عمليات دعم هائلة لإنقاذ العالم من كارثة مصرفية

بإجمالي مالي يلامس 250 مليار دولار

وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين في شهادتها أمام اللجنة المالية بالكونغرس مساء الخميس (أ.ب)
وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين في شهادتها أمام اللجنة المالية بالكونغرس مساء الخميس (أ.ب)
TT

عمليات دعم هائلة لإنقاذ العالم من كارثة مصرفية

وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين في شهادتها أمام اللجنة المالية بالكونغرس مساء الخميس (أ.ب)
وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين في شهادتها أمام اللجنة المالية بالكونغرس مساء الخميس (أ.ب)

بقروض تلامس 100 مليار دولار، في الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب تسهيلات مصرفية أخرى تفوق 150 مليار دولار، حاولت الجهات المالية الحاكمة بقوة لإنقاذ العالم من تداعي القطاع المصرفي العالمي جراء أزمة ثقة كادت أن تتسبب في «متوالية دومينو» من شأنها أن تسفر عن أزمة مالية عالمية جديدة.
ودعم البنك المركزي السويسري مصرف «كريدي سويس» بقرض بنحو 54 مليار دولار، في حين بلغت قيمة القروض التي منحها الاحتياطي الفيدرالي للبنوك الأميركية بموجب برنامج جديد كُشف النقاب عنه الأحد، نحو 12 مليار دولار، مع تحرك السلطات في واشنطن لتخفيف الضغوط عن النظام المالي في أعقاب انهيار «بنك سيليكون فالي». كما أسهم تمويل تلقاه بنك فيرست ريبابلك الأميركي وبلغت قيمته 30 مليار دولار، في تهدئة مخاوف السوق من انهيار مصرفي وشيك يوم الجمعة.
وضخت بنوك أميركية كبيرة التمويل في بنك فيرست ريبابلك ومقره سان فرانسيسكو مساء الخميس، بعدما هرعت البنوك لإنقاذ المصرف المتعثر الذي صار أحدث المتضررين في أزمة مصرفية آخذة في الاتساع إثر انهيار اثنين من المصارف الأميركية متوسطة الحجم خلال الأسبوع الماضي. ووفقاً لمصدر مطلع، فقد جرت عملية الإنقاذ بتنسيق من كبار المسؤولين بمَن فيهم وزيرة الخزانة جانيت يلين ورئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول والرئيس التنفيذي لـ«جيه بي مورغان تشيس» جيمي ديمون، الذين ناقشوا الحزمة هذا الأسبوع.
وجاءت الحزمة بعد أقل من يوم من حصول «كريدي سويس» على قرض طارئ من البنك المركزي السويسري يصل إلى 54 مليار دولار لتعزيز السيولة. وساعد هذا الدعم في إعادة الهدوء للأسواق العالمية بداية من الخميس بعد أسبوع محتدم لأسهم البنوك.
وأغلق سهم «فيرست ريبابلك» على ارتفاع بـ10 في المائة مساء الخميس على خلفية أنباء الإنقاذ، إلا أنه تراجع 17 في المائة في تداولات ما بعد إغلاق السوق، بعد أن قال البنك إنه سيعلق توزيعات الأرباح وأحجم عن الكشف عن مركزه النقدي ومقدار السيولة الطارئة التي يحتاج إليها.
ويرى المحللون أن السلطات تبدو حريصة على التعامل بسرعة مع المخاطر النظامية، لكنهم قلقون من أن احتمال حدوث أزمة في القطاع المصرفي لا يزال قائماً. ووفقاً لبيان، فإن عدداً من أكبر المصارف الأميركية شارك في عملية الإنقاذ، من بينها «جيه بي مورغان تشيس آند كو»، و«سيتي غروب»، و«بنك أوف أميركا»، و«ويلز فارغو آند كو»، و«غولدمان ساكس»، و«مورغان ستانلي».
ورغم أن الدعم حال دون حدوث انهيار وشيك، فقد شعر المستثمرون بالصدمة إزاء الإفصاحات المتأخرة عن المركز النقدي لـ«فيرست ريبابلك». وأظهرت بيانات يوم الخميس أن البنوك في الولايات المتحدة سعت للحصول على كميات قياسية من السيولة الطارئة من «الاحتياطي الفيدرالي» في الأيام الأخيرة.
