جون ستونز «الرائع» يثبت أنه قادر على تطبيق رؤية غوارديولا

الإصابة أثرت كثيراً على مستوى مدافع سيتي لكنّ أداءه المثالي أمام لايبزيغ يعكس قدراته الحقيقية

ستونز قدم المستويات التي كان غوارديولا يتمناها من اللاعب قبل سبع سنوات (أ.ب)
ستونز قدم المستويات التي كان غوارديولا يتمناها من اللاعب قبل سبع سنوات (أ.ب)
TT

جون ستونز «الرائع» يثبت أنه قادر على تطبيق رؤية غوارديولا

ستونز قدم المستويات التي كان غوارديولا يتمناها من اللاعب قبل سبع سنوات (أ.ب)
ستونز قدم المستويات التي كان غوارديولا يتمناها من اللاعب قبل سبع سنوات (أ.ب)

على مدار 64 دقيقة من المباراة التي سحق فيها مانشستر سيتي نظيره الألماني لايبزيغ بسباعية نظيفة في دور الستة عشر لدوري أبطال أوروبا، كان جون ستونز هو محور الأداء للنادي الإنجليزي، سواء في خط الدفاع أو حتى في خط الوسط. وتلقى ستونز أثناء خروجه من الملعب تحية حارة من جماهير مانشستر سيتي على ملعب الاتحاد، بعدما قدم أداء ذكّر الجميع بالمستويات الاستثنائية التي جعلت جوسيب غوارديولا يضعه على رأس قائمة أولوياته للتعاقدات الجديدة في صيف عام 2016. لقد تلاعب مانشستر سيتي بلايبزيغ تماماً وأمطر شباكه بسبعة أهداف، من بينها خمسة أهداف للنجم النرويجي إيرلينغ هالاند، الذي احتل عناوين الصحف، كما تألق كيفن دي بروين وكان يمثل تهديداً متواصلاً على مرمى النادي الألماني، وقدم ستونز أداء قريباً مما يقدمه نجم خط الوسط رودري في نصف الملعب، وتمكن ببراعة وسلاسة من ربط خط الوسط بالهجوم كما لو كان يقوم بنفس الدور الذي يجب أن يقوم به رودري.
ومنذ انطلاق صافرة البداية، ترك ستونز مركز الظهير الأيمن ودخل إلى عمق الملعب وكان يمرر الكرة ويستقبلها ببراعة شديدة، ويخلق مساحات لزملائه بالفريق، ويتسبب في حالة من الارتباك في صفوف لايبزيغ من خلال إخراج لاعبي الفريق الألماني من مراكزهم، كما كان بمثابة اللاعب الإضافي الذي منح مانشستر سيتي التفوق والاستحواذ في منتصف الملعب. وكان اللاعب البالغ من العمر 28 عاماً يتقدم إلى خط الوسط ويدخل إلى عمق الملعب ويمرر الكرات إلى إلكاي غوندوغان وجاك غريليش ودي بروين وباقي زملائه، وبعد ذلك كان يعود إلى الخلف لمساعدة خط الدفاع ضد أي هجمات أو خطورة للفريق الألماني.
لقد قدم ستونز المستويات التي كان غوارديولا يتمناها من اللاعب عندما كان يريد التعاقد معه قبل سبع سنوات. فبينما كان المدير الفني الإسباني لا يزال يتولى القيادة الفنية لبايرن ميونيخ، عرض على المدير التنفيذي للنادي مقاطع فيديو على موقع يوتيوب لستونز، الذي كان يلعب في إيفرتون آنذاك، وأبلغ الحاضرين في منزله في ألمانيا بأن ستونز سيكون عنصراً أساسياً في خططه مع النادي البافاري. وأظهرت مقاطع الفيديو لاعباً يبلغ من العمر 21 عاماً لديه القدرة على الانطلاق من الخلف للأمام بالكرة بكل سهولة، كما يمتلك القدرة على قراءة المباريات واتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب تماماً. ثم انتقل ستونز إلى مانشستر سيتي مقابل 47.5 مليون جنيه إسترليني، لكنه غاب عن الملاعب لفترات طويلة بسبب الإصابات، ولم يكن يقدم مستويات ثابتة، بل ولمّح غوارديولا إلى وجود بعض المشكلات في الحياة الخاصة للاعب واعترف قبل ثلاث سنوات بأن اللاعب الإنجليزي الدولي قد يرحل عن مانشستر سيتي، بعد أن أكد سابقاً أنه طالما «أنا المدير الفني فإن ستونز سيستمر مع النادي».
