الأسواق تفتتح الأسبوع على مشهد معقد وسط «فوبيا البنوك»

إجراء منسق للمصارف المركزية الكبرى عبر مبادلة الدولار

متداول يتابع حركة الأسهم في بورصة وول ستريت وسط أزمة البنوك (إ.ب.أ)
متداول يتابع حركة الأسهم في بورصة وول ستريت وسط أزمة البنوك (إ.ب.أ)
TT

الأسواق تفتتح الأسبوع على مشهد معقد وسط «فوبيا البنوك»

متداول يتابع حركة الأسهم في بورصة وول ستريت وسط أزمة البنوك (إ.ب.أ)
متداول يتابع حركة الأسهم في بورصة وول ستريت وسط أزمة البنوك (إ.ب.أ)

سمحت التدابير العاجلة التي اتخذت في نهاية عطلة نهاية الأسبوع لتهدئة المخاوف بشأن بنك كريدي سويس والتوتر في القطاع المصرفي، بارتفاع أسواق الأسهم الأوروبية بشكل طفيف الاثنين، لكنّ الضغط ما زال مستمراً على المصارف. وبعد انهيارها مع افتتاح التداولات في الصباح، ارتفعت المؤشرات الأوروبية بشكل طفيف، فارتفع مؤشر بورصة باريس 0.95 في المائة، ومؤشر فرنكفورت 0.75 في المائة، ومؤشر لندن 0.47 في المائة، ومؤشر ميلانو 0.73 في المائة قرابة الساعة 11:25 بتوقيت غرينيتش، بعد أسبوع قاتم للقطاع المصرفي أثّر على مجمل الأسواق.
وما زال القطاع المالي يعاني، فقد تراجع مؤشر يورو ستوكس 600 للمصارف بنسبة 1.57 في المائة، فيما تراجع «بي إن بي باريبا» 4.29 في المائة، و«آي إن جي» 5.13 في المائة، ودويتشه بنك 2.34 في المائة. وانهارت أسهم كريدي سويس في بداية التعاملات بنحو 60 في المائة، وكانت قيمتها أقل من عرض الاستحواذ لمنافسه «بي بي إس»، الذي خسر أيضا 3.5 في المائة قرابة الساعة 10:55 بتوقيت غرينيتش.
وقال المحلل بيار فيريه من شركة «أكتيف ترايد»: «ما زال المستثمرون يواجهون صعوبة في تقييم وضع الأصول»، وما زالوا ينتظرون اجتماع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي الثلاثاء والأربعاء.
وفي دليل على التقلبات المستمرة، فضّل المستثمرون الأصول التي تعتبر ملاذا آمنا، خصوصا الذهب وسوق الديون السيادية. وفي «وول ستريت»، أدت العقود الآجلة إلى بداية حذرة مع توقّع مكاسب بنسبة 0.13 في المائة لمؤشر إس آند بي 500، بالإضافة إلى مؤشر ناسداك ومؤشر داو جونز.

صفقة كبرى
واستحوذ بنك «يو بي إس» الأكبر في سويسرا الأحد على منافسه «كريدي سويس» الذي يواجه أزمة خطيرة، بعد مفاوضات شاقة، في حين أعلنت الحكومة توفير ضمانات كبرى؛ أملا في تجنّب أزمة حادة، وباستعادة «ثقة» المستثمرين في العالم. وتبلغ قيمة الصفقة ثلاثة مليارات فرنك سويسري (3.02 مليار يورو) مستحقة الدفع على شكل أسهم، أي 0.76 فرنك للسهم الواحد بعدما كانت قيمة سهم كريدي سويس الجمعة 1.86 فرنك سويسري. وبهدف تهدئة الضغوط المصرفية، صدرت تصريحات رسمية مفادها أن «القطاع المصرفي الأوروبي مرن، مع مستويات صلبة من رؤوس الأموال والسيولة»، وفق ما قال البنك المركزي الأوروبي الاثنين في بيان مشترك مع آلية اتخاذ القرارات المصرفية الأوروبية والهيئة المصرفية الأوروبية. كما أكدت الهيئة الألمانية الفيدرالية للرقابة المالية «بافين» أن النظام المالي الوطني «مستقر وقوي».

