رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز»: مقابلة مع البغدادي ستكون {خبطة العمر}

دابش جادر لـ «الشرق الأوسط»: «لندنستان» وأخبار الإرهابيين تحرمني من نشر صوري الشخصية

صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)
صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)
TT

رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز»: مقابلة مع البغدادي ستكون {خبطة العمر}

صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)
صنداي تايمز من أبرز الصحف الاسبوعية البريطانية (تصوير: جيمس حنا)

قال دابش جادر رئيس قسم التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز» إن تجربة تغطية أخبار «لندنستان» والإرهاب في المملكة المتحدة من أروع تجارب حياته قاطبة، مشيرا إلى أن تغطية أخبار «لندنستان» وهجمات لندن عام 2005، ومتابعة أنشطة أبو حمزة المصري قبل ترحيله إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهم الإرهاب، وكذلك أبو قتادة سفير بن لادن في أوروبا، وسنوات حبسه في سجن بلمارش في العاصمة لندن، قبل ترحيله إلى الأردن، تحرمه من نشر صوره الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي لاعتبارات الأمن والسلامة. وأوضح أن أكثر ما يثير فضوله في تغطية أخبار المتطرفين الدوافع التي تحفز الشباب الصغير الذي نشأ وتربى وتعلم في مدارس بريطانيا على الانضمام المفاجئ لجماعات التطرف المتعطشة لدماء البشر مثل «داعش» والسفر إلى سوريا والعراق لتنفيذ هجمات انتحارية، ثم السعي، في بعض الحالات، لتنفيذ هجمات في وطنهم أو على المواطنين في أوروبا. وتساءل ما الذي يدفع فتاة من شرق لندن تبلغ 15 عامًا من عمرها ومتفوقة دراسيا إلى أن تعتقد أنه أمر جيد للغاية أن تتحول إلى عروس لمتطرف في مدينة الرقة؟. وجاء الحوار مع جادر رئيس التحقيقات الاستقصائية في «صنداي تايمز» على النحو التالي:

