السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي

جامعة شيكاغو تصدر كتاباً عن تطوره ومستقبله

السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي
TT

السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي

السرد المكتوب على شاشة كومبيوتر عبر وسيط رقمي

عن جامعة شيكاغو ضمن سلسلة «النظرية وتفسير السرد»، التي يشرف عليها جيمس فيلان وكاترا بيرام وفاي هالبرنو، صدر كتاب «القصة الرقمية واللاطبيعية: نظرية السرديات العابرة للميديا منهجا وتحليلا» لاسترد انسلين وأليس بيل. والكتاب يتألف من خمسة فصول مع مقدمة وخاتمة، ويقع في 218 صفحة.
وفيه سعى المؤلفان إلى تحقيق أغراض تصب في صالح علم السرد ما بعد الكلاسيكي من خلال دراسة اللاطبيعية في السرد كأحداث مستحيلة الحصول بشخصيات غير آدمية أو من دونها، تُعرض أمام المتلقي عبر وسائط الميديا المتنوعة كألعاب فيديوية وأفلام رسوم متحركة وصور ثلاثية الأبعاد وروايات رقمية وغيرها. وتتنوع طرائق خرق السرد القصصي الطبيعي والتجاوز عليها داخل التصميم الفيلمي، كأن يظهر السارد شجرة تخاطب المتلقي فجأة فيندهش ويستفز بما يعرضه السارد من أحداث غير منطقية، فيتفاعل مندمجاً مع أجواء الفيديو.
ويتوقف نجاح الفيلم لا على تأليف القصة حسب، بل على قدرات مخرج الفيلم أيضا ورؤيته الإخراجية التي بها يربط سلسلة الصور أو المشاهد أو اللوحات، لتوحي للمتلقي بأن القصة لا لبس في أن تكون قد حدثت مع أنها تخرق ما هو طبيعي في السرد القصصي.
والناتج عن هذا التعابر السرد - مديوي أو الإعلامي هو قصة تفاعلية Interactive Fiction، وفيها يكون المتفاعل قارئاً ومشاهداً ومستمعاً ولاعباً، يواجه بانتظام لحظات من المفاجأة والارتباك والحيرة، متأثراً نفسياً بما تعرضه الوسائط الافتراضية، ما يدفعه إلى التفكير مركزاً فيما يشاهده من «واقع» يختلط فيه الخيال بالواقع، محاولاً أن يوصل المقطوع ويردم الفواصل والثغرات ويوفق بين المتناقضات، وكل ذلك يجري في أثناء عملية التلقي المرئي للأفلام والألعاب والصور.
وأغلب موضوعات هذه الأفلام مستوحاة من قصص قديمة تعود إلى زمن الملاحم أو مقتبسة من روايات كلاسيكية تعود إلى العصور الوسطى والقرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وهي تحفل باللاواقعية، وفيها توظف الخيالية بصور مختلفة، بعض منها من نوع skaz - وهو سرد شفاهي عفوي يكتب باللهجة الدارجة - وبه تتقوض أسس السرد الطبيعية. ما اعتبره المؤلفان متجذراً بعمق في التقاليد الغربية والأنجلو أمريكية، وفاتهما أن السرد غير الطبيعي عرفته آداب الحضارات الشرقية الحافلة بالخرافات والأساطير التي فيها يختلط الخيال بالواقع والحي بالميت والسماوي بالأرضي، ونظمت من هذه الأساطير الملاحم الشعرية.
والمرجع الذي عليه اعتمد المؤلفان استرد انسلين وأليس بيل في بناء تصوراتهما للقصة التفاعلية ودراسة التعابر (السرد ـ ميديوي) هما مرجعان، الأول كتاب مونيكا فلودرنك «نحو علم سرد (طبيعي)» (Towards a «natural» narratology) 1996 وأعيد طبعه عام 2002، وفيه طرحت فلودرنك لأول مرة مصطلح «الطبيعية Natural» ووضعته على طاولة البحث السردي ليكون أحد مصادر منظري علم السرد غير الطبيعي، وعنه قال براين ماكهيل: «مونيكا فلودرنيك تأخذ علم السرد من