السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي

جامعة شيكاغو تصدر كتاباً عن تطوره ومستقبله

السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي
TT

السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي

السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي

عن جامعة شيكاغو ضمن سلسلة «النظرية وتفسير السرد»، التي يشرف عليها جيمس فيلان وكاترا بيرام وفاي هالبرنو، صدر كتاب «القصة الرقمية واللاطبيعية: نظرية السرديات العابرة للميديا منهجا وتحليلا» لاسترد انسلين وأليس بيل. والكتاب يتألف من خمسة فصول مع مقدمة وخاتمة، ويقع في 218 صفحة.
وفيه سعى المؤلفان إلى تحقيق أغراض تصب في صالح علم السرد ما بعد الكلاسيكي من خلال دراسة اللاطبيعية في السرد كأحداث مستحيلة الحصول بشخصيات غير آدمية أو من دونها، تُعرض أمام المتلقي عبر وسائط الميديا المتنوعة كألعاب فيديوية وأفلام رسوم متحركة وصور ثلاثية الأبعاد وروايات رقمية وغيرها. وتتنوع طرائق خرق السرد القصصي الطبيعي والتجاوز عليها داخل التصميم الفيلمي، كأن يظهر السارد شجرة تخاطب المتلقي فجأة فيندهش ويستفز بما يعرضه السارد من أحداث غير منطقية، فيتفاعل مندمجاً مع أجواء الفيديو.
ويتوقف نجاح الفيلم لا على تأليف القصة حسب، بل على قدرات مخرج الفيلم أيضا ورؤيته الإخراجية التي بها يربط سلسلة الصور أو المشاهد أو اللوحات، لتوحي للمتلقي بأن القصة لا لبس في أن تكون قد حدثت مع أنها تخرق ما هو طبيعي في السرد القصصي.
والناتج عن هذا التعابر السرد - مديوي أو الإعلامي هو قصة تفاعلية Interactive Fiction، وفيها يكون المتفاعل قارئاً ومشاهداً ومستمعاً ولاعباً، يواجه بانتظام لحظات من المفاجأة والارتباك والحيرة، متأثراً نفسياً بما تعرضه الوسائط الافتراضية، ما يدفعه إلى التفكير مركزاً فيما يشاهده من «واقع» يختلط فيه الخيال بالواقع، محاولاً أن يوصل المقطوع ويردم الفواصل والثغرات ويوفق بين المتناقضات، وكل ذلك يجري في أثناء عملية التلقي المرئي للأفلام والألعاب والصور.
وأغلب موضوعات هذه الأفلام مستوحاة من قصص قديمة تعود إلى زمن الملاحم أو مقتبسة من روايات كلاسيكية تعود إلى العصور الوسطى والقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي تحفل باللاواقعية، وفيها توظف الخيالية بصور مختلفة، بعض منها من نوع skaz - وهو سرد شفاهي عفوي يكتب باللهجة الدارجة - وبه تتقوض أسس السرد الطبيعية. ما اعتبره المؤلفان متجذراً بعمق في التقاليد الغربية والأنجلو أمريكية، وفاتهما أن السرد غير الطبيعي عرفته آداب الحضارات الشرقية الحافلة بالخرافات والأساطير التي فيها يختلط الخيال بالواقع والحي بالميت والسماوي بالأرضي، ونظمت من هذه الأساطير الملاحم الشعرية.
والمرجع الذي عليه اعتمد المؤلفان استرد انسلين وأليس بيل في بناء تصوراتهما للقصة التفاعلية ودراسة التعابر (السرد ـ ميديوي) هما مرجعان، الأول كتاب مونيكا فلودرنك «نحو علم سرد (طبيعي)» (Towards a «natural» narratology) 1996 وأعيد طبعه عام 2002، وفيه طرحت فلودرنك لأول مرة مصطلح «الطبيعية Natural» ووضعته على طاولة البحث السردي ليكون أحد مصادر منظري علم السرد غير الطبيعي، وعنه قال براين ماكهيل: «مونيكا فلودرنيك تأخذ علم