ما الذي تغيَّر في السياسة العربية بين رمضانين؟

تحركات لإعادة ترتيب الإقليم وسط تحديات اقتصادية ومعيشية

بائع تمور مصري في سوق السيدة زينب (أ.ب)
بائع تمور مصري في سوق السيدة زينب (أ.ب)
TT

ما الذي تغيَّر في السياسة العربية بين رمضانين؟

بائع تمور مصري في سوق السيدة زينب (أ.ب)
بائع تمور مصري في سوق السيدة زينب (أ.ب)

لا يتجاوز الفارق الزمني بين شهر رمضان من عام إلى العام الذي يليه 12 شهراً، لكن تلك الأشهر بدت في العام الأخير حافلة بالتحولات السياسية والاقتصادية؛ ما يدفع كثيرين إلى الشعور بأن ما مر بين «الرمضانين» من أحداث يتجاوز حدود المقاييس الزمنية التي استشعروها في أعوام سابقة.
تبدو التحولات الاقتصادية بفعل الأزمات العالمية، بحسب مراقبين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أحد أبرز التداعيات التي سيلمسها المواطنون العرب، وهم يستقبلون رمضان هذا العام، ففي رمضان الماضي لم تكن تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية قد كشفت عن وجهها الحقيقي؛ إذ لم يكن قد مر عليها سوى بضعة أسابيع، لكنها وخلال عامها الأول دفعت بالعالم نحو موجة تضخم قياسية، نالت دول عدة بالمنطقة العربية من تداعياتها نصيباً وافراً.

ظلال قاتمة
وربما تبرز مقارنة بين أسعار صرف الدولار الأميركي مقابل بعض العملات العربية الأكثر معاناة خلال العام الأخير، بعض ملامح التحول الذي سيلمسه المصريون على سبيل المثال، وهم يستقبلون شهر رمضان هذا العام، فسعر صرف الدولار كان يساوي 18.2 جنيه، في بداية رمضان من العام الماضي، لكنه واصل الصعود ليسجل 30.8 جنيه خلال الشهر الحالي، وهو ارتفاع ألقى بثقل مضاعف على كاهل الأسر المصرية، التي اضطرت إلى التخلي عن العديد من طقوسها الرمضانية في مواجهة ارتفاع الأسعار، واتخذت الدولة العديد من الإجراءات للتخفيف عن الأسر الأكثر احتياجاً.
في المقابل، سيكون اللبنانيون الأكثر إحساساً بوطأة التغييرات بين الرمضانين، فإلى جانب أنهم يستقبلون شهر الصوم هذا العام بفراغ رئاسي، ولا يبدو أنهم قد «يفطرون» على رئيس جديد قريباً، لكن الحديث الأبرز على موائد اللبنانيين هذا العام سيكون حول تكلفة المعيشة، التي شهدت «قفزات جنونية» بعد ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الليرة بما يزيد على أربعمائة في المائة؛ إذ بلغ سعر صرف الدولار في رمضان الماضي 23.85 ألف ليرة، ليسجل وفق أكثر التقديرات تحفظاً خلال الشهر الحالي 122 ألفاً، في ظل غياب آليات تسعير واضحة.
كما سيكمل لبنان عامه الرابع من التخلف عن سداد ديونه الخارجية، وتنامي معدلات الفقر لتتجاوز 82 في المائة من السكان بين عامي 2019 و2021، وهو ما يتوقع أن يتزايد بعد المعدلات القياسية للتضخم خلال العام الأخير.
ويبدي الدكتور إسلام جمال الدين شوقي، الخبير الاقتصادي عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، اعتقاداً بأن الأزمات العالمية «ألقت بظلال قاتمة» على الاقتصادات العربية خلال الفترة الماضية؛ وهو ما «سيضيف عبئاً جديداً على المواطنين العرب في رمضان».
ويقول شوقي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: إن «وصول التضخم العالمي لمستويات قياسية، والحرب الروسية - الأوكرانية، وأزمة الطاقة العالمية، وسياسات التشديد النقدي، والأوبئة كانت عوامل مؤثرة على الحالة الاقتصادية في دول العالم المختلفة ومن بينها المنطقة العربية، حيث صدرت توقعات صندوق النقد الدولي بدخول دول العالم منعطفاً اقتصادياً جديداً، وهو مرحلة (الركود التضخمي) بسبب ارتفاع أسعار المواد الخام، والضغط على سلاسل الإمداد العالمية، والتي تأثرت كثيراً بسبب الحرب الأوكرانية».