وأعلن «الاحتياطي الفيدرالي»، في بيان الخميس، أن المبالغ المستحقة في إطار «برنامج التمويل المؤقت للبنوك» وصلت إلى 11.9 مليار دولار بحلول الأربعاء. وكان الاحتياطي الفيدرالي، بالتعاون مع وزارة الخزانة والمؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع، قد كشف ليل الأحد عن برنامج القروض لتجنيب بنوك أخرى مشكلات السيولة التي دفعت «بنك سيليكون فالي» للانهيار.
ويوفر البرنامج تمويلاً إضافياً «للمساعدة في ضمان قدرة البنوك على تلبية احتياجات جميع المودعين»، كما جاء في بيان الفيدرالي. وأبلغت وزيرة الخزانة جانيت يلين أعضاء مجلس الشيوخ، الخميس، بأن السلطات تحركت بسرعة لحماية المودعين في بنكي «سيليكون فالي» و«سيغنتشر»، الذي انهار أيضاً، بعد أن رأت «خطراً جدياً بحصول عدوى» في القطاع المصرفي.
وانهار «بنك سيليكون فالي»، المقرض الرئيسي للشركات الناشئة في الولايات المتحدة منذ الثمانينات، بعد تهافت مفاجئ على سحب الودائع، ما دفع بالهيئات الناظمة لوضع اليد عليه الجمعة. وأعلنت وزارة الخزانة وبنك الاحتياطي الفيدرالي والمؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع الأحد، أنها ستغطي جميع المودعين في «بنك سيليكون فالي»، بينما قدّم الاحتياطي الفيدرالي أداة إقراض جديدة للمصارف في محاولة لمنع تكرار سيناريو «بنك سيليكون فالي».
وإلى جانب الدعم المباشر بالقروض، أظهرت بيانات من مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن البنوك سعت للحصول على سيولة طارئة بمبالغ قياسية خلال الأيام القليلة الماضية، ما أدى بدوره لتبديد جهود بذلها البنك المركزي على مدار أشهر لتقليص حجم ميزانيته.
وحصلت البنوك حتى يوم الأربعاء على 152.9 مليار دولار، وهو مبلغ مرتفع غير مسبوق، من نافذة الخصم لدى البنك المركزي الأميركي، وهو تسهيل تقليدي يعمل كملاذ أخير. وتجاوز الاقتراض من نافذة الخصم الرقم القياسي السابق البالغ 112 مليار دولار في خريف عام 2008، خلال المرحلة الأسوأ من الأزمة المالية.
ومع أن مبالغ الاقتراض تعد كبيرة، شعر بعض المحللين بالارتياح إزاءها وقالوا إن الأمر يقلص المخاوف من تفاقم الأحداث التي شهدتها الأيام الماضية إلى مستوى يمكن أن يؤدي إلى انهيار الاقتصاد بأكمله.
وقال توماس سيمونز، خبير اقتصاد سوق المال لدى بنك جيفريز الاستثماري: «الأرقام، كما نراها هنا، أكثر اتساقاً مع فكرة أن هذه مجرد مشكلة فردية لدى عدد قليل من البنوك». وأضاف أن جهود الدعم التي تبذلها الحكومة تبدو ناجعة، كما أن حجم المبالغ التي كشف عنها مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الخميس، تشير إلى «أنها ليست مشكلة ضخمة على مستوى النظام».
وأدت زيادة الإقراض الطارئ إلى توقف انكماش ميزانية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بل والنمو بشكل ملحوظ. فبعد أن بلغت ذروة قرب 9 تريليونات دولار في الصيف الماضي، قبل أن يبدأ البنك المركزي اتخاذ إجراءات لتقليل حيازاته من سندات الخزانة والسندات المدعومة بالرهن العقاري، انخفض إجمالي الحيازات إلى 8.39 تريليون دولار في الثامن من مارس (آذار)، قبل أن يرتفع إلى نحو 8.7 تريليون دولار يوم الأربعاء، وهو الأعلى منذ نوفمبر (تشرين الثاني).
وأكدت وزيرة الخزانة الأميركية أمام أعضاء الكونغرس، الخميس، أنّ النظام المصرفي الأميركي لا يزال سليماً على الرغم من قلق الأسواق. وقالت يلين للجنة المالية في مجلس الشيوخ: «تُظهر إجراءات هذا الأسبوع التزامنا الراسخ بضمان بقاء نظامنا المالي قوياً، وأن تظلّ مدّخرات المودعين آمنة». وأضافت، خلال جلسة الاستماع التي تتطرّق إلى المقترحات الأخيرة في ميزانية الرئيس جو بايدن: «يمكنني أن أطمئن أعضاء اللجنة أنّ نظامنا المصرفي سليم». وأضافت يلين: «ستكون هناك نظرة فاحصة إلى ما حصل في المصارف (المتعثرة)، وما الذي سبب هذه المشكلة».