إجراءات مركزية منسقة
عقب إعلان الاستحواذ الأحد، اتخذت البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا وسويسرا وإنجلترا وكندا واليابان، إجراءات منسّقة من أجل تحسين عمليات الوصول إلى السيولة، وهو إجراء استثنائي لاستعادة الثقة في النظام المالي.
وقال مجلس الاحتياطي الفيدرالي في بيان صدر إلى جانب بيانات من البنوك المركزية الخمسة الأخرى: «لتحسين فاعلية خطوط المبادلة في توفير التمويل بالدولار، وافقت البنوك المركزية التي تعرض حاليا عمليات بالدولار على زيادة وتيرة عمليات الاستحقاق لمدة سبعة أيام من أسبوعية إلى يومية». وقال المجلس إن العمليات ستبدأ الاثنين، وستستمر على الأقل حتى نهاية أبريل (نيسان).
وقال ستيفن إينيس من «إس بي آي آسيت مانجمنت» للاستثمار: «كلما ازدادت تحركات صناع السياسة، توقّع المستثمرون المزيد من الأخبار السيئة، ما يخلق حلقة من ردود الفعل السلبية المرعبة، كما لو أن المستثمرين يتساءلون: ما الذي يعرفونه ولا نعرفه؟».
وفي سوق السندات، استمرت العائدات القصيرة الأجل في الانخفاض بشكل حاد، فيما يشير إلى أن المستثمرين يعتقدون أن بنك الاحتياطي الفيدرالي لن يرفع أسعار الفائدة الأربعاء في اجتماعه المقبل.

الذهب يشتعل
ومدفوعا بالمخاوف المتزايدة حول القطاع المصرفي، ارتفع سعر الذهب فوق العتبة الرمزية البالغة ألفي دولار للأونصة صباح الاثنين، لكن قرابة الساعة 10:30 بتوقيت غرينيتش تراجعت قيمة المعدن الأصفر 0.16 في المائة إلى 1.985 دولار. أما اليورو فانخفض 0.14 في المائة مقابل الدولار، مسجلا 1.0685 للدولار. وفيما يتعلق بالمعادن النفيسة الأخرى، لم يطرأ تغير يذكر على سعر الفضة في المعاملات الفورية عند 22.59 دولار للأوقية، بينما خسر البلاتين 0.5 في المائة إلى 970.53 دولار، ونزل البلاديوم 0.8 في المائة إلى 1407.70 دولار.
وقال تاكاهيرو سيكيدو كبير المحللين الاستراتيجيين بشأن اليابان لدى «إم يو إف جي»: «القوة الدافعة للسوق هي النفور من المخاطرة»، وأضاف «لست متشائما جدا، لكن لا يزال يتعين علينا الانتظار حتى نرى إلى أي مدى سنشهد انتقال عدوى المخاطر من أوروبا... على الأقل خلال هذا الأسبوع، أتوقع أن يظل الين قويا».

آثار للتوترات
وفي آسيا، أغلق مؤشر نيكي الياباني عند أدنى مستوى له في شهرين يوم الاثنين، حيث أدت المخاوف من ركود وأزمة محتملة في القطاع المصرفي العالمي إلى بيع الأصول ذات المخاطر.
وأغلق نيكي منخفضا 1.42 في المائة إلى 26945.67 نقطة، وهو أدنى إغلاق منذ 23 يناير (كانون الثاني)، وخسر مؤشر توبكس الأوسع نطاقا 1.54 في المائة إلى 1929.30 نقطة.
وقال شيغيتوشي كامادا المدير العام لقسم الأبحاث في «تاتشيبانا» للأوراق المالية: «ظننت أن الأخبار المتعلقة بإنقاذ بنك كريدي سويس ستكون إيجابية للسوق، لكنه تراجع بشكل أعمق مما كنت أتوقع. يبتعد المستثمرون العالميون عن الأصول ذات المخاطر في الوقت الحالي، لذا فإن السوق اليابانية تنخفض تماشيا مع هذا الاتجاه».
وفي ظل الأزمة التي بدأت مع انهيار بنك سيليكون فالي في الولايات المتحدة يوم الجمعة، فقد المستثمرون الثقة في البنوك الإقليمية الأميركية وكريدي سويس في أوروبا. وخسر قطاع البنوك في اليابان 1.88 في المائة، بعد أن قفز أكثر من واحد في المائة في وقت سابق خلال الجلسة. وخسر المؤشر 13.6 في المائة حتى الآن هذا الشهر، وهو الأسوأ أداء إلى جانب قطاع التأمين الذي سجل أيضا انخفاضا مشابها.