السرد من قفاه معيدة من الجذر توجيه النظرية السردية، ليس لصياغتها مجموعة فئات نظرية جديدة ولكن لتتبعها المسارات الوظيفية لهذه الفئات أيضا»، ومما دعت إليه فلودرنك في هذا الكتاب دراسة السرد من منظور معرفي يختلف عن توجهات علماء السرد الكلاسيكي مثل جيرار جينيت وميك بال وسيمور تشاتمان وستنزال من خلال البناء على الطبيعة اللغوية للسرد بوصفه عملية ديناميكية تقتضي سلسلة محفزات تولدها مجموعة من المقاطع النصية أو سلسلة من الصور، مفيدة من فكرة التطبيع التي وضعها جوناثان كولر (1975) وتعني استراتيجيات عمومية يستعملها القارئ للتوفيق بين العناصر غير المتسقة التي تخالف السائد السردي أو تخرق أعرافه النصية.
أما المرجع الثاني فيتمثل في نظريتي اللامحاكاة لريتشاردسون والعوالم المستحيلة لجان ألبر، ومنهما أفاد مؤلفا كتاب «القصة الرقمية واللاطبيعية» كثيراً، فوظفا مفاهيم السرد غير الطبيعي مثل: الطبيعية وغير الطبيعية واستراتيجيات وسيناريوهات الأحداث المستحيلة، في تحليل الألعاب والأفلام وما فيها من عناصر سردية تخرق ما هو واقعي ومألوف كأحداث أو حبكة أو شخصية أو زمان ومكان.
وعرف المؤلفان السرد الرقمي غير الطبيعي بأنه سرد مكتوب ويقرأ على شاشة كومبيوتر وبتركيب لفظي أو خطابي أو مفاهيمي خاص عبر وسيط رقمي، ومن دونه يفقد السرد وظيفته الجمالية والسيميائية. إنه شكل من أشكال الخيال التجريبي يتم تحديد هيكله وشكله ومعناه من خلال سياق برمجي يتم إنتاجه واستقباله عبر نص تشعبي ومسائل أخرى رقمية موظفة داخل شبكة الويب ولغات البرمجة مثل HTML5 و QuickTime و JavaScript، ومثلما نجد أن بعض النصوص الأدبية لا تعتمد فقط على قدرات العقل الأساسية في تكوين المعنى بل وتتحداها بقوة، فكذلك نجد في الألعاب والأفلام الفيديوية ظواهر سردية غير طبيعية تتأرجح أنطولوجيا بين عوالم قصصية وعوالم خارج قصصية. وتتعدد فضاءات هذا السرد ما بين الكومبيوتر المنزلي أو الأجهزة اللوحية أو الهواتف الذكية، كما تتنوع أشكال ألعاب الفيديو القصصية ما بين المكتوبة والشفوية والسينمائية السمعية والبصرية والمتحركة.
وطبق المؤلفان نظريتهما في السرد الرقمي غير الطبيعي على نماذج تجريبية من ألعاب متاحة على شبكة الإنترنت، قاما بانتقائها من بين مجموعات كبيرة من النماذج الرقمية، وبحثا عما فيها من سرديات غير طبيعية تفاعلية وفيها جملة من المواقف، يواجهها المشاهد وعليه أن يؤدي دور اللاعب في لحظات معينة وقد توضع بين يديه خيارات، وعليه أن يختار منها ما يساعده على تصحيح انحراف القصة المروية شفاهيا، وما قد يتولد من هذه العملية التفاعلية من إحساس بالدهشة أو التحدي أو الاغتراب بسبب ما يحصل من خرق لقواعد السرد، سواء على مستوى السارد الذي يختفي ويستعمل ضمير «أنت» مثلا أو على مستوى الشخصيات التي تظهر بهيئة غير آدمية.
واستبعد المؤلفان الكتابات الصحافية كالتقارير الوثائقية والأخبار التفاعلية، واقتصرا على الأفلام والألعاب مستعملين مفردة «اللعبة» كمفهوم شامل يدل على «ألعاب الفيديو والألعاب الرقمية» التي ميدانها المنصات الافتراضية وما يحتاجه التفاعل معها من وجود وحدات التحكم بأجهزة الكومبيوتر الثابتة والمحمولة. وتتفاوت هذه الألعاب، فمنها ما يتضمن الصوت فقط أو الصوت والصورة، ومنها ما يكون كرسوم متحركة، كما توظف فيها شخصية واحدة أو اثنتان أو ثلاث وبعالم ثلاثي الأبعاد باستعمال تقنيات الواقع الافتراضي مثل HTC Vive و Oculus Quest.
