كيف غيّر غزو العراق العقيدة العسكرية الأميركية؟

الخارجية الأميركية لـ «الشرق الأوسط» : التزامنا بالمنطقة دائم... والقيادة المركزية: لا نقاتل نيابة عن العراق

جندي أميركي يقوم بدورية في محيط سجن أبوغريب في 17 مايو 2004 (رويترز)
جندي أميركي يقوم بدورية في محيط سجن أبوغريب في 17 مايو 2004 (رويترز)
TT

كيف غيّر غزو العراق العقيدة العسكرية الأميركية؟

جندي أميركي يقوم بدورية في محيط سجن أبوغريب في 17 مايو 2004 (رويترز)
جندي أميركي يقوم بدورية في محيط سجن أبوغريب في 17 مايو 2004 (رويترز)

«قرار رجل واحد قاد إلى غزو وحشي وغير مبرر للعراق... - أقصد أوكرانيا». إدانة مفاجئة، وإن كانت غير مقصودة، جاءت على لسان الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن قبل أشهر قليلة. زلة لسان عابرة، لكنها تعكس أثر حرب مرّ عليها 20 عاماً ولا تزال عواقبها ملموسة اليوم، في العراق والمنطقة والعالم.
غربل فشل الغزو في تحقيق أهدافه المعلنة؛ من «تدمير أسلحة الدمار الشامل» التي لم يوجد لها أثر، و«تحرير شعب العراق» الذي عانى على مدى عقدين شرور الإرهاب والعنف الطائفي، أولويات الولايات المتحدة وطرح أسئلة حول جدوى استمرار وجودها العسكري في منطقة الشرق الأوسط.
وفي حين كانت التدخلات العسكرية في المنطقة تحظى بدعم متفاوت في الداخل الأميركي تحت مظلة الحرب على الإرهاب، أصبحت اليوم محط شكوك؛ بل إن معارضتها أضحت وقوداً لحملات انتخابية جمهورية وديمقراطية على حد السواء.
من باراك أوباما، إلى دونالد ترمب، وصولاً إلى جو بايدن، لم يتردد الرؤساء الأميركيون في الإقرار بـ«الخطأ الاستراتيجي» الذي ارتكبته الولايات المتحدة بغزو العراق.
فكيف أثّر هذا «الخطأ» على العقيدة العسكرية الأميركية في المنطقة منذ انسحاب آخر القوات من العراق عام 2011؟ وهل يحصل انسحاب تدريجي للولايات المتحدة من المنطقة في خضم توجّه بوصلة أولوياتها إلى آسيا، حيث يتصاعد نفوذ العملاق الصيني؟

وجود عسكري مستمر

تراوح الانتشار العسكري الأميركي في العراق منذ 2003، بين 165 ألف جندي أميركي في أوج عملية الغزو إلى قرابة 2500 جندي اليوم.

وبالتوازي مع تذبذب أعداد القوات الأميركية، تغيّر الخطاب الأميركي خلال العقدين الماضيين بشكل جذري. فبعد أن قامت عقيدة بوش العسكرية على الضربات الاستباقية لحماية الأمن القومي الأميركي من التهديدات الخارجية، تؤكد واشنطن اليوم أن وجود قواتها مرهون بموافقة السلطات المحلية وأن انتشارها استشاري بحت، لا قتالي.
تقول الكابتن آبي هاموك، المتحدثة باسم القيادة المركزية الأميركية: إن عملية «العزم الصلب»، التي تشارك فيها قوات أميركية ضمن تحالف من 80 دولة، متواجدة في العراق بدعوة من الحكومة العراقية، وتتمتع بتفويض واضح بموجب القانون الدولي لهزيمة «داعش».
وفي ردّها عما إذا كانت القيادة المركزية نجحت في استعادة ثقة العراق بعد 20 عاماً من قيادتها عملية غزوه، أكّدت هاموك لـ«الشرق الأوسط» أهمية الشراكة والتعاون. وقالت «بالتشاور الكامل مع حكومة العراق، التي تعدّ سيادتها ذات أهمية قصوى، تعمل قوة المهام المشتركة مع الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية والدولية لمساعدة العراق على تحقيق الاستقرار في المناطق المتضررة من الصراع».