مقالات ذات صلة

أرباح «بلاك روك» تقفز في الربع الأول مدعومة بتدفقات قياسية وقوة رسوم الأداء

الاقتصاد يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

أرباح «بلاك روك» تقفز في الربع الأول مدعومة بتدفقات قياسية وقوة رسوم الأداء

أعلنت شركة «بلاك روك»، يوم الثلاثاء، نمو أرباحها في الربع الأول من العام، مدفوعةً بتدفقات نقدية قوية إلى صناديقها المتداولة في البورصة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد نموذج لبطاقة ائتمان تابعة لـ«ويلز فارغو» أمام شعار البنك (رويترز)

أرباح «ويلز فارغو» تقفز في الربع الأول بدعم من إيرادات الفوائد وطفرة التداول

سجَّلت أرباح «ويلز فارغو» ارتفاعاً خلال الربع الأول، مدفوعة بنمو إيرادات الفوائد، وتعزيز مكاسب التداول في ظل تقلبات الأسواق.

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو )
الاقتصاد كيفن وورش خلال مؤتمر سون للاستثمار في مدينة نيويورك (أرشيفية - رويترز)

وورش يقدم إفصاحاته المالية لمجلس الشيوخ تمهيداً لقيادة «الفيدرالي»

قدّم كيفن وورش، محافظ مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» السابق، والمرشح الذي اختاره الرئيس دونالد ترمب لقيادة البنك المركزي الأميركي، إفصاحاته المالية المطلوبة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ب)

«سيتي غروب» ترفع تصنيف الأسهم الأميركية وتراهن على مرونة الأرباح وريادة التكنولوجيا

رفعت «سيتي غروب» تصنيفها للأسهم الأميركية، لتنضم إلى مجموعة من شركات الوساطة التي تراهن على قوة أرباح الشركات، وجاذبية التقييمات بعد التراجعات الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد امرأة تسير تحت المطر في شارع «وول ستريت» بنيويورك (رويترز)

«وول ستريت»: أرباح الشركات الأميركية في اختبار «صدمة النفط»

تتأهب أسواق الأسهم الأميركية خلال الأسبوع الجاري لاختبار حقيقي مع انطلاق موسم أرباح الربع الأول.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )

أرباح «بلاك روك» تقفز في الربع الأول مدعومة بتدفقات قياسية وقوة رسوم الأداء

يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

أرباح «بلاك روك» تقفز في الربع الأول مدعومة بتدفقات قياسية وقوة رسوم الأداء

يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
يظهر شعار «بلاك روك» خارج مقرها الرئيسي في حي مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

أعلنت شركة «بلاك روك»، الثلاثاء، نمو أرباحها في الربع الأول من العام، مدفوعةً بتدفقات نقدية قوية إلى صناديقها المتداولة في البورصة، إلى جانب ارتفاع إيرادات رسوم الأداء؛ مما انعكس إيجاباً على سهمها الذي صعد بنسبة 2.8 في المائة خلال التداولات التي سبقت افتتاح السوق.

واجتذبت صناديق المؤشرات المتداولة النشطة التابعة للشركة اهتمام المستثمرين الباحثين عن فرص للاستفادة من تباينات السوق عبر منتجات منخفضة التكلفة، في وقتٍ تواصل فيه الضغوط الاقتصادية الكلية الناجمة عن التوترات الجيوسياسية العالمية التأثير على أداء الأسواق، وفق «رويترز».

وسجلت «بلاك روك» صافي تدفقات نقدية داخلة بقيمة 130 مليار دولار خلال الربع الأول، استحوذت صناديق «آي شيرز» المتداولة في البورصة على الحصة الكبرى منها، فيما جذبت أنشطة الأسواق الخاصة تدفقات إضافية بلغت 9 مليارات دولار خلال الفترة نفسها.

وأظهرت الأصول المُدارة لدى الشركة قدراً من المرونة، مدعومةً بهذه التدفقات القوية التي ساعدت أكبر مدير أصول في العالم على التخفيف من أثر تراجعات السوق. وارتفع إجمالي الأصول المُدارة إلى 13.89 تريليون دولار، مقارنةً بـ 11.58 تريليون دولار في الفترة ذاتها من العام الماضي.