* كنت على خطوط الجبهات الأمامية في الحروب لتغطي أخبار الإرهاب والمتطرفين في المملكة المتحدة. كيف كانت تلك التجربة بالنسبة إليك؟
- كانت تجربة تغطية أخبار «لندنستان» والإرهاب والمتطرفين في المملكة المتحدة من أروع تجارب حياتي قاطبة. يقع في قلب المسألة السبب الرئيسي وراء حياة أولئك الناس في بريطانيا في المقام الأول، الذين من المرجح أن يكونوا قد تلقوا التعليم في المدارس الحكومية ويتمتعون بمزايا الديمقراطية، مثل حرية التعبير وحرية العبادة، والدافع أو الحافز لأن يلحقوا قدرًا من الأذى بالمجتمعات الغربية. يثير ذلك كثيرًا من التساؤلات المهمة حول مدى تماسك وصلابة المجتمع والتكامل فيما بينه، وسياسات الحكومة، وكما أعتقد، في نهاية المطاف، حالة الإنسان ذاته. وتغطية مثل تلك التقارير الإخبارية لا يخلص من المخاطر بأي حال ولقد واجهت بكل تأكيد قدرًا معقولاً من العداء من جانب المتطرفين في الماضي والتهديدات العارضة التي أتلقاها من وقت لآخر!
* عقب ترحيل أبو قتادة وأبو حمزة من المملكة المتحدة هل تعتقد أن مصطلح «لندنستان» لا يزال يحمل زخمًا معينًا؟
- أعتقد أن مصطلح «لندنستان» لا يزال يحمل زخمًا كبيرًا حتى اليوم. ويبدو أن كثيرًا من البذور المغروسة على يد المتطرفين في لندن إبان حقبة التسعينات قد تنمو حاليًا لتلتف حول عنق بريطانيا ومن ورائها الغرب. وذكرت في آخر قصتين لي حول المتطرفين التونسيين الذين عاشوا في المملكة المتحدة، والذين كانوا من تلامذة أبي قتادة، والذين يرتبطون أيضًا حاليًا بالمذبحة المروعة التي وقعت قبل شهر للسائحين البريطانيين في مدينة سوسة التونسية.
* لقد لعبت دورًا مهمًا في تغطية ثورات الربيع العربي. فما رؤيتك لما حدث؟ وبعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام، هل تشعر بالإحباط أو بخيبة الأمل حيال التقدم المحرز من قبل دول ما بعد الربيع العربي؟
- إنه وضع مخيب للآمال بحق أن نرى ما حدث في أعقاب ثورة الربيع العربي. إن سوريا تقبع في خضم فوضى عارمة، ويبدو أن تأخر إحراز التقدم الاقتصادي في تونس يدفع بكثير من الشبان المحبطين لأن يقعوا فريسة في أيدي المتطرفين.
* تواصل الكتابة في الآونة الأخيرة عن المقاتلين الأجانب المسافرين إلى سوريا. فما الذي يثير اهتمامك على وجه الخصوص في هذا الموضوع؟
- كما ذكرت آنفًا، إن أكثر ما يثير فضولي هي الدوافع التي تحفز الشباب الصغير الذي نشأ وتربى في بريطانيا على الانضمام المفاجئ للجماعة المتعطشة لدماء البشر مثل «داعش» والسعي، في بعض الحالات، لتنفيذ الهجمات على موطنها أو على المواطنين. ما الذي يدفع فتاة من شرق لندن تبلغ 15 عامًا من عمرها ومتفوقة دراسيًا لأن تعتقد أنه أمر جيد للغاية لأن تتحول إلى عروس لمتطرف في مدينة الرقة؟ ما الذي حدا بمحمد إموازي لأن يصبح «جون المتطرف» ويقطع بيديه رؤوس الرهائن البريطانيين؟ إن جزءًا من ذلك لا بد يرجع إلى «الشعار» الذي رفعه تنظيم داعش عن ذاته واستخدامه المتقن للغاية لوسائل الإعلام الاجتماعية، وهو الأمر الذي لم نشهد له مثيلاً من قبل وبتلك الدرجة المزرية لأن تكون أداة من أدوات التطرف.
في أواخر فترة التسعينات، كان جل تركيزي منصبًا على تأثير الدعاة في المساجد والحلقات الدراسية، مثل أبو قتادة وأبو حمزة، ولكن جهود التطرف والتجنيد تجري على قدم وساق عبر «تويتر»، وهي في غالب الأمر ما تتم على أيدي شبان حديثي السن من الذين تمكنوا مؤخرًا فقط من الالتحاق بغيرهم في سوريا أو العراق.
* بوصفك صحافيًا لدى صحيفة «صنداي تايمز»، وهي من الصحف المعروفة وواسعة الانتشار، كيف ساعدك ذلك أو لعله سبب لك إعاقة ما في مسار أعمالك؟
- إن العمل في صحيفة مشهورة قد يفتح لك، أحيانًا، الأبواب ويتيح لك قدرًا من المصداقية لدى الدوائر الحكومية والوزارات. ومع ذلك، ومن واقع حقيقة أن صحيفة «صنداي تايمز» تتبع تيار يمين الوسط، قد يتميز ذلك في بعض الأحيان بقدر من الصعوبة في بناء الثقة والمصداقية لدى المتطرفين ولدى عائلاتهم. وإنني دائمًا ما أوضح خلال محاولتي عقد اللقاءات مع أولئك القوم أن هدفي الأصيل هو محاولة تفهم سلوكيات الأشخاص وليس تأنيبهم أو وصمهم بالعار جراء أفعالهم. من الأهمية بمكان في مهنتي الحفاظ على الموضوعية بقدر الإمكان كمراسل صحافي.
* كيف بدأت مشوارك المهني في مجال الصحافة؟
- دائمًا ما كنت اهتم بالأخبار والقضايا المعاصرة وقت المراهقة، ولكنني اتخذت منحى الجدية حيال مهنة الصحافة بعد عملي محررًا إخباريًا في الصحيفة الجامعية بجامعة نوتنغهام. ولسوء الحظ، فإن كل صحيفة محلية راسلتها سعيًا وراء تعاقد لوظيفة أو فرصة للتدريب عقب التخرج، خذلتني، ولقد أصبت بإحباط شديد لدرجة أنني شرعت في ملء استمارات التوظيف لدى مؤسسات محاسبية بدلاً من الصحافة! ومن حسن الطالع، جاءتني وظيفة محرر مبتدئ لدى صحيفة أسبوعية آسيوية ناطقة بالإنجليزية تدعى «العين الشرقية». وهناك صقلت مواهبي الصحافية لمدة عامين كاملين قبل الانتقال إلى برنامج تدريب الخريجين لدى صحيفة «صنداي تايمز» في عام 1998.
* متى أحسست بأنك تخيرت لنفسك بالفعل المهنة الصحيحة؟
- كان ذلك حين أدركت أنهم قد يدفعون لي راتبي لكوني فضوليًا وأكتب القصص حول حياة أناس آخرين!
* ما أولى قصصك الصحافية؟ ومتى تم نشرها؟
- أعتقد أن أولى مقالاتي للصحافة الوطنية كانت في عام 1995 وكنت حينها في عملي لدى صحيفة الـ«تايمز» وطُلب مني تغطية مؤتمر صحافي في السفارة الأرجنتينية في لندن وكان يدور حول الحقوق النفطية في جزر فوكلاند! وكانت أولى مقالاتي قاطبة لصحيفة «صنداي تايمز» في سبتمبر 1998، وكانت، بصورة مناسبة، تدور حول الرجال التابعين لأسامة بن لادن وأذرع تنظيم القاعدة في لندن الذين خضعوا للتحقيقات على أيدي محققي سكوتلاند يارد حيال تفجيرات السفارتين في شرقي أفريقيا من ذلك العام.
* ما الذي تستمتع بعمله أكثر الوقت؟
- إذا ما فسرت سؤالك هذا بشكل صحيح، فإنني ما زلت أعشق مطاردة الناس بحثًا عن قصة ما والذهاب حتى أبواب منازلهم في زيارات مفاجئة لسؤالهم وأطلب منهم الحديث معي. لا تزال تلك مهارة جيدة إذا كانت تعمل بشكل جيد.
* ما القصة أو المقابلة التي تنتظر الكتابة عنها؟