ومن الممكن قراءة القصة الرقمية أو تشغيلها أو تجربتها بطرق متعددة الخطوط، وغالبًا ما ينتقي القراء / اللاعبون خيارات معينة تحدد لهم طريقة المشاركة الافتراضية داخل عالم القصة عبر اتباع روابط أو الاستجابة لمتطلبات نصية أو مصورة. وبهذا الشكل يستمر القراء في بناء القصة متعددة الوسائط متفاعلين معها طوال مدة التجربة القرائية.
ولقد رسم مؤلفا كتاب «القصة الرقمية واللاطبيعية» إطارهما النظري في المقدمة، ثم أتبعاها بخمسة فصول إجرائية، اهتم الفصل الأول وعنوانه «التعددية الخطية والتناقض السردي» بدراسة تمييز التناقضات داخل القصة/الخطاب. واقترحا تمييزاً جديداً لهذه التناقضات يقوم على فكرة تعدد الخطوط الزمانية والمكانية للسرد الرقمي. فحين لا تشير القصة إلى هيكلها أو حين يختفي النص التشعبي في ألعاب الفيديو، يكون واجبا على القارئ اتخاذ قرار معين، مستنيرا بما في اللعبة من مسارات خطية أو متضادة.
ودار الفصل الثاني حول مفهوم «الاستبدال Metalepsis»، وبه يكون التحول في الكينونة من صورة إلى أخرى ممكنا، فتتلاشى الحدود بين العالم الفعلي وعالم القصة الخيالي، مما نجده في الحكايات الخرافية. وتحققه الوسائط الرقمية باستعمال أجهزة تكنولوجية. وبها يصل القارئ إلى النص فيتفاعل بأنماط تفاعلية مختلفة مع وسائط هي عبارة عن ارتباطات تشعبية أو صور رمزية محددة.
وخصص المؤلفان الفصل الثالث لدراسة الأبعاد المكانية والزمانية المستحيلة في السرد الرقمي، بغية استكشاف الكيفية التي بها تتعامل الوسائط الرقمية مع الصيغ المستحيلة للمكان والزمان، وتأثيرات هذه الصيغ على تجربة القراء المتفاعلين مع عالم غير طبيعي وعلاقتهم به ومدى انغماسهم مع عناصره غير المحاكية أو المتضادة مع الواقع.
ويستكشف الفصل الرابع الأشكال المتطرفة من السرد الرقمي، ويدرس مجموعة متنوعة من الأصوات غير الطبيعية والرواة غير الموثوق بهم في القصة الرقمية والطرق التي بها تنفذ أفكارهم داخل النص الفائق متعدد الخطوط. وجاء الفصل الأخير تحت عنوان لافت هو «إنه كل شيء عن (أنت)»، وفيه فحص المؤلفان استعمال ضمير الخطاب أو الشخص الثاني في القصة الرقمية، والذي أثبت فعاليته وانتشاره في كل مكان في الوسائط الرقمية السردية. سواء في أشكاله الطبيعية أو غير الطبيعية. وهذه الأخيرة هي المقصودة لأنها تضع القارئ في تردد وجودي بين عالمين واقعي وافتراضي. فيأتي الضمير في شكل توجيهات تظهر للقارئ/ المشغل في رسائل الواجهة وترشده إلى ما ينبغي عليه القيام به من أجل اللعب أو لإعطائه أدلة حول نوع الأوامر النصية التي يجب إدخالها واستكشاف الطرق التي تحدث بها كلمة «أنت» في أشكال أكثر تقليدية وكيف يتم خرقها بغية إحداث تأثيرات تعليمية وانفعالية معينة في المتخيلات الرقمية المضادة للمحاكاة.
وينهي المؤلفان كتابهما بتقديم تصورات هي بمثابة إطار عمل في دراسة السرد غير الطبيعي مستقبلا، تؤشر على احتياجات دراسة علم السرد الرقمي والتجريب فيه وبحث استجابات القارئ / اللاعب وتطوير آليات محتملة في التفاعل السردي غير الطبيعي - الميديوي، والتي يمكن إجراؤها من خلال الوسائط الرقمية.


