لندن.. بين القصر و«كلاريدجز»

لندن.. بين القصر و«كلاريدجز»

الثلاثاء - 19 شوال 1436 هـ - 04 أغسطس 2015 مـ
مبنى فندق كلاريدجز العريق في لندن، روعة تصاميم الـ«آرت ديكو» شراكة فريدة ما بين بيربيري وكلاريدجز، جناح «بيانو» من تصميم ديان فون فورتسنبورغ، الغرفة الرئيسية في جناح «بيانو» من تصميم دان فون فورستينبورغ

يطلق على فندق «كلاريدجز» التاريخي في لندن لقب Annex To Buckingham Palace «البيت الملحق بقصر باكينغهام» والسبب ليس فقط بسبب الضخامة والتصميم الإنجليزي العريق، إنما بسبب رد الشخصيات السياسية والرؤساء الدعوات الملكية من خلال إقامة المآدب الرسمية في الفندق، ومن خلال اختيارهم هذا العنوان الواقع في قلب مايفير للإقامة خلال وجودهم في العاصمة البريطانية، أثناء مهماتهم الرسمية.
«كلاريدجز» اسم له وقعه على السمع وله هيبته، مبناه ضخم يقع على زاوية تتقاطع عندها أجمل شوارع لندن حيث تقطن النخبة، جار شارع «نيوبوند ستريت» الذي يضم أهم الماركات العالمية وشارع أوكسفورد ومحلات سيلفريدجز، وعلى مسافة قريبة جدا تصل منه إلى حديقة هايد بارك ومنها إلى قصر باكينغهام، فهو عنوان كامل ومتكامل لا ينقصه إلا زيارتك.
بمجرد أن تدخل الباب الرئيسي الدوار بمزايا «آرت ديكو»، تشعر بالرهبة، البهو مفتوح وترى في عمقه صالة «الفواييه والقراءة» حيث يقدم الشاي الإنجليزي الشهير ووجبات الفطور وحيث تعقد الاجتماعات.
البهو كان في السابق مدخلا تصل إليه الأحصنة والعربات، ولا تزال هناك بعض القطع الأثرية مثل مصابيح الإنارة وغيرها التي بقيت على حالها منذ أن اشترى السيد وليم كلاريدج وزوجته المبنى عام 1854 ليتحول إلى فندق من الطراز الأول، وحصل على أول وسام شرف ملكي عام 1860 عندما قامت الملكة فيكتوريا بزيارته لرؤية صديقتها يوجيني إمبراطورة فرنسا. ومنذ ذلك كرت السبحة، وأصبح «كلاريدجز» عنوانا للملوك والأمراء وعظماء القرن الثامن عشر، وخلال الحرب العالمية الثانية، أصبح الفندق ملاذا ومأوى للملوك ورؤساء البلاد المنفيين، ومن أشهر القصص في تلك الفترة هي عندما أعلن ونستون تشرشل الجناح 212 أرضا يوغوسلافية ليوم واحد، بعدما وضعت حفنة من التراب الذي أتي به من يوغوسلافيا تحت السرير الذي ولد عليه ولي عهد يوغوسلافيا ألكسندر الثاني، وبالتالي يكون قد ولد على تراب أرضه وليس على أرض إنجليزية.
القصص التاريخية التي لا تخلو من الدعابة المرتبطة بالفندق كثيرة، ومن أشهرها عندما اتصل أحد الدبلوماسيين بالفندق لتهنئة الأميرة إليزابيث (الملكة إليزابيث الثانية اليوم) بزواجها عام 1947، وطلب التحدث إلى الملك، وكان جواب الفندق: «أي واحد منهم؟»، بالإشارة إلى كثرة الملوك الذين كانوا بالفندق في تلك الفترة.
أكثر من 150 عامًا مرت على هذا العنوان، الذي شهد تغيرا في ملكيته على مر السنين، إذ اشتراه في عام 1893 ريتشارد دويلي كارت الذي كان يملك فندق «ذا سافوي» في لندن، ولكن تبدل الملكية لم يؤثر على الفندق الذي حافظ على كل ما يجعله من أهم وأعرق عناوين الإقامة في لندن.