قفاه معيدة من الجذر توجيه النظرية السردية، ليس لصياغتها مجموعة فئات نظرية جديدة ولكن لتتبعها المسارات الوظيفية لهذه الفئات أيضا»، ومما دعت إليه فلودرنك في هذا الكتاب دراسة السرد من منظور معرفي يختلف عن توجهات علماء السرد الكلاسيكي مثل جيرار جينيت وميك بال وسيمور تشاتمان وستنزال من خلال البناء على الطبيعة اللغوية للسرد بوصفه عملية ديناميكية تقتضي سلسلة محفزات تولدها مجموعة من المقاطع النصية أو سلسلة من الصور، مفيدة من فكرة التطبيع التي وضعها جوناثان كولر (1975) وتعني استراتيجيات عمومية يستعملها القارئ للتوفيق بين العناصر غير المتسقة التي تخالف السائد السردي أو تخرق أعرافه النصية.
أما المرجع الثاني فيتمثل في نظريتي اللامحاكاة لريتشاردسون والعوالم المستحيلة لجان ألبر، ومنهما أفاد مؤلفا كتاب «القصة الرقمية واللاطبيعية» كثيراً، فوظفا مفاهيم السرد غير الطبيعي مثل: الطبيعية وغير الطبيعية واستراتيجيات وسيناريوهات الأحداث المستحيلة، في تحليل الألعاب والأفلام وما فيها من عناصر سردية تخرق ما هو واقعي ومألوف كأحداث أو حبكة أو شخصية أو زمان ومكان.
وعرف المؤلفان السرد الرقمي غير الطبيعي بأنه سرد مكتوب ويقرأ على شاشة كومبيوتر وبتركيب لفظي أو خطابي أو مفاهيمي خاص عبر وسيط رقمي، ومن دونه يفقد السرد وظيفته الجمالية والسيميائية. إنه شكل من أشكال الخيال التجريبي يتم تحديد هيكله وشكله ومعناه من خلال سياق برمجي يتم إنتاجه واستقباله عبر نص تشعبي ومسائل أخرى رقمية موظفة داخل شبكة الويب ولغات البرمجة مثل HTML5 و QuickTime و JavaScript، ومثلما نجد أن بعض النصوص الأدبية لا تعتمد فقط على قدرات العقل الأساسية في تكوين المعنى بل وتتحداها بقوة، فكذلك نجد في الألعاب والأفلام الفيديوية ظواهر سردية غير طبيعية تتأرجح أنطولوجيا بين عوالم قصصية وعوالم خارج قصصية. وتتعدد فضاءات هذا السرد ما بين الكومبيوتر المنزلي أو الأجهزة اللوحية أو الهواتف الذكية، كما تتنوع أشكال ألعاب الفيديو القصصية ما بين المكتوبة والشفوية والسينمائية السمعية والبصرية والمتحركة.
وطبق المؤلفان نظريتهما في السرد الرقمي غير الطبيعي على نماذج تجريبية من ألعاب متاحة على شبكة الإنترنت، قاما بانتقائها من بين مجموعات كبيرة من النماذج الرقمية، وبحثا عما فيها من سرديات غير طبيعية تفاعلية وفيها جملة من المواقف، يواجهها المشاهد وعليه أن يؤدي دور اللاعب في لحظات معينة وقد توضع بين يديه خيارات، وعليه أن يختار منها ما يساعده على تصحيح انحراف القصة المروية شفاهيا، وما قد يتولد من هذه العملية التفاعلية من إحساس بالدهشة أو التحدي أو الاغتراب بسبب ما يحصل من خرق لقواعد السرد، سواء على مستوى السارد الذي يختفي ويستعمل ضمير «أنت» مثلا أو على مستوى الشخصيات التي تظهر بهيئة غير آدمية.
واستبعد المؤلفان الكتابات الصحافية كالتقارير الوثائقية والأخبار التفاعلية، واقتصرا على الأفلام والألعاب مستعملين مفردة «اللعبة» كمفهوم شامل يدل على «ألعاب الفيديو والألعاب الرقمية» التي ميدانها المنصات الافتراضية وما يحتاجه التفاعل معها من وجود وحدات التحكم بأجهزة الكومبيوتر الثابتة والمحمولة. وتتفاوت هذه الألعاب، فمنها ما يتضمن الصوت فقط أو الصوت والصورة، ومنها ما يكون كرسوم متحركة، كما توظف فيها شخصية واحدة أو اثنتان أو ثلاث وبعالم ثلاثي الأبعاد باستعمال تقنيات الواقع الافتراضي مثل HTC Vive و Oculus Quest.