- يا له من سؤال عسير.. مقابلة حصرية مع أبو بكر البغدادي سوف تكون شيئًا جيدًا، بافتراض أنه لا يزال على قيد الحياة، أو مع محمد إموازي، جلاد «داعش» المعروف باسم «جون المتطرف»، لسوف تأتي بمردود كبير هي الأخرى.
* حصلت على كثير من الجوائز المرموقة تكريمًا لعملك، ولكن هناك جائزة واحدة فقط هي أكبر مفخرة لديك؟
- للأسف، لم أحصل على أي جوائز مناسبة. ولكن هذا العام كنت على قائمة المرشحين لجائزة «المراسل الصحافي للعام» لدى حفل توزيع الجوائز الصحافية من فئة «الأخبار العاجلة» في الجوائز الصحافية البريطانية، وكلاهما يعنى بعملي حول المتطرفين البريطانيين في سوريا. ولقد كانت وسيلة طيبة للتكريم.
* مرت الآن أكثر من ثلاث سنوات على الصراع السوري، ومع بروز تلك القصة على الصفحات الأولى والأخبار العاجلة منذ بدايتها: هل هناك فرصة لأن يصيب الملل وسائل الإعلام؟
- لا أعتقد ذلك. لقد تطورت القصة الإعلامية في وسائل الإعلام البريطانية من تلك التي تدور حول الرئيس الأسد إلى التي تتناول تنظيم داعش، والتهديد الذي يشكله على بريطانيا والغرب. ومن العار أن ذلك التحول صارت له الأسبقية إثر مقتل مئات الآلاف من الأبرياء في سوريا، ولكن الأمن القومي هو الاحتمال الأرجح بالتغطية في الصحافة البريطانية. وبكل تأكيد، تهيمن جهود ديفيد كاميرون لنشر القوات الخاصة البريطانية (SAS) لمحاربة «داعش» على الصفحات الأولى للصحف اليوم.
* ما تقييمك لتغطية صحيفة «صنداي تايمز» لأخبار الإرهاب والمتطرفين؟
- من واقع خشيتي لأن أكون متملقًا لصحيفتي، فإنني أعتقد أن تغطية صحيفتنا لذلك الموضوع كان أكثر شمولاً من أغلب وسائل الإعلام الأخرى في المملكة المتحدة. وذلك لأسباب ليس أقلها أنني واحد من بين ستة صحافيين لدى «صنداي تايمز»، ومن بينهم أيضًا هالة جابر المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، الذين يهتمون بذلك الموضوع كثيرًا. ورغم ذلك، فإنني أقول إن صحيفة الـ«إندبندنت» كانت جيدة للغاية في تسليط الضوء على تلك الظاهرة ومن مراحلها المبكرة.
* التغطية الصحافية للقضية الفلسطينية يشوبها كثير من الانحياز، سواء كنا نتحدث عن الانحياز لإسرائيل في الغرب أو الانحياز لفلسطين، ما رأيك؟
- تلك قضية معمرة، وحتى هيئة الإذاعة البريطانية نالها اللوم لكونها إما من المؤيدين لفلسطين جدًا أو المؤيدين لإسرائيل للغاية في مختلف الأحيان. إنها قضية صعبة بحق. وكل ما يمكنني قوله إنه بوصفك مراسلاً صحافيًا يتعين عليك الالتزام بالموضوعية والمهنية في عملك بقدر الإمكان.
* من الصحافي المفضل لديك–على المستويين المحلي والدولي؟
- أخشى أن هناك كثيرًا من الأسماء اللامعة في المملكة المتحدة والعالم العربي. ولكنني أعجب كثيرًا بأولئك الذين يذهبون للخطوط الأمامية لتغطية أخبار الصراعات حيث تكون سلامتهم على المحك، وأولئك الذين يحاولون العثور على الحقيقة المجردة في دول تقمع حرية التعبير وحرية الصحافة.
* كم عدد الساعات التي تقضيها في العمل كل أسبوع؟ وهل يفسح لك ذلك مجالاً للراحة الشخصية؟
- إن ذلك يختلف باختلاف العناصر على أجندة الأعمال، ولكن–في المتوسط–دعني أقول إنها 60 ساعة في الأسبوع. وأيام الجمعة والسبت هي أكثر الأيام شغلاً بالنسبة لصحيفة تصدر أيام الآحاد من كل أسبوع. وأخشى أنني مثل معظم الصحافيين أقضي كثيرًا من وقت فراغي في قراءة الصحف والمجلات والتقارير على الإنترنت، ولذا فلا يتاح لي وقت الراحة الشخصية كما يحلو لي دائما!
* ما رأيك في الإعلام المطبوع مقابل الإعلام على الإنترنت؟ وهل تعتقد أن الأنماط الجديدة من الإعلام تغتال الأنماط القديمة منه؟
- أعتقد أن كلا النمطين يمكن أن يتعايشا جنبًا إلى جنب. ومن الناحية الشخصية، ما زلت أحب ملمس الحبر الأسود على أصابعي. وأعتقد بالتأكيد أن الإعلام المطبوع، مثل صحيفة «صنداي تايمز» و«دير شبيغل» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست»، لديها ما يكفي من الموارد لتتفوق في تحقيقاتها الصحافية. ومع ذلك، أعجبني كثيرًا موقع (فايس–Vice) الإخباري من واقع تغطيته للمتشددين. وأرى أن موقع (باز فيد–Buzzfeed) يستثمر بشكل كبير في نقل وتغطية الأخبار. والوقت كفيل بأن يخبرنا أي من تلك الأنماط يستحق الجدارة تجاريًا.
* ما المدونة أو الموقع الإخباري المفضل لديك؟
- لا أزال أتابع موقع هيئة الإذاعة البريطانية الإخباري في أغلب الأوقات. ولكن، وعلى نحو متزايد، أرى أن موقع «تويتر» هو الأفضل من حيث الأخبار الفورية العاجلة، في المملكة المتحدة وفي الخارج.
* ما النصيحة التي تقدمها لصغار الصحافيين الذين يبدأون أولى خطواتهم في تلك المهنة؟
- كن صبورًا، ومثابرًا، وعنيدًا، وكن دائمًا على استعداد لقبول رفض الآخرين لك، والأهم من كل شيء، كن صادقًا مع ذاتك.
* من قدوتك في عالم الصحافة؟
- من باب الأمانة، هناك عدد لا يحصى من الصحافيين والمحررين الذين أعجب بهم كثيرًا. وإذا ما تخيرت شخصية واحدة بعينها، أعتقد أنها سوف تكون ماري كولفين، المراسلة الأجنبية السابقة لدى «صنداي تايمز»، التي لاقت حتفها في سوريا على يد قوات بشار الأسد في 2012. فقد ساعدتني في أولى مقالاتي بالصحيفة وكانت ذات كرم بالغ على الدوام مع الصحافيين الناشئين من حيث النصيحة والوقت. وما كانت تخاف من شيء، وحققت فارقًا كبيرًا. وفي كل مرة أرى بائع الجرائد السريلانكي يحدثني عن الراحلة ماري، وكيف أنها سلطت الضوء بجهودها على مآسي أقلية التاميل في بدايات الصراع هناك، ويبكي متأثرًا لذكراها!
* ما الخصائص التي ينبغي في رأيك أن يتمتع بها كل صحافي ناجح؟
- العزم، والإصرار، والتواضع، والاستعداد لتحدي السلطة. ولا يكتفي بـ«لا» كإجابة.
* ما النصيحة التي تقدمها للصحافيين العرب الناشئين على وجه التحديد؟
- لن تختلف كثيرًا عما قلته آنفًا: كن صبورًا ومثابرًا وعنيدًا، وكن مستعدًا لأن يرفضك الآخرون، ولكن بمزيد من الأهمية، كن صادقًا مع نفسك. وبالنسبة لأولئك الذين ترفض عائلاتهم عملهم في الصحافة، أقول لهم إن الصحافة في مثل أهمية الطب أو القانون أو السياسة، على الرغم من أن العائد المادي من ورائها ليس كبيرًا!