* البهو والزهور
البهو الرئيسي هو أشبه بحديقة غناءة، كل ما فيه يشهق بفترة الـ«آرت ديكو» الجميلة، ومنه تفوح رائحة الزهور في حاويات عملاقة يتناغم فيها الزنبق مع الزهور البيضاء في باقات جميلة تتناسب مع لون الأرضية البيضاء المقلمة على شكل مربعات بالأسود، ومرايا ضخمة تعكس روعة الأسقف العالية وجمال السلم الحلزوني إلى الجهة اليمنى من المدخل. ما يميز البهو هو أنه بمجرد الدخول إليه تعرف أنك في لندن؛ فكل ما فيه إنجليزي، مثل رائحة الشاي، وغرفة «البودرة» المخصصة للسيدات، وزي موظفي الاستقبال التقليدي.


* رجل المصعد
«كلاريدجز» يضم مهنة لا توجد في أي مكان آخر في لندن، وهي مهنة رجل المصعد الكهربائي، ومهمته فتح باب المصعد الذي يضم مقعدا وثيرا بداخله، فالدلال يبدأ من المصعد، إذا صح التعبير، فلن تكون بحاجة للوقوف ولا حتى لضغط الزر، فذلك الرجل الأنيق الذي يرتدي الزي الموحد لموظفي الاستقبال في الفندق يتولى المهمة، ويقوم بإيصالك إلى الطابق الذي تريده.


* «كلاريدجز» والأزياء
عندما أعيد افتتاح الفندق عام 1898 بعد إعادة بناء المبنى المؤلف من سبعة طبقات وإضافة عدد من الغرف والأجنحة إليه، تم التعاقد مع سي دبليو ستيفنز الشهير بتصميم مبنى هارودس لتصميم الفندق بحلته التي نراها اليوم، وعلى مر السنين دخلت دور أزياء ومصممون آخرون على الخط ليزيدوا من أبهة الفندق، فتم التعاقد مع المصممة ديان فون فورستينبورغ لتصميم بعض غرف وأجنحة الفندق التي حافظت فيها المصممة على مزايا الـ«آرت ديكو» مع إضافة لمساتها الخاصة من خلال وضع صور فوتوغرافية التقطها خلال أسفارها إلى بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا وأوروبا، واستطاعت فون فورستينبورغ مزج القديم بالجديد فكانت النتيجة روعة في التصميم، لا سيما في أجنحتها التي شددت فيها على العملية والرقي بالوقت نفسه؛ فغرفة النوم أشبه بقصص الخيال، سرير ملفوف بستائر وسقف خشبي وأرائك مختلفة الألوان تغازل بعضها البعض، وبيانو يتوسط غرفة الجلوس، وستائر تغطي النوافذ العملاقة، شاشات مسطحة في جميع الحمامات وشاشة مسطحة تخرج من فجوتها في نهاية السرير، في محاولة لعدم تعدي التكنولوجيا على الأناقة العراقة.
والمفاجأة الكبرى تكمن في الخزائن غرف النوم، حيث تجد معاطف «بيربيري» الإنجليزية بانتظارك بعدما تم التعامل والتعاقد مع دار الأزياء التي تقدم المعاطف لتكون جاهزة لاستعمال النزلاء طيلة فترة إقامتهم في الفندق، فهي جميلة وأنيقة ومضادة للماء، ووضعت لافتة صغيرة عليها تعلمك بأنه من الممكن الاحتفاظ بها بعد انتهاء فترة الإقامة في الفندق لقاء مبلغ 1085 جنيها إسترلينيا للمعطف الواحد. وهذه ليست الخدمة الوحيدة التي توفرها «بيربيري» لزبائن الفندق، إنما تقدم الدار لهم فرصة التسوق الخاص وتأمين كل ما يرغب به الضيف من قطع خاصة من دار الأزياء، وتعتبر هذه الشراكة هي الأولى من نوعها في فنادق لندن.


* الشاي والتراث
عندما تذكر «كلاريدجز» يأتي إلى ذهنك الشاي لدرجة أنك تستطيع أن تشتم رائحته، والسبب هو أن الشاي الإنجليزي الذي يقدم فترة بعد الظهر في الفندق يعتبر من أشهر ما يقدم في الفندق وفي لندن، ويقول الطاهي التنفيذي في «كلاريدجز» مارتن نايل إن الشاي الإنجليزي في الفندق هو تراث بحد ذاته، وأضاف: «كلاريدجز استطاع أن يرفع سقف المستوى العالي لتقديم الشاي التقليدي من خلال الاهتمام بتفاصيل الضيافة والطعام».


