أفلام ترسم صوراً داكنة حول هوليوود الآثمة

«بابليون» أحدثها وقبله أعمال أخرى

«بابليون» العشرينات الخادعة (باراماونت بكتشرز)
«بابليون» العشرينات الخادعة (باراماونت بكتشرز)
TT

أفلام ترسم صوراً داكنة حول هوليوود الآثمة

«بابليون» العشرينات الخادعة (باراماونت بكتشرز)
«بابليون» العشرينات الخادعة (باراماونت بكتشرز)

تتعثَّر مسيرة بعض الأفلام الكبيرة فتقع. فيلم «كليوباترا» (جوزيف مانكوفيتز، 1963) ارتفعت تكاليفه لأكثر مما كان في بال الشركة المنتجة «فوكس»، وعندما حطّ على الشاشات لم ينجز تماماً النجاح الذي سعى إليه. «بوابة الجنة» Heavn‪›‬s Gate (مايكل شيمينو، 1980) أراد أن يقدّم للشاشة «أضخم فيلم وسترن» في التاريخ لكن هذا الطموح الكبير لم ينجز إلا الخسارة الكبيرة أيضاً.‬‬‬
الأمر نفسه كاد أن يحدث لفيلم فرانسيس فورد كوبولا «القيامة الآن» (Apocalypse Now): مشروع ضخم عن الحرب الفيتنامية، لكنه ووجِه بشتى أنواع المصاعب من عواصف عاتية دمّرت ديكورات التصوير، إلى فقدان مارلون براندو القدرة على التركيز وترك التصوير ثم العودة إليه وقد زاد وزنه عن 300 باوند مما منعه من الظهور بكامل بدنه. إدمان مارتن شين على الشرب وقيام المخرج بتصوير مئات آلاف الأمتار من الفيلم فوق المعتاد، مما جعل ميزانية العمل تتضاعف من 16 مليون دولار إلى 32 مليون دولار. كيف أنجز الفيلم إيراداً مقبولاً في نهاية المطاف (نحو 112 مليون دولار) يبقى أمراً غامضاً لكنه أنقذ الفيلم الذي هو أحد أفضل ما أنتجته السينما من أعمال من مصير أسود محتم.

جوش برولِن وتيلدا سونتون في «هايل سيزار» (يونيفرسال بكتشرز)

فضائح منشورة
فيلم داميان شازيل «بابليون» هو من هذا النوع الذي تعثر تحت ثقل طموحاته. دراما عن هوليوود العشرينات وما داخلها من فضائح وخطايا وكل ما يمكن أن ينعتها بالفسق والمجون وضمور الأخلاق. سعى داميان شازيل إلى منح مشاهدي اليوم صورة حول ما كانت عليه هوليوود بالأمس. ليس كل الصورة، بل تلك الموصوفة بكل سوء ممكن: الأنانية، الشرب، الإدمان على المخدرات، الحفلات الماجنة، الإخفاقات التي تحطم أصحابها والأحلام التي تدغدغ الساعين إلى الشهرة مقابل أي ثمن ممكن. النقاد انقسموا وأغلبهم وجدوا الفيلم حافلاً بأكثر مما يلزمه من طروحات. حمل وزناً زائداً من الأمثلة وحشد لصبغ هوليوود بلون واحد مستوحى من «سادوم وعمورة» ومثمراً عن فيلم لم يرد أحد مشاهدته.
هذا مؤسف فالمخرج شازيل موهوب كما برهن على ذلك بأفلامه السابقة «سوط» (2014) و«لالا لاند» (2016) و«رجل أول» (2018). مشكلته هي أنه يقصد اصطياد العيوب في المسائل التي يطرحها فـ«سوط» كان عن قسوة أستاذ موسيقى و«لالا لاند» كان عن افتراق شمل العشّاق بفعل أخطاء أصحابها و«أول رجل» لم يكن عن الخطوة الكبيرة لأول أميركي سار على كوكب القمر، بل ما مر به نيل أرمسترونغ من مخاوف وعقبات شخصية وعلمية تم إخفاؤها فيما نُشر من كتب وأنتج من أفلام حول الموضوع.
على ذلك «بابليون» هو فيلم مختلف بكم الدكانة التي تميّزه.
هوليوود العشرينات، كما وصفها كتاب «هوليوود بابليون» لكينيث أنغر كانت كل ما يصفه فيلم شازيل «بابليون» وأكثر. أنغر كان مخرجاً سينمائياً بدوره تخصص في السينما التسجيلية والسوريالية والتجريبية. كتابه ذاك صدر سنة 1965 ثم سُحب من الأسواق (البعض يقول إنه مُنع) لعشر سنوات قبل أن يصبح متوفراً. سرد المؤلف فيه أحداثاً ومفارقات وحكايات ادّعى صحّتها في حين ادَّعى الإعلام أن معظمها كان ملفقاً. الحقائق بذلك ضاعت، لكن من المحتمل أن يكون أنغر، الذي أحاط بهوليوود من العشرينات إلى الستينات استند إلى أحداث وحقائق أساسية.
لم ينج جون واين وتشارلي تشابلن وإيرول فلين ولانا تيرنر وجودي غارلاند وجون غيلبرت ورودولف فالنتينو وعشرات آخرين أمام الكاميرا وخلفها من أحكامه. اصطاد إدمان جون غيلبرت على الشرب وإدمان جودي غارلاند على المخدرات وموت ثلما تود في سيارتها في ظروف غامضة وجريمة قتل المخرج جون دزموند تايلور التي لم يُعرف مرتكبها إلى اليوم، وفضائح كلارا بو الجنسية والعديد المماثل من الفضائح التي رغب أنغر كشفها فيما يشبه الرغبة في استثمار الموقف لجني النجاح على غلافي الكتاب.

مصنع الأحلام
ليس أن العديد مما ذكره أنغر ومما شوهد على شاشة فيلم شازيل ليس صحيحاً، بل ربما زاد عن حدّه في كلا العملين. بالنسبة لفيلم شازيل بدا كما لو أنه كان بحاجة لخطة عمل مختلفة توفر للمشاهد سرداً أكثر تناسقاً وإقناعاً وأقل سعياً لتغييب الإيحاء مقابل رمي نماذج الانحدار الأخلاقي في وجه المُشاهد مباشرة.
في عمومه هو فيلم لا يختلق. الكثير مما يرد في الفيلم كانت له أصول أو أحداث موازية. ما غاب عنه ذلك النقد الخالص الذي ورد في فيلم بيلي وايلدر «صنست بوليفارد» (1950) حيث لخّص الفيلم حالة نجمة من العهد الصامت والناطق الأول (غلوريا سوانسن) بعدما وجدت نفسها معزولة عن هوليوود بفعل سنوات عمرها. تصبو للعودة بفيلم وتتخيل نفسها أمام الكاميرات كما تعوّدت سابقاً.
الصورة الماثلة هنا لا تنال من هوليوود وكر الفضائح، بل تنال منها كمصنع أحلام يُدير ظهره للنجوم الذي قام بصنعهم حالما يتم استهلاكهم.
عالج الأخوان جووَل وإيثان كووَن هوليوود من زاوية مختلفة في أحداث فيلمهما «Hail‪، ‬ Caesar» سنة 2016. السيناريو الذي قاما بكتابته مبني على جملة من الأحداث التي وقعت لكنها محشورة في خانة السخرية والكوميديا السوداء. منتج «جوش برولِن» عليه حل المشاكل التي تنفجر أمامه: ممثلة ترفض إكمال دورها. ممثل مخطوف من قِبل مجموعة من ضحايا المكارثية. صحافية تريد نقل ما يدور إلى عمودها الفضائحي ومخاطر تأجيل التصوير على فيلم بميزانية ضخمة. هذا بجانب مشاكله الشخصية، الصورة هنا سلبية بدورها، لكنها مسلية أكثر مما تنجح في نقل وقائع أو انتقادها.‬‬‬
في هذا المجال نجح روبرت ألتمن حيث فشل الأخوان كووَن. في فيلمه «اللاعب» (The Player) الذي حققه سنة 1992 عن الأحلام التي تدفع بأصحابها إلى التضحية في سبيل القليل من المجد. الفيلم كوميديا ساخرة. لا يقتبس من أحداث واقعة بل يبني حكايته على ما يُقارب تلك الوقائع أو بوحيها.
‫نظرة الفيلم ليست أحلك من نظرة ديفيد لينش في فيلمه الممتاز «مولهولاند درايف» (2001) ولا بخفة فيلم S.O.B ‬لبلاك إدواردز (1981).‬‬‬
العالق في الذهن أكثر من سواه، لحداثته بالطبع، هو Once Upon a Time in Hollywood لكونتن تارنتينو (2019) الذي دمج حكاية صعود وهبوط نجم (ليوناردو ديكابريو) ومقتل الممثلة شارون تايت (مارغو روبي)، التي تقود البطولة النسائية في «بابليون» في نظرة ذات مسافة عاطفية، فهو لا مع ولا ضد ما يعرضه، لذلك فإن رسالته، في أفضل حالاتها، محايدة ولو إنها - في بعضها على الأقل - مسلية.
وقبله ما قام به داميان شازيل في «بابليون» ليس بعيداً عما كان يقع، ربما بحجم أكبر وفي مختلف مراحل هوليوود وليس حكراً على العشرينات فقط. لكن المميّز هنا هو أن العشرينات كانت العقد الذي أدرك فيه الجميع أن السينما وُلدت لتبقى وأن الصناعة لم تكن مجرد ومضة أو برق في سماء شتوية، بل كانت مخلوقاً يُراهن الجميع على نجاحه، واطراد ذلك النجاح عقداً وراء عقد.
يسرد الفيلم حكايات قابلة للتصديق إلى حد مخيف ينال من الخيال الرومانسي لهوليوود التي وقعت تحت براثن صانعي أفلام ممزّقين بين دوري الصيّاد والفريسة.


مقالات ذات صلة

«سكون»... فيلم أردني قصير يتحول إلى مشروع لدعم «الصم»

فيلم «سكون» سلَّط الضوء على عالم الصم (تصوير: بهاء سليمان)

«سكون»... فيلم أردني قصير يتحول إلى مشروع لدعم «الصم»

تدور أحداث «سكون» حول الطفلة هند لاعبة الكاراتيه الشابة المصابة بالصمم التي تتعرض للتحرش بشكل مفاجئ من مدربها.