ورغم هذا الأداء، فإن أسهم الشركة تراجعت بنسبة 4.4 في المائة منذ بداية عام 2026، متخلفةً عن أداء شركة «ستيت ستريت» الأصغر حجماً، في حين انخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 4.6 في المائة خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام.

نمو رسوم الأداء

كما أسهم توسّع «بلاك روك» بمجال الأسواق الخاصة في تعزيز نتائجها؛ إذ تتيح هذه الاستثمارات تحقيق عوائد أعلى وتفعيل رسوم الأداء حتى في بيئات السوق المتقلبة.

وأتاحت هذه الاستراتيجيات - التي تشمل صناديق المؤشرات المتداولة النشطة والاستثمارات البديلة - للشركة تنويع مصادر دخلها خلال فترات عدم اليقين؛ مما دعم نمو إيراداتها من رسوم الأداء في الربع الأول من عام 2026.

وبلغت رسوم الأداء المرتبطة بالاستشارات الاستثمارية 272 مليون دولار خلال الأشهر الأولى من العام، مقارنةً بـ60 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، مسجلةً قفزة ملحوظة.

وحققت الشركة صافي ربح قدره 2.21 مليار دولار، أو ما يعادل 14.06 دولار للسهم الواحد، خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في 31 مارس (آذار) الماضي، مقارنةً بـ1.51 مليار دولار، أو 9.64 دولار للسهم، في الفترة ذاتها من العام السابق.


«هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

«هرمز» تحت ضغط التأمين... «أقساط الحرب» تتجاوز القوانين الدولية

سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
سفينة شحن بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

بينما تشتعل التوترات العسكرية في مضيق هرمز، تدور في الكواليس حرب من نوع آخر لا تقل خطورة؛ بطلها شركات التأمين التي باتت تتحكم في مصير السفن. ومع قفز تكاليف التأمين إلى مستويات جنونية، يحذِّر مختصون عبر «الشرق الأوسط» من أنَّ العالم أمام «ساعة الحقيقة»؛ فإغلاق الممر المائي لا يهدِّد تدفق النفط فحسب، بل يهدِّد رغيف الخبز في أفقر دول العالم، ويضع القوانين الدولية التي تحمي التجارة تحت اختبار الانهيار.

وكانت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب في مضيق هرمز ارتفعت إلى ما بين 1 في المائة و7.5 في المائة من قيمة السفن، بعد أن كانت أقل من 1 في المائة، وذلك عقب تصاعد الهجمات. وبمعنى آخر، يمكن أن تصل أقساط التأمين لرحلة واحدة كبيرة لناقلة نفط تبلغ قيمتها 100 مليون دولار إلى ما بين مليونَي دولار و9 ملايين دولار، بعد أن كانت تبلغ نحو 250 ألف دولار قبل تصاعد التوترات.

وفي هذا الإطار، قال رئيس مجلس التنفيذيين اللبنانيين، ربيع الأمين، لـ«الشرق الأوسط»: «لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري ضيق لا يتجاوز عرضه 21 ميلاً. بل بات يشبه الرئة الوحيدة التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي. وحين تُهدَّد هذه الرئة، لا يختنق النفط وحده، بل يختنق الغذاء والدواء والأمل معه. وهنا تتحوَّل الجغرافيا إلى قدر».

وتابع: «المشهد مقلق، لا من باب التحليل الأكاديمي البارد، بل لأن تداعياته تطرق أبواب الشركات التي نعمل معها، والأسواق التي نتنفس هواءها يومياً، حين ترتفع أقساط التأمين البحري بين 30 في المائة و120 في المائة في أشهر معدودة». وشدَّد على أنه حين تنسحب شركات التأمين الكبرى كلياً من تغطية السفن التي يتحتم مرورها عبر مضيق هرمز، فهذا لا يعني فقط ارتفاع التكاليف، بل يعني أن منظومة الثقة التجارية برمتها باتت تترنح، على حدّ تعبيره.