ومن الممكن قراءة القصة الرقمية أو تشغيلها أو تجربتها بطرق متعددة الخطوط، وغالبًا ما ينتقي القراء / اللاعبون خيارات معينة تحدد لهم طريقة المشاركة الافتراضية داخل عالم القصة عبر اتباع روابط أو الاستجابة لمتطلبات نصية أو مصورة. وبهذا الشكل يستمر القراء في بناء القصة متعددة الوسائط متفاعلين معها طوال مدة التجربة القرائية.
ولقد رسم مؤلفا كتاب «القصة الرقمية واللاطبيعية» إطارهما النظري في المقدمة، ثم أتبعاها بخمسة فصول إجرائية، اهتم الفصل الأول وعنوانه «التعددية الخطية والتناقض السردي» بدراسة تمييز التناقضات داخل القصة/الخطاب. واقترحا تمييزاً جديداً لهذه التناقضات يقوم على فكرة تعدد الخطوط الزمانية والمكانية للسرد الرقمي. فحين لا تشير القصة إلى هيكلها أو حين يختفي النص التشعبي في ألعاب الفيديو، يكون واجبا على القارئ اتخاذ قرار معين، مستنيرا بما في اللعبة من مسارات خطية أو متضادة.
ودار الفصل الثاني حول مفهوم «الاستبدال Metalepsis»، وبه يكون التحول في الكينونة من صورة إلى أخرى ممكنا، فتتلاشى الحدود بين العالم الفعلي وعالم القصة الخيالي، مما نجده في الحكايات الخرافية. وتحققه الوسائط الرقمية باستعمال أجهزة تكنولوجية. وبها يصل القارئ إلى النص فيتفاعل بأنماط تفاعلية مختلفة مع وسائط هي عبارة عن ارتباطات تشعبية أو صور رمزية محددة.
وخصص المؤلفان الفصل الثالث لدراسة الأبعاد المكانية والزمانية المستحيلة في السرد الرقمي، بغية استكشاف الكيفية التي بها تتعامل الوسائط الرقمية مع الصيغ المستحيلة للمكان والزمان، وتأثيرات هذه الصيغ على تجربة القراء المتفاعلين مع عالم غير طبيعي وعلاقتهم به ومدى انغماسهم مع عناصره غير المحاكية أو المتضادة مع الواقع.
ويستكشف الفصل الرابع الأشكال المتطرفة من السرد الرقمي، ويدرس مجموعة متنوعة من الأصوات غير الطبيعية والرواة غير الموثوق بهم في القصة الرقمية والطرق التي بها تنفذ أفكارهم داخل النص الفائق متعدد الخطوط. وجاء الفصل الأخير تحت عنوان لافت هو «إنه كل شيء عن (أنت)»، وفيه فحص المؤلفان استعمال ضمير الخطاب أو الشخص الثاني في القصة الرقمية، والذي أثبت فعاليته وانتشاره في كل مكان في الوسائط الرقمية السردية. سواء في أشكاله الطبيعية أو غير الطبيعية. وهذه الأخيرة هي المقصودة لأنها تضع القارئ في تردد وجودي بين عالمين واقعي وافتراضي. فيأتي الضمير في شكل توجيهات تظهر للقارئ/ المشغل في رسائل الواجهة وترشده إلى ما ينبغي عليه القيام به من أجل اللعب أو لإعطائه أدلة حول نوع الأوامر النصية التي يجب إدخالها واستكشاف الطرق التي تحدث بها كلمة «أنت» في أشكال أكثر تقليدية وكيف يتم خرقها بغية إحداث تأثيرات تعليمية وانفعالية معينة في المتخيلات الرقمية المضادة للمحاكاة.
وينهي المؤلفان كتابهما بتقديم تصورات هي بمثابة إطار عمل في دراسة السرد غير الطبيعي مستقبلا، تؤشر على احتياجات دراسة علم السرد الرقمي والتجريب فيه وبحث استجابات القارئ / اللاعب وتطوير آليات محتملة في التفاعل السردي غير الطبيعي - الميديوي، والتي يمكن إجراؤها من خلال الوسائط الرقمية.