أحمد عدلي (القاهرة)
شؤون إقليمية المخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام والمخرج الفلسطيني باسل عدرا يتحدثان على خشبة المسرح بعد حصولهما على جائزة مهرجان برلين السينمائي للأفلام الوثائقية عن فيلم «لا أرض أخرى» (أ.ف.ب)

بعد تضامنه مع فلسطين... تهديدات بالقتل للمخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام

قال الصحافي والمخرج السينمائي الإسرائيلي يوفال أبراهام إنه يتلقى تهديدات بالقتل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الممثل اليمني خالد حمدان  (الشرق الأوسط)

خالد حمدان لـ«الشرق الأوسط»: دموعي في «المرهقون» حقيقية

قال الممثل اليمني خالد حمدان إن فيلم «المرهقون» وضعه في مكانة متميزة يسعى للحفاظ عليها

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق منى زكي في مشهد من الفيلم

فيلم «رحلة 404» يحلّق في شباك التذاكر السعودي

للأسبوع الثالث على التوالي، يتصدر فيلم «رحلة 404» شباك التذاكر في السعودية، بحسب ما أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق الممثل البريطاني أنتوني هوبكنز بدور عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد (أ.ب)

كيف أنقذ أنتوني هوبكنز سيغموند فرويد؟

تقمّص أنتوني هوبكنز شخصية سيغموند فرويد، فبدا وكأنه انتظر هذا الدور عُمراً لفرط ما أتقن أداءه.

كريستين حبيب (بيروت)

وفاة الفنان اللبناني فادي إبراهيم بعد صراع مع المرض

الفنان اللبناني فادي إبراهيم (وسائل إعلام محلية)
الفنان اللبناني فادي إبراهيم (وسائل إعلام محلية)
TT

وفاة الفنان اللبناني فادي إبراهيم بعد صراع مع المرض

الفنان اللبناني فادي إبراهيم (وسائل إعلام محلية)
الفنان اللبناني فادي إبراهيم (وسائل إعلام محلية)

تُوفي الفنان اللبناني فادي إبراهيم عن عمر يناهز الـ67 عاماً، وذلك بعد معاناة مع المرض.

كان الممثل قد دخل، قبل ثلاثة أشهر، المستشفى نتيجة مضاعفات مرض السكري، وقد تعرّض لبتر إحدى قدميه، وفق ما أفادت به وسائل إعلام لبنانية. وأصدرت عائلته، منذ أيام، بياناً صحافياً كشفت فيه عن تطورات حالته الصحية. وجاء نص البيان كالتالي: «نظراً للمضاعفات التي حدثت له مؤخراً، جرى نقله إلى العناية المركزة، ومُنعت عنه الزيارات، نطلب من مُحبيه وجمهوره الصلاة والدعاء له بالشفاء، كما نرجو عدم نشر أي بيان بخصوص حالته من أي جهة كانت، إلا من خلال العائلة، ودمتم في أمان الله».

كما تعرّض الفنان اللبناني لوعكة، في يناير (كانون الثاني) 2024، إذ توقفت إحدى كليتيه تماماً عن العمل.

وُلد إبراهيم لأب لبناني، وأم أسترالية، ويحمل الجنسية الأسترالية، وهو متزوج، ولديه ولدان؛ ستيفاني وعمر. وقد نعاه عدد من مُحبيه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أبرزهم الإعلامي ريكاردو كرم الذي كتب عبر موقع «إكس»: «حزين وموجع خبر رحيل فادي إبراهيم، الضوء المميّز الذي ساهم بشكل كبير في المشهد التمثيلي لعقود من الزمن».

كما نعته الفنانة اللبنانية هيفاء وهبي، والإعلامي اللبناني نيشان، عبر «إكس».

ونعته النجمة اللبنانية نانسي عجرم، وكتبت عبر «إكس»، أنه «ترك وراه تاريخ كبير من الأعمال اللي رح تبقى بذاكرتنا وبحياتنا ما مننساها».

وشاركت الفنانة أحلام والفنانة سيرين عبد النور في نعيه، عبر موقع «إكس».

وكتب الإعلامي اللبناني زاهي وهبي ناعياً فادي إبراهيم: «نجم الدراما اللبنانية وعلامتها الفارقة، فتى الشاشة الوسيم وصانع اللحظات المدهشة، الضاحك أبداً».

وشاركت الفنانة اللبنانية كارول سماحة في نعيه، وكتبت: «وجودك على الشاشة خلّا هالزمن جميل.. رح تبقى دايماً بذاكرتنا وذكرياتنا.. نفسك بالسما، الله يرحمك ويصبر عائلتك وكل محبينك».

كما شارك مُحبوه لقطات من أعماله، مثل فيديو قديم نشرته الإعلامية اللبنانية مريم البسام.

وكتبت الفنانة اللبنانية بسكال مشعلاني، عبر «إكس»: «الله يرحم النجم الكبير #فادي_إبراهيم. خسرنا مبدعاً كبيراً في الدراما اللبنانية والعربية».

وشارك الفنان الراحل فادي إبراهيم في أعمال تلفزيونية كثيرة، أبرزها «نساء في العاصفة»، و«العاصفة تهب مرتين»، و«كل الحب كل الغرام»، و«2020».


مهرجان برلين: «الدب الذهبي» لفيلم عن إعادة أعمال فنية منهوبة من أفريقيا

المخرجة ماتي ديوب تحمل جائزة «الدب الذهبي» (رويترز)
المخرجة ماتي ديوب تحمل جائزة «الدب الذهبي» (رويترز)
TT

مهرجان برلين: «الدب الذهبي» لفيلم عن إعادة أعمال فنية منهوبة من أفريقيا

المخرجة ماتي ديوب تحمل جائزة «الدب الذهبي» (رويترز)
المخرجة ماتي ديوب تحمل جائزة «الدب الذهبي» (رويترز)

توّج مهرجان برلين السينمائي، أمس (السبت)، المخرجة الفرنسية - السنغالية ماتي ديوب (41 عاماً) بجائزة الدب الذهبي، عن فيلم وثائقي يتناول استعادة أعمال فنية نهبتها القوى الاستعمارية السابقة في أفريقيا.

ومن خلال مكافأة فيلم يتطرق بشكل مباشر إلى حقبة ما بعد الاستعمار، حافظت لجنة التحكيم برئاسة الممثلة المكسيكية الكينية لوبيتا نيونغو، وهي أول شخص أسود يتولى هذه المسؤولية المهمة، على نهج المهرجان المعروف باهتمامه بالقضايا السياسية.

وقالت ماتي ديوب لدى تسلمها جائزتها: «بإمكاننا إما أن ننسى الماضي، ذلك العبء المزعج الذي يمنعنا من التطور، أو أن نتحمل مسؤوليته ونستخدمه للمضيّ قدماً»، بعد اقتباسها مقولة للمفكر المارتينيكي إيميه سيزير.

وأضافت: «بصفتي مخرجة سينمائية فرنسية - سنغالية من أصل أفريقي، اخترت أن أكون واحدة من أولئك الذين يرفضون النسيان، والذين يرفضون فقدان الذاكرة كوسيلة»، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

ويروي فيلم «داهومي» استعادة بنين 26 عملاً فنياً كانت نهبتها القوات الاستعمارية الفرنسية أواخر القرن التاسع عشر، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. واندرجت هذه الخطوة في إطار حركة بدأت خلال السنوات الخمس الماضية، من جانب القوى الغربية السابقة، بينها فرنسا وألمانيا وبلجيكا.

بوستر فيلم «داهومي»

ماتي ديوب، التي وُلدت ونشأت في باريس لأب هو المؤلف الموسيقي السنغالي واسيس ديوب، وأمّ تعمل أيضاً في مجال الفن، كانت قد فازت بالجائزة الكبرى في مهرجان «كان» السينمائي عام 2019 عن فيلم «أتلانتيك»، وهو أرفع مكافأة بعد جائزة السعفة الذهبية.

وقالت المخرجة لوكالة «الصحافة الفرنسية»، إنها ترغب في أن يُشاهَد فيلمها «بأكبر عدد من البلدان الأفريقية» و«المدارس والجامعات». وهذا ثاني فيلم أفريقي ينال جائزة الدب الذهبي (بعد الفيلم الجنوب أفريقي «U-Carmen e-Khayelitsha» للمخرج مارك دورنفورد - ماي عام 2005).

وتخلف ماتي ديوب الفرنسي نيكولا فيليبر الحائز على الدب الذهبي العام الماضي. كما تضيف ماتي ديوب اسمها إلى مجموعة من المخرجات الفرنسيات اللاتي فزن بجوائز سينمائية كبرى في السنوات الأخيرة: جوليا دوكورنو (السعفة الذهبية في مهرجان كان عام 2021)، وأودري ديوان (الأسد الذهبي في البندقية في العام نفسه)، وأليس ديوب (جائزتان في البندقية عام 2022)، وبالطبع جوستين ترييه، التي هيمنت الجمعة على جوائز «سيزار» بعد فوزها بالسعفة الذهبية العام الماضي في مهرجان «كان»، والتي ينافس فيلمها «أناتومي دون شوت» (تشريح سقوط) بقوة على جوائز «الأوسكار».

من باريس إلى كوتونو

لسرد قصة 26 عملاً نهبتها القوات الاستعمارية الفرنسية عام 1892 في مملكة داهومي، في الجزء الجنوبي الأوسط من بنين الحالية، والتي كانت تتكون آنذاك من ممالك عدة، أعطت ماتي ديوب التعليق الصوتي على أحداث العمل لتمثال مجسم للملك غيزو.

وبلغة بنين، «فون»، يشكو الملك غيزو في العمل من أنه لم يعد يحمل اسماً، بل فقط رقم «26»، في محفوظات متحف كيه برانلي بباريس.

ويصف الراوي في الوثائقي اقتلاعه من أرضه، وحياته في المنفى، ثم إعادته إلى موطنه أخيراً ليُعرض في أحد متاحف كوتونو، عاصمة بنين.

ولا يظهر في الفيلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره البنيني باتريس تالون، وهما وراء عملية الإعادة التي أُنجزت في 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021.

وتشدد المخرجة على أن عملية الإعادة اقتصرت على هذه الأعمال الـ26 وحدها، «في مقابل 7 آلاف عمل لا تزال محتجزة في متحف كيه برانلي» بباريس.

مشهد من فيلم «داهومي»

كما منحت لجنة تحكيم الدورة الـ74 لمهرجان برلين السينمائي، الممثل الروماني - الأميركي سيباستيان ستان (عن فيلم «إيه ديفرنت مان») جائزة أفضل أداء تمثيلي.

ومنحت أيضاً جائزة لجنة التحكيم الكبرى لأحد رواد المهرجان، المخرج الكوري الجنوبي هونغ سانغ سو عن فيلم مع الممثلة والمنتجة الفرنسية إيزابيل أوبير «إيه ترافيلرز نيدز»، وجائزة لجنة التحكيم لفيلم «لامبير» (L'Empire) للمخرج برونو دومون (طُرح الأربعاء في دور السينما الفرنسية).