إحساس متباين
ويتوقع الخبير الاقتصادي، أن يتباين إحساس المواطن العربي بوطأة التحولات الاقتصادية بين رمضانين بحسب الدولة التي يعيش فيها، ومعدل دخله بها، فإذا كان من مواطني أو مقيمي الدول المنتجة للنفط، فإنه «لن يتأثر كثيراً في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية»، مرجعاً ذلك إلى الملاءة المالية التي تتمتع بها تلك الدول عن غيرها بفعل عائدات البترول والغاز، ومن أبرز تلك الدول الإمارات، وقطر، والسعودية، والكويت، والجزائر، والعراق، وليبيا، والبحرين، وسلطنة عُمان.
في المقابل، يتوقع عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي أن يشعر المواطنون المقيمون في الدول العربية المستوردة أو المستهلكة للنفط بعمق التحولات؛ إذ «تواجه تلك الدول تحديات كبيرة في ظل تأثرها بالحرب الروسية - الأوكرانية»، مشيراً إلى أن «مصر على سبيل المثال اضطرت إلى الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي وتخفيض قيمة الجنيه أمام الدولار، كما لجأت تونس أيضاً إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض، حيث تعاني سوء الأحوال الاقتصادية، وتأثر لبنان بالأزمة وانعكست بشكل لافت على قطاع المصارف، وشهد الأردن احتجاجات بسبب ارتفاع أسعار الوقود ولكن تم احتواء الأزمة سريعاً، كما تأثر السودان أيضاً بشدة».

تحولات سياسية
وخلال الفترة الفاصلة بين «الرمضانين»، برزت كذلك تحولات سياسية جوهرية؛ إذ شهدت ملفات متشابكة «انفراجات مفاجئة»، كان في مقدمتها التحول اللافت في ملف العلاقات السعودية - الإيرانية، في أعقاب توقيع البلدين اتفاقاً نهاية الشهر الماضي، بوساطة صينية، لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بعد سنوات من التوتر.
كما شهد ملف العلاقات المصرية - التركية «انفراجة ملموسة»، بعد لقاء جمع رئيسي البلدين على هامش حضورهما افتتاح بطولة كأس العالم في قطر، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وهو اللقاء الذي أنهى جموداً وتوتراً في العلاقات منذ عام 2013.
وتبادل وزراء خارجية البلدين الزيارات خلال الأسابيع الأخيرة، وأعلنا عن ترقية مستوى التمثيل الدبلوماسي المتبادل، والبدء في ترتيبات لعقد لقاء قمة على المستوى الرئاسي خلال الآونة المقبلة.
وفي مقابل تلك الانفراجات الإقليمية، بدت الأزمات هي الوجه الآخر، الذي ستراه ملايين الأسر في دول عربية عدة، وهي تستعرض على مائدة الإفطار ذكريات الأشهر الماضية. فالفلسطينيون سيترحمون على عشرات الشهداء الذين فقدوهم عقب المواجهات المتصاعدة في الأراضي المحتلة، بعد وصول الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى سدة الحكم، كما سيفتقرون إلى وجوه المئات من الأبناء والأزواج ممن اعتُقلوا على خلفية تلك الأحداث. وستفطر آلاف الأسر السورية في المناطق الشمالية إلى جوار ركام منازلها التي أطاح بها زلزال 6 فبراير (شباط) الماضي.
ويرصد الدكتور أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية والعميد السابق لمعهد الدراسات العربية، في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، وجود تباينات عدة عبر العام الأخير، فيشير إلى «حلحلة في بعض الملفات السياسية المتشابكة»، التي تأتي في إطار «إعادة ترتيبات إقليمية على أكثر من مسار»، من بينها المسار بين السعودية وإيران، أو المسار الخاص بعلاقات تركيا مع العديد من الدول العربية وفي مقدمتها مصر، والعديد من الدول الخليجية ذات الثقل؛ وهو ما يرى أنه «يخدم إضفاء أجواء أكثر هدوءاً، ربما تكون من الملامح الإيجابية القليلة التي تشهدها المنطقة منذ رمضان الماضي».
وبموازاة التحسن اللافت في أطر العلاقات الإقليمية، يرى أحمد، أن «ثمة مؤشرات على تصاعد وتيرة القلق في مسارات أخرى، ويركز في هذا الصدد على الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة»، مشيراً إلى أن «السلوك العدواني من جانب الحكومة الإسرائيلية الحالية، يدفع بالأمور إلى حافة المواجهة الشاملة، وبخاصة مع استمرار الممارسات الاستفزازية في الأماكن الإسلامية المقدسة، وهو ما بدا أن القوى الإقليمية والدولية حاولت استباقه في تفاهمات شرم الشيخ، وقبلها اجتماعات العقبة الأردنية، إلا أنه من الواضح أن التوتر سيبقى سيد الموقف إلى حين».
ويضيف العميد السابق لمعهد الدراسات العربية، أن الجمود الراهن في العديد من ملفات الأزمات العربية، كالملف السوري والليبي واليمني، «لا يمكن اعتباره نوعاً من التحسن»، مشيراً إلى أن إطالة أمد الأزمات تضاعف مع الأعباء التي يتحملها أبناء تلك الدول، سواء في الداخل، أو ممن اضطروا إلى النزوح واللجوء؛ وهو ما يعني أن بقاء تلك الأزمات تراوح مكانها يمكن أن يضاف إلى خانة الأحداث السلبية التي يمكن رصدها بين «الرمضانين» الماضي والحالي.



ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
TT

ممارسات حوثية تحرم اليمنيين بهجتهم بالعيد

تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)
تراجع إقبال السكان على دخول الحدائق في صنعاء بسبب ارتفاع أسعار خدماتها (غيتي)

مثلما كانت أسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وسائر مدن ومناطق سيطرة الحوثيين، شبه خالية من المتسوقين خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، ظلت الحدائق والمتنزهات العامة والخاصة، على قلتها، خفيفة الزحام خلال أيام عيد الفطر، بعد أن عجز معظم السكان عن شراء الملابس ومستلزمات العيد، وقضوا أيام العيد في منازلهم.

ولاقى إعلان الجماعة الحوثية جاهزية 66 حديقة في صنعاء لاستقبال المتنزهين خلال عيد الفطر، تهكماً واستنكاراً واسعَين، فإلى جانب المبالغة في عدد الحدائق، كشف العديد من السكان عن عدم مقدرتهم على دخولها؛ بسبب الرسوم الكبيرة، بينما تعاني غالبيتها من الإهمال ورداءة الخدمات.

واستغرب سكان تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط» من مزاعم الجماعة حول عدد الحدائق رغم أن صنعاء لم تشهد نشوء أي حديقة فيها خلال سنوات سيطرة الجماعة الحوثية، مشيرين إلى أن الجماعة تسمي المجسمات والمساحات التي تستحدثها للدعاية لمشروعها «حدائق عامة» أو «متنزهات».

وتمَّ استحداث غالبية هذه المجسمات والمساحات في الشوارع العامة وتقاطعاتها، ولا توجد مساحات في محيطها للتنزه، كما لا يمكن إنشاء مرافق ترفيهية أو خدمية تابعة لها.

الجماعة الحوثية صنَّفت المجسمات التي تمثل مشروعها ضمن الحدائق ومتنزهات الترفيه (إعلام حوثي)

ولا يوجد في صنعاء سوى 9 حدائق عامة فقط، منها 3 حدائق كبيرة، واحدة منها حديقة حيوانات في جنوب المدينة، بينما تقع الثانية في وسطها وتسمى «حديقة السبعين»، غير أنه جرى خصخصة مرافقها الترفيهية منذ سنوات، ولم يعد الدخول إليها متاحاً لذوي الدخل المحدود، ويقول السكان إن أسعارها باتت مرتفعة جداً.

وتقع الحديقة الثالثة في شمال المدينة، وتسمى «حديقة الثورة»، ورغم مساحتها الكبيرة، فإن شكاوى كثيرة تصاعدت خلال السنوات الأخيرة من أن الإهمال الذي طالها وتسبب في تردي خدماتها واندثار الأشجار والنباتات وخلوها من المساحات الخضراء، في حين يفرض الحوثيون رسوماً كبيرة على الدخول إليها والاستمتاع بمنشآتها، دون إجراء أي أعمال صيانة وتنظيف لها.