مقالات ذات صلة

فن «الكتابة عن الكتابة»

كتب فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها.

سوسن الأبطح
كتب تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب «بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى...

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً...

ندى حطيط
ثقافة وفنون «خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار

جمال القصاص

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»
TT

فن «الكتابة عن الكتابة»

فن «الكتابة عن الكتابة»

بين الأكاديمية والانطباعية والمزاجية، بقيت مراجعات الكتب على أنواعها ممارسة ثقافية، متحررة من أي قيد يحددها في إطار أو يكبح جماح كاتبها. كلٌ يمارس مراجعته بالطريقة التي يراها مناسبة، وهذا أهم ما يكشفه كتاب رائد العيد الصادر عن «دار كلمات للنشر والتوزيع» بعنوان «دفاتر المكتبة الكونية... فن مراجعة الكتب». وهو من خلال هذا المؤلَّف التوثيقي والأدبي في آن، يقوم بما يشبه التأريخ والتحليل لنوع من الكتابة نادراً ما تصدى له كاتب عربي، أو اعتبره صنفاً يستحق العناية به لذاته. الميزة الأساسية أن العيد يتتبع أنواع هذا الفن وضروبه ويعمل على لمّ شمله، وفهمه وتوضيح الفوارق بين أصنافه.

لهذا؛ فإن «فن المراجعات»، يخضع هذه المرة لتفحص وتتبع وتفنيد وتحليل واستخلاص نتائج. وعلى عكس ما يخطر لك، فإن موت الكتاب الورقي أو خفوت نجمه، كما يقول العيد، لا يعني تراجع هذا الفن، بل تعزيز دوره، وبروزه بصور مختلفة لم تكن معروفة؛ ما يجعلنا لا نتنبه له بالضرورة. إذ لا يمر يوم إلا وتقرأ تقييماً لكتاب أو برنامج أو مداخلة، على إحدى وسائل التواصل، وتترك نجمة أو إعجاباً، أو تعليقاً طويلاً أو قصيراً. فالتقييم جوهر في اقتصاد وسائل التواصل وجزء أساسي من حيويتها وعجلة دورانها. وهو أمر لا يقارن بالضرورة بالمراجعات الجادة للكتب، لكن قرابة الوصل موجودة، والربط واجب.

يحاول العيد تقديم «مراجعة للمراجعات»، على طريقة «علم العلم» أو «تفسير التفسير»، بحيث يبحث في هذا الفن محاولاً تحديد ماهيته، وتأريخ بدايته، وتوضيح المصطلحات المتعلقة به ودوافع كتابته، ومعرفة مكوناته وأساليبه، ومتطلباته، وخيارات مؤلفيه، كما يبحث في حجم اقتصاده وتبعات نشره، ومحاذير قراءته، وصولاً إلى ادعاء موته.

حسب العيد، فإن الكتابة عن الكتب، وُجدت مع انتشار الكتاب، بحيث إن من يتعذر عليه الحصول على مؤلف ما، كان يمنّي النفس بقراءة جزء منه، أو شيء عنه، في مؤلف جامع يتصدى لهذه الغاية. وبالتالي، فإن المراجعة أو التلخيص يقدمان خدمة جليلة. وهذا هو السبب الأول لولادة المراجعات: «أن تعـرّف بالكتـاب النــادر الــذي يصعـب الحصــول عليــه أو تُقـرّب البعيــد وتنشر الفريد. ففــي بدايات الكتابة والنشر كان الكتاب صعـب التشـكيل عســير النسـخ، وليــس بمقـدور الجميـع الحصـول عليه؛ فيكتفي النـاس منــه بالقليل».