وفي وقت سابق السبت، منحت منظمة «العفو الدولية» بفرعها الألماني جائزتها الخاصة بمهرجان برلين السينمائي لعمل درامي أردني يتناول قضية اللاجئين، بعنوان «ذي سترينجرز كايس» (The Stranger's Case - قضية الغريب)، واصفة إياه بأنه «فيلم مثير للإعجاب يتناول قصة ملحمية عن الهروب من سوريا».


أفلام القضايا الساخنة التقطت الأوسكار

«قتلة ذَ فلاور مون» (باراماونت)
«قتلة ذَ فلاور مون» (باراماونت)
TT

أفلام القضايا الساخنة التقطت الأوسكار

«قتلة ذَ فلاور مون» (باراماونت)
«قتلة ذَ فلاور مون» (باراماونت)

كان لمشهد الصفعة التي تلقّاها رجل جنوبيّ أبيض، من تحرّي أسود في فيلم «في سخونة الليل» (In the Heat of the Night) في 1967 أثر كبير في الولايات المتحدة في فترة كانت قد شهدت اغتيال جون ف. كندي سنة 1963 ومالكولم إكس سنة 1965 ومن ثَمّ مارتن لوثر كينغ سنة 1968 ومظاهرات ضد الحرب الفيتنامية وأخرى ضد العنصرية.

نصح بعض أركان شركة «يونايتد أرتيست» المخرج نورمان جويسون حذف المشهد لأنه قد يُثير حساسية عنصرية لدى البيض، لكنه أصر عليه وحسناً فعل.

واحدة من نتائج هذه الصفعة كانت فوز الفيلم بعدد من الأوسكارات في 1968 من بينها أوسكار أفضل فيلم، وأوسكار أفضل سيناريو. لكن هناك خللاً ملحوظاً في الترشيحات التي لم يفز بها. مثلاً لا يوجد سبب مقنع وراء فوز رود ستايغر بأوسكار أفضل ممثل عنوة عن سيدني بواتييه (الذي لم يُرشّح أصلاً!)، ولا تمثيل ستايغر كان أفضل من تمثيل وارن بيتي في «بوني وكلايد». ولم يكن إخراج مايك نيكولز لفيلمه «المتخرّج» أفضل من إخراج نورمن جويسون أو إخراج آرثر بن لفيلم «بوني وكلايد».

لكن الثابث لليوم، أن «في سخونة الليل» أثبت أن الأفلام ذات القضايا الاجتماعية لها نصيب كبير في سباق الأوسكار قبل وبعد هذا الفيلم.

«لقتل طائر هازئ» (يونيفرسال)

أبيض- أسود

إذ تتوالى الأيام صوب 10 مارس (آذار)، حين ستُقام حفلة توزيع الأوسكار في مناسبته الـ94، فإن هناك احتمالاً لا يُستهان به من فوز فيلم «كيلرز ذَي فلاور مون» بأوسكار أفضل فيلم أو أفضل إخراج أو- ربما- بالأوسكارين معاً.

هذا من منطلق أنه أحد الأفلام المتنافسة على الأوسكار (في شتّى ميادينه) التي تحمل في طياتها قضايا اجتماعية. هذا لجانب فيلم «أميركان فيكشن» و«أوبنهايمر».

باقي الأفلام قضاياها إما ليست اجتماعية، كحال «منطقة الاهتمام»، أو شخصية المنوال، كما «مايسترو» و«حيوات ماضية»، و«أشياء مسكينة»، أو «المستمرون». أو بلا قضايا فعلية وفعّالة، مثل «باربي» و«تشريح سقوط».

لكن «أميركان فيكشن» لا أمل كبيراً له. رغم أنه يدور كذلك حول العنصرية في شخص كاتب أفرو-أميركي عليه، لكي ينجح، أن ينمّط شخصياته السوداء. أما «أوبنهايمر» فقضيّته سياسية وتاريخية وليست اجتماعية تماماً.

يفتح «كيلرز ذَي فلاور مون» تاريخاً مشيناً لقضية حدثت في الواقع عندما أخذ صاحب مصرف أبيض بالتخلص من أثرياء قبيلة السيوكس الذين اكتُشف النفط في أراضيهم، ومن ثَمّ ابتياع تلك الأراضي ليزيد من ثروته. الأحداث واقعية (تناولها فيلم واحد من قبل عنوانه The FBI Story)، حدثت في العشرينات وهي جزء محدود من سوء المعاملة التي تلقاها المواطنون الأصليون في القارة الأميركية منذ أن وصل كريستوفر كولومبوس إلى إحدى جزر الباهاما سنة 1492.

مثل «في سخونة الليل»، لم يكن للمخرج مارتن سكورسيزي (الذي مُنح جائزة تقدير خاصة في مهرجان برلين قبل أيام)، أن يوظف الفيلم للحديث عن التاريخ السابق لهذه الأحداث، لكن ما طرحه شكّل وعياً (لمن لم يدرك) الحادثة نفسها، مُفرّغة مما كان من الممكن له الاهتمام جدياً بالوقائع، عوض توظيفها لسرد الفيلم من وجهة نظر الشريرين في الفيلم وهم، روبرت دي نيرو وليوناردو ديكابريو، ثم إلحاق النهاية بمشهد ختامي للمخرج وآخرين يتولّون الكشف عن حلقة ذاتية كوميدية حول الموضوع.

جون فويت وداستین هافمن في «ميدنايت كاوبوي» (يونايتد آرتيست)

أوسكار لقضايا

لكن من ناحية أساسية، تعزز أفلام «كيلرز ذَي فلاور مون» و«أوبنهايمر» و«أميركان فيكشن»، حقيقة أن الأوسكار ذهب في سنوات عديدة سابقة لأفلام ذات قضايا مجتمعية حارة أو على الأقل ساخنة.

فإن اعتبرنا أن فوز «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» للويس مايلستون سنة 1930 سببه معاداته للحرب وليس لقضية اجتماعية أميركية، وهذا صحيح، سيبقى في البال أنه كان فيلماً جادّاً ومعادياً للحرب كيفما نظرنا إليه.

في سنوات لاحقة، بدأ الناخبون بتوجيه جوائزهم لأفلام القضايا الأميركية (وليس لمجرد أفلام أميركية مختلفة الاهتمامات والأنواع).

يندرج في ذلك «كل رجال الملك» لروبرت روزين الذي عاين قضايا الانتخابات والمصالح الفردية في أميركا، والذي نال أوسكار أفضل فيلم سنة 1950، نظرة للأفلام المنافسة له في ذلك العام تكشف أن الأفضلية ذهبت إلى فيلم لديه ما يحكيه عن الحياة السياسية في أميركا.

مثله في تطرّقه إلى النشاط السياسي في الولايات المتحدة، فيلم إيليّا كازان «على جبهة الميناء» (On the Waterfront) الذي خرج بجائزتي أفضل فيلم وأفضل إخراج من بين جوائز أخرى. كان فيلماً عن كيف تفرض اتحادات العمّال شروطها على العاملين في أسلوب أقرب إلى «البلطجة» منه إلى الرغبة في حمايتهم.

مرّة أخرى، الأفلام الأربعة المنافسة له («سبع عروسات لسبع أشقاء»، و«تمرد كاين»، و«فتاة الريف» و«ثلاثة نقود في النافورة»)، كانت أفلام تسلية وتاريخ بصرف النظر عن جودتها.

لكن الستينات وما بعد، هي الفترة الأكثر شفافية بالنسبة للطروحات الاجتماعية التي رُشّحت أو التي فازت فعلياً بأوسكار أفضل فيلم.

ففي عام 1963 كان من بين الأفلام المتنافسة «لقتل طائر هازئ» (To Kill a Mockingbird) لروبرت موليغان، فيلم يتناول التعصب المعادي للسود في إحدى الولايات الأميركية الجنوبية عن محام أبيض (غريغوري بك) ينبري للدفاع عن متهم أسود بريء مما نُسب إليه وينقذه من حبل المشنقة. صحيح أن «لورنس العرب» لديفيد لين، هو الجوكر الذي «قشّ» 7 أوسكارات في 1963، بينها أوسكار أفضل فيلم، إلا أن ذلك كان أمراً مفروغاً منه نظراً لفيلم عملاق كشأنه. لم ينجح الفيلم في دخول سباق الأوسكار فقط، بل احتلّ المركز الخامس في الـ«توب تين» لذلك العام.

بعد فوز «في سخونة الليل» سنة 1968 بعامين، أنجز «كاوبوي منتصف الليل» (Midnight Cowboy) الفوز الكبير. فيلم للبريطاني (الراحل) جون شليسنجر عن الحلم الأميركي المهدور من خلال رجلين يعملان في شوارع نيويورك. أحدهما وصل من بلدة «تكساسية» على أساس توظيف جاذبيته لمعاشرة النساء الثريات، والثاني يطلّ من جُحر الفقر الذي يعيش فيه. كلاهما يعمل على أمل بعض الثراء وبعض الكرامة الشخصية. لا يتحقق شيء من هذين الهدفين.

«زد» الفيلم السياسي الذي حمل اسم الجزائري أحمد راشدي، منتجاً، وكوستا-غافراس مخرجاً، فاز بأوسكار أفضل فيلم أجنبي.

في 1971 شاهدنا اقتراب فيلم «خمس قطع سهلة» لبوب رافيلسون عن إخفاق الفرد الأميركي في الانتماء وفقدانه هوية ذاتية ترضيه، من الفوز بين ترشيحات أفضل فيلم.

القنبلة الكبيرة

السبعينات والثمانينات بدوريهما كانتا محط سلسلة من الأفلام ذات القضايا مثل «نورما راي» لمارتن رَت، و«بلاتون» لأوليفر ستون، و«العودة للوطن» لهال أشبي، و«الوباء الصيني» لجيمس بريدجز. هذا الأخير كان موضع نقاش خرج عن نطاق الفيلم نفسه ليطرح إعلامياً وسياسياً ما طرحه الفيلم سينمائياً وهو، هل المفاعلات النووية في الولايات المتحدة معرّضة لتسرّب النووي بالفعل؟

صحيح أن الأيام وحدها لاحقاً أثبتت العكس، إلا أن النقاش الذي دار سنة 1979 كان كفيلاً بإظهار كم هو تأثير الفيلم على الحياة المجتمعية والسياسية إذا ما وفّر للمشاهدين مواضيع جادة ومهمّة.