«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
TT

«دويتشه فيله» تواجه احتمالات إغلاق الخدمة اليونانية ووقف عدد من البرامج

المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)
المقر الرئيس لقناة "دويتشه فيله" في مدينة بون (دويتشه فيله)

خرج العشرات من موظفي قناة «دويتشه فيله» التلفزيونية الألمانية في مظاهرة في برلين، الخميس الماضي، رفضاً لاقتطاع 21 مليون يورو من ميزانية القناة المموّلة من ميزانية الحكومة السنوية، ما سيؤثر على عشرات الوظائف داخل القناة. وللمرة الثانية خلال سنتين، تقرّر الحكومة الألمانية تخفيض ميزانية تمويل القناة بعدما اقتطعت قبل سنتين 20 مليون يورو، ما تسبب بعمليات طرد جماعية آنذاك لتحقيق أهداف خفض الميزانية.

الاقتطاع الجديد في ميزانية القناة، التي تبث بـ32 لغة مختلفة، سيؤدي إلى إغلاق الخدمة اليونانية بشكل كامل بعد أكثر من 60 سنة على عملها. وحقاً، أثار إغلاق الخدمة اليونانية جدلاً في العاصمة اليونانية أثينا، خاصة أن القناة لعبت دوراً مهماً في التخلص من الديكتاتورية العسكرية في اليونان عام 1974، باصطفافها الواضح إلى جانب اليونانيين الذين كانوا يناضلون في سبيل الديمقراطية.

ثم لعبت القناة، مجدداً، دوراً مهماً إبّان أزمة اليورو عام 2015، وكانت تبث وجهة نظر ألمانيا إلى اليونانيين. ولقد برّر مجلس إدارة القناة قرار إغلاق الخدمة اليونانية بالكامل بالقول إن «اليونان بات بلداً ديمقراطياً وجزءاً من الاتحاد الأوروبي منذ سنوات».

وقف عدد من البرامج

إضافة إلى سبق، سيصار إلى وقف عدد من البرامج في مختلف الخدمات واللغات، ومن أبرزها البرامج الحواري «بتوقيت برلين» الذي يبث بـ4 لغات من بينها العربية. ويستضيف هذا البرنامج صحافيين ومحللين أسبوعياً لتحليل أبرز حدث في الأسبوع. وبإلغاء هذا البرنامج لا يبقى للخدمة للعربية سوى برنامج واحد هو إخباري مسائي يومي، علماً بأن الخدمة ألغت أيضاً نشرات الأخبار التقليدية.

من جهة ثانية، على الرغم من تعهد القناة بأن تخفيض الميزانية إلى 395 مليون يورو، لن يؤدي إلى عمليات طرد جماعية، فإنه سيؤثر على قرابة 160 وظيفة، معظم شاغليها لا يعملون بعقود دائمة. وسيعاد من ثم توزيع هؤلاء وربما تخفيض مرتباتهم.

أيضاً، قد يخسر قرابة 200 موظف يعملون بالدوام الحر (فريلانسر) عملهم نتيجة تخفيض الميزانية، بحسب نقابة «فيردي» التي دعت للمظاهرة الأسبوع الماضي. وذكرت النقابة، وهي الأكبر في ألمانيا، أن الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي «إلى التخلي عن 200 موظف، بشكل أساسي من الذين يعملون بنظام العمل الحر». وانتقدت قرار تخفيض التمويل بالقول إن «هذا سيؤدي إلى خسارة كبيرة في مدى الوصول، وإلى تقوية الأصوات التي تنشر المعلومات المضللة». وبالتالي، اعتبرت أن هذا الاقتطاع من ميزانية القناة سيؤدي إلى «خسارة ألمانيا للمنافسة الدولية، كما أن الأصوات التي تدعم القوى الديمقراطية في العالم ستصبح أكثر هدوءاً».

شعار القناة (دويتشه فيله)

من البنية التحتية والإدارة

بحسب مجلس إدارة «دويتشه فيله»، سيأتي أكثر من ثلث إجمالي التخفيضات من البنية التحتية والإدارة، بالإضافة إلى استخدام الذكاء الاصطناعي. وللعلم، يعطي تمويل القناة من ميزانية الحكومة بُعداً سياسياً لا تحمله القنوات الألمانية الأخرى التابعة للدولة والمموّلة من ضريبة البث التي يدفعها المواطنون ولا تتأثر بالميزانيات السنوية للحكومة.

كارل يونغستين، رئيس مجلس البث في القناة، انتقد قرار الحكومة تخفيض الميزانية المخصصة للقناة، واصفاً القرار بالـ«مؤسف»، وأردف: «بسبب هذا القرار يجب على القناة أن تتوقع انخفاضاً كبيراً في مدى وصولها إلى المشاهدين، وهذا أمر مؤسف للغاية، خاصةً أن روسيا والصين تتوسعان بشكل ضخم في قنوات البروباغندا التابعة للدولة، وانسحاب الولايات المتحدة من البث الدولي يخلق فجوة متزايدة».

ورأى يونغستين أن تخفيض الميزانية «سيضعف وجهات النظر الألمانية والأوروبية دولياً في وقت تسعى فيه أوروبا بشكل طارئ للحصول على شركاء وحلفاء جدد».

كذلك، وصف أشيم ديرك، أمين عام مجلس إدارة قناة «دويتشه فيله»، قرار تخفيض ميزانية القناة بأنه «يتعارض» وتعهدات الحكومة «بتقويتها»، كما يذكر بيان الحكومة الائتلافية التي تشكلت العام الماضي بقيادة حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» بزعامة المستشار فريدريش ميرتس.