مقالات ذات صلة

صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

الاقتصاد سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

عبر نحو 90 سفينة، بما في ذلك ناقلات النفط، مضيق هرمز الذي يمد العالم بخُمس احتياجاته من الخام منذ بداية الحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سبائك الذهب بعد فحصها وتلميعها في مصفاة بسيدني (أ.ف.ب)

الذهب يترقب «الفيدرالي» وسط ضغوط التصعيد في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار الذهب قليلاً الأربعاء مع استمرار حذر المستثمرين، الذين يُقيّمون الأثر الاقتصادي للصراع بالشرق الأوسط قبيل قرار الاحتياطي الفيدرالي.

الاقتصاد ناقلات نفط في مضيق سنغافورة (رويترز)

النفط يتراجع بعد اتفاق السلطات العراقية والكردية على اتفاقية تصدير

تراجعت أسعار النفط يوم الأربعاء بعد أن توصلت الحكومة العراقية والسلطات الكردية إلى اتفاق لاستئناف صادرات النفط عبر ميناء جيهان.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد مقر البنك المركزي المغربي في الرباط (أرشيفية- رويترز)

«المركزي» المغربي يثبِّت الفائدة عند 2.25 % ويتوقع تضخماً معتدلاً

أبقى البنك المركزي المغربي سعر الفائدة دون تغيير عند 2.25 في المائة، مؤكداً أن التضخم سيظل في مستويات معتدلة رغم تصاعد حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
الاقتصاد وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

البيت الأبيض: ناقلات النفط «بدأت العبور ببطء» إلى مضيق هرمز

كشف كيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، لقناة «سي إن بي سي»، يوم الثلاثاء، أن ناقلات النفط تَعبر مضيق هرمز، مشدداً على أن إجراءات إيران لعرقلة حركة…

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

رئيس كوريا الجنوبية يتعهد بإصلاحات سوق الأسهم وتعزيز ثقة المستثمرين

لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)
لي جاي ميونغ يراجع إصلاحات واستقرار أسواق رأس المال في سيول 18 مارس 2026 (إ.ب.أ)

تعهد الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، يوم الأربعاء، بإجراء إصلاحات جديدة لمعالجة مشكلة الانخفاض المزمن في قيمة الأسهم المحلية، بما في ذلك اقتراح حظر الإدراج المزدوج في السوق الواحدة من قِبل الشركات القابضة وفروعها، وهي ممارسة تُعزى إليها ظاهرة ما يُعرف بـ«الخصم الكوري».

ومنذ توليه المنصب في يونيو (حزيران) 2025، أطلق لي سلسلة من الإصلاحات لمعالجة هذه الظاهرة التي تشير إلى انخفاض قيمة أسهم الشركات الكورية الجنوبية عادةً مقارنةً بنظيراتها العالمية، وتعكس جزئياً هياكل التكتلات العائلية الغامضة، وفق «رويترز».

وخلال اجتماع متلفز مع محللين ومستثمرين مؤسسيين وشركات مدرجة، عُقد بعد تصاعد تقلبات السوق مطلع الشهر بسبب الصراع في الشرق الأوسط، قال لي: «لقد تحسّن وضع هيكل الحوكمة بشكل ملحوظ بفضل تعديلات قانون التجارة وغيرها من التدابير السياسية». وأضاف: «السوق في طور العودة إلى طبيعتها، ولكن قد يكون تطبيق نظام (كوريا بريميوم) ممكناً أيضاً»، مضيفاً أنه سيواصل الجهود السياسية لاستعادة ثقة المستثمرين بالسوق.

