل المنشور عام 2022 بعنوان «كيف يعمل العالَم حقاً؟ دليل عالِمٍ إلى ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا
How the World Really Works: A Scientist›s Guide to Our Past, Present and Future
الذي نشرته دار نشر بنغوين.
يضمّ الكتاب مقدمة بعنوان (لماذا نحتاج إلى هذا الكتاب؟)، يعقبها 7 فصول يسعى المؤلف في كل منها لفهم جانب من العالم، وهي، على الترتيب: فهمُ الطاقة، فهم إنتاج الغذاء، فهم عالمنا المادي، فهم العولمة، فهم المخاطر الوجودية، فهم البيئة، فهم المستقبل. ولمّا كان سمل مولعاً بالأرقام والبيانات فلن ينسى أن يضمّن كتابه ملحقاً عنوانه (فهم الأرقام). يختتم سمل كتابه بقائمة مكثفة من المصادر والملاحظات يمكن للقارئ أن يتلمّس فيها تخوم العقل الموسوعي الذي يمثله سمل.
لماذا يتوجّب على كل منّا أن يفهم شيئاً عن الكيفية التي يعمل بها العالم المعاصر؟ ثمة أسباب عديدة يقدمها سمل لذلك:
- العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في مستويات المعيشة بصورة غير مسبوقة. صحيحٌ أن هذا التقدم المطّرد في مستويات المعيشة تنقصه العدالة والمساواة، لكن لا يمكن نكران أن أغلبية سكّان العالم نالت شيئاً من هذا التقدم. لنتذكّر مثلاً الإنتاج الوفير للمحاصيل الغذائية الاستراتيجية (قمح، ذرة)، وكذلك منتجات الحيوان (لحوم، ألبان)، وسواها. لا يمكن أن ننسى اللقاحات التي جعلت الوباءات العالمية القاتلة شيئاً من الماضي. إن الانتفاع الأقصى من هذه الخدمات لا بدّ أن يقترن بفهم أساسيات صناعة هذه الخدمات وتأثيرها في تشكيل السياسات العالمية. الفرد الذي يمتلك فهماً مقبولاً لهذه الأساسيات هو وحده القادر على تعظيمها وإدامتها وعدم التفريط بها جهلاً أو حماقة أو سوء بصيرة.
- التوسّع غير المسبوق في فهمنا لكلّ من العالم المادي وكلّ أشكال الحياة الأخرى. يكتب سمل بهذا الشأن في مقدمة كتابه:
«باتت معرفتنا تتوسّع من التعميمات العامة الكبرى الخاصة بالنظم المعقّدة على المستوى الكوني نحو النظم الممعنة في الصغر (المستوى الذري وما دون الذري). الدوائر الإلكترونية المطبوعة على سطح أحد أكثر المعالجات الدقيقة قوةً، لها أبعاد لا تتجاوز ضِعفي قُطر جزئية الـDNA البشري».
يريد سمل القول إن هذه التطورات الدقيقة التي تقوم عليها حضارتنا البشرية المعاصرة تتطلب فهماً لأساسياتها التقنية من جانب كل فرد.
لكن لا بدّ منذ البدء أن نتساءل - كما فعل سمل في مقدّمته: لماذا يمتلك معظم الناس، وفي كل أرجاء العالم، معرفة سطحية هشة بأساسيات عمل العالم؟ ألأنّهم لا يفكرون؟ كلنا مفكّرون، لماذا؟ لأن تلك واحدة من الشروط اللازمة لإدامة الوجود البشري في شكليه البيولوجي والمعرفي. هذا ما قادت إليه سلسلة تطوّرية طويلة. الدماغ البشري يعمل من أول لحظة الوجود، وحتى آخِر مراحل الانطفاء؛ ولأجل هذا لا يُعدّ الشخص ميّتاً إلا إذا تحققت شروط (الموت الدماغي). الطفل سيعمل على ترسيخ وجوده البيولوجي بكل الوسائل، ثمّ كلما تقدم الإنسان في العمر تبدأ الانشغالات المعرفية تزيد مساحة وتأثيراً في حياة الإنسان. القانون الأساس في ذلك هو أن التفكير يكون أشبه بعملية ميكانيكية (مثل عملية التخاطب باللغة الأم قبل الذهاب إلى المدرسة)، ثمّ كلما تقدّم الإنسان في العمر، ازدادت معه إمكانية اقتران التفكير الميكانيكي بالتفكير الخلاق (أو الإبداعي)، علام يعتمد هذا الأمر؟ يعتمد بالطبع على طبيعة الشخص وبصماته العقلية والنفسية، ومستوى خبراته. ثمة ملمحٌ آخر لهذا النسق التطوّري: العقل الخلاق (الإبداعي) ينفرد بخصيصة قدرته على نقل حدود تفكيره من الملموس المرئي إلى التخوم التجريدية، وهذه واحدة من أثمن الخصائص البشرية، وهي القوة الدافعة لكل محرّكات تقدمنا العلمي والتقني.
إنّ ما يحاول سمل فعله في سلسلة كتبه هو زحزحة عقل المرء ودفعه لنقل مستوى تفكيره من المستويات العابرة إلى الآفاق العليا التي قد تبدو غير منظورة أو غير ملموسة لكثيرين.
بيل غيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت وأحد أقطاب صانعي العالم الرقمي الحديث، هو أحد أكبر المعجبين بفاكلاف سمل وعقله الموسوعي. كتب غيتس، في مدوّنته الإلكترونية، أن كل كتاب ينشره سمل هو مصدر إلهام شخصي له. لا يكتفي غيتس بالإطراء، بل نراه يكتب مراجعة دقيقة للكتاب. استضاف غيتس مرة سمل، وظهر اللقاء في موقع غيتس على الشبكة العالمية: جلسة بسيطة على مائدة صغيرة. غيتس يخاطب سمل: أهلاً صديقي فاكلاف، ويجيبه سمل: أهلاً بك بيل، ثم يواصلان الحوار بشغف ومتعة.
قراءة أي كتاب لفاكلاف سمل تمثل تطويراً وإعداداً للعقل الذي يسعى لفهم أساسيات عمل عالمنا. الفهم هو الخطوة الأولى الضرورية للمساهمة في الارتقاء بهذا العالم وعدم الركون في زاوية النسيان واللامبالاة وخذلان الإرادة الفردية والجمعية.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً