«أزمة البنوك» توجّه الأنظار إلى «قنبلة السندات»

أسباب مستمرة للقلق بعد صفقة «كريدي سويس»

رجل يلتقط صورة للمقرّ الرئيسي لبنك «كريدي سويس» عقب إعلان «يو بي إس» صفقة الإنقاذ (أ.ف.ب)
رجل يلتقط صورة للمقرّ الرئيسي لبنك «كريدي سويس» عقب إعلان «يو بي إس» صفقة الإنقاذ (أ.ف.ب)
TT

«أزمة البنوك» توجّه الأنظار إلى «قنبلة السندات»

رجل يلتقط صورة للمقرّ الرئيسي لبنك «كريدي سويس» عقب إعلان «يو بي إس» صفقة الإنقاذ (أ.ف.ب)
رجل يلتقط صورة للمقرّ الرئيسي لبنك «كريدي سويس» عقب إعلان «يو بي إس» صفقة الإنقاذ (أ.ف.ب)

تراجعت أسهم البنوك لبعض الوقت صباح الاثنين مع انحسار الهدوء الأولي الذي أعقب صفقة تاريخية مدعومة من السلطات السويسرية لإنقاذ بنك كريدي سويس المتعثر من جانب منافسه مجموعة «يو بي إس»، وبزوغ مخاوف جديدة من مخاطر الديون مرتفعة العائد التي أصدرتها البنوك الكبرى. وفي حزمة تحت إشراف الجهات التنظيمية السويسرية أُعلنت مساء الأحد، ستدفع «يو بي إس» ثلاثة مليارات فرنك سويسري (3.23 مليار دولار) لشراء «كريدي سويس»، الذي تأسس قبل 167 عاماً، وستتحمل خسائر تصل إلى 5.4 مليار دولار.
وفي مواجهة أزمة ثقة سريعة الانتشار في النظام المالي، سعت البنوك المركزية الكبرى يوم الأحد أيضاً لتعزيز تدفق السيولة في النظام المصرفي العالمي بسلسلة من عمليات مبادلات العملة المنسقة لضمان حصول البنوك على الدولارات التي تحتاج إليها لتسيير عملياتها... ورغم أن تلك التحركات عزّزت فيما يبدو ثقة المستثمرين في مستهل التعاملات الآسيوية، فقد انحسرت موجة الصعود سريعاً مع تحول التركيز إلى الخسائر الكبيرة التي سيتحملها بعض حاملي سندات «كريدي سويس» بموجب صفقة الاستحواذ.
وبمقتضى الصفقة، قررت الجهة التنظيمية للقطاع المالي في سويسرا تقدير قيمة سندات إضافية من الفئة الأولى - أصدرها «كريدي سويس» بقيمة اسمية 17 مليار دولار - عند «الصفر»؛ وهو ما أثار غضب بعض حاملي السندات الذين ظنوا أنهم سيحصلون على حماية أكبر مما يحصل عليه المساهمون في صفقة الاستحواذ التي أعلنت مساء الأحد. وأضافت المخاوف بشأن ما قد تعنيه هذه الخطوة للسندات الإضافية من الفئة الأولى التي أصدرتها بنوك أخرى إلى القلق المستمر بشأن مجموعة من المخاطر، من بينها انتقال الأزمة عبر القطاع المصرفي وهشاشة البنوك المحلية في الولايات المتحدة ومخاطر أخلاقية.
وهبطت أسهم «ستاندرد تشارترد» و«إتش إس بي سي» أكثر من ستة في المائة لكل منها في هونغ كونغ يوم الاثنين، مسجلة أدنى مستوياتها في أكثر من شهرين، بينما يواجه «إتش إس بي سي» احتمال تسجيل أكبر تراجع في يوم واحد خلال ستة أشهر. وتراجع مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم القطاع المالي في آسيا عدا اليابان بنسبة 1.3 في المائة.
وقال مايك أوروركي، كبير محللي استراتيجيات السوق لدى «جونز تريدنغ»: «ينبغي أن يكون واضحاً أن هذه الأزمة، بعد مرور أكثر من أسبوع على حالة الذعر المصرفي وتدخّلين من جانب السلطات، ليست في طريقها إلى الزوال... بالعكس، لقد اتسع نطاقها عالمياً». وأضاف، أن «أنباء استحواذ (يو بي إس) على (كريدي سويس) من المرجح أن تضع مشاكل (كريدي سويس) تحت المجهر بنقلها إلى (يو بي إس)».
تدخل منسق
الاندماج المصرفي القسري في سويسرا مدعوم بضمانات حكومية ضخمة بهدف المساعدة على منع ما من شأنها أن تكون واحدة من أكبر الانهيارات المصرفية منذ انهيار بنك «ليمان براذرز» في 2008، وساعد الضغط على «يو بي إس» على إتمام اتفاق يوم الأحد.
وقال كولم كيليهر، رئيس مجلس إدارة «يو بي إس»، للصحافيين في مؤتمر عبر الهاتف «هذا يوم تاريخي في سويسرا. بصراحة، يوم لم نكن نتمناه». وأضاف «أود أن أوضح أننا، رغم أننا لم نكن الطرف الذي بادر بفتح المحادثات، نعتقد أن هذه الصفقة جذابة مالياً بالنسبة لمساهمي (يو بي إس)». وقال رالف هامرز، الرئيس التنفيذي لبنك «يو بي إس»: إنه لا تزال هناك الكثير من التفاصيل التي لم يتم الاتفاق عليها بعد. وتابع بقوله «أعلم أنه لا بد أن هناك أسئلة ليست لدينا أجوبة عليها بعد. أتفهم ذلك وأريد حتى الاعتذار عنه».
وفي رد فعل عالمي لم يحدث منذ كانت الجائحة في ذروتها، قال مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي): إنه انضم إلى البنوك المركزية في كندا وإنجلترا واليابان والاتحاد الأوروبي وسويسرا في إجراء منسق لتعزيز السيولة بالسوق. وتعهد البنك المركزي الأوروبي تقديم قروض لدعم بنوك منطقة اليورو إذا لزم الأمر، مضيفاً أن إنقاذ سويسرا لبنك كريدي سويس كان «مهماً» لاستعادة الهدوء. وسارت عمليات بنك كريدي سويس كالمعتاد فيما يبدو بمقاره الرئيسية في آسيا يوم الاثنين.
مشاكل مستمرة
ولا يزال القطاع المصرفي الأميركي يعاني بعض المشاكل؛ إذ استمرت الضغوط على أسهم البنوك رغم تحرك بنوك كبرى عدة لإيداع 30 مليار دولار في بنك فيرست ريبابليك الذي تأثر جراء انهيار بنكي سيليكون فالي وسيغنتشر. وخفضت وكالة ستاندرد اند بورز غلوبل يوم الأحد التصنيف الائتماني لبنك فيرست ريبابليك، وقالت إن ضخ الودائع ربما لا يحل مشاكل السيولة التي يواجهها.
وهناك مخاوف أيضاً بشأن ما سيحدث في المرحلة التالية في «كريدي سويس» وما يعنيه ذلك للمستثمرين والعملاء والموظفين. وقال «كريدي سويس» في مذكرة للموظفين: إنه بمجرد إتمام صفقة الاستحواذ، ربما يرغب بعض عملاء قسم إدارة الثروات في نقل بعض أصولهم إلى بنك آخر إن كان لديهم مخاوف بشأن تركز أصولهم في بنك واحد. كما أن الصفقة ستجعل «يو بي إس» البنك العالمي الوحيد في سويسرا، وسيصبح الاقتصاد السويسري أكثر اعتماداً على بنك واحد.
وقال رئيس مجلس إدارة «يو بي إس» في مؤتمر صحافي: إن البنك سيقلص الأنشطة المصرفية الاستثمارية لـ«كريدي سويس» التي تضم آلاف الموظفين حول العالم. وذكر «يو بي إس»، أنه يتوقع توفيراً بنحو سبعة مليارات دولار في التكاليف السنوية بحلول 2027.
وفقدت أسهم بنك كريدي سويس ربع قيمتها الأسبوع الماضي. واضطر البنك إلى الاستفادة من 54 مليار دولار من تمويل البنك المركزي في الوقت الذي يحاول فيه التعافي من الفضائح التي قوضت ثقة المستثمرين والعملاء فيه.


مقالات ذات صلة

الذهب يتراجع بفعل «رهانات الفائدة» وتصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية

الاقتصاد عامل يعرض سبيكة ذهبية تزن كيلوغراماً واحداً في مصفاة «إي بي سي» في سيدني (أ.ف.ب)

الذهب يتراجع بفعل «رهانات الفائدة» وتصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية

تراجعت أسعار الذهب، الخميس، لتقترب من أدنى مستوياتها في أسبوع، مع تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عامل يزود دراجة نارية بالوقود في محطة وقود في باندا آتشيه بإندونيسيا (إ.ب.أ)

«برنت» يقترب من 79 دولاراً مع تجدد الضربات الأميركية على إيران

ارتفعت أسعار النفط بأكثر من واحد في المائة، الخميس، بعدما شنت الولايات المتحدة ضربات عسكرية جديدة على إيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد يراقب متداولو العملات شاشات العرض في غرفة تداول العملات الأجنبية في المقر الرئيسي لبنك هانا بسيول (أ.ب)

إعلان ترمب فشل التهدئة يشعل النفط ويهبط بالأسواق العالمية

لم تكد الأسواق العالمية تتنفس الصعداء لالتقاط أنفاسها، حتى فجر الرئيس الأميركي دونالد ترمب قنبلة سياسية بإعلانه الرسمي عن انتهاء الاتفاق المؤقت مع طهران.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد سفن في مضيق هرمز كما تُرى من مسندم بعُمان (رويترز)