مصادرة الترفيه

أنشأت الحكومات اليمنية السابقة 6 حدائق أخرى صغيرة المساحة في صنعاء، إلا أنها تعرَّضت للإهمال تحت سيطرة الحوثيين، وتكاد تخلو حالياً من المرافق الترفيهية، وتعرَّضت مثل غيرها للإهمال وفرض رسوم كبيرة على خدماتها؛ ما تسبب في عزوف السكان عن الدخول إليها.

شارع الرياض حيث أشهر سوق شعبية في صنعاء يبدو خالياً من المتسوقين (فيسبوك)

وبحسب المصادر، شهدت السنوات الأخيرة نشوء مناطق ألعاب للأطفال ومتنزهات صغيرة المساحة، وغالبيتها استثمارات خاصة، إلا أن أسعار دخولها ليست في متناول جميع سكان صنعاء، خصوصاً بعد سنوات طويلة من انقطاع الرواتب وتردي المعيشة وانتشار البطالة.

ويلجأ ملاك هذه المساحات والمتنزهات إلى رفع أسعار خدماتها؛ بسبب الجبايات التي تفرضها الجماعة الحوثية، أو يضطرون لإغلاقها؛ نتيجة قلة الإقبال عليها.

وطبقاً للمصادر، تزيد الجماعة الحوثية من فرض جباياتها على هذه المنشآت خلال أيام الأعياد والإجازات والإجازة الدراسية، بحجة زيادة مداخيلها خلال هذه الفترات.

واشتكى تجار في العاصمة المختطفة من تراجع حركة البيع خلال رمضان، ورغم أنهم علقوا آمالهم على الأيام الأخيرة من هذا الشهر، فإن العيد وصل ولم تشهد محلاتهم سوى إقبال متدنٍ على الشراء، في حين بدت الشوارع والأسواق في تلك الأيام شبه خالية كأنها في أيام العيد.

«حديقة الثورة» في صنعاء تعاني من الإهمال وانعدام الصيانة (فيسبوك)

يقول غازي، وهو طالب جامعي عمل سابقاً بائعاً متجولاً، إنه شعر بالاكتئاب عند زيارته شارع الرياض، غرب صنعاء، قبيل عيد الفطر بأيام، إذ كانت غالبية المحلات التجارية مقفلة، والمطاعم والمقاهي خالية، والحركة هادئة، وهو ما لم يكن يحدث سابقاً إلا في أيام العيد فقط.

أسواق تندثر

أجبر الحوثيون الباعة المتجولين على مغادرة الأسواق الرئيسية، ومنها أسواق شارع الرياض، بعد أن فرضوا عليهم جبايات باهظة، دون منحهم مساحات بديلة لمزاولة أنشطتهم، وفرضوا جبايات أكثر تكلفة على ملاك المحلات.

يتذكر غازي خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» كيف أنه عُرض عليه، عندما كان بائعاً متجولاً، قبل سنوات طويلة، التنازل عن المساحة التي كان يستخدمها لبيع بضاعته على رصيف الشارع، مقابل مبلغ كبير يوازي 3 آلاف دولار حينها، أما الآن فالتجار يغلقون محلاتهم في الشارع نهائياً.

ويشتهر شارع الرياض ومحيطه، بكونه إحدى أكبر الأسواق الشعبية في صنعاء وأكثرها ازدحاماً؛ نظراً لانتشار البضائع الرخيصة ذات الجودة المقبولة فيه.

سوق شعبية للملابس في صنعاء التي يعاني سكانها من انفجار أسعار كبير (الشرق الأوسط)

واضطر أحد تجار الملابس، إلى إغلاق محله في وسط العاصمة صنعاء، مكتفياً بالبيع عبر الإنترنت لتصريف ما أمكنه من ملابس استوردها من الهند والصين، وفشل في بيعها بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويبيِّن التاجر، الذي فضَّل عدم الكشف عن هويته، أن إغلاق محلاته جاء بعد أن وجد نفسه لا يحقق أرباحاً، فأقدم على ذلك للتخفف من دفع الإيجار ورواتب العمال لديه.

ويضطر كثير من الميسورين إلى إخفاء مظاهر فرحتهم بالعيد مراعاة لمشاعر غالبية السكان، أو تجنباً لتشبيههم بالمنتمين للجماعة الحوثية التي استحوذت على الثروات والأموال لصالح قادتها وأفرادها بالفساد والنهب والجبايات، والذين لا يترددون في التباهي بثرائهم.

ويبيِّن مهيب علوان، وهو معلم كيمياء يعمل في مدرسة أهلية ويقدِّم دروساً خصوصية، أنه إذا استطاع شراء ملابس وألعاب لأطفاله، فإنه يعاني كثيراً لإقناعهم بعدم الخروج بها أمام جيرانهم ومعارفهم حرصاً على مشاعر أطفالهم الذين لم يرتدوا ملابس جديدة منذ فترة طويلة.


تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

تناغم حوثي مع تصريحات إيرانية تهدد باستخدام ورقة البحر الأحمر

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حشد من الحوثيين في صنعاء خلال تجمع داعم لإيران دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ظل المواجهة العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى مع ذراعيها اللبناني والعراقي، يواصل الحوثيون في اليمن تصعيدهم الكلامي، مؤكدين أنهم «لن يقفوا مكتوفي الأيدي»، لكن من دون الانتقال حتى الآن إلى مستوى الانخراط العسكري المباشر إلى جانب طهران.

وحتى 22 مارس (آذار) الحالي، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع منذ بداية الحرب، اكتفت الجماعة، التي ينظر إليها على أنها صنيعة إيرانية، بإصدار بيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التأكيد على «الجاهزية» لأي تطورات، في وقت تتقاطع فيه هذه المواقف مع تهديدات إيرانية بتوسيع نطاق التوتر إلى ممرات بحرية استراتيجية، من بينها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

أحدث هذه المواقف الحوثية جاء في بيان منسوب لوزارة خارجيتهم في حكومتهم الانقلابية، حيث عبرت الجماعة عن رفضها لأي تحركات دولية مرتبطة بمضيق هرمز، معتبرة أن الولايات المتحدة «تدفع المنطقة نحو مأزق استراتيجي» عبر سياساتها.

وحذّر البيان الحوثي من انخراط دول إقليمية في أي تصعيد، منتقداً ما وصفه بـ«الارتهان» للسياسات الأميركية، مع الزعم بأن أي تدخل خارجي سيؤدي إلى تداعيات سلبية واسعة على المنطقة.

الحوثيون رفعوا في شوارع صنعاء صوراً ضخمة لخامنئي بعد مقتله (إ.ب.أ)

وفي حين ركز البيان على المخاطر المحتملة لتوسيع رقعة المواجهة، لافتاً إلى أن ذلك قد ينعكس على سلاسل الإمداد العالمية وأسعار الطاقة، هددت الجماعة الحوثية بأنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، في إشارة إلى إمكانية انخراطها في الحرب.

هذا الموقف يتقاطع مع تصريحات إيرانية حديثة، حيث لوّحت طهران باستخدام الورقة الحوثية لزعزعة أمن البحر الأحمر وباب المندب في حال تعرضت جزيرة خارك لأي هجوم أميركي، وهددت بأن ذلك يدخل ضمن ما سمته «خيارات محور المقاومة».

تأجيل الانخراط

كان زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي حافظ من بدء الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، على نهج يجمع بين إعلان الدعم السياسي والآيديولوجي لإيران، وتجنب إعلان تدخل عسكري مباشر.

وأكد الحوثي وقوف جماعته إلى جانب طهران، واصفاً الصراع بأنه «حرب على الإسلام»، مع التشديد على الاستعداد لكافة السيناريوهات، ودعوة جماعته للتظاهر في سياق التأييد لطهران.

وفي حين لم يقدم الحوثيون حتى الآن على أي خطوات ميدانية مرتبطة مباشرة بالحرب على إيران، يعكس هذا التردد، وفق تقديرات باحثين تحدثوا سابقاً لـ«الشرق الأوسط»، جملة من الحسابات المعقدة، في مقدمها الخشية من استدراج ضربات عسكرية أميركية وإسرائيلية واسعة، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية لممرات البحر الأحمر وباب المندب للتجارة العالمية.