ثمة كتب لم تصل إلينا أصلاً، لكننا عرفنا بوجودها وبمحتواها من المراجعات. يلفت الكتاب إلى أن بعض المراجعات نجدها في حوارات أفلاطون، وفي رسائل سينيكا، وفي كتابات بلوتارك، ومجادلات شيشيرون، وتأملات ماركوس أوريليوس وأبحاث أرسطو. وعند العرب لم يقصّر الجاحظ في الكتابة عن الكتب ونقدها والتشجيع على قراءة بعضها أو نقل محتوى بعضها الآخر.

ويرى العيد أن كتــاب «الفهرسـت» لابــن النديم هو نموذج لحقبــة طويلة فــي تاريـخ مراجعات الكتــب. فابن النديــم كان شاغله الأكبـر أن يحـوي كتابه فحوى كتب زمانه، بحيث يجمــع فيــه ما قــرأه وعرفــه وســمع عنه. وتأتي أهميته من أن الكثير من الكتــب التــي تحدث عنها اندثرت، ولم تعد بيـن أيدينــا اليــوم. وبالتالي، فإن مراجعات ابـن النديــم هي التي أدخلتهــا التاريــخ، ومنعتهـا مــن الاختفاء الكلي.

يقتفي الكتاب أثر المراجعات عبر التاريخ شرقاً وغرباً، وصولاً إلى العصر الحديث. فقد ظهـرت في شـكلها الذي نعرفه اليوم في الصحف الفرنسية خـلال القــرن الســابع عشــر، ومن حينها بدأت أشكال المراجعات ومناهجها تتطور، من الاكتفاء بالتعريف بالكتب، إلى نقدها والحكم عليها. وهو ما تسبب في حراك ونقاشات ليس حول دورها فحسب، بل حول حدودها التي يفترض أن تلتزمها؛ إذ إن الكتّاب تجاوزوا التعريف إلى النقد والتقريظ. ويروي كليمان موزان في كتابه «ما التاريخ الأدبي؟»، «أن الصحافيين الأدبيين فــي تلـك الفترة لم يكتفوا بالتلخيص والاستشهاد بما ورد في الأعمال التي يعرضونها، بل أخذوا يطلقون الأحكام وينتقدون الأعمال، معتبرين أنهم يقومون بواجبهم اتجاه القارئ في مهمة إرشاده».

وفي القرن التاسع عشر، بدأت المجلات بتخصيص فصول وأبواب تواكب مستجدات الكتب وتتابع الإصدارات وتعرضها وتنقدها. عربياً، ظهرت مجلة «المقتطف» عام 1883 وفيها «باب الهدايا والتقاريظ» بعد سبع سنوات من تأسيس المجلة، على اعتبار أن التعريف بالكتب ومراجعتها، هي هدايا للقارئ. لكن اسم الباب تغير، ليصبح «باب التقريظ والانتقاد» مع تحول مهماتها، واتخاذها مناحي جديدة في التحليل والنقد. ثم جاءت مجلة «الزهـور» وأسمت باب مراجعات الكتب «ثمرات المطابع» منتهجـة العـرض الموجــز والتعريــف الســـريع بجديــد المؤلفات. وهــو مــا أكملته مجلة «أبولــو» تحت عنـوان «ثمــار المطابع». وعندما جـاء إبراهيــم اليازجي إلى مجلة «البيــان» ومن بعدهـا «الضياء» اختار تقديـم مراجعات الكتب التي كان يسطرها تحت عنــوان «آثار أدبية»، عادَّاً أن المراجعة وصلـت لأن تكون نصاً أدبياً مستقلاً. والذين كتبوا نصوصاً أدبية في المراجعات كثر، من بينهم طه حسين وعباس محمود العقاد والمازني، وغيرهم كثير.

عام 1896 أعلنت صحيفة «نيويورك تايمز» عن ملحق متخصص في مراجعات الكتب. بدأ الملحق بالظهور كل صباح سبت، ثم تحول صدوره إلى صباح الأحد لزيادة عدد القراء، ولتسليتهم وإفادتهم في عطلتهم. وعاش الملحق أكثر مما يتوقع الجميع؛ إذ احتفلت الصحيفة بمرور 125 سنة على ولادته عام 2021، مع كتاب توثيقي لهذه المغامرة الأدبية والفكرية.