الشرق الأوسط يدفع ثمن حرب الناقلات... والسعودية تعبر الأزمة عبر شبكة لوجستية بديلة

خفّض صندوق النقد الدولي، يوم الأربعاء، توقعاته للاقتصاد العالمي هذا العام بشكل طفيف، عازياً ذلك إلى صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي في مقره الرئيسي بواشنطن العاصمة (رويترز)

صندوق النقد الدولي: نمو الاقتصاد العالمي يتباطأ إلى 3 % في 2026 بفعل الحرب

توقع صندوق النقد الدولي أن يصل نمو الاقتصاد العالمي إلى 3.0 في المائة في عام 2026، قبل أن يتعافى نسبياً ليسجل 3.4 في المائة في عام 2027.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تحويلات المصريين المغتربين... وتيرة متصاعدة تدعم تدفقات العملة الصعبة

واصلت تحويلات المصريين المغتربين ارتفاعها بوتيرة متصاعدة (رويترز)
واصلت تحويلات المصريين المغتربين ارتفاعها بوتيرة متصاعدة (رويترز)
TT

تحويلات المصريين المغتربين... وتيرة متصاعدة تدعم تدفقات العملة الصعبة

واصلت تحويلات المصريين المغتربين ارتفاعها بوتيرة متصاعدة (رويترز)
واصلت تحويلات المصريين المغتربين ارتفاعها بوتيرة متصاعدة (رويترز)

واصلت تحويلات المصريين المغتربين ارتفاعها بوتيرة متصاعدة، تدعم تدفقات العملة الصعبة إلى البلاد، وسط مساعٍ حكومية لزيادة الاحتياطي النقدي والعائدات الدولارية لمواجهة الاحتياجات الأساسية وتدبير الاعتمادات لاستيراد السلع.

وبحسب إفادة لـ«البنك المركزي»، الخميس، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج واصلت وتيرتها المتصاعدة حيث «ارتفعت خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى مايو (أيار) 2026 بمعدل 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام السابق».

وذكر «المركزي» أن «التحويلات على المستوى الشهري ارتفعت خلال مايو الماضي بمعدل 13.5 في المائة لتصل إلى نحو 3.9 مليار دولار، مقابل نحو 3.4 مليار دولار خلال مايو 2025».

وتشكل تحويلات المغتربين مصدراً مهماً للعملة الصعبة في مصر، بجانب إيرادات قناة السويس وعائدات السياحة. ويقدر عدد المصريين في الخارج بنحو 14 مليوناً، وفق بيان لوزارة الخارجية في سبتمبر (أيلول) الماضي، تتركز غالبيتهم في الدول العربية.

مقر البنك المركزي المصري بوسط القاهرة (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي، كريم العمدة، أرجع تصاعد وتيرة تحويلات المصريين إلى «زيادة عدد العمالة المصرية بالخارج خلال السنوات الأخيرة، وانحسار السوق السوداء للدولار، ما وجَّه تحويلاتهم إلى القنوات الرسمية بعدما كانت تتسرب إلى السوق الموازية بسبب فرق السعر، إلى جانب زيادة احتياجات أسر المغتربين وذويهم في مواجهة ارتفاع الأسعار».

ومن بين الأسباب الأخرى التي أشار إليها «تحسن مناخ الاستثمار في مصر، وزيادة رواتب العاملين بالخارج».

وكان البنك المركزي قد أعلن، الأربعاء، زيادة صافي احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، حيث ارتفع إلى 55.07 مليار دولار في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة مع 53.134 مليار في مايو الماضي. وأشار إلى أن الزيادة في الاحتياطي النقدي خلال الشهر الماضي بلغت نحو 1.9 مليار دولار، بنسبة زيادة تصل إلى 3.6 في المائة.

وعن تأثير زيادة تحويلات المغتربين على الاقتصاد المصري، قال العمدة لـ«الشرق الأوسط»: «بجانب زيادة الاحتياطي من النقد الأجنبي، تساعد التحويلات على تحسين أداء الجنيه أمام الدولار، وتعزز القوة الشرائية، بما يسهم بشكل مباشر في خفض معدلات التضخم؛ كما توفر التحويلات سيولة دولارية للحكومة لشراء السلع والمواد الخام اللازمة لتشغيل المصانع».

مواطن يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

وتكثف «الخارجية المصرية» تحركاتها لربط المصريين بالخارج بالوطن الأم من خلال مبادرات عدة، يستهدف بعضها تشجعيهم على الاستثمار، ومن بينها مبادرة «بيتك في مصر».