مقالات ذات صلة

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

«علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

تذهب الباحثة والناقدة نادية هناوي إلى أن علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية المستحدثة فيما قبل وخلال العقدين المنصرمين من الألفية الحالية كثيرة ومتشعبة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
يوميات الشرق نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» أثناء عرضها في دار كريستيز (غيتي)

نسخة أولى من «مرتفعات وذرنغ» تتجاوز مليون جنيه في المزاد

يذكر التاريخ أن إميلي برونتي اضطرت لدفع مبلغ 50 جنيهاً استرلينياً للناشر توماس كوتلي نيوبي لتضمن نشر روايتها «مرتفعات وذرنغ».

عبير مشخص (لندن)
كتب بول أوستر و سيري هوستفدت

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد

عمر شهريار

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت
TT

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

بول أوستر و سيري هوستفدت
بول أوستر و سيري هوستفدت

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026، لتُقيم من خلالها حواراً مستمراً مع غائب لم يغادر، وتُشيّد صرحاً أدبياً نادراً لعلاقة جمعت كاتبيْن عاشا 43 عاماً في داخل صفحات بعضهما البعض.

الكتاب ليس رواية خيالية، بل نصّ اعترافي يعود بنا إلى الأيام الأخيرة في حياة بول أوستر، وإلى سنوات الحياة التي جمعت الكاتبين في زواج أدبي وإنساني استثنائي. فحين قال بول أوستر لسيري هوستفدت في لقائهما الأول في مطلع الثمانينات إنه يريد أن يعود يوماً ما كشبح، لم يكن يدري أنها ستُنجز وصيّته بعد 44 عاماً في كتاب استثنائي يُعيده إلى الحياة بكل عيوبه وعاداته ونكاته وأوراقه غير المكتملة.

في «حكايات شبح» يظهر بول أوستر بوصفه زوجاً وكاتباً وصديقاً وشريكاً في الحياة اليومية، لا بوصفه فقط اسماً لامعاً في الأدب الأميركي. إذ تكتب أرملته سيري هوستفدت: «بول كان عنيداً وأحياناً عديم اللباقة، لكنه كان أيضاً رقيقاً عاطفياً وطيب القلب». وهي تصفه في صفحات عديدة بأنه كان رجلاً لا يعيش وكأن البرق سيضربه مجدداً، أي أنه لم يكن يترقب المجد بل يعيش الحياة في حضور كامل وبساطة أخّاذة. تستعيد هوستفدت حضور زوجها في أدق التفاصيل: صوته، عاداته اليومية، محيطه، طريقته في الكتابة، وحتى ما تركه خلفه من أوراق وآثار شخصية، ورسائل ومذكرات ومسودات لم يسبق نشرها. أبرزها مخطوطة لم يُكملها تتضمّن خمساً وثلاثين صفحة كان يعدّها هدية لحفيده مايلز الذي وُلد في الأول من يناير (كانون الثاني) 2024، أي قبل أربعة أشهر فقط من رحيل جدّه. النصّ بعنوان «رسائل إلى مايلز»، يحكي فيه تاريخ العائلة ويوصي الطفل بطريقة عيش كريمة. هذه الصفحات، التي تضمّ جوهر ما أراد أوستر توريثه، هي ربما أكثر ما في الكتاب توهّجاً وإيلاماً، إذ يظهر وهو يكتب لطفل لن يراه يكبر، لطفل لن يتذكر وجهه، لكنه سيقرأ ما كتبه جدّه يوماً ما.

تعود هوستفدت إلى بداية علاقتها بأوستر في نيويورك في ثمانينات القرن الماضي، ثم تتقدم نحو المرض والرحيل، مستعينةً بمراسلات شخصية ومقاطع من يومياتها ورسائل كتبها زوجها في أيامه الأخيرة. ومن خلال هذه المواد، تبني صورة لعلاقة كُتبت بالحوار الدائم، إذ كان كل منهما يقرأ أعمال الآخر ويعلّق عليها ويشارك في صوغها ذهنياً، وكأن الزواج نفسه صار شكلاً من أشكال الكتابة المشتركة. وفي هذا السياق يبدو الكتاب كمحاولة لاستعادة الشراكة الثقافية التي جمعت الزوجيْن الكاتبيْن، إذ كان كل منهما يقرأ الآخر ويعتمد عليه في اختبار النص ومعناه. ولذا فإن كثيراً ممن قرأوا «حكايات شبح» وصفوه أيضاً بأنه كتاب عن الزواج بقدر ما هو كتاب عن الحداد، فهو يلتقط كيف يصبح الحب، مع الزمن، جزءاً من بنية التفكير نفسها، وكيف يخلخل الغياب هذه البنية من الداخل.