جندي أميركي يفتش مدنياً عراقياً جنوب شرقي الفلوجة في 16 نوفمبر 2005 (أ.ف.ب)

وشدّدت هاموك على أن أحد أهم مرتكزات نهج هذا التحالف في العراق هو أنه لا يقاتل نيابة عن العراق، بل إن وجوده المستمر في دور غير قتالي يوفر الدعم، والموارد، والمشورة، والمساعدة؛ بهدف تمكين قوات الأمن العراقية من قيادة المعركة ضد «داعش». وأكدت «لقد أثبت هذا النهج نجاحه، ونحن على ثقة بأنه سيظل فعالاً».
وإلى جانب التعاون الأمني، تؤكّد واشنطن التزامها المستمر للعراق على المستويين السياسي والاقتصادي؛ بهدف «تعزيز الاستقرار والأمن والسيادة». وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: إن اهتمام واشنطن ينصبّ حالياً على توسيع اتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق بما يتجاوز الأمن إلى «علاقة 360 درجة» تحقق نتائج للشعب العراقي. وتابع، أن «رئيس الوزراء محمد شياع السوداني والولايات المتحدة على الصفحة نفسها في كثير من المجالات. فنحن نتفق على الحاجة إلى ضمان هزيمة (داعش) بشكل مستدام، وترسيخ استقلال الطاقة في العراق، ودعم نمو القطاع الخاص، وتحسين الخدمات العامة». كما عدّ توسيع البرامج التعليمية والثقافية، ومكافحة الفساد، وكبح جماح الجماعات المسلحة الخارجة عن سيطرة الحكومة، ومكافحة أزمة المناخ في العراق، هي «أولويات قصوى».

حسابات داخلية

تحوّل الاجتياح الأميركي للعراق وعواقبه إلى قضية جدلية استقطبت الرأي العام الأميركي وغيّرت وجه السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط. وبينما لا يولي الناخب الأميركي اهتماماً كبيراً بالقضايا الخارجية عادة، إلا أن عقيدة واشنطن العسكرية في الشرق الأوسط أصبحت قضية انتخابية بامتياز، ولا سيما في الحملات الانتخابية الرئاسية في 2012 و2016 و2020.
وفي أحدث استطلاع لرأي الأميركيين والمحاربين القدامى، وجد مركز «بيو» أن 62 في المائة في الأميركيين يرون أن خوض حرب العراق كان خاطئاً. وقُتل 4500 جندي أميركي في الغزو، وفق وزارة الدفاع الأميركية، كما سقط أكثر من 100 ألف قتيل مدني عراقي، وفق تقديرات منظمة «ضحايا حرب العراق». وكلّفت الحرب الخزانة الأميركية 801.9 مليار دولار، وفق خدمة أبحاث الكونغرس.

ومع تزايد الغضب الشعبي من «مسلسل الفشل» في الشرق الأوسط، من العراق إلى أفغانستان مروراً بسوريا وليبيا، عمدت إدارات ديمقراطية وجمهورية متتالية إلى البحث عن سبل الانسحاب عسكرياً من المنطقة دون التضحية بمصالحها الاقتصادية والسياسية.
فمنذ إدارة باراك أوباما الأولى وحتى الإدارة الحالية، أكّدت واشنطن رغبتها في تعزيز وجودها بشرق آسيا، في حين اعتبره البعض مؤشراً على انسحابها التدريجي من الشرق الأوسط.

عراقي يلتفت إلى الدخان المتصاعد جراء تفجير خط أنابيب جنوب البصرة في مارس 2004 (إ.ب.أ)

ورغم الدعم الشعبي الواسع للخروج من «مستنقع» الشرق الأوسط، أثار قرار أوباما سحب آخر القوات الأميركية من العراق في عام 2011 استهجاناً جمهورياً لسنوات تلت، وتحفظاً عسكرياً.
وفي مقال بمجلة «فورين بوليسي»، اختصر جيمس تروب، الزميل البارز في مركز التعاون الدولي بنيويورك، الآراء الداعمة لطرح بقاء القوات الأميركية، ولو بأعداد محدودة في العراق؛ بهدف «حماية مصالح» الولايات المتحدة عبر التصدي للنفوذ المتزايد للتنظيمات الإرهابية. وربط تروب موقف الإدارة الديمقراطية في نهاية الحرب التي بدأها بوش برغبة الشعب الأميركي في التركيز على الداخل، مشيراً إلى اعتقاد الكثيرين آنذاك أن الوجود الأميركي «يزيد الوضع سوءاً». واعتبر تروب أن أوباما اعتمد هذا الموقف في كل من العراق وسوريا، مستنتجاً أن «غياب الولايات المتحدة أصبح في الواقع أكثر خطراً من وجودها» في المنطقة.
واستحضر تروب مواقف السياسيين الجمهوريين آنذاك، وفي مقدمهم مايك بنس الذي كان يشغل منصب حاكم ولاية إنديانا. وحمّل بنس إدارة أوباما مسؤولية استقواء تنظيم «داعش» في العراق. كما انتقد فشل هيلاري كلينتون في إعادة التفاوض على اتفاقية الإطار لعمل القوات الأميركية في العراق، و«التي كان من شأنها أن تسمح لبعض القوات القتالية بالبقاء في العراق وتأمين المكاسب التي حققها الجنود الأميركيون».
لكن بنس اعتمد موقفاً مغايراً حيال أفغانستان، مستسلماً على ما يبدو لإرادة قاعدة حزبه. وأصبح بعد سنوات أحد أبرز وجوه إدارة دونالد ترمب الجمهورية التي اعتمدت شعاري «إعادة القوات الأميركية إلى البلاد» وإنهاء «الحروب الأبدية»، في أبرز تجلٍّ لرغبة الولايات المتحدة في الانسحاب العسكري من الشرق الأوسط. ورغم مقاومة شرسة من كبار مستشاريه العسكريين، توصل ترمب إلى اتفاق لسحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان بحلول بداية مايو (أيار) 2021، بعد أشهر من المفاوضات المضنية مع «طالبان». التزام نفّذه خلفه في البيت الأبيض، فيما وُصف بأسوأ عملية انسحاب عسكري في تاريخ الولايات المتحدة.
بيد أن إدارة ترمب لم تقد سياسة صريحة بالانسحاب من الشرق الأوسط، بل خصّص الرئيس الجمهوري أول زيارة خارجية له لحضور 3 قمم سعودية – أميركية، وخليجية – أميركية، وإسلامية - أميركية احتضنتها الرياض في عام 2017، في إشارة واضحة إلى استمرار الالتزام الأميركي بالمنطقة.
كما أن موافقته على تخفيض عدد القوات الأميركية في العراق، والتي كان قد نشرها سلفه في إطار جهود مكافحة «داعش»، جاءت عقب شنّ غارة جوية على محيط مطار العاصمة العراقية بغداد قتلت قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس، في الأسبوع الأول من عام 2020.
وبعد أشهر من الضربة التي أضعفت النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، أعلن خليفة ترمب في البيت الأبيض انتقال القوات الأميركية المتبقية في العراق إلى دور استشاري، وخفّض عدد القوات الأميركية من 5200 في عام 2020 إلى 2500 في يناير (كانون الثاني) 2021.

عقيدة بايدن

في مقابل «نهج الانسحاب» الذي يدعو إليه بعض السياسيين منذ سنوات، والذي يرى البعض أنه فتح المجال لتنامي النفوذ الروسي والصيني في المنطقة، تستمر واشنطن في نشر قرابة 30 ألف جندي في قواعدها بالمنطقة، وترفض فكرة الانسحاب من الشرق الأوسط، مؤكدة أن التزامها بالمنطقة «دائم».
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: إن زيارة الرئيس جو بايدن إلى المنطقة العام الماضي «أكّدت التزامنا الدائم تجاه المنطقة وأهمية علاقاتنا القوية. فقد وضع الرئيس رؤية مبدئية وشاملة لدور أميركا في منطقة الشرق الأوسط، وتم دمجها في استراتيجيتنا للأمن القومي». ورأى المتحدّث، أن هذا الالتزام يرتكز على «انخراطنا الدبلوماسي والاقتصادي والثقافي العميق مع المنطقة».