وقال وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، خلال اجتماع مع وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، راندة المنشاوي، في أبريل (نيسان) الماضي، إن هذه المبادرة «تهدف إلى توفير فرص تملك المصريين بالخارج وحدات سكنية، بما يسهم في توثيق ارتباطهم بالوطن وتعزيز استثماراتهم في السوق العقارية المصرية».

وأكّد الوزيران حينها أهمية تيسير حصول المغتربين على الخدمات الحكومية، وتعزيز مشاركتهم في المشروعات القومية، بما يُسهم في جذب مزيد من الاستثمارات.

ووفق أمين عام «اتحاد المستثمرين العرب» ومساعد وزير الخارجية الأسبق، جمال بيومي، فإن مثل هذه المبادرات الحكومية، وحملات وزارة الخارجية للترويج للفرص الاستثمارية «عززت ارتباط المصريين بوطنهم، وشعورهم أنهم يمكن أن يكونوا جزءاً من مسار التنمية».

ويضيف بيومي لـ«الشرق الأوسط»: «تحسن أداء الاقتصاد المصري جعل المواطن بالخارج يشعر أن أمواله آمنة».

في حين يُرجع رئيس الجالية المصرية في ألمانيا، علاء ثابت، زيادة تحويلات المصريين بالخارج إلى «الشعور بالانتماء، وبأن المغترب يجب أن يساند بلده في الظروف الاقتصادية الحالية كي تنعكس مشاركته على التنمية».

واستطرد قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «المبادرات الحكومية لربط المصريين بوطنهم الأم ساهمت في تعزيز الشعور بالانتماء، فضلاً عن أن اختفاء السوق السوداء للدولار كان له دور في إقناع الجاليات بضرورة التحويل عبر القنوات الرسمية (البنوك) لأنها أكثر أمناً».


السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
TT

السعودية وكندا… شراكة تتجاوز التجارة إلى الاستثمار الاستراتيجي

على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)
على هامش توقيع الاتفاقيات بين السعودية وكندا (الشرق الأوسط)

تدخل العلاقات الاقتصادية بين السعودية وكندا مرحلة جديدة تتجاوز التبادل التجاري التقليدي نحو بناء شراكات استثمارية طويلة الأجل، مدفوعة بتقاطع المصالح الاقتصادية، ورؤية مشتركة تستند إلى الابتكار، والتنويع، والاستثمار في القطاعات المستقبلية.

وفي هذا الإطار أكدت المملكة أن التحول الاقتصادي الذي تقوده «رؤية 2030»، وما وفرته من بيئة أعمال أكثر تنافسية وانفتاحاً، يفتح آفاقاً واسعة أمام المستثمرين الكنديين، فيما تمثل كندا شريكاً استراتيجياً يمتلك خبرات وتقنيات متقدمة يمكن توظيفها في دعم مستهدفات التنمية، بما يؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي بين البلدين.

نمو الاقتصاد السعودي

وخلال منتدى الاستثمار السعودي-الكندي، الذي انطلقت أعماله الخميس، في جدة، قال رئيس وزراء كندا، مارك كارني، إن السعودية باتت تمثل اليوم أحد أهم أعمدة الاقتصاد في العالم، مشيداً بالتسارع الكبير واللافت الذي يشهده النمو الاقتصادي السعودي على كافة الأصعدة، والمؤشرات الفنية، بالتزامن مع التحولات الهائلة، والهيكلية التي تعيشها البلاد في ظل «رؤية 2030».

وشدد على حرص بلاده على تعزيز الشراكات الاقتصادية مع السعودية، مؤكداً أن الاتفاقيات التي وقعت بين الرياض وأوتاوا خلال منتدى الاستثمار السعودي الكندي تعكس الطموحات المشتركة بين البلدين في تعزيز التعاون في مختلف القطاعات.

وأكد كارني أن العالم أصبح أكثر ترابطاً، وأن أهمية الحوار تكمن في بناء جسور التواصل، وتعزيز الشراكات القائمة على المصالح المشتركة، مشيراً إلى أن اللقاءات التي تجمع الجانبين تمثل منصة مهمة لتوسيع مجالات التعاون خلال المرحلة المقبلة.

وأثنى على قيادة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، وعلى «رؤية 2030»، معتبراً أنها قدمت نموذجاً يركز على الإنجاز، والعمل، ويسهم في ترسيخ الاستقرار، وتعزيز التنمية داخل المملكة، وعلى مستوى المنطقة.

وأوضح أن العلاقات بين كندا والسعودية تشهد نمواً متسارعاً، وأنها تمثل ثاني أكبر شراكة لكندا مع دول مجلس التعاون الخليجي، مؤكداً أن القطاع الخاص يؤدي دوراً رئيساً في ترسيخ هذه العلاقة، وجعلها أكثر استدامة.