هذا ما يعود بنا إلى «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، الذي يناوئ «كيلرز ذَي فلاور مون» من حيث إنه يتحدّث عن شخصية مخترع القنبلة وما يطرحه هو إذا ما كان أوبنهايمر قدّم للولايات المتحدة خدمة أو حمّلها وزر انفرادها باستخدام القنبلة إلى اليوم.

كل من فيلم سكورسيزي ونولان يستندان إلى وقائع، ولو أن هذا لا يعنى أن الفيلمين واقعيان، وما ستثبته الأيام القليلة المقبلة، هو أيّ منهما سيحوز الاهتمام الأكبر حيال موضوعيهما.‬

كل ذلك لا يعني مطلقاً أن الأفلام التي لا تكترث لحمل قضايا اجتماعية أو سياسية لم يكن لها وجود فعليّ في السابق أثمر عن نجاحاتها في خطف الأوسكارات المختلفة أو لن يكون لها الوجود نفسه في المستقبل. هذه لا يمكن أن تغيب لأن ما هو أعلى رواجاً يبقى حاضراً في كل دورة. ما هو مؤكد إلى حد بعيد، تكرار ظاهرة فوز أفلام القضايا عندما تكون هذه - بدورها - كبيرة ومهمّة وتستقطب من السوق اهتمام الجمهور العريض.

من هم المخرجون الأقرب للفوز عن أفلامهم المتسابقة للعام الحالي؟

1- كريستوفر نولان عن «أوبنهايمر».

2- مارتن سكورسيزي عن «كيلرز ذي فلاور مون».

3- ألكسندر باين عن «المستمرون».

4- غريتا غرويغ عن «باربي».

5- كورد جيفرسون عن «أميركان فيكشن».

6- يورغوس لانتيموس عن «أشياء مسكينة».

7- برادلي كوبر عن «مايسترو».

8- سيلين سونغ عن «حيوات ماضية».

9- جوستين ترييه عن «تشريح سقطة».

10- جوناثن غلازر عن «منطقة الاهتمام».


شاشة الناقد: فيلم عن التاريخ الموجز لحروب ليبيا

«دونغا» (خيال بردوكشنز)
«دونغا» (خيال بردوكشنز)
TT

شاشة الناقد: فيلم عن التاريخ الموجز لحروب ليبيا

«دونغا» (خيال بردوكشنز)
«دونغا» (خيال بردوكشنز)

فيلم ليبيٌّ نادر عن الحرب الأهلية في البلاد، وفيلم مكسيكيّ عن حرب المخدرات، وثالث اخترته رومانسياً من باب التنويع.

دونغا ★★★★

إخراج: محمد الأمين | تسجيلي | ليبيا | 2023‫ ‬

يقع «دونغا» على مسافة بعيدة من موجة الأفلام العربية التي تعاملت مع ثورة الربيع العربي (في مصر وتونس)، أو مع تلك التي صوّرت الحروب الأهلية التي تبعت تلك الثورات (في سوريا تحديداً). وهي مسافة زمنية بعدما توقف إنتاج تلك الأفلام بعد فورة امتدت من مطلع العشرية الثانية من هذا القرن حتى منتصفه وشهدت أفلاماً من بينها «آخر رجال في حلب»، و«لأجل سما»، و«الخوذات البيضاء».

لكن هذه المسافة تُقاس أيضاً بالنوعية. تلك الأفلام المذكورة كانت، كيفما كان الموقف السياسي منها، من نوع البروباغندا. «دونغا» لا ينتمي إلى أحد سياسياً رغم أنه يغطي فترات الأحداث الليبية من تلك اللحظات التي انفجرت فيها الثورة ضد معمّر القذافي إلى حرب الفرقاء بين المؤيدين والمعارضين، ومن ثَم الحرب ضد «داعش»، وصولاً إلى الحرب على السلطة بين فرقاء سياسيين وعسكريين.

الانتماء الوحيد للفيلم لا علاقة له بفريق ضد آخر بل بالتجربة الذاتية التي عاشها المخرج محمد الأمين منذ أن ولع بالكاميرا وأخذ يلتقط عبرها صوراً وأفلاماً قصيرة. وجد نفسه يعايش تلك الأحداث المتتالية مراقباً ثم مصوّراً صحافياً. يؤكد في الشريط الصوتي الذي يستخدمه المخرج كتعليق متواصل، أنه صاحبَ بعض الفرقاء مصوّراً، لكنه لم يشترك في موقف أو قتال. ونراه يركض بكاميرته من بين ثغرات خلقتها الشوارع المهدومة والأزقة. هذا قبل أن يترك التصوير الحربي ويقرر أنه شَبِع من وجوده في رحى معارك لا يُراد لها أن تتوقف.

في هذا الفيلم جهد كبير وتوليفة ناجحة بين التجربة الذاتية وبين الوقائع العسكرية. وعلى عكس معظم ما صُوّر عن الوضع السوري، لا يكترث المخرج لتمرير رسالة سياسية من أي نوع سوى ما تعرضه الكاميرا من دمار وقتال وسقوط مصابين.

التوليف صادق في تأمين هذه الرسالة المحايدة ذات البعد الإنساني. ينتقل الفيلم بين ما هو خاص وعام عاكساً ذلك الشعور بالأسى على ما تُفرزه الحروب وتُثمر عنه من مأساة.

لا يفوّت المخرج تصوير حمامة مكسورة الجناحين لا تستطيع أن تطير، أو كلباً يبحث عن مأوى بعدما تركته عائلة وراءها (أو ربما ماتت في مكانها). وفي الوقت نفسه، ما ينجزه محمد الأمين هو مهارة حِرفية جيدة مادةً وإخراجاً وأيضاً اختيار المشاهد التي تشكِّل ثراءً بصرياً للمضمون.

• عروض خاصة

‪SUJO‬ ★★★

إخراج: أستريد رونديرو، وفيرناندا فالاديز | دراما | المكسيك | 2024‫ ‬

«سوخو» (حسب اللفط الإسباني) هو صبي تريد عصابة الكارتيل قتله بعد أن تخلّصت من والده. ويخشى القاتل الذي نفّذ العملية أن يكبر الصبي وينتقم لأبيه. والد سوخو كان قد قتل والد القاتل، ولو أن هذه المسألة تبقى في البال بوصفها معلومةً وليست أحداثاً فعلية في هذا الفيلم، الذي خرج بجائزة مهرجان «صندانس» بصفته أفضل فيلم في القسم الدّولي (غير الأميركي) الشهر الماضي.

«سوخو» (إنغوايز سيني)

الفيلم مقسّم إلى أجزاء، لكن دواعي ذلك التقسيم ليست واضحة أو هي ليست واضحة وليست ضرورية. وهناك بداية مضطربة للفيلم. والد سوخو في سيارة تشق طريقها في ريف البلدة الصغيرة حيث يقع معظم الأحداث. يتسلم الأب أمراً من العصابة وعليه تنفيذه. يترك الصبي نائماً في السيارة ويقفل عليه الأبواب. عندما يستيقظ سوخو يجد نفسه حبيساً. راعي غنم يمر ويصرخ به أن يفتح الباب. إذا كان فتح الباب ممكناً من الداخل لمَ لم يفعل سوخو ذلك؟ وإذا لم يكن ممكناً كيف أُنقذ الصبي الصغير من وضعه؟

طوال سرد الفيلم (المؤلّف من أربعة أجزاءٍ، كل جزء باسم إحدى شخصياته) هناك أكثر من اضطراب سردي. أحياناً يقفز الفيلم من مشهد لآخر في حين أن ما بين المشهدين يكمن حدث محذوف كان سيساعد على سردٍ أفضل وهو يتابع كيف كبر سيخو واثنان من أقاربه لينضموا إلى «البزنس» الوحيد المتاح، وهو تجارة المخدرات لحساب العصابة نفسها. هذا قبل أن يَعدل سوخو عن هذا الاتجاه بتشجيع من عمّته التي تودعه في النهاية في حافلة تتجه به إلى العاصمة لتجنّب مزيد من السير في طريق الجريمة.

يحقق المخرجان فيلمهما بتصنّع وليس تبعاً لموهبة طبيعية أو تلقائية. تلك المشاهد التي تفصل بين واقعة وأخرى لتصوير منظر طبيعي أو غسق أو عنكبوت أو ديك، تلعب دورها زينةً. الفيلم ليس رديئاً، على العكس هو إضافة جيدة لأفلام تتعامل مع عصابات الحدود المكسيكية، لكنه يروي حكاية كان يمكن سردها أفضل لو أُلغيت تلك الإضافات أو استُخدمت على نحو أفضل.

• عروض: مهرجان «صندانس»

‪PAST LIVES‬ ★★★

إخراج: سيلين سونغ | رومانس | الولايات المتحدة | 2024‫ ‬

يضع «حياة ماضية» المُشاهد في صرح عمل عاطفي متوازن، بحيث لا يسقط في الميلودراما والتكلّف حين يسرد حكاية تحتاج إلى بعض ما يجعلها قابلة للتصديق. معالجة المخرجة الكورية التي تعيش وتعمل في الولايات المتحدة سيلين سونغ، تمنح الفيلم رقة ونعومة وحبكة يمكن متابعتها من دون إرهاق. الشيء الوحيد الذي لا تنجح في توفيره هو السبب في أن حباً بريئاً بين لطفل وطفلة دون الثانية عشرة لم تغيّبه العقود اللاحقة بل بقي في بال كل منهما وقد كبرا ودخلا أبواب الحياة المختلفة.

«حياة ماضية» (A24)

المرأة نورا (غريتا لي) والشاب هاي (تو يو)، يتواصلان عبر «سكايب» بعد سنوات طويلة من البعد. هي كانت قد هاجرت إلى كندا، ومن ثَم إلى أميركا، حيث تعرّفت على شاب (أبيض) اسمه آرثر (جون ماغارو) وتزوجته، وهو ما زال في سيول (ثم يزورها في كندا وفي نيويورك)، وكلاهما لا يزال يشعر بلهفة وشوق للآخر. لو تجاوزنا ضعف الحبكة، سنقبل أن الشاب سيجدد اهتمامه بها ويأتي لزيارتها في نيويورك، وستجد نفسها بين حبّها له وحبها لزوجها الذي، بدوره، سيحتار إذا ما كان زواجهما سيستمر أو سيتوقف.

النعومة المُشار إليها مناسبة وذات تجديد في صرح ما، نراه أحياناً في أفلام أميركية وفرنسية تعد حكايات الحب فرصة لاستخدام موسيقى حانية ولقطات «كلوز أب» للتعبير، وكثيرٌ مَن دفع الأحداث عنوة وبقدر من التعسّف. لكنها نعومة محسوبة في «حياة ماضية» ومجسّدة عبر نوعية المشاهد بصرياً. تلك اللقطات بنظام عريض وبمعايشة تتيح المجال أمام تصوير فضاءات الداخل والخارج معاً.