خريطة تُظهر مضيق هرمز وبراميل نفط مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد (رويترز)

الأرقام تقول ما لا تقوله الخطب

وقال الأمين: «أكثر من 230 ناقلة نفط محملة تنتظر اليوم وقت مرورها عبر المضيق، دون قدرة على المغادرة. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه (أكبر اضطراب في إمدادات النفط في تاريخ السوق العالمية)». وشرح أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا قفزت أكثر من 70 في المائة، كما ارتفع وقود الطائرات 95 في المائة مما دفع مطارات أوروبية إلى تقنين التزود بالوقود. وبعض التقديرات ترى أن النفط قد يلامس 200 دولار للبرميل إن طال الإغلاق. واستدرك أن ما يقلق أكثر من النفط هو القمح ومنتجات الأسمدة، مبيناً أن منطقة الخليج، ليست فقط خزان الطاقة العالمي، بل هي أيضاً المغذي الأول لحقول العالم، لافتاً إلى أن 35 في المائة من صادرات اليوريا العالمية تعبر هذا المضيق.

وأضاف: «الهند تستورد 70 في المائة من احتياجاتها من هذه المنطقة. وأسعار اليوريا قفزت 26 في المائة لتبلغ 585 دولاراً للطن، في رقم لم يُرَ منذ سنوات. حين يرتفع سعر السماد، يرتفع سعر الخبز. والذي يدفع الفاتورة الأثقل ليس المزارع الأوروبي أو الأميركي، بل الأسرة الفقيرة في أفريقيا وجنوب آسيا، حيث يُقدَّر أن 45 مليون شخص باتوا على حافة انعدام الأمن الغذائي الحاد». وأوضح أن «الأزمات الجيوسياسية لها ثمن يتوزع بشكل غير عادل، بينما المتفاوضون في غرف مغلقة يتجادلون حول مصالح استراتيجية، في وقت تعاني فيه الأمم الفقيرة من ارتفاع أسعار السلع». وشدَّد على ضرورة أن تتعامل قطاعات التأمين والشركات والحكومات مع هذا الواقع، لا بمنطق «الاستجابة للأزمة»، بل بمنطق «استباق الكارثة»، مؤكداً الحاجة إلى «منظومة تأمين إقليمية مرنة، وآليات تمويل طارئة، وقنوات حوار تُقدِّم الأمن الغذائي والطاقوي على أي حسابات أخرى؛ لأنَّ الاستقرار الاقتصادي لا يُبنى بعد الكارثة، بل يُبنى قبلها».

اختبار شرعية النظام الدولي

من جهته، قال مدير «مركز فيجن للدراسات الاستراتيجية»، الدكتور سعيد سلام، لـ«الشرق الأوسط»: «إن أزمة مضيق هرمز الراهنة لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحوَّلت إلى اختبار لشرعية النظام الدولي، حيث باتت الحسابات الدقيقة لشركات التأمين العالمي هي المحرِّك الفعلي لتدفقات التجارة، متجاوزةً في أثرها القوانين والاتفاقات الدولية». ووفق سلام، فإنَّ التصعيد العسكري الذي بدأ في أواخر فبراير (شباط) الماضي، وما تبعه من إغلاق إيران المضيق وشنها هجمات على 19 - 20 سفينة تجارية لم تلتزم بالشروط الإيرانية للعبور، أمور أدت إلى خلق حالة من «الإغلاق الاقتصادي» الشامل.

ولفت إلى أنَّ شركات التأمين رفعت التكاليف خوفاً من المخاطر غير المسبوقة، إلى مستويات جعلت الملاحة في مضيق هرمز غير مجدية تجارياً؛ ما دفع الناقلات للبحث عن مسارات بديلة طويلة ومكلفة، بينما تحاول القوى الكبرى والجهات الدولية ضمان استمرار الإمدادات عبر تدخلات استثنائية لم تنجح حتى الآن في استعادة الثقة بالمسار الملاحي. وشدَّد سلام على أنَّ هذا الواقع يُمثِّل تقويضاً لمنظومة القانون البحري التي تأسَّست منذ عام 1982، حيث تبرز فجوة واسعة بين الحق القانوني في «المرور عبر المضائق» وواقع التهديدات التي تفرضها طهران، في محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في المنطقة. وأوضح أنَّ انخراط الدول العظمى في تقديم ضمانات حكومية للسفن يُعقِّد المشهد، حيث يضفي صبغةً سياسيةً مباشرةً على الشحن التجاري؛ ما يجعل هذه السفن أهدافاً في نزاعات وصراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل، وهو ما ينذر بتفتيت النظام البحري العالمي إلى مناطق نفوذ متباينة يحكمها منطق القوة والتهديد بدلاً من حرية التجارة.