وفي الاجتماع نفسه، أعلن رئيس لجنة الخدمات المالية، لي إيوغ وون، إعداد خطط محددة لحظر ممارسات الإدراج المزدوج التي تقلل قيمة الأسهم القائمة من خلال خفض ربحية السهم. وأشار محلل في شركة «كي بي» للأوراق المالية، كيم دونغ وون، إلى أن الإدراج المزدوج يُشكّل نحو 20 في المائة من إجمالي القيمة السوقية لكوريا الجنوبية، وهو ما يعادل 400 ضعف السوق الأميركية، و10 أضعاف السوق الصينية، و5 أضعاف السوق اليابانية، ويتجاوز أي سوق أخرى في العالم.

كما صرح رئيس لجنة الرقابة المالية بأن برنامج الحكومة لتثبيت السوق، البالغ 100 تريليون وون (نحو 67.33 مليار دولار)، سيتم توسيعه عند الحاجة إلى مواجهة التقلبات المتزايدة.

وخلال الاجتماع، واصل مؤشر «كوسبي» مكاسبه، مما استدعى فرض قيود مؤقتة على التداول، قبل أن يُغلق مرتفعاً بنسبة 5.04 في المائة عند أعلى مستوى له منذ 27 فبراير (شباط).

ومنذ تولي لي منصبه، أجرى الحزب الديمقراطي الحاكم ثلاثة تعديلات على قانون التجارة لتعزيز حماية حقوق المساهمين الأقلية، بما في ذلك إلزام الشركات المدرجة بإلغاء أسهم الخزينة المكتسبة حديثاً. وأكد مسؤول من الهيئة الوطنية للمعاشات التقاعدية، ثالث أكبر صندوق معاشات تقاعدية عام في العالم، رفض الهيئة محاولات الشركات الالتفاف على أهداف هذه التعديلات، مؤكداً تأثيرها الكبير على السوق المحلية.

وشهد مؤشر «كوسبي» ارتفاعاً بنسبة 41 في المائة حتى الآن هذا العام، بعد قفزة بلغت 76 في المائة في عام 2025، وهي الأكبر منذ عام 1999، ويعزو المحللون هذا الأداء إلى إصلاحات سوق الأسهم التي أطلقتها إدارة لي والتفاؤل حول الذكاء الاصطناعي.


«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يواجه اليوم أصعب اختباراته النقدية في ظل الحرب وتذبذب الأسعار

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

من المتوقع أن يُبقي مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي»، المجتمعون في ظل ظروف حرب بدأت قبل أقل من ثلاثة أسابيع، أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء. غير أن الأهم يتمثّل في الكيفية التي سيعكس بها بيان السياسة الجديد والتوقعات المحدثة رؤية البنك لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشن صراع مفتوح مع إيران، وكيف أعاد هذا القرار تشكيل آفاق اقتصاد الولايات المتحدة والتضخم والسياسة النقدية.

وفي ظل غياب أي مؤشرات واضحة على نهاية وشيكة لحملة القصف الأميركية-الإسرائيلية، يرى اقتصاديون أن التداعيات المحلية والعالمية ستظل رهناً بمدة الحرب، وبطبيعة النظام السياسي الذي سيبرز في إيران لاحقاً، بالإضافة إلى مسار أسعار النفط؛ سواء اتجهت لتجاوز 100 دولار للبرميل أو عادت إلى مستويات ما قبل الحرب دون 80 دولاراً، وفق «رويترز».