وفي خطاب ألقاه قبل أسابيع في واشنطن، قال بريت ماكغورك، منسق شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في مجلس الأمن القومي: إن «عقيدة بايدن» في المنطقة ترتكز على 5 محاور وتهدف إلى تعزيز أمن واستقرار المنطقة من خلال الدبلوماسية والردع.
يقوم المبدأ الأول، وفق ماكغورك الذي كان يتحدّث في مركز «أتلانتك كاونسل» في فبراير (شباط) الماضي، على الشراكة. وقال: إن الولايات المتحدة ستدعم الشراكات مع الدول التي تشترك في النظام الدولي القائم على القواعد، وستعزز قدرتها على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية.
أما المبدأ الثاني، فهو الردع. وأوضح المسؤول الأميركي، أن بلاده «لن تسمح بتعريض حرية الملاحة عبر الممرات المائية في الشرق الأوسط للخطر»، بما في ذلك مضيق هرمز وباب المندب، «كما لن تتسامح مع جهود أي دولة للسيطرة على دولة أخرى من خلال التعزيزات العسكرية أو التوغلات أو التهديدات».
المبدأ الثالث في «عقيدة بايدن» يقوم على الدبلوماسية. ويقول ماكغورك «لن نهدف فقط إلى ردع التهديدات التي يتعرض لها الاستقرار الإقليمي، بل سنعمل على تقليل التوترات حيثما أمكننا، وخفض التصعيد وإنهاء النزاعات حيثما أمكن من خلال الدبلوماسية».
المحور الرابع في الاستراتيجية الأميركية الحالية تجاه الشرق الأوسط تعتمد على بناء وتعزيز روابط سياسية واقتصادية وأمنية بين شركاء الولايات المتحدة، مع احترام سيادة كل دولة وخياراتها المستقلة. أما المبدأ الخامس، فيتعلق بتعزيز حقوق الإنسان والقيم المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
وشدد ماكغورك على الجانب العسكري في مبدأ الردع، مستشهداً بأمثلة من العامين الماضيين. وقال: إنه منذ بداية عهد بايدن، عملت الولايات المتحدة عسكرياً ضد تهديدات إيران ووكلائها، موضحاً «لقد عززنا القدرة الرادعة لشركائنا، وأنشأنا شبكات بحرية جديدة ومبتكرة. وفي بعض الأحيان، من خلال التعاون الوثيق، كشفنا وردعنا التهديدات الوشيكة التي تهدد المنطقة، والتي كان من الممكن أن تثير صراعا أوسع نطاقاً».
كما استشهد المسؤول الأميركي، الذي كان مبعوث الرئيسين أوباما وترمب في التحالف الدولي لمكافحة «داعش»، بأكبر تدريب عسكري مشترك قادته الولايات المتحدة في شرق البحر الأبيض المتوسط في يناير كدليل على التزام واشنطن بأمن المنطقة. وقال «نحن نفعل ذلك للبحث عن الصراع، ولكن لتهيئة ظروف الردع والاحتواء والسماح للدبلوماسية بالازدهار».

مصالح ثابتة

بين زيارة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي المفاجئة إلى سوريا وجولة وزير الدفاع لويد أوستن الإقليمية، شهدت المنطقة هذا الشهر حراكاً أميركياً يهدف إلى طمأنة الحلفاء في الشرق الأوسط حيال التزامها بأمنهم. وفي زيارته إلى كل من الأردن ومصر وإسرائيل، أكّد أوستن التزام واشنطن بدعم دفاعات حلفائها في الشرق الأوسط وزيادة وتعزيز الشراكات الاستراتيجية. وشدد وزير الدفاع الأميركي على مفهوم «الردع المتكامل» الذي تنصّ عليه استراتيجية الدفاع الوطني، والذي يقوم على تحقيق وتعميق التكامل الأمني متعدد الأطراف.
ويرى ويليام ويشلر، الزميل البارز في مركز «أتلانتك كاونسل» وأحد أبرز المدافعين عن بقاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أن الإدارة الحالية في «الطريق الصحيحة بعد سلسلة من العثرات».
ويعتقد ويشلر، الذي كان نائباً مساعداً لوزير الدفاع لمكافحة الإرهاب حتى عام 2015، أن السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط كانت ثابتة لا تتغير طيلة عقود، وأن حرب العراق كانت حدثاً «شاذاً» على هذا النهج. يقول ويشلر متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «إذا نظرنا إلى الفترة الممتدة بين خمسينات القرن الماضي وحتى اليوم، سنجد اتساقاً نسبياً في الموقف الأميركي تجاه الشرق الأوسط من حيث التواجد العسكري، باستثناء تناقضات صارخة»، كحرب العراق والانسحاب من أفغانستان.
ورغم هذه التناقضات، يعتبر المسؤول الأميركي السابق أن عقيدة واشنطن العسكرية في الشرق الأوسط ثابتة إلى حد كبير، تماشياً مع المصالح الأميركية في المنطقة. ويقول «قامت الإدارات القليلة السابقة جميعها بمراجعة الموقف العسكري الأميركي في المنطقة، وسط توقعات بأن يؤدي ذلك إلى انسحاب كبير من الشرق الأوسط. إلا أن هذه المراجعات تنتهي في كل مرة دون أي تغيير تقريباً».
والسبب، وفق ويشلر، هو أن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط لم تتغير، وأن الاستراتيجية العسكرية أساسية لحمايتها. ويختصر الباحث الأميركي هذه المصالح في أربع نقاط: ضمان أمن وحرية استخراج الطاقة، تأمين سبل نقل الطاقة إلى الأسواق العالمية، الحفاظ على استقرار المنطقة بأبعاده الاقتصادية والسياسية والأمنية، وتعزيز ازدهار المنطقة. ويقول «كانت هذه المصالح الأميركية في الشرق الأوسط منذ العثور على الطاقة في هذا الجزء من العالم، ولا تزال كذلك».
وبدا ويشلر متفائلاً نسبياً حيال عودة الولايات المتحدة إلى «نهج متوازن» في الشرق الأوسط، مستذكراً تغيّر الموقف الأميركي من شرق آسيا في أعقاب حرب فيتنام. وقال «استغرق الرأي العام الأميركي ما يزيد قليلاً على عِقد من الزمان حتى يتوقف عن الحكم على سياسة بلادهم تجاه شرق آسيا من خلال منظور فيتنام».
وفي انتظار تجاوز الناخب الأميركي تداعيات الأحداث المتوالية منذ 2003، يرى ويشلر، أنه «يتعين على الولايات المتحدة ألا تتخذ أي قرار من شأنه أن يجعل العودة إلى نهج أكثر نموذجية تجاه المنطقة مستحيلاً». ويتابع «يبقى السؤال ما إذا كان قادة المنطقة سيعملون على تشجيع الانسحاب الأميركي من الشرق الأوسط، عبر تعزيز التقرب من روسيا والصين».