وأشار إلى أن عدداً من الوزراء الكنديين سيواصلون زياراتهم إلى المملكة لمتابعة ملفات التعاون، ومن بينها الذكاء الاصطناعي، والاستثمار، والقطاع المالي، بما يعكس التزام البلدين بتوسيع آفاق الشراكة، وجذب المزيد من الاستثمارات.

وبيّن أن قطاع التعدين يُعد من أبرز مجالات التعاون المستقبلية، لافتاً إلى التطور الكبير الذي حققته المملكة في هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، وما يوفره ذلك من فرص لدمج الخبرات الكندية مع الاستثمارات السعودية، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز البحث العلمي، وخلق فرص عمل جديدة.

صورة جماعية للمشاركين في منتدى الاستثمار السعودي - الكندي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن التعاون بين السعودية وكندا يمتد إلى قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، بما في ذلك الطاقة النووية السلمية، مؤكداً أن البلدين يمتلكان فرصاً كبيرة للعمل المشترك في تطوير المعادن الاستراتيجية، والمعادن النادرة، بما يلبي الطلب العالمي، ويحقق التنمية المستدامة، مع مراعاة الاعتبارات البيئية.

وأكد أن كندا تنظر إلى المملكة باعتبارها واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً ضمن دول مجموعة العشرين، وأنها شريك استثماري مهم خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن التعاون يشمل أيضاً مجالات الدفاع، والصناعات العسكرية، مع تحقيق نمو ملحوظ في الصادرات، وفرص العمل.

وعبّر عن تقديره وإعجابه البالغين بالمجتمع السعودي، وأنه شهد بنفسه حجم التحول الكبير الذي تحقق منذ ذلك الوقت، مشيراً إلى أن ما تحظى به المملكة من مكانة عالمية بارزة يرجع إلى كونها لاعباً مؤثراً في العديد من القطاعات، «وهو ما انعكس في استضافتها وتنظيمها لفعاليات ومناسبات دولية كبرى، من بينها بطولة كأس العالم للرياضات الإلكترونية، إلى جانب مهرجانات الأفلام، واستضافة سباقات الفورمولا-1». مؤكداً أن المملكة تعد من أسرع الدول نمواً في هذه المجالات.

الفرص الاستثمارية

من ناحيته، أكد وزير الاستثمار، فهد السيف، أن السعودية تدخل مرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية مع كندا، مستندة إلى اقتصاد يشهد تحولاً متسارعاً تقوده «رؤية 2030»، وفرص استثمارية نوعية تمتد من التعدين والذكاء الاصطناعي إلى الخدمات المالية، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية.

وقال السيف، خلال كلمته في منتدى الاستثمار السعودي–الكندي بحضور كارني، إن المملكة لم تعد مجرد سوق جاذبة للاستثمارات، بل أصبحت شريكاً اقتصادياً طويل الأجل يوفر بيئة استثمارية مستقرة، ومحفزات نمو مستدامة، مشيراً إلى أن الاستثمار أصبح المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي، في وقت تمثل فيه الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح أن الاقتصاد السعودي حقق تحولاً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 85 في المائة منذ عام 2017 ليتجاوز 1.3 تريليون دولار، فيما رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي إلى 5.5 في المائة خلال عام 2027، بما يعكس قوة الاقتصاد الوطني، وقدرته على مواصلة النمو رغم التحديات العالمية.

جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

الشركات الكندية

وأشار وزير الاستثمار إلى أن العلاقات السعودية–الكندية تشهد زخماً متصاعداً، لافتاً إلى أن 625 شركة كندية تعمل حالياً في السوق السعودية، بينها 13 مقراً إقليمياً، فيما تضاعف عدد التراخيص الاستثمارية الممنوحة للشركات الكندية خلال العام الماضي ليقترب من 250 ترخيصاً، وهو ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين الكنديين بالسوق السعودية.

وأضاف أن المملكة نجحت منذ عام 2017 في مضاعفة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنحو خمسة أضعاف، فيما ارتفع رصيد الاستثمار الأجنبي إلى نحو 293 مليار دولار، ووصل إجمالي تكوين رأس المال الثابت إلى أكثر من 370 مليار دولار، في وقت أصبح فيه الاستثمار غير النفطي وغير الحكومي يمثل نحو 77 في المائة من إجمالي الاستثمارات.

وأكد السيف أن المملكة تعمل على بناء منظومات اقتصادية متكاملة تشمل التعدين، والمعادن الحيوية، والذكاء الاصطناعي، والأسواق المالية، ورأس المال الجريء، وهي قطاعات تمتلك فيها الشركات الكندية خبرات متقدمة يمكن أن تتكامل مع الفرص الاستثمارية التي توفرها المملكة، بما يخلق شراكات استراتيجية طويلة الأمد.