وأضاف ديرك أنه «من دون زيادة الميزانية العام المقبل، فإن ارتفاع التكلفة في كل المجالات سيؤثر على نوعية العمل الصحافي والبنية التحتية ومدى الوصول الذي تتمتع به القناة». واعتبر أنه «فقط من خلال تمويل مناسب يمكن لقناة (دويتشه فيله) أن تقدم مساهمة أساسية ناجحة في الصحافة الحرة ومواجهة المعلومات المضللة».

التخفيض يقتصر على السنة الحالية

تخفيض ميزانية القناة يقتصر الآن على العام الحالي، ومن غير المعروف ما إذا كانت الحكومة ستزيد من مخصصاتها لها في ميزانية العام المقبل. ولا تستهدف الحكومة الألمانية ميزانية القناة بحد نفسها، بل تقول إن كل الوزارات عليها تخفيض ميزانياتها بهدف إعادة تحويل بعض التمويل إلى استثمارات تتعلق بالأمن والنمو.

في المقابل، يتعين على إدارة القناة تعديل إنفاقها سنوياً بحسب الميزانية المخصصة لها. وفي العام الماضي مثلاً، خصّصت لها ميزانية أعلى بـ15 مليون يورو عن العام الذي سبق. ولكنها في عام 2024 اضطرت لاتخاذ خطوات بعدما قلصت الحكومة ميزانيتها من 413 مليون يورو إلى 410 ملايين يورو. وأنهيت حينذاك عقود أكثر من 50 موظفاً وتم تقليص ساعات عمل أكثر من 100 موظف آخر. وهذا مع الإشارة إلى أن القناة توظف حالياً أقل بقليل من 4 آلاف موظف.

أخيراً، يبقى أن نذكر أن «دويتشه فيله» تحوّلت في السنوات الماضية، أكثر من مرة، إلى مادة إخبارية دسمة بعد سلسلة من الفضائح ارتبطت بها، خاصة في الخدمة العربية. وإثر فضائح تتعلق بتحرّشات داخل القناة، خرجت قبل 4 سنوات اتهامات لموظفين بـ«معاداة السامية»، وطرد عدد منهم خاصة من الفلسطينيين.

ولكن القناة نفسها اتهمت بعد ذلك بتسييس الاتهامات، وبالحد من حرية التعبير عن الرأي داخل القناة، خاصة فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل. وبالفعل، لجأ بعض الموظفين الذين طُردوا واتهموا بـ«معاداة السامية» إلى المحاكم، وكسب منهم معركته ضد القناة التي على الأثر اتهمت بالطرد التعسفي، وفاز عدد منهم بتعويضات مالية.


توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)
TT

توجه مؤسسات إعلامية إلى منصات «التنبؤ بالأحداث» يثير تساؤلات مهنية


شعار منصة «كالشي» (رويترز)
شعار منصة «كالشي» (رويترز)

أثار توجه مؤسسات إعلامية للتعاون مع «منصات التنبؤ» تساؤلات مهنية وأخلاقية عدة. وفي حين رأى خبراء أن الاتجاه إلى «أسواق التنبؤ» يعكس رغبة في جذب الجمهور المتعطش للمعرفة، فإنهم حذّروا من «تأثير هذا الانخراط على المصداقية»، مطالبين بوضع أطر قانونية وأخلاقية لتقنين استخدامها.

«أسواق التنبؤ» هي منصات رقمية تتيح للمستخدمين المراهنة على احتمالات وقوع أحداث مستقبلية، من نتائج الانتخابات إلى المؤشرات الاقتصادية. وهي قد تكون «شكلاً خطيراً من أشكال المقامرة، يتيح المراهنة على أحداث واقعية دون قيود أو قواعد اقتصادية وقانونية»، أو «قد تكون بديلاً جيداً لاستطلاعات الرأي إذا ما اعتمدت أطراً قانونية»، وفق تقرير لمعهد «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الإعلام.

للعلم، شهدت الفترة الأخيرة اتجاهاً إعلامياً متزايداً لدمج «أسواق التنبؤ» في غرف الأخبار؛ إذ أعلن عن اتفاقات شراكة بين منصة «كالشي» (كل شيء) للتنبؤ في نيويورك، ومؤسسات إعلامية مثل «سي إن إن»، و«سي إن بي سي»، و«فوكس»، و«أسوشييتد برس»، كما وقعت اتفاقات مماثلة بين منصة «بولي ماركت» وكل من «سبستاك» و«داو جونز».

معهد «نيمان لاب» أفاد بأن منصتي «كالشي» و«بولي ماركت» تعملان على ترسيخ وجودهما في سوق صناعة الأخبار. وعادة ما تستخدمان لغة إخبارية في الترويج للمحتوى على منصات التواصل الاجتماعي مثل «عاجل» و«يحدث الآن»، متبوعة بروابط تتيح للمستخدمين المراهنة على الأخبار، لكن «الكثير منها ينطوي على معلومات مضللة».

ليلى دومة، الباحثة الجزائرية في علوم الإعلام والاتصال، عدّت تنامي اهتمام وسائل الإعلام بما يُعرف بـ«أسواق التنبؤ» انعكاساً لمساعي وسائل الإعلام مواكبة جمهور متعطش للمعلومة الفورية والتحليل الاستباقي، في بيئة تتسم بتسارع الإيقاع الإخباري واحتدام المنافسة.

وقالت دومة في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن «أسواق التنبؤ تبدو أداة جذابة؛ إذ تقدم مؤشرات آنية ومُجمَّعة تستند إلى الحكمة، ما يمنحها جاذبية تحليلية وإمكانات تفاعلية تعزز انخراط الجمهور». وذكرت أن تلك المنصات «توفّر للمؤسسات الإعلامية وسيلة جديدة للرصد الاستراتيجي، تساعدها على استشراف الاتجاهات وتغذية تغطياتها بمقاربات قائمة على الاحتمالات».