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

فصيل يحذر واشنطن من استخدام أجواء العراق لضرب إيران

مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مقاتلون من الفصائل العراقية في جنازة ببغداد لعناصر قُتلوا بضربة أميركية خلال ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

أكد أحد الفصائل العراقية الموالية لإيران، الجمعة، أنه «سيبقى ملتزماً بالحياد» إلا إذا استخدمت الولايات المتحدة الأجواء أو الأراضي العراقية لتنفيذ أي هجمات عسكرية ضد إيران.

وعدّ الفصيل المعروف باسم «أنصار الله الأوفياء»، الذي يقوده حيدر الغراوي، أحد قادة تحالف «الإطار التنسيقي»، أن استخدام الأجواء العراقية لضرب إيران «خرق يستدعي من الفصيل الرد على الولايات المتحدة».

وقال المتحدث باسم الحركة، علي الفتلاوي، إن الحركة ستلتزم الحياد ما دام العراق غير مستخدم منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة، مشيراً إلى أن واشنطن مطالبة بالالتزام بعدم خرق الأجواء العراقية، وفق ما أوردته وكالة «شفق نيوز» المحلية.

وحسب الفتلاوي، فإن أي «انتهاك للسيادة العراقية سيقابله موقف من الحركة»، مبيناً أن طبيعة الرد ستحددها القيادة وفق مقتضيات المرحلة.

وتقول الجماعة التي تسمي نفسها «المقاومة الإسلامية في العراق» إنها رصدت عشرات الاختراقات من الطيران الحربي والاستطلاعي للقوات الأميركية خلال الأيام الماضية.

وأكد الفتلاوي أن الحركة لم تسلّم سلاحها، موضحاً أن الاتفاق يتضمن تنظيم السلاح وحصره خلال المدة الممتدة من سبتمبر (أيلول) 2026 حتى يونيو (حزيران) 2027، وليس سحبه أو تسليمه.

وكانت الحكومة قد أمهلت أساساً الفصائل حتى 30 سبتمبر 2026 لتسليم سلاحها بالتزامن مع انتهاء مهمّة التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، غير أنها تراجعت بعد ذلك، ثم حددت 30 يونيو 2027 موعداً جديداً، في ظلّ استمرار مفاوضاتها مع الفصائل.

وكان رئيس الحكومة، علي الزيدي، قد حذر مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، «قوى الإطار التنسيقي» من مغبة عدم الالتزام بالمواعيد المحددة لحصر السلاح بيد الدولة.

إلى ذلك، تداولت أوساط سياسية عراقية موقفاً أميركياً من الفصائل المسلحة تضمنت تحذيراً من مواصلة دورها في «سرقة موارد الشعب العراقي».

ونسبت تقارير الموقف إلى متحدث أميركي عن «الخارجية» قوله إن «استراتيجية واشنطن تجاه العراق تقوم على دعم سيادته وتعزيز أمنه واستقراره الاقتصادي»، فيما شدد على أن إيران لا يمكن أن تؤدي أي دور في تحقيق هذه الأهداف، متهمة طهران باستغلال الفصائل المسلحة للاستيلاء على موارد الشعب العراقي.


العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

العملية العسكرية الإسرائيلية في الخليل متواصلة لليوم الثامن

جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)
جندي إسرائيلي يشير بيده نحو رجل فلسطيني خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد الأحياء وفي مدينة الخليل بالضفة الغربية قي 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

واصلت إسرائيل، اليوم الجمعة، ولليوم الثامن على التوالي، عمليتها العسكرية في الخليل، بالضفة الغربية، ودفعت بتعزيزات عسكرية كبيرة نحو منطقة دير بحة غرب المدينة، حيث أجبرت عدداً جديداً من العائلات على النزوح القسري من تلك المنطقة.