جانب من فعاليات ملتقى الاستثمار السعودي - الكندي في جدة (الشرق الأوسط)

مجلس التنسيق السعودي – الكندي

وأشار إلى أن الفرص الاستثمارية تمتد أيضاً إلى قطاعات التعليم، والطيران، والبنية التحتية، والخدمات اللوجستية، إضافة إلى المشروعات المرتبطة باستضافة المملكة لـ«معرض إكسبو-2030» وكأس العالم 2034، والتي ستفتح مجالات واسعة أمام الشركات العالمية في التصميم، والهندسة، وإدارة المشروعات.

وأوضح أن إعلان تأسيس مجلس التنسيق السعودي–الكندي يمثل خطوة مؤسسية لتعزيز التعاون الاقتصادي، ودعم معالجة التحديات التي تواجه المستثمرين، إلى جانب بدء المناقشات بشأن اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمار، بما يعزز الثقة، ويوفر إطاراً أكثر استقراراً للاستثمارات المتبادلة.

واختتم وزير الاستثمار كلمته بالتأكيد على أن الشركات السعودية تنظر إلى كندا باعتبارها شريكاً يمتلك خبرات وتقنيات متقدمة، ورأسمال نوعياً، فيما يقدم المستثمر السعودي استثمارات طويلة الأجل، ورأسمال استراتيجياً مدعوماً باقتصاد تنافسي، ورؤية تنموية تستهدف تحقيق قيمة اقتصادية مستدامة في البلدين.

وشهد المنتدى توقيع 15 اتفاقية تتجاوز قيمتها الإجمالية مليار دولار، وسوف توسع حجم التبادل التجاري الجديد بين الجانبين، والذي تجاوز 66 ملياراً خلال الأعوام الخمسة الماضية.


فرص التوظيف بمصر تقاوم «ثورة» الذكاء الاصطناعي

تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
TT

فرص التوظيف بمصر تقاوم «ثورة» الذكاء الاصطناعي

تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)
تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة بالتوظيف (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

رغم أن تقديرات دولية تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الوظائف أكثر مما سيقضي عليها، فإن حجم هذا التأثير وطبيعته يتفاوتان من دولة إلى أخرى حسب هيكل الاقتصاد ومستوى التطور التكنولوجي وطبيعة المهارات السائدة في سوق العمل، وخصوصاً في البلدان النامية، وفق ما أكده البنك الدولي، الذي استند في تقديراته إلى بيانات من 25 دولة تضم نحو 3.5 مليار نسمة وتمثل قرابة 80 في المائة من قوة العمل العالمية.

وخلصت هذه التقديرات إلى أن تأثير الذكاء الاصطناعي في الدول النامية سيكون أقل حدة وأبطأ وتيرة مقارنة بالدول مرتفعة الدخل، ويعود ذلك إلى طبيعة أسواق العمل في هذه الاقتصادات التي تعتمد اعتماداً أكبر على الوظائف اليدوية والمهن القائمة على التفاعل المباشر بين الأشخاص، وهي وظائف لا تزال بعيدة نسبياً عن متناول الأتمتة الراهنة.

المهن اليدوية تصمد أمام ثورة الذكاء الاصطناعي (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ولا تقف مصر بمعزل عن هذا المشهد؛ إذ يفرض الذكاء الاصطناعي متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل، لا سيما في ظل وجود فجوة بين أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل وفرص التوظيف المتاحة؛ فوفق تقديرات البنك الدولي، يدخل نحو 1.3 مليون شاب وشابة سوق العمل المصرية سنوياً، في حين لا يتجاوز عدد الوظائف المستحدثة نصف مليون وظيفة في العام ذاته.

وأمام هذه الفجوة المُتّسعة، هل يتحول الذكاء الاصطناعي في هذا السياق تهديداً، أم محركاً للنمو الاقتصادي؟

وبين هذين الاحتمالين، يستحضر المهندس وليد جاد، خبير التحول الرقمي والرئيس السابق لمجلس إدارة غرفة صناعة تكنولوجيا المعلومات باتحاد الصناعات المصرية، سابقة تاريخية يرى أنها تضيء الطريق، فدخول الحاسوب إلى مصر أواخر القرن الماضي، صاحبته مخاوف مماثلة من انعكاساته على سوق العمل وتفاقم البطالة.

لكن استعراض ما آلت إليه تلك الحقبة يكشف عن مفارقة لافتة، وهي أنه «رغم اندثار بعض الوظائف بفعل انتشار الحاسوب، نشأت وظائف أخرى وازدهرت في ظله، فضلاً عن قفزة إنتاجية بلغت عشرة أضعاف».

الذكاء الاصطناعي بدأ التأثير على الأعمال المكتبية والرقمية (حساب القرية الذكية المصرية على فيسبوك)

ويضيف جاد لـ«الشرق الأوسط»: «الذكاء الاصطناعي، وإن كان سيعيد رسم ملامح سوق العمل، يمثل في الوقت نفسه فرصة حقيقية لتعزيز الإنتاجية؛ وسيؤدي إلى ظهور أسواق عمل جديدة كلياً لم تكن في الحسبان».