النبض العاطفي الذي تتمتع به القصّة عائد إلى أن الفيلم قائم على تجربة فعلية مرّت بها المخرجة نفسها وتضعها هنا في فيلم أول. لكنها كانت قد استخدمت التوليفة نفسها (حب ثلاثي الأبعاد) في مسرحية قدّمتها سنة 2020 بعنوان «نهايات» (Endings). هذا ما يمنح الفيلم الشعور بأن المخرجة تعرف ما تتحدّث فيه، لكنّ المشكلة هي في كيفية نقل ما حدث معها ولها على نحوٍ يجعل الأحداث مقبولة وقابلة للتصديق. هناك كتمان حول كيف عاش الشاب حياته العاطفية قبل عودة اللقاء، مما يجعل دوره مقتصراً على توقه لمواصلة علاقة بدأت قبل 25 سنة.

ربما هي فكرة جميلة لفيلم جميل المشاعر، لكنها لا تزال بعد نحو 110 دقائق من العرض، غير مقنعة.

• عروض موسم الجوائز.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «برلين» ينطلق وسط متاعب وتحديات

 من «شاي أسود» (مهرجان برلين)
من «شاي أسود» (مهرجان برلين)
TT

مهرجان «برلين» ينطلق وسط متاعب وتحديات

 من «شاي أسود» (مهرجان برلين)
من «شاي أسود» (مهرجان برلين)

يبدو أن مهرجان «برلين» (الذي انطلق أمس الخميس) وقد بدأ يتعافى بعد سنتين من السعي للحفاظ على وضعه كأحد ثلاثة مهرجانات عالمية لا يجب تفويتها. إلى جانب «فينيسيا» (80 سنة)، و«كان» (77 سنة)، و«برلين» (74) هو المهرجان الذي وُلد ليشهد الكثير من المتغيّرات الفنية والسياسية على وجه التحديد.

كونه يقع في النصف الأوروبي الذي كان منشقّاً بين شرق وغرب جعله محطة لقاء فريدة في الستينات والسبعينات والثمانينات. الاتحاد بين شرق ألمانيا وغربها أضاف ثقلاً لهذا المهرجان الكبير، ولو أن هذا لم يمنع من انحسار تلك الأفلام النقدية التي طفحت الستينات والسبعينات بها شرقاً وغرباً.

هذا لا يعني أنه فقد بوصلته السياسية. هناك من المشاكل في هذا العالم ما يكفي دائماً لتطعيم الدورة الحالية بالمضامين السياسية، ولو بحدود، حتى لا تندرج كل أفلامه تحت بند واحد.

عريضة

حتى لو أراد برلين ترك السياسة، فإن السياسة لا تتركه.

رسالة من «العاملين في برلينالي» وُجّهت قبل يومين إلى إدارة المهرجان تطالبه بإعلان موقف حيال «ما يبدو إبادة جماعية للفلسطينيين»، وتطالب بموقف موحّدٍ مع القوى المناهضة للحرب الدائرة «متوافقاً مع قرار محكمة العدل الدولية». وقال العاملون في رسالتهم: «إن منصة عالمية كمهرجان برلين وكنحن، في مختلف أدوارنا من مبرمجين ومستشارين ومنفّذين (.....) وإلى جانب عاملين آخرين، نستطيع، وعلينا أن نستطيع، إيصال صوتنا ضد الهجوم على أرواح الفلسطينيين».

هذه رسالة قويّة في مضمونها وموقوتة ولا تهدّد بإضراب أو إحداث أي خلل في يوميات المهرجان المتوقعة. لكن ما تفعله هي أنها تلقي ظلالاً ثقيلة على الدورة، مناشدة إدارة المهرجان بأن «تدعو للسلام»، مشيرة إلى أن هذه المسؤولية تواكب «التزامات المهرجان السابقة التي منحت المهرجان مركزاً فريداً ومحترماً ضمن المشهد الثقافي».

مديرا المهرجان كارلو شاتريان وميرييت رايزنبيك (مهرجان برلين)

تأتي هذه المطالبة بعد أيام من سحب المهرجان دعوته لليمين المتطرّف لحضور حفل الافتتاح، لأسباب لا يزال بعض الإعلام الألماني يتساءل عن دوافعها الحقيقية، وفي مثل هذه الظروف.

لكن ما ذكر حتى الآن مقاطع مجتزأة مما حدث وبدأ بقيام المهرجان، قبل نحو أسبوعين من افتتاحه، بدعوة ممثلين عن منظمة AFD («البديل لألمانيا»، Alternative to Germany) لحضور افتتاح المهرجان، الأمر الذي استدعى اعتراضات عديدة. كون المنظمة المتطرّفة تمارس قناعات ونشاطات معادية للإسلام وللمهاجرين وللاتحاد الأوروبي على حد سواء.

إذ تراجعت إدارة المهرجان عن موقفها بعد أيام من تلك الدعوة، انقسم العاملون في بعض أركانها إلى معسكرين، واحد مع والآخر ضد.

ولم تدع رسالة العاملين في المهرجان (حملت 40 توقيعاً حتى ظهر يوم 14 من هذا الشهر) الفرصة من دون أن تحتج على إهمال الإدارة لهم وتجاهل استشارتهم في مثل هذا الموقف من البداية.

لكن هذه الرسالة تأتي بعد تراجع المهرجان عن دعوته لعناصر تلك المنظّمة وهذا التراجع تم بعد تسلمها رسالة مفتوحة وقّعها نحو 200 سينمائي ألماني يرفضون ما عدّوه تأييداً للمهرجان، عبر دعوته تلك، لسياسة تلك المنظّمة. تبع ذلك لقاء بين المديرين مارييت رايزنبيك وكارلو شاتريان مع العاملين في المهرجان حيث تمسكا بقرارهما وبرّراه؛ حسب اتصال أجراه هذا الناقد به، تبيّن أن التبريرات كانت ضعيفة وغير مقنعة.

على أن المهرجان، وإن ألغى الدعوة العامّة أبقى، بناء على طلب الحكومة الفيدرالية، على عدد محدود منها. أول من أمس (الأربعاء)، قامت رايزنبيك ووزيرة الثقافة كلوديا روث بتخصيص عدد محدد من الصحف الألمانية بمقابلات دافعتا فيها عن قرار المهرجان. لكن، وحسب بعض المقالات التي علّقت على تلك المقابلات، فإن ما أثار الاستغراب أن رايزنبيك ألقت المسؤولية على أكتاف الحكومة الفيدرالية التي أدت إلى هذه الفوضى السياسية.

«بذلك، أظهرت المديرة مدى غياب المبادئ من ممارسات المهرجان وسرعة تغييرها» كما ذكر أكثر من مصدر إعلامي.

كيليان مورفي في «أشياد صغيرة كهذه» (مهرجان برلين)

تاريخ دورات أنجح

كل هذا، والعديد من المناقشات الحادة بين مختلف موظّفي المهرجان والعاملين فيه من ناحية والمديرين راينزبيك وشاتريان من ناحية أخرى، سبق إرسال خطاب رسمي لـ«AFD» بسحب الدعوات المرسلة سابقاً.

هذا تم قبل يومين، وفي اليوم التالي خرجت وزيرة الثقافة بردٍ رسمي اعتبرت أن «المهرجان هو في النهاية يقرر من يدعوهم لحضور نشاطاته، ونحن نحترم هذا القرار».

المفاجأة هي أن إلغاء دعوة الحضور للافتتاح هذه الليلة لا يعني إلغاء كل الدعوات الأخرى لحفلات السّمر والاحتفاءات خارج النطاق الرسمي، رغم أن برنامج المنظّمة واضح من رغبته طرد كل المهاجرين حتى أولئك الذين وُلدوا في ألمانيا أو حصلوا على جنسيتها.

في كل الأحوال هذه الدورة هي الأخيرة لكل من مديريه شاتريان وراينزبيك وكل المحيط الثقافي والسينمائي في ألمانيا والعالم على قناعة من أن الدورات التي قاما بإدارتها كانت من أضعف دورات المهرجان في تاريخه.

بعض الكاريزما التي عرفها المهرجان عبر مديرين سابقين اختفت من عام 2019 وحتى الآن. في السبعينات تسلم وولف دونر إدارة سابقة دخلت في نزاعات. أسس لمهرجان رائع توزّعت أفلامه على شاشات في مختلف أرجاء المدينة. عرض دونر إقامة المهرجان في شهر فبراير (شباط) عوض عن إقامته في يناير (كانون الثاني)، وعندما لاقى موافقة أنجز دورتين متعاقبتين في غضون تسعة أشهر، وهما الدورة الأخيرة للمهرجان في الربيع (والأولى التي حضرتها بالنسبة لي) وأخرى في موعده الشتوي الذي ما زال يحافظ عليه.

خلفه في عام 1980 السويسري موريتز د هادلن، الذي بنى على النجاح السابق وأضاف إليه البريق الكبير جاعلاً منه منافساً قوياً لمهرجان «كان». عبر اتصالاته والإنفاق الكبير على نشاطاته وحفلاته أدخل د هادلن المهرجان في عصر جديد لم يعهده من قبل.

تلاه في المنصب دييتر كوزليك، وفي عهده استمر الاندفاع الكبير لمهرجان رفض أن يتراجع عن حضوره العالمي بوصفه إحدى أهم المناسبات الدولية الكبرى.

المشكلة بدأت عند تسلم شاتريان (الآتي من إدارته لمهرجان لوكارنو) الذي افتقد دفتر هواتف الأسماء الكبيرة في عالم السينما ورايزنبيك، التي أعلنت قبل أشهر عدّة من أنها لن تجدّد عقدها مع المهرجان.

في الواقع الحكومة هي التي طلبت منهما الاستقالة، الأمر الذي دفع شاتريان للطلب من سينمائيين يعرفهم تقديم عريضة تدعو الحكومة لإبقائه، لكن هذه العريضة (التي يُقال إنها جمعت 100 توقيع) لم تغيّر رأي الحكومة.

اشتراكات

تبدو الدورة الرابعة والسبعون (من 15 إلى 25 من الشهر الحالي) أفضل من سابقاتها، ربما لأن الثنائي الذي يريدها لم يشأ أن يترك الإدارة بصيت سلبي.