ونقلت «وكالة الأنباء الفلسطينية» (وفا) عن شهود عيان قولهم إن قوات الاحتلال دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية ترافقها وحدات هندسية من مدخل الخليل الشمالي «فرش الهوى»، باتجاه منطقة دير بحة المغلقة والمحاصرة من قبل الاحتلال منذ الجمعة الماضي.

وفجرت القوات الإسرائيلية منزلي أحمد وحمودة الجعبة، في منطقة دير بحّة المحاصرة بمدينة الخليل، بعد اقتحامهما برفقة خبراء ووحدة الهندسة والمتفجرات، حيث أقدمت على تفخيخ المنزلين اللذين تفصل بينهما عشرات الأمتار، قبل تفجيرهما عن بعد بشكل متزامن، في ظل مواصلة الحصار والإغلاق المفروضين في محيطهما.

الجيش الإسرائيلي يفجر منزل أسير فلسطيني في بلدة بيتا القريبة من نابلس بالضفة الغربية الأربعاء الماضي (إ.ب.أ)

وكان أحمد وحمودة الجعبة قتلا في 23 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي عقب إطلاق جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودين على الحاجز العسكري عند المدخل الشمالي للخليل «فرش الهوى»، الرصاص الحي تجاههما.

إلى ذلك، ارتفع عدد العائلات المتضررة جراء العدوان إلى أكثر من 780 عائلة، منها 537 عائلة هُجّرت قسراً بشكل كامل، فيما يواجه نحو 5000 مواطن ظروفاً من الحصار والتهجير القسري، سواء بإجبارهم على النزوح من منازلهم أو محاصرتهم داخلها، لا سيما في منطقتي الجلدة ودير بحة اللتين تخضعان لحصار وإغلاق مشددَّين منذ يوم الجمعة الماضي.

واعتقلت القوات الإسرائيلية منذ بدء عدوانها، ما يزيد على 115 مواطناً، بينهم فتاة، فيما احتجزت مئات المواطنين وأخضعتهم للتنكيل.

كما تسبب الحصار العسكري المفروض على مناطق في مدينة الخليل ومحيطها في تعطيل التعليم الوجاهي في 66 مدرسة، ما انعكس على 2872 طالباً وطالبة، بينهم 2198 طالباً وطالبة تحت الحصار المباشر، و674 من النازحين قسراً الذين تعذر وصولهم إلى صفوفهم الدراسية.

جندي إسرائيلي يصوّب سلاحه خلال احتجاج نظمه سكان فلسطينيون ضد تهجيرهم من أحد أحياء مدينة الخليل بالضفة الغربية في 27 أكتوبر 2026 (رويترز)

وفي الجانب الاقتصادي، تُقدّر الغرفة التجارية في الخليل الخسائر المباشرة الناجمة عن الإغلاقات في المدينة بما يتراوح بين 10 و12 مليون شيقل يومياً، منها نحو مليون شيقل في قطاع الحليب وحده.

وعلى صعيد الإغاثة وتقديم المساعدات، أعلنت لجنة المساندة والإغاثة المكلفة من محافظ محافظة الخليل، اعتماد بيانات 537 أسرة متضررة تضم 3361 فرداً، بينهم 232 رضيعاً، و1193 طفلاً تتراوح أعمارهم بين سنتين و17 عاماً، و326 من كبار السن، و147 امرأة حاملاً ومرضعاً، و32 شخصاً من ذوي الإعاقة، و213 من أصحاب الأمراض المزمنة.

وقد تلقت اللجنة 531 اتصالاً لطلب المساعدة عبر رقمها المجاني، وجرى التعامل مع الاحتياجات بالتنسيق مع المؤسسات المختصة، إلى جانب تشكيل لجان متخصصة للإغاثة والتسكين والتعليم والشؤون القانونية والإعلامية والمالية.

ورأى رئيس المجلس الوطني الفلسطيني، روحي فتوح، إن «ما تشهده محافظة الخليل من عدوان وحصار متواصل لليوم الثامن، وتهجير ومحاصرة نحو خمسة آلاف مواطن وتدمير عشرات المنازل وعمليات البطش والتنكيل، هو إرهاب دولة تمارسه حكومة اليمين العنصرية ضمن مشروع تطهير عرقي ممنهج يستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وفرض واقع استعماري بالقوة».


«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
TT

«حزب الله» وطاولات الحوار... عشرون عاماً من النقاش حول السلاح بلا اتفاق تنفيذي

طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)
طاولة الحوار الوطني في لبنان (متداولة)

أعادت دعوة الرئيس السابق للحزب «التقدمي الاشتراكي» وليد جنبلاط إلى حوار مع «حزب الله»، يستند إلى حصرية السلاح بيد الدولة، الجدل بشأن جدوى استعادة طاولات الحوار اللبنانية، بعدما بقي سلاح الحزب بنداً خلافياً في معظم محطاتها.