تتطرق سيري هوستفدت في كتابها إلى طقوس العمل المشتركة: القراءة بصوت عالٍ في فترة بعد الظهر، ومشاركة الجمل والأفكار وأحياناً الشخصيات نفسها. لم يكونا يكتبان في الغرفة ذاتها، كان هو في الطابق الثالث وهي في الثاني، لكنهما كانا يلتقيان لمراجعة ما كتباه، وكأن المنزل نفسه كان يُمليهما معاً.

ما يجعل «حكايات شبح» مؤثراً ليس موضوعه وحده، بل الطريقة التي تصف بها هوستفدت التفاصيل الصغيرة: الرسائل، اليوميات، الملاحظات، الأشياء المتروكة على الطاولة، ونبرة البيت حين يغيب أحد أركانه. إنها لا تكتب عن موت زوجها فقط، بل عن تحوّل الحياة اليومية نفسها بعد الموت، وكيف يصبح الزمن متكسراً حين يغيب الشخص الذي كان يضبط إيقاعه. الكتاب، بحسب أكثر من قراءة نقدية، لا يكتفي بتسجيل الحزن، بل يفكك أثره على اللغة والذاكرة والجسد، حتى إن القارئ يشعر أن هوستفدت لا تلاحق بول أوستر كشخص، بل تلاحق صورته داخلها، داخل البيت، وداخل المعنى الذي تشكَّل من سنوات العيش المشترك.

كتبت سيري هوستفدت «حكايات شبح» بلغة متماسكة، دقيقة، ومشحونة بالتأمل. وهي لا تنزلق إلى العاطفية المباشرة، بل توازن بين حرارة التجربة وصرامة التفكير، بين الاعتراف الشخصي والأسئلة الكبرى عن الذاكرة والهوية والوقت. ولهذا تبدو بعض المقاطع كأنها تنتمي إلى نوع من «الفلسفة الحميمة»، حين يصبح الحزن مدخلاً لفهم الذات لا مجرد استعادة مأساة. وتُجمع القراءات النقدية على أن قوة الكتاب تكمن في هذا التوتر الخصب بين الوجع والوعي. فهو لا يريد أن يبتز عاطفة القارئ، بل يدعوه إلى مرافقة تجربة إنسانية عميقة، تتكشف فيها هشاشة العلاقات، وعبث اللغة أمام الموت، وفي الوقت نفسه قدرتها على حفظ ما لا يُحفظ.

كتبت «نيويورك تايمز بوك ريفيو»: «مؤثر حقاً... كتاب هوستفدت يشبه في نبرته (عام التفكير السحري) لجوان ديديون... كتاب مُحبَّب ومؤثر عن الوحدة واليأس والارتباك. إنه قريب من الصرخة». فيما لفتت «نيويورك تايمز» إلى أن «جزءاً من الكتاب عن الحزن وتداعياته النفسية والفيزيولوجية، وجزءاً آخر هو لمحة كاشفة عن الزواج الأدبي بين بول وسيري، والتزامهما العميق بمشاركة أعمال بعضهما البعض».

أما في فرنسا، فقد رأت «لوموند» أن هوستفدت «تُنجز الأمنية الأخيرة لبول أوستر، وهي العودة في هيئة شبح»، في كتاب «مؤثر» لا هو «رثاء ضبابي» ولا «ضريح أدبي». وقدّرت المجلة الثقافية «تيليراما» أن الكتاب «يسبر بلطف أرواحنا في مواجهة الغياب»، فيما وصفته «ليزانروكوبتيبل» بأنه «رواية آسرة ووداع جميل لبول أوستر».

وفي «لكسبريس»، كتبت إيميلي لانيز: «تقرأ هذه النصوص وكأنها كتاب رثاء رائع. إنه تسلسل زمني للغياب، وتصوير لزوجين، وتشريح لحوارهما الخصب الذي بلغ من العمق حدّاً حوّل الكائنَين إلى كيان ثالث هجين ومعتَّق».