لوحة تُظهر أسعار البنزين في ظل استمرار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في واشنطن (رويترز)

وقد بلغ متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة 3.79 دولار للغالون يوم الثلاثاء، بزيادة تتجاوز 25 في المائة مقارنة بمستوياته قبل الحرب، وفق بيانات جمعية السيارات الأميركية. كما بدأت تداعيات ارتفاع الطاقة تتسلل إلى قطاعات أخرى، حيث حذّرت شركات الطيران من ارتفاع تكاليف السفر نتيجة زيادة أسعار وقود الطائرات، في حين أشار مسؤول في البيت الأبيض إلى سعي الولايات المتحدة لإيجاد مصادر بديلة للأسمدة الزراعية.

موظف داخل متجر «وول مارت سوبر سنتر» في نورث بيرغن (رويترز)

ومع ارتفاع تكاليف الطاقة، قد يلجأ المستهلكون إلى تقليص إنفاقهم أو تأجيل مشترياتهم، في حين يواجه الشركاء التجاريون للولايات المتحدة، خصوصاً في أوروبا، صدمة تضخمية أشد وطأة.

بالنسبة إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، تحوّلت التوقعات من تفاؤل بنمو مستقر وتباطؤ تدريجي في التضخم إلى مشهد أكثر تعقيداً، تتداخل فيه ضغوط الأسعار المتزايدة مع مخاطر تباطؤ النمو وسوق العمل. ومن المنتظر أن يقدّم صُنّاع السياسة أفضل تقديراتهم استناداً إلى المعطيات المتاحة، من خلال قرار الفائدة وبيان السياسة والتوقعات الفصلية المحدّثة التي ستصدر عقب اجتماعهم الأخير الذي استمر يومين، يعقبه مؤتمر صحافي لرئيس البنك جيروم باول.

وقالت كبيرة الاقتصاديين في شركة «كي بي إم جي»، ديان سوانك، في تحليل حديث، إن الأوضاع الحالية تمهّد لتحوّل توقعات «الاحتياطي الفيدرالي» نحو سيناريو ركودي تضخمي. وأشارت إلى أنها تتوقع ارتفاع كل من التضخم والبطالة بحلول نهاية العام، مع انقسام داخل البنك المركزي بين من يدعو إلى خفض الفائدة لدعم سوق العمل، ومن يفضّل الإبقاء على سياسة نقدية متشددة -أو حتى التلميح إلى رفع الفائدة- في ظل توقعات باستمرار الضغوط السعرية.

وأضافت: «تُصاغ هذه التوقعات في بيئة يغلب عليها عدم اليقين. وأتوقع أن يخفض المشاركون في الاجتماع تقديرات النمو، مقابل رفع توقعاتهم للتضخم والبطالة». كما رجّحت أن يُظهر «مخطط النقاط» مزيجاً من الآراء، بما يعكس انقساماً بين صناع السياسة، مع وجود معارضة محتملة لخفض الفائدة من قِبل من يرون أن تثبيت تكاليف الاقتراض في ظل ضعف سوق العمل قد لا يكون الخيار الأمثل، مقابل توجه أكثر تشدداً قد يدفع نحو رفع الفائدة قبل نهاية العام.

مخاوف من عودة الركود التضخمي

تمثّل الحرب مع إيران صدمة ثانية قد تدفع نحو ركود تضخمي، بعد أن كانت السياسات التجارية -خصوصاً الرسوم الجمركية- قد أثارت سابقاً مخاوف مماثلة لدى صناع السياسات. ورغم أن الأثر الأولي للرسوم جاء أقل حدة من المتوقع، فإن الشركات لا تزال تمرّر التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، ما يُبقي الضغوط التضخمية قائمة.

وقد دفع ذلك مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي»، خلال اجتماعهم في أواخر يناير (كانون الثاني)، إلى مناقشة احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة بدلاً من خفضها. ومن المرجح أن يتم تدقيق بيان السياسة الجديد بحثاً عن أي إشارات إلى تحول النهج النقدي نحو مسار «ثنائي الاتجاه»، مع احتمال أن تكون الخطوة التالية هي الرفع.