وتتباين المواقف بين اعتباره مدخلاً لتفادي الصدام، ورؤيته وسيلة لتأجيل الحسم، بعد انتقال الملف من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى قرارات حصرية السلاح.

ومنذ طاولة مارس (آذار) 2006 التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي، انتقل بحث سلاح «حزب الله» إلى عنوان «الاستراتيجية الدفاعية»، قبل أن تقطع حرب يوليو (تموز) الجلسات.

وبعد مواجهات مايو (أيار) 2008، التي استعمل الحزب فيها سلاحه في الداخل ضد معارضيه، أفضى اتفاق الدوحة إلى انتخاب رئيس للجمهورية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية حصلت فيها المعارضة على 11 وزيراً من أصل 30 وزيراً، بما أتاح لها تعطيل القرارات التي تتطلب أكثرية الثلثين، مع تعهد بعدم استخدام السلاح لتحقيق مكاسب سياسية، من دون الاتفاق على نزعه.

واستؤنف الحوار برعاية الرئيس اللبناني ميشال سليمان، وصولاً إلى «إعلان بعبدا» في يونيو (حزيران) 2012، الذي دعا إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، لكنه لم يحسم مصير السلاح، ثم انطلق حوار الحزب و«تيار المستقبل» في عين التينة عام 2014 لتخفيف الاحتقان المذهبي، في حين استمر الخلاف على «إعلان بعبدا» حتى لقاء بعبدا عام 2020.

وكلفت الحكومة في أغسطس (آب) 2025 الجيش وضع خطة لحصرية السلاح، ثم حظرت في مارس 2026 أنشطة الحزب العسكرية والأمنية وطالبته بتسليم سلاحه. وفي المقابل، أعلن أمينه العام نعيم قاسم في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) الاستعداد للتعاون في ملف حصرية السلاح، وفق الدستور والقوانين ومن دون إملاءات خارجية، مؤكداً أولوية الانسحاب الإسرائيلي.

 

برّي ونصر الله في دردشة أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ للنائب علي حسن خليل)

الحوارات كرّست اختلال موازين القوى

واعتبر النائب السابق الدكتور فارس سعيد أن «تجارب الحوار الوطني في لبنان أثبتت أن الحزب كان المستفيد الأساسي منها؛ إذ استُخدمت، في رأيه، لتكريس سلاحه ونفوذه على القرار السياسي اللبناني»، مؤكداً أن «العودة إلى طاولة حوار داخلية مع الحزب لم تعد مجدية؛ لأن القرار الفعلي موجود في إيران، وبالتالي فإن أي حوار جدي يجب أن يكون مع طهران، وليس مع (حزب الله) بوصفه مكوّناً سياسياً داخلياً».

وقال سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن «الحوار الوطني اللبناني - اللبناني الذي جاء بعد نحو 15 عاماً من الحرب الأهلية وسقوط 150 ألف ضحية، أفضى إلى تعديل دستوري وعقد اجتماعي وسياسي جديد تمثّل في اتفاق الطائف»، مشدداً على أن «أي حوار حصل بعد اتفاق الطائف كان يجب أن تكون مرجعيته تنفيذ هذا الاتفاق؛ لأنه لا يمكن أن تأتي نتائج حوار لاحق على حساب النتائج التي أرسى عليها (الطائف) النظام السياسي اللبناني».

ورأى أن «(حزب الله)، مستفيداً من موازين قوى إقليمية ودولية معينة، بعد أحداث 7 مايو 2008، عندما وضع يده بالقوة على القرار في لبنان، حاول استبدال اتفاق الدوحة باتفاق الطائف»، موضحاً أن «اتفاق الطائف قام على مبدأ العيش المشترك الإسلامي - المسيحي، في حين جاء اتفاق الدوحة ليكرّس الثلث المعطل وحق (الفيتو) داخل مجلس الوزراء، بما أتاح لفريقٍ تعطيل القرار السياسي».

وأضاف أن «طاولات الحوار التي انعقدت لاحقاً برعاية رئيس الجمهورية آنذاك ميشال سليمان، والتي كان من المفترض أن تشارك فيها أيضاً جهات عربية لكنها لم تشارك، تحوّلت إلى حوارات هدفها تكريس أمر يتناقض مع الدستور واتفاق الطائف، وهو حق فريق لبناني في الاحتفاظ بالسلاح تحت عنوان الدفاع عن لبنان في مواجهة إسرائيل».