إلا أن الباحثة الجزائرية تطرّقت إلى «تحديات عميقة» تواجه الانخراط في «أسواق التنبؤ»، تأتي «المصداقية» في صدارتها. وأوضحت أن «أسواق التنبؤ بطبيعتها، لا تُنتج حقائق مؤكدة، بل تقديرات احتمالية قد تتأثر بعوامل نفسية وسلوكية أو حتى بحملات تضليل منظمة، ما يبرز خطر الخلط بين الخبر والتحليل، أو بين المعلومة والتكهن، وهو ما قد يؤدي إلى إرباك المتلقي وتقويض ثقته بالوسيلة الإعلامية».

دومة شددت أيضاً على «ضرورة وضع تأطير صارم لاستخدام هذه الأدوات داخل غرف الأخبار، من خلال تبني معايير واضحة تضمن الشفافية في عرض المعطيات، وتُبرز طبيعتها الاحتمالية، إلى جانب الحفاظ على مسافة نقدية تحول دون الانزلاق نحو الترويج غير الواعي لنتائج غير مؤكدة».

وأردفت: «يمكن لأسواق التنبؤ أن تشكل إضافة نوعية للعمل الصحافي إذا ما أُحسن توظيفها ضمن مقاربة مهنية متوازنة، تجمع بين الابتكار والمسؤولية»، وشددت على أنه «في حال غياب الضوابط، فإنها قد تتحول من أداة تحليل إلى مصدر تشويش ما يهدد أحد أهم أصول الإعلام الموثوق».

وللعلم، تتيح الشراكات الإعلامية مع «أسواق التنبؤ» ظهور بيانات «منصات التنبؤ» على شاشات المؤسسات الإعلامية، ما يقدّم للمشاهد نظرة على ما يمكن أن يحدث مستقبلاً في مختلف المجالات، لا سيما الاقتصاد، استناداً لتوقعات الجمهور.

من ناحية ثانية، رأى الدكتور أشرف الراعي، الخبير في الجرائم الإلكترونية وتشريعات الإعلام، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «تصاعد اهتمام المؤسسات الإعلامية العالمية بأسواق التنبؤ لا يُعد مجرد تطور تقني، بل يمثل تحولاً بنيوياً في فلسفة العمل الصحافي».

وأردف أن «الإعلام انتقل من موقع نقل الوقائع إلى دور أكثر تعقيداً يقوم على تحليل الاتجاهات واستشراف السيناريوهات المستقبلية، بالاستناد إلى بيانات جماعية ديناميكية تتشكل في الزمن الحقيقي... وأسواق التنبؤ تمنح وسائل الإعلام مؤشرات، قد تسبق الإعلان الرسمي أو النتائج النهائية، ما يخلق ميزة تنافسية كبيرة في بيئة إعلامية تقوم على السرعة والتأثير»، محذراً من أن «هذا التفوق قد يتحول إلى مصدر مخاطر إذا لم يُضبط ضمن أطر مهنية وقانونية واضحة».

وأشار الراعي إلى أن «التحدي الأبرز يتمثل في تآكل الحدود الفاصلة بين الخبر والتوقع، ما قد يؤدي إلى تضليل الجمهور أو خلق تصورات غير دقيقة عن الواقع، لا سيما إذا قُدّمت مُخرجات أسواق التنبؤ بصيغة حقائق مؤكدة».

ولفت إلى أن «هذه الأسواق قد تكون عرضة للمضاربات المنظمة أو التلاعب بالمعلومات، ما يثير تساؤلات جدية حول مسؤولية المؤسسات الإعلامية حال نشر بيانات أو مؤشرات غير موثوقة».

هذا، ولا يقتصر الأمر فقط على إشكاليات مهنية؛ بل يمتد إلى إشكاليات أخرى قانونية، تتضمن، بحسب الراعي، «المسؤولية المدنية والجزائية عن نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة، لا سيما إذا ترتب عليها ضرر بالأفراد أو الأسواق. وقضايا حماية البيانات؛ إذ تعتمد بعض منصات التنبؤ على تحليل بيانات المستخدمين وسلوكهم، ما يفرض الالتزام بالتشريعات الخاصة بحماية الخصوصية وعدم إساءة استخدام البيانات. إضافة إلى إشكالية التلاعب بالأسواق؛ حيث قد تُستغل التغطيات الإعلامية نفسها للتأثير على اتجاهات التنبؤ، ما يخلق دائرة مغلقة من التأثير المتبادل بين الإعلام وهذه الأسواق».

ونبّه الراعي، من ثم، إلى أن هناك بعداً تنظيمياً يتعلق بضرورة تحديد الطبيعة القانونية لـ«أسواق التنبؤ»؛ هل تُعامل كمنصات مالية، أم كأدوات تحليل بيانات، أم كمساحات تعبير؟ وقال إن هذا «التصنيف يترتب عليه خضوعها لأطر رقابية مختلفة، سواء من (هيئات تنظيم الإعلام)، أو الأسواق المالية، أو الجهات المختصة بحماية البيانات».

وشدد على أن «الحفاظ على مصداقية الإعلام في ظل هذا التحوّل يتطلب إعادة تأطير العلاقة مع أسواق التنبؤ، بحيث تُستخدم بوصفها مصدراً تحليلياً داعماً لا بديلاً عن العمل الصحافي القائم على التحقق والتدقيق». ثم دعا إلى «تطوير مدونات سلوك مهنية واضحة، تلزم المؤسسات الإعلامية بالإفصاح عن طبيعة هذه البيانات وحدودها، وعدم تقديمها بوصفها حقائق نهائية».

واختتم الراعي بالقول إن «المرحلة المقبلة تستدعي تدخلاً تشريعياً متوازناً يحقق معادلة دقيقة بين تشجيع الابتكار في الإعلام الرقمي، ومنع إساءة استخدام أدوات التنبؤ، ما يضمن حماية الرأي العام وصون الثقة في وسائل الإعلام، باعتبارها ركيزة أساسية في تشكيل الوعي المجتمعي».


آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
TT

آن ـ كلير لوجاندر: «معهد العالم العربي» يجمع المَشاهد الثقافية ويواكب التحوّلات الفنّية

وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)
وجه جديد... ورؤية لمعهد أكثر انفتاحاً (أ.ف.ب)

بحلول عام 2027، يكون قد مرَّ 40 عاماً على تأسيس «معهد العالم العربي»، وهو عمر النضج لهذه المؤسّسة الثقافية الفريدة من نوعها في العالم، والتي تحتلّ موقعاً جغرافياً متميّزاً في العاصمة الفرنسية، حيث تطلّ على كاتدرائية «نوتردام» ونهر السين وباريس التاريخية. ولأنّ المعهد شهد تغييراً في رئاسته عقب استقالة رئيسه السابق جاك لانغ وتسمية آن كلير لوجاندر، السفيرة السابقة ومستشارة الرئيس إيمانويل ماكرون الدبلوماسية لشؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، مكانه، كان لا بدَّ من اللقاء بالرئيسة الجديدة الشابة التي تجيد اللغة العربية وتُبدي اهتماماً بالعالم العربي. ولوجاندر هي أول امرأة تُسند إليها هذه المهمّة البالغة الأهمية، نظراً إلى الدور الذي يضطلع به المعهد، ليس فقط على الصعيد الثقافي والفني واجهةً للثقافة والحضارة العربيتَيْن، وإنما أيضاً لما له من امتدادات على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي. من هنا، سعت «الشرق الأوسط» إلى التعرّف على رؤية الرئيسة الجديدة لدور المعهد، وكيفية تحديث صورته وتمكينه من تعميق وظيفته مركز إشعاع ثقافياً وحضارياً في «عاصمة النور»، وجسراً للتواصل والتلاقح بين ضفاف البحر الأبيض المتوسّط وما وراءها، وصولاً إلى الخليج وحتى البحر الأحمر.

مساحةٌ تلتقي فيها الثقافات بلا حواجز (أ.ف.ب)

روابط عضوية بين الفاعلين ثقافياً

تقول الرئيسة الجديدة: «الدول المعنية من الجانبين في (معهد العالم العربي) تستحق فتح فصل جديد. ونحن نأمل، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ40 لتأسيسه، أن نتمكن من تحديد توجُّه جديد للـ40 عاماً المقبلة. والمهم بالنسبة إليّ هو إعادة بناء علاقة أقوى مع الدول المؤسّسة في العالم العربي. وخلال الـ40 عاماً الماضية، تطوَّرت المَشاهد الثقافية في هذه الدول بشكل كبير. ولذا، أودّ أن نتوصل إلى إقامة روابط وثيقة جداً، بل عضوية، مع جميع الفاعلين في المشهد الثقافي لهذه البلدان». واستطردت: «ثمة تطوّر مهم يتمثّل في بروز المشهد الثقافي في المنطقة الخليجية، الذي نما بقوة وبشكل لافت خلال الـ20 عاماً الأخيرة، وأصبح له موقعه ودوره، ونحن نرغب بشدّة في تعزيز روابطنا مع الفاعلين الفنّيين والثقافيين هناك».

قيادة جديدة لمعهد يبحث عن أفق أوسع (أ.ف.ب)

ومن التحوّلات التي تتوقَّف عندها، عودة سوريا إلى الفضاء الثقافي الذي يُعاد بناؤه، مشيرة إلى أنّ سوريا ستكون حاضرة للمرة الأولى منذ 15 عاماً في «بينالي البندقية للفنّ المعاصر» بجناح يضمّ مجموعة من الفنانين السوريين. ولذا، فإنّ المعهد لا يريد أن يكون بعيداً عن هذه العودة، وهو راغب في مساندتها والتفاعل معها.

أهمية تعليم اللغة العربية

ثمة هدف ثانٍ تريد الرئيسة الجديدة التركيز عليه، يتناول اللغة العربية وكيفية الدفع باتجاه تعليمها والترويج لها، في فرنسا وفي أوروبا أيضاً. ففي فرنسا، تُعد اللغة الثانية الأكثر تداولاً، ولها علاقات تاريخية وثيقة بالبلد وباللغة الفرنسية، وكانت لقرون رافداً ثقافياً رئيسياً في أوروبا. وثمة حاجة حقيقية في فرنسا وفي عدد من الدول الأوروبية، حيث الجاليات العربية الراغبة في أن يتعلّم أبناؤها اللغة العربية في معاهد واضحة وشفّافة وحديثة. وبنظرها، فإنّ «المعهد» قادر على المساعدة والإسهام في هذه المهمّة. وما تريده لوجاندر، في مواجهة الصور النمطية السلبية عن اللغة العربية، التي تعكس إما جهلاً بحامليها أو دوافع سياسية، هو أن يتولّى «المعهد» مهمّة الإسهام في انتشارها، خصوصاً أنه يحتضن مركزاً مُعتَرفاً به لتعليمها، وهو مؤهَّل لمنح شهادات مقبولة رسمياً. وطموحها يذهب أبعد من ذلك؛ إذ تريد أن يُعتَرف بإرث هذه اللغة، وأن يجري «تبنّيها» على المستوى الفرنسي. وقالت حرفياً: «لدينا دور نؤدّيه في هذا المجال، يتمثَّل في إظهار أنه ضمن إطار جمهوري، يمكن لهذا التاريخ واللغة والثقافة أن تجد أبهى صور العرض والتقدير، وهو تقدير لا يزال ينقصها اليوم على الساحة الفرنسية».