هناك 20 فيلماً في المسابقة من بينها فيلم الافتتاح «أشياء صغيرة كهذه» (Small Things Like These) الذي يجمع بين كيليان مورفي (بطل «أوبنهايمر») وإميلي واتسون (كلاهما سيحضران العرض). هذه دراما عن المعاملة القاسية التي مارستها إحدى كنائس آيرلندا على الراهبات «الخاطئات» التي دامت من عشرينات القرن الماضي و- للغرابة - حتى منتصف التسعينات.

من بين هذه المجموعة أيضاً، وللمرّة الأولى، ثلاثة أفلام أفريقية تشترك معاً في المسابقة وهي: «شاي أسود» للموريتاني عبد الرحمن سيساكو، و«لمن أنتمي» للتونسية مريم جوبور، والسنغالية ماتي دبوب بعنوان «داهومي»، وهو أحد فيلمين تسجيليين داخل المسابقة.

زوبعة في فنجان إيراني سببه قبول برلين بعرض فيلم يُقال إن الرقابة الإيرانية لم توافق عليه وهو «كعكتي المفضلة» للمخرجتين مريم مقدّم وبهتاش صناعية. بعد وصول الفيلم إلى لجنة الاختيار وقبوله، أصدرت المحكمة الإيرانية قراراً بمنع سفر المخرجتين لمواكبة فيلمهما.

بين المشتركين في المسابقة كذلك هونغ - سانغ سو الذي سبق له أن فاز ثلاث مرّات بجوائز من هذا المهرجان وهو حاضر هذه المرّة بفيلم «احتياجات مسافر» (A Traveler‪’‬s Needs) مع الفرنسية جولييت بينوش في البطولة.

هذه ستشهد احتفاءً تكريمياً بها كان تأجل من قبل عامين عندما لم تستطع الحضور.

والحديث عنها يقود للحديث عن الاشتراك الفرنسي والألماني والإيطالي الذي كثيراً ما يمتزج بعضه ببعض تبعاً للمشاركات الإنتاجية لهذه البلدان.

‫من بين هذه الأفلام «نهاية أخرى» (Another End) لبير مسينا (إيطاليا) و«كنز» (Treasure) لجوليا فون دونام (ألمانيا) و«زمن عالق» (Suspended Time) لأوليفييه أساياس (فرنسا) و«الإمبراطورية» لبرونو دومو (فرنسا).‬

الغياب الملحوظ هو من نصيب السينما الأميركية، وثمة رأيان في هذا المجال. الأول يقول إن الإدارة الحالية لا تملك مفاتيح هوليوود كما الحال مع «فينيسيا» و«كان». والثاني أن هوليوود لا تعير أهمية كبيرة على اشتراكها في المهرجان الألماني لأنه لا يخدم تسويقها كثيراً.

والأرجح أن السببين معاً صحيحان. هذا رغم أن شركة «نتفليكس» مشتركة عبر فيلم «رجل فضاء» (Spaceman)، من بطولة آدم ساندلر، ورغم وجود فيلم من إنتاج مستقل قام مهرجان «صندانس» الأميركي بعرضه في الشهر الماضي تحت عنوان «الحب يستلقي نازفاً» (Love Lies Bleeding).


شاشة الناقد: علاقة غريبة في فيلم عن رامبو والنجف

لقطة من فيلم «في أرض القديسين والخطاة»
لقطة من فيلم «في أرض القديسين والخطاة»
TT

شاشة الناقد: علاقة غريبة في فيلم عن رامبو والنجف

لقطة من فيلم «في أرض القديسين والخطاة»
لقطة من فيلم «في أرض القديسين والخطاة»

بينما يواصل ليام نيسن تنفيذ عمليات قتل أعدائه ولو في فيلم أفضل... فيلم إسرائيلي يبحث عن علاقة بين رامبو والنجف

IN THE LAND OF SAINTS AND SINNERS ★★★

إخراج: روبرت لورنز | تشويق | ايرلندا | 2024‫ ‬

الذين ما زالوا معجبين بالممثل ليام نيسُن لكنهم يشتكون من تشابه أدواره في السنوات العشر الأخيرة لديهم مفاجأة سارة هنا: ليام نيسُن في أفضل فيلم له منذ ثلاثية «Taken» التي كان آخرها سنة 2014.

إنه قاتل مسلّح كالعادة، يعمل في تنفيذ عمليات مُسندة إليه، كما في معظم أفلامه الأخيرة، لكن الحكاية من ناحية، وشخصيّته المرسومة له من ناحية أخرى مختلفتان تماماً.

تقع الحكاية سنة 1974؛ فنبار مورفي (نيسُن) يعيش في بلدة آيرلندية ساحلية صغيرة. ينفّذ آخر عملية قتل ويستقيل. سيتفرغ، كما أخبر جارته (نيام كوزاك)، للزراعة التي لا يعرف عنها شيئاً. هناك فتاة صغيرة يكتشف فنبار أن رجلاً يتحرش بها جنسياً. الرجل هو الشاب كيرتس (دزموند إيستوود) الذي نراه في مطلع الفيلم يشترك في عملية لحساب «آيريش ريبابك آرمي (IRA)» مع شقيقته دوارين (كيري كوندون) تودي بحياة أطفال لجانب مَن أرادت المنظّمة اغتيالهم. يشعر فينبار بالغضب لتعرّض فتاة صغيرة لا تستطيع البوح لأحد لهذا الوضع، فيقتل الشاب ويدفنه. تبحث دوارين عن قاتل أخيها. الباقي يدخل في نطاق قتال مسلّح يكاد فينبار ألّا ينجو من ضراوته.

المخرج لورنز (كان ظهر ممثلاً في فيلمين لكلينت إيستوود، هما: «ميستيك ريفير» و«أميركان سنايبر») يحب الطبيعة الآيرلندية ويلتقط لها مناظر بديعة تساعد على ترميم أجواء الفيلم وتبعث فيها غرابة المكان ورمزه التاريخي العميق.

شخصية فينبار مكتوبة جيداً؛ فيه خير الملائكة وشر الخاطئين. رجل ذو مبادئ يرتكب في سبيلها القتل. ليس بالسهولة التي قد تعكسها هذه الكلمات. ما يقوم به نيسُن تشخيص حال الرجل الذي يدرك ما قام به من جرائم، لكنه لا يزال يأمل في المغفرة.

ما لا ينجح هنا البحث عن مواقع يستطيع الفيلم تطويرها في هذا الاتجاه عوض الانشغال في دقائقه العشر الأخيرة بتنفيذ المعارك العنيفة التي يختم الفيلم أحداثه بها.

إشارة صغيرة إلى تلك اللهجة الآيرلندية المحبَّبة. تلقائياً تمنح الفيلم ميزة إيجابية تمتزج مع المكان وزمانه.

• عروض مهرجان «فينيسيا»، حالياً على المنصّات.

‪UNDER THE BLUE SUN‬ ★★★

إخراج: دانيال مان | تسجيلي | إسرائيل | 2024‫ ‬

ما العلاقة بين سيلفستر ستالون والقضية الفلسطينية؟ لم يطلق الممثل تصريحاً يؤيد فيه أي طرف، لا في هذه الحرب الدائرة اليوم ولا في أي حرب سابقة. على ذلك، هناك خيط رفيع يوظّفه المخرج الإسرائيلي لصالح فيلمه التسجيلي «تحت الشمس الزرقاء»؛ ففيلم «رامبو 3» لبيتر ماكدونالد صُوّر في النجف لجانب مواقع عديدة في ولاية أريزونا. في إسرائيل، استغلّت الجبال العارية في تلك المنطقة استغلالاً جيّداً لتقارب طبيعتها وأشكالها من تلك الأفغانية حيث يدور «رامبو 3».

«تحت الشمس الزرقاء» (لابَت)

يبدأ «تحت شمس زرقاء» بمقابلة خلال تصوير «رامبو 3» لستالون وهو يتحدّث عن أن الطقس الحار جعل الجميع متوتراً، وهذا «جيد للفيلم».

لكن يبدو أن أحد العاملين الإسرائيليين في ذلك الفيلم قال له إن 91 هجوماً «إرهابياً» تم خلال وجوده في المنطقة؛ إذ نسمعه يكرر ذلك بقوله: «كان هناك 91 هجوماً (لم يقل إرهابياً) أُعلن عن 5 منها في (الميديا) فقط».

من خلال حقيقة أن بعض ذلك الفيلم الذي دار حول نضال الأفغان ضد الاحتلال الروسي وقيام رامبو بدوره المنفرد في مواجهة كل القوّة المعادية (دبابات وجنود وطائرات... إلخ) صُوّر في الأراضي المحتلة، ينفذ فيلم دانيال مان (ليس دانيال مان المخرج الأميركي من الخمسينات) إلى تصوير فيلمه الذي كان يمكن أن يكتفي بقدر أقل من الربط غير المتقن بين موضوعه و«رامبو 3».

يدور «تحت شمس زرقاء» في الواقع حول الفلسطيني البدوي بشير أبو ربيعة، وليس عن ستالون. أبو ربيعة شارك بالعمل في ذلك الفيلم الذي استأجرت شركة «كارولكو» الأميركية خدمات الجيش الإسرائيلي كمجاميع وخبرات لتصوير تلك الأحداث التي كان لا بدّ من تصويرها هناك.

أبو ربيعة يتحدث (بالعبرية طوال الوقت باستثناء 3 كلمات في نهاية الفيلم) عن الأرض التي احتلتها إسرائيل. حسب وصف مؤلم، مُنح بدو المنطقة، الذين ينتمي إليهم المتحدّث، وقتاً قصيراً لمغادرة المكان الذي أصبح فيما بعد محمية عسكرية. مَن تأخر في المغادرة أطلقت القوات الإسرائيلية النار ترهيباً، ومن ثمّ حرقت خيامه وجماله.

يدخل أبو ربيعة إلى منزله في القرية التي أوى و11 ألفاً ممن بقوا أحياء أو لم ينزحوا للعيش في الضفة الغربية (من بين 30 ألف فرد، حسب المتحدّث)، ويتحدّث عن رسوماته وعن الأفلام العديدة التي يشاهدها («مشهد واحد من فيلم أكيرا كوروساوا يساوي مائة فيلم آخر»، كما يقول). تصاحبه الكاميرا إلى تلك الأرض العارية غالباً من أثر الحياة، ونجده واقفاً يتحدّث عن شجرة تقف وحيدة في ذلك المكان المقفر متحدّيةً نقص الماء.

هناك حب للمكان وحب للطبيعة، يعبّر أبو ربيعة عنه بكلمات ونظرات. حسنة المخرج (مان) أنه يحسن التقاطها ولا يغفلها مطلقاً. الكاميرا تبقى على وجه أبو ربيعة حتى بعد أن يصمت ناقلة مشاعره وتلك الآلام الداخلية التي تصاحب البوح.