«حكايات شبح» ليس مجرد كتاب عن الفقدان. إنه عمّا يبقى حين يرحل الحضور، عن تلك الطبقات المتراكمة من الكلام والصمت والعادات والنكات والمشاريع المشتركة التي لا تختفي بالموت، بل تتحوّل إلى شيء آخر: أشباح مقيمة داخل الجُمل، داخل الأوراق، وداخل طريقة النظر إلى العالم.


نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة
TT

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

نسمة عودة تكشف المسكوت عنه في روايتها الجديدة

تنبنى رواية «أغنيات جنائزي السرية»، للروائية المصرية نسمة عودة، منذ بدايتها حتى نهايتها، على تقنية الرسائل، لكنها رسائل من طرف واحد، من الأم «أمينة» إلى ابنتها «عائشة»، التي أخذها والدها معه في سفره منذ سنوات بعيدة، ولم ترها الأم منذ طفولتها. رسائل أقرب إلى مذكرات، تحكي فيها الأم لابنتها سيرة حياتها، وما عانته من قسوة منذ طفولتها، وسبب تخليها عنها للأب، نافيةً عن نفسها تهمة «الجنون» التي حاصرتها من الجميع. فعلى مدار الرواية لا نسمع صوت الابنة، غير المهتمة برسائل أمها الإلكترونية، لنرى عبر هذه السيرة مواضع الجنون المجتمعي الأعمق.

جسد الرواية، الصادرة في القاهرة عن «دار المحرر للنشر»، هو ذكريات الأم، وآلامها، فهي -عبر رسائل «واتساب»- تحكي لابنتها الغائبة سيرة حياتها، وسيرة مجتمع بأكمله، تحكي لها عن ميتاتها الرمزية منذ طفولتها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مروراً بمراهقتها، وزواجها رغماً عنها من رجل يكبرها بعقود، تزوجها لمجرد أنها تشبه عشيقة صباه ومراهقته، التي كانت تربطه بها علاقة جسدية قبل مولد «أمينة» بكثير، هذه العشيقة لم تكن سوى «أم أمينة» نفسها، لكنهما لم يتمكنا من الزواج حينها، فسافر لسنوات طوال، وعندما عاد كانت حبيبته القديمة قد تزوجت وأنجبت، فاستغل ثروته ونفوذه وتزوج الابنة، فكانت «أمينة» مجرد دوبلير لأمها، يُسقط عليها غضبه وانتقامه.

برهافة شديدة، ولغة موجعة وحادة، تقدم الرواية مسارات وخطوط درامية كثيرة ومتشابكة، تحكيها البطلة الساردة «أمينة»، مفكِّكةً كثيراً من بنية الواقع الاجتماعي المسكوت عنه، يتضافر فيها الاجتماعي بالسياسي بالأخلاقي بالديني، وتعرِّي بجرأة فنية البنية الاجتماعية، وسيكولوجية الفقر، ودوامات القهر التي تبتلع الجميع، فضلاً عن التواطؤ الجمعي الذي يسمح بزواج فتاة من حبيب أمها القديم، وبتواطؤ الجميع، رغم علمهم بالماضي وبنيّات الزوج، تحت قاعدة أن «الحرام لا يحرّم حلالاً».

على عكس الشائع، لا تأتي الذكورية والتسلط على المرأة من جانب الرجال، رغم حضور هذا التسلط، لكن الرواية تكشف عن تسلط أكثر ضراوة تمارسه النساء على البطلة، خصوصاً الجدَّات، المتحكمات في مصائر الأبناء والأحفاد، فالجدة تقمع بناتها الست وابنها، والد البطلة، الذي يبدو ظلاً باهتاً وضعيفاً أمام أمه، المتحكمة في كل شيء، في تمثل واضح واستعادة للماترياكية. هذا التحكم ذاته، مارسته أيضاً جدة «دهيبة»، صديقة «أمينة» الوحيدة والمقربة، والأكثر جرأة وتمرداً، فقد كان الإيذاء الجسدي والنفسي الذي مارسته هذه الجدة الأخرى على حفيدتها أكثر قسوةً وإيذاءً جسدياً، من اعتداء عمها المدمن «عزيز» عليها جسدياً، في حين بدا الأب أيضاً غائباً، وبلا حضور حقيقي.