لوجاندر في الواجهة... والمعهد على طريق التحوُّل (غيتي)

العالم العربي اليوم

لا يستطيع «المعهد» أن يعيش مع محيطه أو يؤثّر فيه أو يتفاعل معه من دون تقديم إنتاج ثقافي. وما تريد لوجاندر الدفع باتجاهه هو بالفعل «تعزيز الإنتاج الثقافي المشترك»، سواء من خلال المعارض أو الأنشطة الثقافية المتنوّعة، بما يعني «تقديم المساعدة للفنانين الشباب العرب على إيجاد فرص، ومساعدتهم على إنتاج أعمال جديدة، وضمان تداخُل المشهدين الثقافيين (هنا وهناك) من خلال تواصل حقيقي». وتأسف لوجاندر لأنه «لا يزال هناك قدر من الجهل في فرنسا وأوروبا بشكل عام تجاه هذه المَشاهد الثقافية العربية الجديدة. وأنا واثقة أننا قادرون على بناء حداثة جديدة معاً، و(المعهد) هو المكان المناسب لذلك». ولأنّ رئيسته لا تريد إثارة الجدل بشأن فكرتها، فإنها تحرص على توضيحها بشكل كافٍ، وتقول: «ما يهمنا هو الرؤية التي يحملها العالم العربي اليوم، والتي يمكن أن تتفاعل مع المشهد الثقافي الأوروبي والفرنسي. وهذا يمرّ، في نظري، عبر بناء روابط أوثق مع المؤسّسات الثقافية في الجانبين، وليس فقط مع الدول على أنها كيانات سياسية، بل أيضاً مع الفاعلين الثقافيين فيها ومؤسّساتها الكبرى، من أجل إنشاء شبكة تعاون في خدمة الثقافة».

الفكرة طَموحة والهدف واضح، لكن ترجمتها إلى واقع تطرح تحدّي التمويل. رئيسة «المعهد»، التي تعمل على إنضاج خطّتها، لديها منذ الآن مجموعة من الأفكار، من بينها استقدام فنانين وعرض أعمالهم، وتأهيل قيّمين على المعارض من المشهد الثقافي العربي، بدلاً من حصر هذه المهمّة بالفرنسيين أو الأوروبيين. وأكثر من ذلك، تشير لوجاندر إلى أنّ «المعهد» بصدد العمل على استحداث مجموعة من الجوائز في قطاعات فنّية متنوّعة، مثل التصميم والأدب والرسم وحتى الموضة، مع توفير إمكانات للإنتاج للفائزين، وإتاحة فضاءات وفرص للعرض، وبناء شراكات مع مؤسّسات فرنسية وغير فرنسية، إضافة إلى توفير إقامات فنيّة للفائزين في فرنسا وأوروبا. والهدف «اكتشاف مواهب ورؤى جديدة ورعايتها، وربطها بالمشهد الثقافي الفرنسي والأوروبي، وفتح آفاق جديدة أمامها».

هنا... تصبح الثقافة لغة مشتركة (أ.ف.ب)

إبراز المنطقة الخليجية

تشمل هذه الرؤية أيضاً دول الخليج، التي لم تحظَ بالقدر الكافي من اهتمام «المعهد»، وهو ما تسعى الرئيسة الجديدة إلى معالجته؛ إذ تؤكد تشجيع التعاون الوثيق مع المنطقة، مشيرة إلى وجود «إمكانات كبيرة للتعاون مع المتاحف الخليجية وإقامة شراكات معها». وتلاحظ أنّ المتاحف التي نشأت في السنوات الأخيرة «رائعة، لكنها تفتقر إلى برمجة واضحة للمعارض أو للأنشطة». كما ترصد معرض الرياض الدولي بوصفه فرصة للتعاون، مشدِّدة على رغبتها في «دخول المعهد إلى الفضاء الخليجي ومشهده الثقافي». وفي هذا السياق، تسعى لوجاندر إلى نفض الغبار عن المتحف وتحديثه.

تحدّي التمويل

كلما كبرت المشاريع، تضاعفت الحاجة إلى تمويلها. ويعيش «المعهد» تاريخياً حالة عجز مالي دأبت وزارة الخارجية الفرنسية على تغطيته. وإنما لوجاندر تؤكد ثقتها باستدامة وضعه المالي، مشيرة إلى نجاحه في تطوير موارده الذاتية من خلال المعارض والأنشطة؛ إذ بات ضمن أبرز 5 متاحف في باريس، ويستقبل ما لا يقلّ على مليون زائر سنوياً. وإلى جانب الدعم المالي السنوي من الدولة الفرنسية، يمتلك «المعهد» صندوقاً بقيمة 51 مليون يورو موظّفاً في أحد البنوك، يوفّر عائدات سنوية، وقد تكوَّن هذا الصندوق من إسهامات الدول العربية.

وتسعى الرئيسة إلى تطوير الموارد المالية لتمويل الأنشطة الجديدة، مع الحرص على أعلى درجات الشفافية في إدارة الميزانية. ومن هنا، تدفع نحو حوكمة جديدة ونظام إداري محدَّث، مع طرح فكرة إنشاء «مجلس أمناء» أسوة بالمؤسسات الأميركية الكبرى، وتعزيز شبكة الداعمين، عبر إشراك شخصيات وهيئات فاعلة في المشهد الثقافي من المجتمع المدني في الجانبين.

صورة «المعهد» بعد 10 سنوات

سؤال أخير لرئيسة المعهد يتناول رؤيتها له بعد 10 سنوات. ويأتي ردها حاملاً كثيراً من الطموحات؛ إذ ترى فيه «محوراً نتمكن من خلاله من ربط مختلف هذه الفضاءات الفنّية والثقافية العربية والفرنسية والأوروبية»، بحيث «يوفّر مساحة تتيح التلاقي والتفاعل». كما تسعى إلى تطوير المتحف الذي يضمه «المعهد» وفق «مفهوم جديد وحديث، يدمج بشكل أفضل الفنون المعاصرة والحديثة (من الجانب العربي)، التي لم نُبرزها بما يكفي حتى الآن. ومن أولوياتنا أن نمنحها حقّها من الاهتمام».

وتضيف لوجاندر: «أرنو إلى أن نستضيف هذا الإبداع المعاصر داخل مؤسّستنا، ثم نعمل على نشره وتشجيعه خارجها أيضاً. ومنطق الجوائز يوفّر دعماً ملموساً للفنانين الشباب». لذلك، ستعمل على «اقتناء أعمال المبدعين العرب الشباب وإنتاجاتهم، فيكون «المعهد» أفضل واجهة لعرض إنتاج هذا الجيل المعاصر».

وأخيراً، ترى في «المعهد» «فضاءً يشعر فيه الفرنسيون بالراحة، فيجدون فيه ما يعكس جانباً من هويتهم، ويجعلهم يتعرَّفون إلى أنفسهم من خلاله».