كما أن الجماعة، التي خاضت خلال العامين الماضيين تصعيداً واسعاً في البحر الأحمر عبر استهداف السفن وكذلك عبر مهاجمة إسرائيل، قد تفضل الاحتفاظ بورقة التصعيد كورقة ضغط مؤجلة، بدلاً من استنزافها في توقيت غير محسوب.

ويمنح هذا النهج الحوثيين هامشاً أكبر للمناورة، سواء على المستوى العسكري أو السياسي، داخل ما يُعرف بمحور المقاومة الذي تقوده إيران.

المواجهة السابقة

يأتي هذا الموقف في سياق تصعيدي بدأ منذ أواخر عام 2023، عندما شرع الحوثيون في تنفيذ هجمات على سفن في البحر الأحمر، تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة. وخلال نحو عامين، تبنت الجماعة مئات الهجمات باستخدام صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وزوارق مفخخة، ما أدى إلى إغراق سفن وإلحاق أضرار بعشرات أخرى.

جانب من مقبرة أنشأها الحوثيون في صنعاء لقتلاهم (إ.ب.أ)

وقد أسفرت هذه العمليات عن تداعيات أمنية واقتصادية واسعة، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا إلى تنفيذ حملة عسكرية ضد مواقع الحوثيين، شملت مئات الضربات الجوية والبحرية، قبل أن تتوقف لاحقاً بوساطة إقليمية.

كما نفذت إسرائيل -رداّ على الهجمات- ضربات استهدفت بنى تحتية في مناطق سيطرة الحوثيين، بينها موانٍ ومحطات كهرباء ومصانع أسمنت، فضلاً عن مطار صنعاء، كما استهدفت كبار قادة الجماعة وقتلت رئيس أركانها ورئيس حكومتها مع تسعة من وزرائه.


القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
TT

القوات اليمنية ترفع جاهزيتها في خطوط المواجهة مع الحوثيين

القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)
القوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين في أتم جاهزيتها القتالية (الإعلام العسكري اليمني)

مع دخول الحرب على إيران مرحلة جديدة، بإعلان 22 دولة استعدادها للمشاركة في تأمين الملاحة في مضيق هرمز، عيّن رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني قيادة جديدة لقوات «درع الوطن»، وأشاد بجاهزية القوات المسلحة في مختلف المناطق، في وقت كثّفت فيه القيادات العسكرية لقاءاتها وزياراتها الميدانية للقوات المرابطة في خطوط التماس مع الحوثيين.

جاء ذلك في وقت تواصل فيه الجماعة الحوثية، المختطِفة للعاصمة اليمنية صنعاء، حشد مقاتليها إلى خطوط المواجهة مع القوات الحكومية، وبالذات في جنوب محافظتي مأرب والحديدة، مع نقل منصات إطلاق الصواريخ إلى محافظات الجوف وصعدة والحديدة وحجة، في تحركات يُعتقد أنها تأتي استعداداً للانخراط في القتال إلى جانب إيران واستهداف حركة الملاحة في مضيق باب المندب.

وأصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، قراراً بتعيين العميد بسام محضار قائداً لقوات «درع الوطن»، وترقيته إلى رتبة لواء. كما عيّن العميد عبد الرحمن اللحجي رئيساً لأركان هذه القوات، إضافة إلى عمله قائداً للواء الرابع مشاة، وترقيته إلى رتبة لواء.

إشادة رئاسية بأداء الجيش اليمني في إفشال مخططات الحوثيين (إعلام حكومي)

جاءت هذه التعيينات متزامنة مع إشادة العليمي بجاهزية وحدات الجيش في مختلف الجبهات وتضحياتها، خلال اتصالين أجراهما مع وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، ورئيس هيئة الأركان العامة الفريق الركن صغير بن عزيز، حيث أشاد بما وصفه بـ«الصمود البطولي والملاحم الوطنية» التي يسطرها منتسبو هذه القوات في مواجهة الحوثيين، مؤكداً أن تضحياتهم تمثل حجر الأساس في ردع المشروع «التخريبي الإيراني» وإفشال مخططاته التوسعية.