جيروم باول يصل إلى مقر «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن 13 يناير 2026 (رويترز)

وتشير البيانات الصادرة منذ الاجتماع الأخير -حتى قبل اندلاع الحرب- إلى مسار اقتصادي معقّد؛ إذ لم يحرز التضخم تقدماً يُذكر نحو هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، مع توقعات ببقائه أعلى من هذا المستوى بنحو نقطة مئوية أو أكثر خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يثير قلق صناع القرار من أن خفض الفائدة قد يُفسَّر على أنه تهاون في مكافحة التضخم.

في المقابل، أظهر تقرير التوظيف الأميركي لشهر فبراير (شباط) فقدان الاقتصاد نحو 92 ألف وظيفة، مما يعكس بوادر ضعف في سوق العمل. كما خفّض المستثمرون والمحللون تدريجياً توقعاتهم بشأن وتيرة خفض الفائدة هذا العام، رغم استمرار دونالد ترمب في الدعوة إلى تقليل تكاليف الاقتراض. ومن المتوقع أن يتولى كيفن وورش، مرشح الرئيس لخلافة باول، منصبه بحلول اجتماع يونيو (حزيران).

وفي ضوء هذه المعطيات، تشير أسواق العقود الآجلة حالياً إلى احتمال تنفيذ خفض واحد فقط للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية خلال العام، في بيئة اقتصادية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.


صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
TT

صدمة «هرمز»: 90 سفينة تعبر «الفلتر الإيراني» وسط حصار ملاحي

سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)
سفينة هندية محملة بغاز البترول المسال لدى وصولها إلى ميناء فادينار في ولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

عبر نحو 90 سفينة، بما في ذلك ناقلات نفط، مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب مع إيران، والتي لا تزال تصدر ملايين البراميل في وقت أُغلق فيه الممر المائي فعلياً، وذلك وفقاً لمنصات بيانات التجارة والملاحة البحرية.

هذا الرقم الضئيل يمثل انكساراً حاداً مقارنة بمعدلات العبور الطبيعية التي كانت تتراوح بين 100 إلى 135 سفينة يومياً قبل الحرب، مما حول المنطقة إلى «قطارة» ملاحية تديرها طهران وفق مصالحها.

العبور المظلم

تشير بيانات «لويدز ليست» (Lloyd’s List Intelligence) إلى أن جزءاً كبيراً من السفن التي عبرت المضيق كانت تتبع نمط «العبور المظلم» للتهرب من الرقابة الدولية، وهي سفن مرتبطة بالشبكة التصديرية الإيرانية. وبحسب منصة «كبلر»، نجحت إيران في تصدير أكثر من 16 مليون برميل من نفطها منذ مطلع مارس (آذار)، مستغلة سيطرتها على المضيق للحفاظ على «شريان تصديرها الخاص» مفتوحاً، بينما تمنع الآخرين، وهو ما وصفه محللون بأنه استراتيجية مزدوجة للربح من ارتفاع الأسعار فوق 100 دولار وضمان تدفقاتها المالية، وفق «أسوشييتد برس».

مضخة نفطية في حقل إنغلوود النفطي بمدينة لوس أنجليس (أ.ف.ب)

خريطة العبور الانتقائي

من جهتها، رسمت شبكة «سي إن بي سي» خريطة للدول التي نجحت في تمرير سفنها كالاتي:

* الصين: تكتيك «الهوية المعلنة» والتمويه

تُعد الصين المستفيد الأكبر؛ حيث عبرت 11 سفينة مرتبطة بها بنجاح. ولجأت السفن إلى تكتيك بث رسائل عبر نظام التعريف التلقائي تعلن فيها صراحة أنها «سفينة صينية» أو أن «الطاقم صيني بالكامل» لتجنب الاستهداف. وأفادت التقارير أن بكين كانت تجري محادثات مع إيران للسماح بمرور ناقلات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال القطري عبر المضيق. وتواصل إيران تصدير ملايين البراميل من النفط الخام إلى الصين منذ بدء الحرب.