ينجح الفيلم، الذي أُنتج قبل الحرب الحالية، في إيفاء الموضوع حقّه من الاهتمام. يتفهّم ولا يُناقش بل يستمع ويتركنا نستمع أيضاً.

ما لا ينجح به هو محاولة أن يكون، فنياً، أعلى من المُتاح، خصوصاً عندما يصر على سماع صوت المخرج وهو يكتب لسيلفستر ستالون اليوم ليخبره عن مشاغل غير مهمّة. يفعل ذلك لأنه يريد توطيد علاقة ما بين موضوعه وموضوع فيلم «رامبو 3» وبطله.

ما يرتسم في خلفية كل شيء أن «رامبو 3» كان ضد الاحتلال الروسي لأفغانستان، وفيلم دانيال مان هو (إلى حد معيّن) ضد احتلال تلك المنطقة من فلسطين. في مشهد لا يستمر طويلاً الكاميرا تقع من بين يدي مصوّر يعتدي عليه رجل إسرائيلي. بذلك، الكاميرا التي أتاحت للفيلم الأميركي أن يكون بروباغاندا هي الأداة التي يُراد لها أن تُمنع من تصوير وضع آخر.

• عروض مهرجان روتردام هذا الشهر...

PROUD VALLEY ★★★★

إخراج: بن تنيسُن | دراما | بريطانيا | 1940

عدّ المعنيون أن السينما الواقعية الجديدة (ما القديمة؟) وُلدت في النصف الثاني من الأربعينات بإيطاليا الخارجة من الحرب العالمية الثانية، في مهب متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية.

هذا إلى حد صحيح، لكن يجب ألا يعني ذلك أن أحداً، في مكان ما حول العالم، لم يسبق تلك الموجة بأخرى واقعية مماثلة. فيلم بن تنيسُن (واحد من ثلاثة أفلام له فقط أخرجها ما بين 1939 و1940 قبل موته في حادثة طائرة) «وادي الفخر» واقعي بدوره، وإن استخدم ممثلين محترفين في الواجهة (التمثيل بحد نفسه من قِبل غير المحترفين عنصر واحد مما ألّف الواقعية الإيطالية). هذا الفيلم سبق تلك الإيطالية بسنوات، وتضمّن مشاهد واقعية التنفيذ والأسلوب إلى حد بعيد.

بول روبسن في «وادي الفخر» (كاباد)

يبدأ ببحار أميركي أسود (بول روبنسن) يصل إلى بلدة صغيرة في منطقة ويلز البريطانية تعيش على منجم فحم في الجوار. يجد عملاً بسبب صوته الأوبرالي. حين ينهار المنجم تسود البطالة، ولإنقاذ الوضع يسير مع بعض العمال من هناك إلى لندن لمقابلة أصحابه وجهاً لوجه، ومطالبتهم بإعادة فتح المنجم الذي سيساعد بريطانيا في حربها المعلنة ضد ألمانيا آنذاك.

ليس فيلماً وطنياً، بل محض دراما اجتماعية تعتمد على تواجد أفرو - أميركي في مجتمع منطقة ربما لم ترَ رجلاً أسود البشرة من قبل. المفارقة جزء أساسي من الفيلم. قبوله واحداً من أفراد المجتمع يمرّ من دون توقف عنده. (إلا عبر رأي معارض واحد)، ربما كان لهذا الموضوع حضور أوفى، لكن الحكاية ليست عن وضع عنصري أساساً؛ ما يمنح الفيلم عذراً. إنه عن الفقر بين عمّال المناجم وقسوة الظروف ومخاطر العمل (مع قصّة عاطفية بين عامل شاب وفتاة يريد الزواج منها لولا البطالة).

ما يحتل المرتبة الأولى من حسنات هذا الفيلم المعايشة الواقعية فوق سطح الأرض وتحته في أنفاق المنجم. والكاميرا التي تعلم تماماً لماذا هي هنا ولماذا تتحرّك هكذا. كمثال بسيط، هناك ذلك المشهد حيث الكاميرا أمام مجموعة من النساء والرجال الذي يغنون في كنيسة. بعد نحو 30 ثانية تتراجع الكاميرا عنهم وتصعد لتشملهم في مشهد عام. خلال ذلك الارتقاء والابتعاد ينخرط دور الكاميرا بالمعاني الدينية على أفضل وجه. إخراج تنيسُن ماهر، وما يثيره من أجواء واقعية طبيعي وليس مفتعلاً. وليست هناك حاجة لبلورة أسباب للتشويق؛ كون الحكاية وما يقع خلالها تتولى ذلك.

• عروض: DVD ومنصات.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«أوبنهايمر» يستبق الأوسكار بنيل جائزة نقابة المخرجين

كيليان مورفي بطل فيلم «أوبنهايمر» والمخرج كريستوفر نولان خلال حفل جوائز «دي جي إيه» الأميركية (رويترز)
كيليان مورفي بطل فيلم «أوبنهايمر» والمخرج كريستوفر نولان خلال حفل جوائز «دي جي إيه» الأميركية (رويترز)
TT

«أوبنهايمر» يستبق الأوسكار بنيل جائزة نقابة المخرجين

كيليان مورفي بطل فيلم «أوبنهايمر» والمخرج كريستوفر نولان خلال حفل جوائز «دي جي إيه» الأميركية (رويترز)
كيليان مورفي بطل فيلم «أوبنهايمر» والمخرج كريستوفر نولان خلال حفل جوائز «دي جي إيه» الأميركية (رويترز)

فاز فيلم «أوبنهايمر»، يوم السبت، بالجائزة الرئيسية بين المكافآت التي تمنحها نقابة المخرجين الأميركية (دي جي إيه) وتُشكّل في العادة مؤشراً مهماً إلى ما ستكون عليه جوائز الأوسكار، مما عزز التوقعات بحصول مخرجه كريستوفر نولان هذه السنة على اللقب السينمائي الأبرز بعد طول انتظار.

فالمخرج البريطاني الذي غالباً ما تُحقق أفلامه الضخمة إنتاجياً نجاحاً تجارياً كبيراً لكنها لا تتمكن دائماً من انتزاع جوائز سينمائية، حصل على لقب أفضل فيلم خلال الاحتفال الخامس والسبعين بتوزيع جوائز نقابة المخرجين الأميركية.

وقال نولان عن فيلمه، الذي يتناول سيرة مخترع القنبلة الذرية جيه روبرت أوبنهايمر، ويؤدي دوره فيه الممثل الآيرلندي كيليان مورفي: «فكرة أن زملائي يرون أنني أستحق هذه الجائزة تعني لي الكثير»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

كريستوفر نولان مخرج فيلم «أوبنهايمر» يفوز بجائزة «دي جي إيه» الأميركية (رويترز)

وسبق أن رُشحت أربعة من أفلام نولان السابقة، وهي «ميمينتو» Memento و«ذي دارك نايت» The Dark Knight و«إنسيبشن» Inception و«دانكرك» Dunkirk لجائزة «دي جي إيه» الكبرى، لكنّ أياً منها لم يفز بها.

إلى الأوسكار؟

وبات في إمكان المخرج أن يتوّج فيلمه الشهر المقبل في الاحتفال السادس والتسعين لتوزيع جوائز الأوسكار، بعد إخفاقه خمس مرات في الحصول على المكافأة الكبرى. ونال «أوبنهايمر» هذه السنة 13 ترشيحاً.

وأشاد نولان لدى تسلمّه جائزة «دي جي إيه» بفريقه لنجاحه في ترجمة رؤاه الطموحة، ومنها إنشاء نسخة طبق الأصل مذهلة لأول اختبار للقنبلة الذرية.

وقال خلال الاحتفال: «آسف يا رفاق! الأمر كله يعتمد عليكم وعلى فرقكم. لم تحققوا يوماً نجاحاً مماثلاً لذلك الذي حققتموه في (أوبنهايمر)».

غريتا غيرويغ تتسلم جائزة خلال حفل جوائز «دي جي إيه» عن فيلم «باربي» (أ.ف.ب)

وتنافس نولان على جائزة «دي جي إيه» لأفضل فيلم هذه السنة مع كل من مارتن سكورسيزي عن «كيلرز أوف ذي فلاور مون» Killers of the Flower Moon وغريتا غيرويغ عن «باربي» Barbie ويورغوس لانتيموس عن «بور ثينغز» Poor Things وألكسندر باين عن «ذي هولدوفرز» The Holdovers.

وسبق لثمانية عشر من آخر عشرين فائزاً بجائزة «دي جي إيه» أن حصلوا أيضاً في العام نفسه على جائزة أفضل مخرج في احتفال الأوسكار الذي يقام هذه السنة في 10 مارس (آذار) المقبل.

ومُنِحَت جائزة أفضل فيلم وثائقي لشريط «20 دايز إن ماريوبول»، الذي يتناول قصة امتداد الحرب إلى مدينة أوكرانية أصبحت مسرحاً لإحدى أعنف المعارك وأكثرها دموية خلال الغزو الروسي.

وقال مخرج الفيلم مستيسلاف تشيرنوف: «تعرضت مدينتي اليوم للقصف وقُتل سبعة أشخاص، بينهم ثلاثة أطفال. إنه يوم حزين».

وأضاف: «في الوقت نفسه، أدرك قوة السينما... عندما يفرّ هؤلاء الأشخاص من القنابل التي تسقط عليهم، يمكثون في الأقبية ويشاهدون الأفلام للتغلب على خوفهم».

أما فيما يتعلق بالأعمال التلفزيونية التي تكافئها «دي جي إيه» أيضاً، فاز مسلسل «ذي لاست أوف آس» The Last of Us بجائزة أفضل حلقة من مسلسل درامي، و«ذي بير» The Bear بالجائزة المماثلة في فئة المسلسلات الكوميدية.


أسئلة في سينما جاك تاتي ورموزها الكوميدية


من «عمّي» (سبكتا فيلمز)
من «عمّي» (سبكتا فيلمز)
TT

أسئلة في سينما جاك تاتي ورموزها الكوميدية


من «عمّي» (سبكتا فيلمز)
من «عمّي» (سبكتا فيلمز)

«كودا»، الذي خطف 3 أوسكارات قبل عامين (من بينها أوسكار أفضل فيلم»، مأخوذ عن فيلم فرنسي عنوانه «عائلة الحمل La Famille Belier» أخرجه إريك لارتيغو سنة 2014، وهو يأتي في عداد قائمة طويلة من الاقتباسات التي أنتجتها هوليوود بناءً على أفلام نالت نجاحاً في موطنها الفرنسي كما حدث لاحقاً عندما اقتُبست كأفلام أميركية.