واستمع العليمي، طبقاً للمصادر الرسمية، إلى مستجدات الأوضاع الميدانية ووضع المقاتلين في مختلف مسارح العمليات، مثنياً على ما يتحلون به من يقظة عالية وانضباط وروح وطنية مسؤولة في أداء واجبهم. كما أشاد بدور السعودية ودعمها المستمر للشعب اليمني وقيادته الشرعية ومؤسساته الوطنية، بما يعزز تطلعاته إلى الأمن والاستقرار والسلام.

تحركات في الساحل الغربي

في سياق هذه التحركات، ترأس عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح لقاءً لقيادة وضباط من مختلف المستويات في محوري الحديدة والبرح القتاليين في الساحل الغربي، كُرّس لمناقشة مستوى الجاهزية الميدانية وتقييم سير الأداء في مناطق الانتشار، بما يعزز كفاءة الوحدات ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف التشكيلات.

وبعد يوم من تصدي القوات الحكومية لهجوم نفذه الحوثيون في جبهة جنوب الحديدة، أكد صالح أهمية الحفاظ على الانضباط العسكري، ومواصلة برامج التأهيل والتدريب، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يسهم في تطوير الأداء والارتقاء بمستوى الجاهزية.

ونبّه عضو مجلس القيادة الرئاسي إلى ضرورة مضاعفة الجهود خلال هذه الفترة للحفاظ على الأمن والاستقرار، وتعزيز الحضور الميداني بما يضمن حماية المواطنين والتصدي للممارسات «الإرهابية» التي تقوم بها الجماعة الحوثية.

تنسيق في حضرموت ومأرب

في الاتجاه نفسه، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مع قائد المنطقة العسكرية الأولى وقائد الفرقة الثانية في قوات «درع الوطن» اللواء فهد بامؤمن مستجدات الأوضاع العسكرية والأمنية في وادي وصحراء حضرموت.

واستعرض المحرّمي، وفق المصادر الرسمية، جملة من التطورات الميدانية والجهود المبذولة لرفع مستوى الجاهزية القتالية وتعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأجهزة الأمنية، بما يسهم في تثبيت الأمن والاستقرار والتعامل مع التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة التهريب والتصدي للشبكات التي تعبث بأمن الوادي والصحراء.

تعزيز التنسيق بين الوحدات العسكرية والأمنية في محافظة حضرموت (إعلام حكومي)

وأكد عضو مجلس الحكم اليمني أن المرحلة الحالية تتطلب مضاعفة الجهود ورفع مستوى الأداء العسكري والأمني لحماية الأرض والإنسان في وادي وصحراء حضرموت، وصون أمن واستقرار المحافظة، مشدداً على ضرورة تعزيز التنسيق والعمل المشترك بين مختلف القوات، بما يضمن مواجهة أي تهديدات أو اختراقات.

بدوره، زار رئيس لجنة الحصر في المنطقة العسكرية الثانية بساحل حضرموت، العميد أحمد البيتي، لواء النخبة الحضرمي؛ بهدف تقييم الجاهزية وتعزيز الحضور القيادي في الوحدات العسكرية، والاطلاع على مستوى التأهب العملياتي والانضباط العسكري وجاهزية الأفراد لتنفيذ المهام الموكلة إليهم.

وأشاد المسؤول العسكري بما لمسه من كفاءة عالية وروح قتالية وانضباط يعكس مستوى التدريب والالتزام، كما استمع إلى عرض حول سير الأداء الميداني وأبرز التحديات، موجهاً بضرورة رفع وتيرة الجاهزية بما يواكب متطلبات المرحلة.

وفي المنطقة العسكرية الثالثة بمحافظة مأرب، اطّلع قائد المنطقة اللواء الركن منصور ثوابه على أوضاع القوات في الجبهات الجنوبية للمحافظة، وتنقّل بين عدد من المواقع في خطوط التماس مع الحوثيين، مشيداً بصمودهم وتضحياتهم، ومؤكداً ضرورة مضاعفة الجهود ورفع مستوى الجاهزية واليقظة القتالية، والاستمرار في تنفيذ المهام بكفاءة واقتدار.

من جهتها، أكدت المنطقة العسكرية الخامسة المرابطة في محافظة حجة، شمال غربي اليمن، جاهزية المحاور كافة لخوض المعركة الوطنية ضد الحوثيين إلى جانب مختلف تشكيلات القوات المسلحة في عموم اليمن، واستعادة الدولة.