على الجانب الآخر، فإنَّ التنافس بين القوى الدولية، وفق سلام، انتقل إلى الفضاء التأميني والتقني، فبينما تحاول المنظومة الغربية إدارة المخاطر بتكاليف باهظة، بدأت الصين في تقديم ضمانات موازية للسفن المرتبطة بها، ما يمهِّد لانقسام العالم إلى معسكرات تأمينية، كل منها يسير وفق أجندة جيوسياسية خاصة.

سفينة في مضيق هرمز قبالة سواحل محافظة مسندم العمانية (رويترز)

الجبهة الأكثر خطورة

وأضاف سلام إلى قتامةِ المشهد، مسألةَ التهديد السيبراني الذي أصبح برأيه يمثل الجبهة الأكثر خطورة، حيث لم تعد الألغام البحرية هي العائق الوحيد، بل أصبحت الأنظمة الرقمية لإدارة الموانئ والتحكم في السفن عرضةً لاختراقات تعطِّل السلاسل العالمية للحظات، وهو ما لا توفره عقود التأمين التقليدية. وأكد أنَّ الأثر الأعمق لهذه الأزمة يكمن في تداخلها مع الأمن الغذائي العالمي، مبيناً أنَّ الاقتصاد العالمي يعتمد على غاز الخليج لإنتاج الأسمدة، وأي تعطُّل في هذا المسار يرفع أسعار الغذاء، ويقلص الإنتاج الزراعي في الدول النامية؛ ما يخلق ضغوطاً اجتماعية واقتصادية قد تفجِّر موجات هجرة جماعية تضغط على استقرار الدول الغنية. وعليه والحديث لسلام، فإن فشل مفاوضات إسلام آباد يؤكد «أننا بصدد مرحلة طويلة من الغموض»، حيث لن تكتفي الشركات بالتحوُّط المالي، بل ستكون مضطرةً لتبني استراتيجيات هجينة تجمع بين التأمين، والأمن السيبراني، والتحالفات الاستراتيجية لتجاوز هذه المخاطر.

وتابع: «إنَّ عهد الملاحة الآمنة والمكفولة دولياً قد ولَّى، والعالم الآن أمام واقع جديد يفرض فيه التهديد نفسه بوصفه قاعدةً للتعامل في المضيق. فالشركات التي ستنجو في هذا المشهد هي التي تمتلك مرونةً فائقةً وقدرةً استباقيةً على قراءة المخاطر قبل وقوعها، بينما يبقى الانتظار السلبي مقامرةً تكلِّف النظام العالمي بأكمله ركوداً تضخمياً لا مفر منه، في وقت بات فيه تأمين المسار هو المعيار الوحيد لضمان استمرارية الإنتاج والنمو في عالم لا يعترف بضعف المترددين».


أميركا تتوقع ذروة أسعار النفط خلال أسابيع

حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
TT

أميركا تتوقع ذروة أسعار النفط خلال أسابيع

حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)
حفارة نفط تعمل في حقل بتكساس (رويترز)

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، إن من المرجح أن تصل أسعار النفط إلى ذروتها «خلال الأسابيع القليلة المقبلة» بمجرد استئناف حركة السفن عبر مضيق هرمز، قبل أن تعود لمعدلاتها الطبيعية، مع استقرار حركة الملاحة في المضيق.

وتحوم أسعار النفط الفورية حالياً حول 150 دولاراً للبرميل، بينما تتداول العقود الآجلة عند 100 دولار للبرميل.

وقال رايت خلال منتدى «سيمافور» للاقتصاد العالمي في واشنطن، إن من المتوقع أن تستمر الأسعار في الارتفاع حتى تستأنف حركة السفن «بشكل ملموس» عبر المضيق. وكان قد ذكر في تعليقات سابقة أن من المرجح أن تنخفض أسعار النفط قريباً.

وأضاف رايت: «سنشهد ارتفاعاً في أسعار الطاقة، وقد تواصل الارتفاع حتى نرى حركة ملاحية ملموسة عبر مضيق هرمز... ومن المرجح أن يصل سعر النفط إلى ذروته خلال ذلك الوقت. وقد يحدث ذلك في غضون الأسابيع القليلة المقبلة».

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، إن أسعار النفط والبنزين يُحتمل أن تظل مرتفعة حتى انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، في اعتراف نادر بالتداعيات السياسية المحتملة لقراره مهاجمة إيران قبل 6 أسابيع.