* جولة ما وراء الكواليس
ومن أجمل ما قمنا به خلال إقامتنا في الفندق، جولة خاصة في أروقة المطابخ التي تحتل الطابق السفلي، المشهد هو أشبه بخلية نحل تعمل بنظام شديد، زيارتنا تزامنت مع فترة تقديم الشاي بعد الظهر فكان التركيز على تحضير الساندويتشات والحلويات المنمقة حيث يتم تحضير 200 قطعة حلوى من كل نوع من الحلوى المتوفرة، التي تقوم أنامل العاملين بتحضيرها بعناية فائقة، وعندما ذكر الطاهي التنفيذي نايل مسألة التشديد على التفاصيل فلم يكن يبالغ، حيث أخذنا إلى ركن أشبه بخزانة بواجهة زجاجية تزرع بداخلها مختلف أنواع النباتات التي تستعمل في الطهي، والفكرة هي أن تكون تلك النباتات متوفرة في أي وقت من الأوقات، وبذلك يكون الفندق على دراية بمصدرها وبنوعيتها. وشاهدنا كيف تتم التحضيرات لفترة الطعام التالية، وكيف يبدأ التحضير للفطور عند منتصف الليل، عملية منظمة لا تنتهي.
ومن أجمل ما يمكن أن تقوم به في «كلاريدجز»، وهذا الأمر يعلن على صفحات الصحيفة هنا ولأول مرة هو الاحتفال بمناسبة خاصة في المطبخ، لا سيما إذا كانت المناسبة هي احتفال بعيد ميلاد أحدهم، فمن الممكن مفاجأة شخص عزيز من خلال تقديم فرصة الطهي وتحضير الحلويات مع أهم الطهاة والاطلاع أيضًا على تفاصيل خدمة توصيل الأكل إلى الغرف.


* الخادم الخاص
«الباتلر» خدمة تقدمها الفنادق الراقية، وفي «كلاريدجز» يكون الخادم الخاص حاضرا في أي وقت ليلا ونهارا لتقديم المساعدة للضيف من توضيب الأمتعة إلى تعليق الملابس في الخزائن إلى شراء ما يحتاجه الضيف إلى طلب المأكولات ووضعها على طاولة الطعام في الغرفة أو الجناح.


* المركز الصحي والسبا


يضم الفندق غرفة مخصصة للرياضة، بالإضافة إلى سبا في الطابق السادس، وتتوفر أيضًا خدمة المدرب الخاص والعلاجات، والمركز الرياضي مجهز بأدوات عالية التقنية «تكنو جيم».


تجول وتسوق
في الفترة الصيفية الحالية، تنتصب عجلة عملاقة تشبه إلى حد كبير عين لندن، فهي العجلة موجودة عند مدخل «إدجوير رود» المفضل لدى كثيرين من الزوار العرب، وتحديدا في ماربل ارتش، تستغرق الجولة نحو 15 دقيقة تتمتع خلالها برؤية أهم معالم لندن من غربها إلى شرقها، وتظهر في الأفق أبنية شهيرة مثل «الشارد» و«غيركن».. وهناك تسجيل يعرفك على أشياء لم تكن تعرفها من قبل عن لندن.


* العجلة متوفرة طيلة فترة الصيف
من هذه النقطة يمكنك الانطلاق في رحلة مشي مريحة في حدائق «هايد بارك» المقابلة، ويمكن تأجير دراجة هوائية (يجدر بك التسجيل المسبق على الإنترنت)، وإذا كنت من محبي التسوق، فشارع أكسفورد الشهير هو على مسافة قريبة جدا حيث تجد محلات شهيرة مثل «سيلفريدجز»، وإذا كنت تنوي إنفاق مبالغ طائلة في التسوق بهدف إنعاش الاقتصاد البريطاني، أكمل رحلة المشي في حدائق هايد بارك لتصل إلى شارع «نايتسبريدج» للوصول إلى متاجر «هارودس» و«هارفي نيكولز»، بالإضافة إلى عدد من محلات «الهاي ستريت» مثل «زارا» وغيرها بالمستوى نفسه.


اختيارات المحرر

فيديو