وغير أن هذا التفاؤل المشروط لا ينفي، في نظر الدكتور أبو العلا عطيفي، أستاذ الذكاء الاصطناعي بكلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي في جامعة القاهرة، أن مصر تمر بمرحلة انتقال جوهرية مما يسميه «الهامش التكنولوجي» إلى «التأثير البنيوي العميق» في بنية الوظائف والمهارات المطلوبة.

ويختصر عطيفي جوهر اللحظة الراهنة لـ«الشرق الأوسط» بقوله: «السؤال لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيؤثر على سوق العمل المصرية، بل متى وبأي درجة وبأي نمط سيتجلى هذا التأثير؟».

لكن الدكتور أحمد طنطاوي، المشرف على أعمال مركز الابتكار التطبيقي بوزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، يحذّر من «الإفراط في التخوف من التطور العلمي أو محاربته بهدف تجنب جميع المخاطر المحتملة التي قد تصاحبه؛ بل على المجتمعات والمؤسسات الاقتصادية الساعية إلى النمو أن تتبنى تخطيطاً واقعياً للاستفادة من التكنولوجيا، وتطوير أدوات ونظم مبتكرة تعود بالنفع على مختلف شرائح المجتمع».

الدول النامية تعتمد على الصناعات اليدوية والزراعية (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

ويشدد طنطاوي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» على أن «التجارب التاريخية تؤكد أن الطفرات التكنولوجية لا تقتصر على إحداث تغييرات في هيكل الأنشطة الإنتاجية القائمة فحسب، بل تؤدي أيضاً إلى ظهور صناعات وأنشطة جديدة نتيجة الابتكار الخلّاق في توظيف التقنيات الناشئة والاستفادة من تطبيقاتها واستخداماتها المجدية».

الأكثر تأثراً

وتكشف دراسة صادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية في أبريل (نيسان) 2026، عن أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بات يشكل تهديداً غير متكافئ على قطاعات سوق العمل في مصر، محذرةً من أن الوظائف الأكثر عرضة للاستبدال هي بالضبط تلك التي تمثل البوابة التقليدية للخريجين الجدد نحو العمل الرسمي. ويصف المركز في دراسته، المعنونة بـ«إعادة تعريف العمل في مصر: كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل متطلبات المهارات»، بأنها «أول تقدير كمي تجريبي لتأثير الذكاء الاصطناعي على سوق العمل المصرية»؛ إذ اعتمد فيها على تحليل أكثر من 28 ألف إعلان وظيفي إلكتروني عبر منصات رقمية كبرى.

وتتصدر هذه القائمة فئة موظفي الأعمال المكتبية والإدارية؛ إذ بلغ متوسط مؤشر أتمتة مهامهم نحو 52 في المائة، وهو ما وصفه الباحثون بـ«الإحلال الجوهري»، أي أن الذكاء الاصطناعي يستهدف صميم هذه الوظائف، ولا سيما في مهام معالجة البيانات وجدولة المواعيد وإدارة السجلات.

مصريون يتطلعون لمواكبة التطور التقني (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

غير أن هذه النسبة المرتفعة لا تعني، برأي الدكتور محمد الموجي، رئيس قسم تكنولوجيا المعلومات بكلية الحاسبات والمعلومات في جامعة المنصورة المصرية، اختفاء المسمى الوظيفي فجأة وبالكامل، بل ما يسميه «الاندماج الهائل»؛ إذ سيتمكن عدد قليل من الموظفين الذين يستعينون بأدوات الذكاء الاصطناعي من إدارة أحجام ضخمة من المعاملات؛ ما يقلّص التوظيف الجديد ويفرز ضغوط بطالة انتقالية حادة.

نمط جديد

ويتوقع الموجي لـ«الشرق الأوسط» أن ينتج من هذا الاندماج نمط جديد هو «الموظف متعدد المهارات؛ فالذكاء الاصطناعي لن يلغي الوظيفة بقدر ما سيتولى المهام الجانبية والروتينية فيها، مما يغيّر طبيعتها جذرياً».

وفي مقابل تلك الفئة المُهددة، تكشف الدراسة عن أن الوظائف اليدوية والحرفية والزراعية هي الأكثر صموداً في مواجهة موجة الأتمتة الراهنة؛ نظراً لاعتمادها على مهارات جسدية دقيقة وبيئات عمل متغيّرة لا يجيد الذكاء الاصطناعي حتى الآن محاكاتها، وهو ما يؤكده الموجي بقوله: «إن وظائف كعمال الزراعة والصيد والبناء والمهن الحرفية، فضلاً عن المجالات القائمة على التفاعل الإنساني كالرعاية الطبية والخدمة الاجتماعية، لا تزال بمنأى عن هذه الموجة في مرحلتها الحالية».