ووصف الحوارات اللاحقة، ومنها «إعلان بعبدا»، بأنها «شكلية»، معتبراً أنها «لم تتمكن من تغيير موازين القوى أو إعادة القرار السيادي إلى مؤسسات الدولة». وفي شأن الحوار الثنائي في عين التينة، قال إن «الفكرة التي انطلق منها الحوار كانت تجنيب لبنان تداعيات الاحتقان السني - الشيعي، بعدما أصبحت المنطقة على صفيح ساخن مذهبياً، وكان المطلوب تفادي انتقال هذه المأساة إلى الداخل اللبناني».

وأضاف أن «أي تجربة حوارية جمعت أطرافاً لا تحمل السلاح، مثل (القوات اللبنانية) و(الحزب التقدمي الاشتراكي) و(حركة أمل) و(تيار المستقبل)، مع الفريق الذي يحمل السلاح؛ أي (حزب الله)، كانت في نهاية المطاف لمصلحة الحزب داخل لبنان».

وشدد على أن «أي حوار مع (حزب الله) اليوم، من جانب الجمهورية اللبنانية، يجب أن يكون في حقيقته حواراً بين الجمهورية اللبنانية وإيران، وليس إعادة إنتاج لطاولة حوار داخلية»، معتبراً أن «الحزب لا يملك حرية اتخاذ قرار الحوار؛ لأن قراره موجود في إيران».

 

برّي والحريري وبينهما خليل في البرلمان أثناء الحوار الوطني قبل حرب 2006 (كتاب البرزخ)

من «الاستراتيجية الدفاعية» إلى القرار التنفيذي

رأت الأكاديمية والباحثة السياسية الدكتورة حياة الحريري أن فكرة «الاستراتيجية الدفاعية» التي طُرحت لمناقشة سلاح الحزب تحولت إلى «اللاقرار وعملية شراء الوقت وتأجيل حسم الدولة»، معتبرة أن الخطأ الأساسي كان في إحالة مسألة أمنية تخص الدولة إلى طاولة تجمع قادة الأحزاب والزعامات الطائفية.

وشددت لـ«الشرق الأوسط» على أن «الاستراتيجية الدفاعية تضعها الدولة اللبنانية ومؤسسات الدولة اللبنانية، وليس الأحزاب»، موضحة أن تحديدها يقع ضمن صلاحيات السلطات الدستورية ووزارة الدفاع وقيادة الجيش، وأن مناقشة الأمن القومي بين القوى السياسية بدلاً من المؤسسات المعنية تمثل «عملية لشراء الوقت والتهرب من تحمل المسؤولية».

وقالت إن الحزب «لم يكن لديه أي مشكلة في الحديث عن السلاح، وفي الحديث عن (الاستراتيجية الدفاعية)، بطاولات حوار، بل كان يشجع النقاش ويقدم تصورات تعتبر سلاحه جزءاً أساسياً من أي استراتيجية دفاعية، وتنسق المنظومة الأمنية والعسكرية للدولة معه بما يتوافق مع مصالحه». ورأت أن الوثائق ساعدته على تحسين صورته وإظهار الانفتاح على الدولة؛ لأنه «ما دام هناك اعتراض لفظي فقط لا غير، لم يكن الحوار يشكل مشكلة له».

ولفتت إلى أن «البيانات الوزارية المتعاقبة وفرت للحزب غطاءً سياسياً لسلاحه تحت عنوان (المقاومة)، في حين أن اليوم تجاوزت قرارات حكومة نواف سلام الخط الأحمر في علاقته بالدولة، فالسلطة السياسية أخذت قراراً تنفيذياً ولو أنه لم يطبق، مع ضرورة الفصل بين دلالة القرار وإمكان تنفيذه».

وربطت الحريري ذلك بتصاعد هجوم الحزب على الحكومة واتهامه خصومه بالتعاون مع إسرائيل، قائلة إنه يشترط، بحسب قراءتها، التراجع عن قرارَي الخامس والسابع من أغسطس المتعلقين بحصرية السلاح، وعن قرار حظر نشاطه العسكري، قبل استئناف الحوار.

ورأت أن القبول بتلك الشروط سيعيد الحوار إلى «نقاشات طويلة عن (الاستراتيجية الدفاعية) من دون تقدم عملي»، وانتقدت الاكتفاء بتعابير «(حصر السلاح) و(تجميد السلاح) و(احتواء السلاح) إذا لم تقترن بخطوات تنفيذية». وخلصت إلى أن «الحزب يريد مناقشة دمج سلاحه ضمن منظومة الدولة مع الاحتفاظ بسلطة (حزب الله) على هذا السلاح وبقراره في استخدامه، بدلاً من نقل القرار العسكري بصورة حصرية إلى المؤسسات اللبنانية».