ورغم ذلك، سجَّلت التقارير إصابة سفينة صينية بشظايا في 12 مارس أثناء إبحارها نحو جبل علي، مما أدى لتراجع مؤقت في حركة السفن الصينية الكبرى وتعليق شركة «كوسكو» بعض حجوزاتها.

* الهند: ثمار الدبلوماسية المباشرة

أكَّد وزير الخارجية الهندي، سوبراهمانيام جايشانكار، أن المحادثات المباشرة مع طهران أثمرت عن نتائج ملموسة؛ حيث سُمح لناقلات الغاز المسال «شيفاليك» و«ناندا ديفي» بالعبور لتأمين وقود الطهي لملايين الأسر الهندية. كما وصلت الناقلة «شينلونغ» المحملة بخام سعودي إلى مومباي بسلام بعد عبورها المضيق، مما يشير إلى أن إيران تميز بين الوجهات «الصديقة» وغيرها.

* باكستان: أول شحنة «غير إيرانية» مؤكدة

سجَّلت باكستان اختراقاً مهماً يوم الاثنين 16 مارس إذ صبحت الناقلة «كراتشي» التي ترفع العلم الباكستاني أول سفينة تجارية مؤكدة تحمل شحنة «غير إيرانية» (خام من أبوظبي) تعبر المضيق بسلام وهي تبث موقعها بوضوح، مما يشير إلى وجود «تفاهمات مسبقة» بين إسلام آباد وطهران.

* اليونان: اختبار الناقلات الكبرى

كان ملاك السفن اليونانيون مثل شركة «ديناكوم» من بين أوائل المشغلين العالميين الذين اختبروا المسار. وعبرت ناقلة «سميرني» بنجاح الأسبوع الماضي وتوجهت إلى الهند، مما طرح تساؤلات حول ما إذا كان السماح لها بالمرور مرتبطاً بكون الحمولة متجهة للهند الصديقة لإيران، وليس لجهة تابعة للغرب.

* تركيا: العبور المشروط بالمواني الإيرانية

أكَّدت السلطات التركية أن سفينة واحدة على الأقل مملوكة لتركيا سُمح لها بالعبور، ولكن بشرط محدد وهو «التوقف في ميناء إيراني» أولاً. ولا تزال هناك 14 سفينة تركية أخرى عالقة في المنطقة بانتظار تصاريح مماثلة.

وفي المقابل، يواجه الشحن المرتبط بـالولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وغيرها من الدول الغربية استهدافاً عشوائياً أو منعاً كلياً.

واشنطن و«غض الطرف» القسري

في تحول لافت يعكس القلق من انفجار أسعار الطاقة، صرَّح وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، بأن الولايات المتحدة سمحت بمرور الناقلات الإيرانية لتزويد العالم بالنفط. ورغم قصف مواقع عسكرية في جزيرة خرج، أكد الرئيس دونالد ترمب تجنب استهداف البنية التحتية النفطية حتى الآن، لإبقاء الأسعار تحت السيطرة وتجنب أزمة اقتصادية عالمية شاملة.

بحسب «سي إن بي سي»، فإن الهجمات في المنطقة تبدو «عشوائية» ومصممة لنشر الفوضى، مما دفع شركات الشحن الكبرى لتحويل مساراتها. فقد رُصدت قرابة 400 سفينة عالقة في خليج عمان بانتظار تأكيدات للعبور. ومن بين 81 سفينة حاويات كانت متجهة للمنطقة، قامت 43 سفينة بتغيير مسارها بالكامل، بينما اعتمدت البقية على تفريغ حمولاتها في مواني الفجيرة وخورفكان وصحار لنقلها براً عبر الشاحنات، مما تسبب في ازدحام هائل في هذه المواني الثانوية.

يبدو أن مضيق هرمز لم يعد «مغلقاً» بالمعنى المادي المطلق، بل هو «مغلق سياسياً» وفق محللين؛ حيث خلقت إيران ما يشبه «الممر الآمن الفعلي» للسفن التي تختارها أو التي تتفاوض معها دولياً، بينما يظل الممر فخاً للسفن المرتبطة بالولايات المتحدة والمملكة المتحدة وحلفائهما.