الذكاء الاصطناعي يفرض متغيراً جديداً وحاسماً في معادلة التشغيل (حساب القرية الذكية المصرية على فيسبوك)

أما الشريحة الواقعة بين هذين الطرفين، أي فئة المهنيين، فلن يطولها التأثير الأعمق في صورة استبدال كامل، بل في إعادة تشكيل طبيعة أدوارها من الداخل، حسب دراسة المركز المصري للدراسات الاقتصادية، فالمهن القانونية والاجتماعية، كالمحامين والاختصاصيين الاجتماعيين، تواجه أتمتة تطال نحو 45 في المائة من مهامها الأساسية، فيما تبلغ النسبة 41 في المائة لدى فنيي تكنولوجيا المعلومات، و37 في المائة لدى المهندسين والعلماء، وهذا يعني أن دور هؤلاء المهنيين سيتحول من تنفيذ المهام المعرفية إلى توجيه منظومات الذكاء الاصطناعي والإشراف عليها.

ويتقاطع هذا الاستنتاج مع ما يلاحظه الدكتور حسن أبو العلا، مدرّس الميكروبيولوجيا بكلية الطب البيطري في جامعة القاهرة؛ إذ يرى أن التأثير الحالي للذكاء الاصطناعي يظهر أولاً في طبيعة المهام لا في اختفاء الوظائف، وإن كانت خصوصية سوق العمل المصرية تجعل وتيرة التحول أبطأ نسبياً مقارنة ببعض الدول الأخرى.

ويوضح أبو العلا لـ«الشرق الأوسط»: «نلاحظ بالفعل توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في مهام مثل كتابة المحتوى والترجمة والتسويق الرقمي، وبات الموظف الواحد قادراً على إنجاز ما كان يحتاج إلى فريق بأكمله قبل سنوات قليلة. وربما لا تظهر حتى الآن أرقام كبيرة لفقدان الوظائف، لكننا نشهد بوضوح إعادة تعريف للوظيفة ذاتها؛ إذ تتغيّر المهام المطلوبة وتتبدّل المهارات اللازمة للنجاح فيها».

فرصة... أم تهديد؟

ويختصر أبو العلا التحدي في سؤال: «كيف سنرسم المسار المهني للأجيال الجديدة؟»، وإذا كان هذا السؤال يحمل نبرة قلق، فإن جاد يقابله بمثال ملموس على وظائف ناشئة تلوح في الأفق؛ فقدرة الذكاء الاصطناعي على توليد محتوى مزيَّف بالصوت والصورة ستفرز سوقاً وظيفية تتمحور حول الكشف عن التزوير الرقمي، ومن المرجح أن تشهد نمواً متسارعاً مع تصاعد تحديات المعلومات. ويستحضر جاد تجربة دخول عصر الحاسوب دليلاً على قدرة مصر على اغتنام الفرص؛ فبعدما كان المجال لا يتجاوز أربع شركات عالمية تستقطب الكفاءات المصرية، باتت البلاد اليوم حاضنة لأكثر من خمسة آلاف شركة محلية في تقنية المعلومات.

خبراء يرون أن مصر تستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي (رئاسة مجلس الوزراء المصري)

وأولت مصر اهتماماً مؤسسياً بالفعل، فأنشأت، وفق وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي عام 2019، قبل توسيع اختصاصاته مطلع 2026 ليصبح المجلس الوطني للذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والتكنولوجيات البازغة، لمواكبة التقنيات المستقبلية. كما أطلق المجلس الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي عام 2021، ثم نسختها الثانية مطلع 2025، والتي ترتكز على ستة محاور تشمل الحوكمة، والتكنولوجيا، والبيانات، والبنية التحتية، وبناء منظومة متكاملة للذكاء الاصطناعي، وتنمية المهارات.

غير أن هذا الزخم المؤسسي لا يكتمل، في نظر عطيفي، من دون مراجعة جوهرية على المستوى التعليمي؛ إذ يضع الجامعات في قلب التحول، قائلاً: «لم يعد كافياً أن يتخرج الطالب حاملاً معرفة تخصصية فحسب؛ يجب أن يمتلك معها ملكة التعلم المستمر والتفكير النقدي. وقد يعمل خريجو اليوم في وظائف لم تولد بعد».

ويرى أن جوهر التحدي يتمثل في الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات الاقتصاد الرقمي، عبر ثلاثة مستويات متشابكة: إحلال المهام الروتينية، وإعادة تعريف الوظائف القائمة، وخلق طلب على مهارات جديدة كلياً.

ويتوقع طنطاوي أن تكون النتيجة النهائية لدخول الذكاء الاصطناعي سوق العمل إيجابية في المُجمل، من خلال توسع الأعمال والأنشطة الجديدة من جهة، مقابل انكماش بعض الأعمال التي ستحل الأدوات المبتكرة محلها من جهة أخرى.