تقطع الساردة أحياناً مجرى السرد، مقدمةً لمحات تحليلية رشيقة لسلوكيات أبطال عالمها، وفق منطق كتابة المذكرات أو الرسائل، فتقول مفسرةً سبب قسوة وتسلط النساء بعضهن على بعض: «لا أحد يتعاطف مع النساء، حتى النساء، كأنهن لا يُردن لدائرة الألم أن تتوقف، حتى لا يشعرن بسوء أقدارهن. في المعاناة الجماعية مواساة، وفي النجاة الفردية خيانة».

تكشف الرواية عن غياب الأب في مجتمعات الفقر، وانتقال السلطة داخل البيوت إلى كبرى نساء العائلة. في طفولتها كانت «أمينة» تتخيل أن والدها يمكن أن تنبت له أجنحة ويطير؛ إنها صورة السوبر مان المتخيَّلة في ذهن كل فتاة عن أبيها، لكن رويداً رويداً ينكشف ضعفه وانسحاقه أمام أمه، وأمام رئيسه في العمل، وزوجته، وابنته، وأمام العالم أجمع، وينتهي به الأمر إلى أن تراه في مشهد استثنائي، وذكي في غرائبيته، تراه وقد تقزَّم وتضاءل، بشكل مدهش في تصويره جمالياً، تقول: «في تلك اللحظة ذاب أبي المتضائل بالفعل، ذاب حتى أصبح في حجم بلية صغيرة ملونة بالأزرق. تدحرج حتى عتبة الشقة، ثم قفز على درجات السلم. طار للأعلى قليلاً».

إلى جانب حيوات البطلتين، «أمينة» وصديقتها «دهيبة»، ومعاناة كل منهما مع عائلتها، تقدم الرواية تمثيلاً للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مصر، فتبدو هذه الأوضاع حاضرة في خلفية المشهد دائماً، تؤثر بشكل واضح ومحسوس في حياة الشخوص. كما ترسم صورة سردية لطبيعة الحياة في المناطق الشعبية وشبه العشوائية، في مناطق على أطراف القاهرة، حيث يقيم النازحون إلى العاصمة من المحافظات البعيدة، كحال أسرة «دهيبة» التي تنحدر من أصول نوبية. ويأتي النازحون بنسقهم القيمي الريفي، ويغرسونه في قلب المدينة، مع تسييد العادات والتقاليد الريفية، على المكان الذي يُفترض به أن يكون فضاءً للانفتاح والتحرر.

تمزج البطلة الساردة، التي كانت مولعة في صباها بالرسم والفنون عامة، بين سيرتها وبين أغنيات شهيرة في حقب مختلفة، إذ تبدأ كل فصل بمقطع من أغنية. هذه الأغنيات التي أصبحت تستدعيها بعد ذلك في أثناء علاجها النفسي، وتخبر طبيبها بأن كل أغنية منها كانت مرافقة لإحدى ميتاتها السابقة، ميتاتها الرمزية. إضافةً إلى الأغنيات، ثمة حضور قوي للأفلام، وهناك ثلاثة أفلام يبدو حضورها لافتاً: «آيس كريم في جليم» أول فيلم شاهدته في السينما مع صديقتها «دهيبة»، بعد أن هربتا يومها من المدرسة، تحدياً لتصور الجدَّات عن البنت التي تذهب للسينما. والثاني «أحلام هند وكاميليا» فكان بمنزلة حلم لها، تريد أن تتمثله وتهرب مع «دهيبة» وتعيشان معاً، ومعهما «عائشة» ابنتها بعد ذلك. والثالث «موعد على العشاء»، فكانت تتمنى أن تنتقم من زوجها، مثلما فعلت البطلة سعاد حسني مع زوجها.

الفن والغناء والصحبة كانت عالم «أمينة»، لكن زواجها عنوةً من رجل ينتمي إلى الإسلام السياسي، وتخليها عن ابنتها له، حيث أصبحت تراها فقط على الشاشة، وهي تقدم برنامجاً عبر قناة دينية يمتلكها والدها وجماعته، إبان صعود «الإخوان» عقب «يناير 2011»، فتراها وهي تطعن في عقيدة ودين كل المختلفين معها... تحزن الأم مرتين؛ الأولى على ضياع حياتها، وتعامل المحيطين معها بوصفها «مجنونة»، والثانية لما آل إليه حال ابنتها. فقد تشوهتا، مثلما تشوه جميع أبطال هذا العالم الروائي، وتحولوا إلى مسوخ: «العنف يا عائشة هو ما يخلق شخصيات مشوهة وخاضعة ومرتعدة، لا تملك حق الرفض أبداً».


السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ
TT

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

السينما المصرية... الأصالة والاستنساخ

عن دار «رشم للنشر والتوزيع» في السعودية، صدر أخيراً كتاب «سينما الاستنساخ المصرية»، للناقد السعودي خالد ربيع السيد، يقع الكتاب في أكثر من 400 صفحة من القطع الكبير. ويناقش آلية نسخ الأفلام الأجنبية، وتحويلها إلى مصرية، مقارنة بالسينما المصرية الأصيلة الرصينة، خاصة في الثمانينات مع حركة الواقعية الجديدة، والتي يرى المؤلف أنها كانت نابعة من قلب الواقع، وقضاياه، ومشكلات الإنسان المصري الحقيقية.

يبدأ الكتاب بمقدمة يوضح فيها المؤلف أن تأليفه لهذا الكتاب جاء «بدافع التعرف على الأفلام المصرية، والاستمتاع بها، وربما لتحريض القارئ على مشاهدة الجيد منها، ومقارنتها بالأفلام الأجنبية التي استنسخت منها، ولم يكن القصد الانتقاص من شأن السينما المصرية عموماً». ويوضح في هذه المقدمة مفهومه الخاص للفوارق بين الاستنساخ والاقتباس، قائلاً: «الاستنساخ كما أرى يعتمد على نقل مطابق لأفكار وحبكات أفلام أخرى، نسخ ولصق، حيث تنحسر مساحة الإبداع، والأصالة، وتنطوي على شيء من إعادة الصنع، أو التكوين بمدخلات جديدة لتنتج معطيات مستجدة. بينما يتوافق مصطلح اقتباس مع ما ينقل من الرواية، والمسرح».

بعد هذه المقدمة، هناك تصديران لناقدين سينمائيين مصريين، الأول بعنوان: «شعرة، وقارة، ما بين الاقتباس والاستنساخ» للناقد عصام زكريا، يوضح فيه الفوارق بين الاقتباس والسرقة، والحدود العلمية بينهما، وتاريخ الاقتباس في السينما العالمية، والأميركية منها بوجه خاص، مشيراً إلى أن الكتاب «إسهام مهم في النقاشات الدائرة حول تعريفات وأصول وحدود الاقتباس، وهو نقاش ضروري، ليس فقط لإعطاء كل ذي حق حقه، ولكن لإثراء الحياة الفنية، وتلقين الشباب الصاعد درساً بليغاً في معنى أن يكون الإنسان فناناً».

التصدير الثاني بعنوان: «سينما ثرية يعتريها نسخ واستسهال» للناقدة فايزة هنداوي، تؤكد فيه أن «الكاتب لا يقف موقف الخصم، بل موقف المحب الغيور، ما يمنحه توازناً نقدياً، فهو لا يتردد في الإشادة بما هو أصيل، ومبدع، ويحتفي بالدور الاقتصادي والاجتماعي الذي لعبته السينما في حياة ملايين المصريين، والعرب. ولكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن كشف مواطن الضعف، وانتقاد أفلام المقاولات البائسة، التي حولت أفلاماً راقية إلى نسخ مشوهة وسخيفة».

يتكون الكتاب من ستة أبواب رئيسة، كل منها ينقسم إلى عدة فصول، متناولاً أشهر الأفلام المستنسخة، وأشهر الممثلين الذين اعتمدوا على الاستنساخ في أفلامهم، بخاصة عادل إمام، وأحمد حلمي، فضلاً عن رصد ظاهرة استنساخ الأفيشات، حتى الموسيقى التصويرية، ويناقش مظاهر التغريب التي نقلتها السينما المصرية. كما يضم قوائم وتحليلات وبوسترات عن الأفلام المصرية المنقولة من السينمات الأخرى. وبعد تطواف كبير في دراسة الظاهرة، وجذورها، وتجلياتها، أفرد الكتاب الباب الأخير، الذي ينقسم إلى خمسة فصول، لإلقاء الضوء على ما أسماه «السينما المصرية الأصيلة» التي أنتجت بدماء وروح مصرية خالصة، وأهم مخرجيها، ومحطاتها، ومؤلفي الموسيقى التصويرية فيها.