وهذا هو الموسم السابع لستونز مع مانشستر سيتي، لكنه لم يلعب سوى 136 مباراة في الدوري الإنجليزي الممتاز. وكانت مباراة لايبزيغ يوم الثلاثاء الماضي هي الثانية لستونز منذ تعافيه من الإصابة الأخيرة – إصابة في أوتار الركبة تعرض لها في المباراة التي فاز فيها مانشستر سيتي على آرسنال في كأس الاتحاد الإنجليزي في يناير (كانون الثاني). وتسببت هذه الإصابة في خروجه من الملعب في الدقيقة 49، وقال غوارديولا بعد نهاية المباراة: «لم يكن مستعداً، وعندما لا تكون مستعداً فسوف تصاب». وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، أشار المدير الفني إلى «مشكلات شخصية» في حياة ستونز، بعد أن عاد اللاعب للتشكيلة الأساسية للفريق ليكون الشريك الدفاعي المنتظم لروبن دياز. ويمكن القول إن موسم 2020 - 2021 كان الأفضل لستونز مع مانشستر سيتي، الذي حصل على لقب الدوري الإنجليزي الممتاز في ذلك الموسم، كما اختاره غوارديولا في التشكيلة الأساسية للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا التي خسرها أمام تشيلسي بهدف دون رد. وعاد ستونز للتشكيلة الأساسية لمانشستر سيتي بعد عام من التصريحات التي قال فيها غوارديولا إن ستونز قد يرحل قريباً عن النادي. وقال المدير الفني الإسباني: «سنتحدث في نهاية الموسم عما سيحدث». لم يرحل ستونز، لكنه فقد مكانه في التشكيلة الأساسية للفريق مرة أخرى بسبب الإصابات المتتالية وتراجع مستواه. وبعد الأداء الرائع الذي قدمه اللاعب أمام لايبزيغ يوم الثلاثاء الماضي، فإن السؤال الذي يشغل بال الجميع الآن هو: ما الفصل التالي في المسيرة المتقلبة لهذا اللاعب مع مانشستر سيتي؟
قد يقول غوارديولا إن الأمر سيتوقف فقط على ستونز وما يقدمه داخل المستطيل الأخضر، وأنه، وكما هو الحال مع جميع لاعبي الفريق، يتعين على ستونز أن يبذل قصارى جهده من أجل ضمان مكان له في التشكيلة الأساسية، كما حدث مع جاك غريليش الذي كان لاعباً احتياطياً ثم نجح في دخول التشكيلة الأساسية بفضل العمل الكبير الذي يقوم به. لكن الحقيقة أنه لا يمكن لأي شخص أن يتنبأ بما سيحدث، خصوصاً في ظل معاناة اللاعب المستمرة من الإصابات التي تؤثر بالسلب على مستواه. ومع ذلك، كان الأداء القوي الذي قدمه اللاعب أمام لايبزيغ بمثابة رسالة واضحة بأن هذا اللاعب قادر على تنفيذ المهام التي يطلبها منه غوارديولا. لقد أظهر ستونز أنه عندما يكون في أفضل حالاته فإنه يمتلك القدرات التي تجعله اللاعب المثالي الذي كان غوارديولا يسعى جاهداً للتعاقد معه عندما كان يتولى قيادة بايرن ميونيخ.
وعندما سُئل ستونز عما إذا كان يرغب في إنهاء مسيرته مع مانشستر سيتي، رد قائلاً: «هل يمكنني القيام بذلك؟ ما زلت في الثامنة والعشرين من عمري، لكن نعم أحب هذا تماماً. أحب اللعب لأطول فترة ممكنة وأشعر حقاً بأنني في منزلي. أنا أحب كل شيء هنا، الأشخاص الذين أراهم يوماً بعد يوم والمشجعين وزملائي في الفريق، ولديهم هنا أفضل ذكرياتي في كرة القدم».
لكن يجب أن يعرف ستونز وغيره أنه لا يمكن لأي لاعب أن يضمن مشاركته في التشكيلة الأساسية لمانشستر سيتي تحت قيادة غوارديولا، وقد رأينا ذلك مع لاعبين بارزين مثل كايل ووكر، الذي ظل حبيساً لمقاعد البدلاء أمام لايبزيغ، وروبن دياز، وإيمريك لابورت، وجاك غريليش، وكيفين دي بروين، وفيل فودين، ورياض محرز، وعدد لا يحصى من اللاعبين الآخرين. وفي حقبة غوارديولا التي شهدت نجاحات كبيرة، يتعين على أي لاعب متعطش للفوز بالبطولات والألقاب أن يبذل كل ما في وسعه حتى لا يكون لاعباً غير مرغوب فيه ويتم عرضه للبيع في نهاية المطاف. لقد أظهر ستونز في مواجهة مهمة في دوري أبطال أوروبا أنه قادر على مواصلة التحسن والتطور، فهل سيواصل تقديم هذه المستويات القوية، أم أن الإصابات وأموراً أخرى سوف تعوق مسيرته مع مانشستر سيتي؟


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.