كانت المراجعات حين تكتبها إدارة التحرير، وتقتصر على التعريف بالكتاب ووصفه دون جهد كبير، لا تحمل بالضرورة اسم الكتّاب، لكن الوضع تغير بعد أن أصبحت مقرونة بالرأي والتحليل، وتسطر بأقلام مؤلفين معروفين للصحف مصلحة في إبراز أسمائهم.

أما اليوم، وقد تشعبت الطرق والمناهج، وتعددت الأساليب والمدارس، وظهرت المصطلحات المتخصصة وتنوعت المنابر، فإن المراجعات لم تعد مجرد كتابات هامشية، بل صارت أهم من أن يتم تجاهلها، أو تستبعد من القواميس والمعاجم الأدبية واللغوية. لا، بل يرى مؤلف الكتاب أن المراجعات تحولت «جنساً أدبياً مستقلاً قائماً بذاته له مفاهيمه وأبعاده، كما له ممارساته المتعددة الواسعة». وهو يدعو إلى الاعتراف بما يمكننا تسميته «أدب المراجعات». فليست الغاية عند كل من كتبوا في هذا المجال مجرد الاقتصار علــى التعريــف بكتــب في حقــل معين، بــل إن البعض عمل فعلاً على كتابـة مراجعات أدبية يمكن وضعها في مصـاف الأدب الرفيع، وقد أعلت مــن شــأن الكتابــة علــى الكتابــة كفعــل أصيــل وليس مجرد ردة فعــل سريعة، أو تعليقات متعجلة.

مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه

ما يفوتنا أحياناً، أن ثمة بعداً تجارياً واقتصادياً للمراجعات. إذ إن مقالة واحدة تلفت القراء وتجذبهم، يمكنها أن تعلي من شأن الكتاب في عيون الناس، وتجعلهم يتهافتون للحصول عليه. من هنا يقول العيد بدأنا نسمع عن شركات متخصصة في تسويق الكتب، واستكتاب كتّاب أعمدة في الصحف الرائجة. وهناك دور نشر متعاقدة مع أبرز مراجعي الكتب، وثمة مؤلفون ينسجون علاقات مع يوتيوبرز ونجوم وسائل التواصل للترويج لكتبهم، ولا غرابة أن نجد بأنه ما أن تنطلق الحملة حتى تنفد الكتب عن رفوف المكتبات.

يحاول رائد العيد، إذن، تقديم مسار المراجعات منذ عرفها الإنسان إلى اليوم بشمولية وانفتاح على مختلف الأشكال والمعارف. إنها دراسة بنفح أدبي تشبه ما يمكن أن نسميه «أنثروبولوجيا المراجعات»، من خلال استعراض سيرة هذا الفن في المجلات والدوريات الثقافية الورقية وصولاً إلى العصر الرقمي المنفتح، حيث أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمدونات الوسيلة الأكثر رواجاً لتقييم الكتب ومشاركة أخبارها وتبادل الآراء حولها.

والكتاب يسد ثغرة في المكتبة العربية، ويملأ فراغاً تنظيرياً بشأن فن اعتبر باستمرار أقل من أن يلتفت إليه، لا، بل لم يعترف بقيمته الأدبية ودوره بصفته محركاً حيوياً لحركة البيع وسبباً أساسياً في فتح المعارك الأدبية والفكرية. لهذا؛ اعتبر المؤلف كتّاب المراجعات الذين أهداهم الكتاب بأنهم «صنّاع الجسور الثقافية، وأمناء المكتبة الكونية».

يرسم العيد بداية طريق لمجال لم يؤخذ بالجدية الكافية؛ آملاً أن يأتي من بعده من يطوره ويبحث في مزيد من التفاصيل، خاصة وأن المجال نفسه يشهد تحولاً في الشكل والمضمون والوسيلة، في وقت واحد. وهذا انقلاب كبير، تتوجب متابعته.

وهنا يستشهد الكتاب بما ختم به ابن خلدون مقدمته الشهيرة: «ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم متين، يغوص من مسائله على أكثر مما كتبناه، فليس على مستنبط الفن إحصاء مسائله، وإنما عليه تعيين موضع العلم وتنويع فصوله وما يتكلم فيه، والمتأخرون يلحقون المسائل شيئاً فشيئاً إلى أن تكمل».


تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»
TT

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

تشريح قصصي لفلسفة «أنصاف الأشياء»

صدر أخيراً، عن «دار الشروق» في القاهرة، المجموعة القصصية «تخفيف أحمال»، للروائية والقاصة المصرية شيرين سامي. تتكون المجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة، تسعى إلى تشريح وتفكيك فلسفة «أنصاف الأشياء»، وتكشف عن العوز العاطفي الخافت الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية للأبطال، الذين يرتضون بنصف دفء ونصف حب، ونصف طمأنينة لا تكتمل أبداً. وتتحول القصص مرآةً للإنسانية شديدة الهشاشة، نابشة في مرارة الخذلان وفراغات الروح، ليكتشف الأبطال مع آخر ضوء ينطفئ أن العتمة المؤقتة قد تصبح أحياناً مساحتهم الوحيدة والآمنة للنجاة.

تتقاطع حكايات المجموعة وتتباين عوالمها، معتمدة لغة بصرية. وتدور القصة - التي تحمل المجموعة عنوانها - حول فتاة تستعيد مزاج التسعينات ورسائل الشرفات وشرائط الكاسيت القديمة.

وفي قصة «يوميات امرأة غير جديرة بالحب» تستعيد البطلة ذكرياتها الطويلة مع العلاقات السامة. بينما في «شقة رقم عشرة» يجلس البشر محبوسي الأنفاس أمام الشاشات في انتظار نيزك ينهي العالم خلال أربع وعشرين ساعة.

وكان قد صدرت لشيرين سامي ثمانية كتب، منها روايات: «قيد الفراشة» و«حنة»، و« مَن ذاق عرف»، و«الحجرات»، وكان أحدث إصداراتها رواية «السيدة الكبرى» في يناير (كانون الثاني) 2025، ورواية للنشء بعنوان «ابْتَسِمْ لأكون أقوى» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لـ«جائزة اتصالات لكتاب الطفل» عن فئة اليافعين، وكتاب «154 طريقة لقول أفتقدك».

من أجواء المجموعة، نقرأ: «كثيراً ما تتمشى في الشوارع، قديماً كان الغرض من التمشية هو حب الحركة مع مشاهدة الطبيعة والناس والمحال والأحوال، ثم أصبحت تفعلها حتى تضعف، بعد أن علَّق علي أنها تحتاج إلى أن تفقد بعض الوزن، لم يكن أول تعليق تسمعه عن جسدها الذي يقترب من النحافة، أبوها قال تعليقاً مشابهاً ذات مرة لكن بحسه الساخر، وحبيب سابق قاله أيضاً بحسِّه المُدمِّر.

أما هو فقالها بحسه اللطيف، كمشرط دقيق يظن به البعض أنه يعالج. لكن في تمشياتها الأخيرة، أشياء بدأت تتبدَّى لها، قائمة طويلة من الأمور التي تؤلمها، هذا الألم الشفيف الذي لا تستطيع أن تصرخ وتهد العالم وتقول بسببه: «يجب أن أرحل».. أو «قف!»، ألم له قوام هلامي، لا تستطيع أن تمسك به أو تكرهه أو تريه للآخرين، لكنك أيضاً لا تستطيع أن تتغافل عن حركته في يدك، ترسل له رسالة تقول: «أريد أن أحتضنك جدّاً»، ترسلها دون أن تفكر، لو فكرت فربما استبدلت الآن بـ جدّاً، تتذكر رسالة مشابهة أرسلتها قبل سنوات وأتى على أثرها من غيابه ليحقق لها رغبتها، لكنها تعلم أنه لن يأتي هذه المرة، لن يأتي كل مرة.

ورغم ذلك عندما تضعه بجوار قائمة الأمور التي تؤلمها، فإنها تقرر أن تختاره.


«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية
TT

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

«بـينَ الجسرِ والجرس»... نص متخيل ينهض على تجربة واقعية

تختم ميمونة الشيشاني روايتها الجديدة «بـينَ الجسرِ والجرس»، بصفحةٍ عنونتها بـ«أخيراً»، تخرج فيها من صوت الراوية «آلاء» إلى صوتها هي، الروائيّة التي تُعنى - كما تصف نفسها - بنقل التجربة الإنسانية على الصعيدين الفرديّ والجمعيّ، وفي هذه الصفحة توجّه شكرها وامتنانها لمحارِبة السرطان السيدة آلاء آسندر، التي بُنِي أساس الرواية على قصتها الحقيقية مع المرض.

جاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 188 صفحة من القطع المتوسط، وتقدم خلالها سرداً ذاتيًّا حميماً بضمير المتكلم، هو في جوهره «رواية شهادة»: نصٌّ متخيَّلٌ ينهض على تجربةٍ إنسانيةٍ واقعية، خضعت، كما ورد في صفحة «تنويه» في افتتاح الكتاب، لمعالجةٍ فنيةٍ وتخيُّيلٍ روائيّ يخدمان السياق الأدبي للعمل.

وتروي «آلاء»، بطلة العمل وراويته، رحلتها مع سرطان الثدي منذ لحظة الاشتباه الأولى في الفحص الإشعاعي، مروراً بالخزعة والتشخيص، فالعمليات الجراحية، والعلاج الكيماوي والإشعاعي والهرموني والبيولوجي، وصولاً إلى إعلانها «ناجية» بعد سنوات من المتابعة.

وتفتتح الرواية بمشهدٍ مباغت بصيغة الحاضر: لحظة سريرية أقرب إلى الاحتضار، تسمع فيها آلاء صافرة جهاز المراقبة وإعلان الطبيب ساعة الوفاة، في حين تشعر روحها بانفصالٍ خفيفٍ عن جسدها. هذا المشهد الاستهلالي – الذي يتكشَّف لاحقاً أنه رؤيا منامية لا واقعة فعلية – يمنح الرواية إطاراً دائريًّا؛ إذ يعود صداه في فصلٍ متأخر بعنوان «موتٌ زائف»، قبل أن تُغلَق الدائرة بمشهدَي «قرع الجرس» و«ولادة» في ختام العمل.

ويشكّل الفضاء الرقمي - حسابات «فيسبوك» و«سنابشات» و«إكس» - مسرحاً فرعيًّا للرواية؛ إذ توثّق آلاء تفاصيل رحلتها بمنشوراتٍ وصورٍ وتعليقات، فتتحوّل صفحتها الشخصية مساحةَ تضامنٍ افتراضيٍّ مع ناجياتٍ أخريات ومتابعين من بلدانٍ عدة، وتصبح الكتابة على «الجدار» امتداداً لصوتها الداخلي حين يعجز الجسد عن الفعل.

من أجواء الرواية نقرأ النص الآتي: «العالمُ هنا تحت قدميَّ؛ تمرُّ من تحتي جحافل السَّيارات المتّجهة إلى حيواتها المختلفة، وأنا أُحلِّق فوقها كغيمةٍ تائهةٍ فضوليَّة. قد لا يتنبَّهون لوجودي، وقد يمرُّون بي مرور الجُهَّال، لكنِّي الجبل الذي يتعجَّب النُّجباء من شموخهِ وثباتهِ على الرغم من سياط البرق التي تخترق جوفي، وسهام المطر التي تنغرز في أكثر اﻷماكن رقَّةً وضعفاً. ظلِّي يسكن مراياهم العابرة، وطيفي حرٌّ يسبح في فضاءاتٍ لا حدود لها».

وهو مقطع يكشف عن جانب من اللغة التي تراهن عليها الرواية؛ لغة تتجاور فيها صورة الجسد المتألم مع اتساع المخيلة، ويصبح المرض، رغم قسوته، نافذة لرؤية العالم من علٍ، لا مجرد تجربة تستنزف صاحبها.

والرواية امتداد لمشروع الشيشاني في الكتابة عن التجارب الإنسانية الواقعية، لكنها تضع هذه المرة وجع الجسد في مواجهة مباشرة مع واحدة من أكثر رغبات الإنسان بداهة وإلحاحاً: أن يعبر إلى الضفة الأخرى، وأن يقرع الجرس معلناً أنه ما زال هنا... حيّاً.

وكانت المؤلفة قد أصدرت من قبل روايتين: «دمعة ذئب» و«كزهر اللي»، إضافة إلى مجموعة من القصص الموجَّهة للأطفال.