من بين هذه الأفلام، على سبيل المثال، «أجور الخوف Le Salaire de la peur»، 1953، الذي أعاد ويليام فرايدكن صنعه سنة 1977 تحت عنوان لا يمتّ مطلقاً للموضوع هو «ساحر Sorcerer»، ومثل فيلم جان - لوك غودار «مقطوع النفس À bout de souffle»، 1959، الذي حققه حيم ماكبرايد عام 1983. هذان فيلمان دراميان، مما يفسر سبب عدم نجاح الاقتباسين التجاري في الولايات المتحدة.

لكن الحظ الأفضل كان من نصيب تلك الأفلام الكوميدية من تلك الاقتباسات مثل «الرجل بفردة حذاء حمراء» الذي أخرجه ستان دراغوتي عن فيلم كوميدي فرنسي بعنوان «الأشقر الطويل مع فردة حذاء سوداء Le grand blond avec une chaussure noire»، 1972، و«3 رجال وطفل» لليونارد نيموي (1987)، و«القفص» لمايك نيكولز (1996) المأخوذين من فيلمين متماثلين في النوع والعنوان.

سبب نجاح هذه الاقتباسات مصدره أن الكوميديا هي أصعب أنواع القصص إذا ما عُرضت في بلاد غير دول إنتاجها. إنها مثل نكتة روسية تفقد معناها عند الترجمة، أو نكتة عربية ينتهي قائلها من دون أن يفهم الأجنبي ما تقصده. الحل، إذاً، كان شراء الاستوديو الأميركي الحقوق، وتحويل السيناريو وشخصياته من فرنسية نموذجية إلى أميركية تامّة، ومنح الأدوار كلها لممثلين أميركيين.

جاك تاتي (سبكتا فيلمز)

كوميدي مختلف

لكنّ نجاحاً مماثلاً، لكنْ أبعد صدى، نالته أفلام المخرج جاك تاتي حول العالم على الرغم من مرور عقود على تحقيقها. لم يجرِ تحويل أي منها لفيلم أميركي أو من أي بلد آخر، ولم يحاول أحد تقليده أو استيحاءه. ما جرى ولا يزال، هو عرض أفلامه لجمهور المثقفين وهواة السينما محاطة بذلك القبول النقدي الواسع الذي كانت شهدته منذ عقود ولا تزال.

منذ تحقيق تاتي فيلمه الأول «يوم العيد Jour de fete» الذي شهد عرضه الأول سنة 1949 وعروض أفلامه تنتقل من مؤسسة وطنية للسينما إلى مهرجان، ومن مهرجان إلى مظاهرة في صالة متخصصة سواء في فرنسا أو بريطانيا أو أمستردام أو برلين وسواها. قبل عامين، وليس للمرّة الأولى، شهدت نيويورك عروضاً كاملة لأفلامه، وقبل شهر واحد انتهت «مؤسسة الفيلم الأميركية» في لوس أنجليس من عرض كل أعماله في احتفاء خاص.

بناءً على ذلك، أليس من الممكن اعتبار أفلام تاتي، التي لم تزد على خمسة أعمال، آخرها «حركة مرور Traffic» سنة 1971، أكثر فرنسية من الأفلام القابلة للانتقال برمّتها إلى أي سينما أخرى مستعدة لإعادة إنتاجها بطريقتها الخاصّة وحوارها المحلي؟

أفلام جاك تاتي لا يمكن لها أن تُترجم لتنتَج خارج بلادها لسببين: الأول أنها ذات محيط اجتماعي - فرنسي خالص، والآخر، وهو الأهم في بعض جوانبه، أنْ لا ممثل آخَر يستطيع أن يقلد تاتي، وإذا لم يفعل فإن الكوميديا ذاتها ستنحسر مثل ماء في البالوعة، وبذلك لن يبقَ هناك أي سبب لتقليدها أو إعادة صنعها. كذلك، وكحقيقة ثالثة، هي ليست أفلاماً سهلة السرد كونها لا تعتمد على قصّة بل على وقائع فقط.

المسافة الزمنية بين كل فيلم وآخر من أفلامه تعكس عدم تهافته على أن يكون فرناندل أو لوي دو فونيس أو بورڤيل آخر. هو ليس بوارد اتّباع قصّة جماهيرية بطلتها الأحداث وانسكاباتها على الشخصيات الأولى فيها، كما هي العادة في غالبية المنتج الكوميدي في كل مكان.

فيلمه الثاني كان «عطلة السيد أولو 1953» النموذج الكامل لشخصيته على الشاشة ولماهية أفلامه وفلسفته السينمائية، كما لغته الفنية والثقافية. ثم مرّت أربع سنوات قبل تحقيق فيلمه الثالث «عمّي»، 1958، وثمانية أعوام أخرى قبل إخراج «وقت اللعب Playtime»، وبعده بخمس سنوات أخرج فيلمه الأخير «حركة مرور».

تلتصق هذه الأفلام بالهوية الوطنية لتاتي من حيث إنها ليست تقليداً، ومن حيث إنها فرنسية غير قابلة للتحوّل إلى أي شيء آخر عدا ذلك.

بستر كيتون في «أسبوع واحد» (تشنك برودكشنز)

الوطن في مفهومه

الناحية الوطنية لجاك تاتي مثار جدال. هي تعلن موقفه من وطن يتعثر في محاولته مجاراة التقليد الأميركي في الحياة. هذا مُعبَّرٌ عنه جيداً في «عمّي Mon oncle‬». تاتي يقبل دعوة لزيارة منزل مزوّد بوسائل وأدوات عصرية لا يجدها «مسيو أولو» مهمّة. في الواقع هو غريب عنها ولا يُحسن استخدامها مما يتسبب في كوارث صغيرة أراد تاتي منها أن تتولى نقد العصرنة بوضوح.

هذا الفيلم قريب من روح فيلم قديم لبستر كيتون بعنوان «أسبوع واحد، 1920، وفيه يحاول كيتون وعروسه بناء منزل جاءت جدرانه الخشبية وأرضيته وسقفه في صناديق عليهما أن يجمعاها معاً. الرجل الذي يكنّ له الضغينة يتلاعب بأرقام الصناديق، والنتيجة: منزلٌ مركَّب شكلياً خطأ. مائل وباب الدخول في الطابق العلوي، وأشياء من هذا القبيل. لكنّ فيلم كيتون ليس ضد المدنية بالضرورة بل عن اضطرار رجل فقير إلى شراء منزل من نوع «ابنه بنفسك».

«عمّي» ربما أوحى للكوميدي البريطاني بيتر سلرز بحركاته المعتمَدة في فيلم إدوارد بلايك «الحفل The Party» سنة 1968، فهو رجل هندي يصل إلى حفلة لم يُدعَ إليها ولا معرفةَ له بتقنيات وأدوات البيت (حتى البسيطة» مما تنتج عنه مشكلات كبيرة لأن كل ما يلمسه يتحوّل إلى كارثة. هذا الفيلم أيضاً ليس تعليقاً ناقداً للعصرنة لكنه وطيد الصلة بشخصية «أولو» في الفيلم الفرنسي.

علاقة تاتي بفرنسا علاقة سياسية. عايشَ سنتَي احتلال ألمانيا لفرنسا (1940 – 1942) التي انقسمت جغرافياً وسياسياً إلى جانبين، واحد يتبع حكومة فيشي المتعاونة وآخر تقوده المقاومة في الجنوب والمهجر. هذا الوضع لم يمنع تاتي من البقاء في باريس قبل تسلله هارباً من تلك التبعية. رغم ذلك، هناك من يقول، بين المؤرخين، إن تاتي مال إلى حكومة فيشي، بدليل أن فيلمه الأول تحدّث عن العائلة والوطن من منظور محافظ، وكذلك لأن الفيلم حمل نغمة معاداة لأميركا التي استقبلتها فرنسا المحررة بالأحضان، وأرادت الطلاق سريعاً من ماضيها، والتطوّر صوب ما هو عصري، كما بدت أميركا آنذاك.

لكن ما هو مؤكَّد أن تاتي كان بالفعل ضد الحضارة، مصطنعةً أو مستوردةً. بالنسبة إليه أي منزل ريفي هو البيت الحقيقي الذي يمكن لبطله «أولو» أن يشعر فيه بالانتماء.

هذا واضح في نظرته وتعامله مع منازل المدن. في مطلع «بلايتايم» يبدو المبنى مثل علب كبريت يعلو بعضها بعضاً. في «عطلة السيد أولو» الفندق والإعلانات الموزّعة على الشاطئ يمنعان رؤية البحر والطبيعة. حين يدخل «أولو» ذلك الفندق الذي يُمضي فيه الوقت يُثير الإزعاج بسبب الهواء الذي يدخل معه عندما يفتح الباب. المكان في الداخل غير مريح أو مستقر. ثم، وكما ورد قبل قليل، هناك ذلك المنزل المركّب من دون جمال وبكثير من الديكورات غير المريحة في «وقت اللعب».

بالنسبة إليه هناك علامات للمد الرأسمالي لا يرغب فيه لأنه يأكل من الهوية الفرنسية. هذا يتضح في فيلمه الأخير، إذ عليه أن يوصل وآخرون ابتكاراً لسيارة تتحوّل إلى مخيم من باريس إلى معرض مقام في مدينة أمستردام. طوال الطريق يواجه تاتي عقبات أسبابها خارجة عن إرادته لكن الشركة ستحمّله المسؤولية. لا نتحدث عن نقده لزحمة السير فقط، بل عن المنازل والفنادق والمعرض ذاته وما يواجهه من مشكلات مختلفة على طول الطريق بين المدينتين.

معطف وغليون

إذا كان فيلم «أسبوع واحد» لبستر كيتون له تأثيرٌ ما في تاتي، فهو ليس الفيلم الوحيد. في الكوميديا هناك ثلاثة مناهج في الأداء: إثارة التعاطف صوب الشخصية (على غرار أفلام تشارلي تشابلن)، وإثارة النكتة الموجهة مباشرةً إلى الجمهور (مثل لوي دو فونيس، وإسماعيل ياسين، من بين مئات)، وإدماج المُشاهد في رصد شخصية لديها موقف من الحداثة (بستر كيتون، وجاك تاتي). مع هذا، هناك حقيقة أن كل منهما لا يَضحك بل يُضحك، وهذا على عكس كل الكوميديين المعروفين.

لكن بالطبع هناك فوارق أساسية من بينها أن كيتون واضح فيما يقوم به وليس غامضاً حين يأتي الأمر إلى علاقاته مع الآخرين، هو عاطفي أساساً، بينما تاتي لا يبدو من النوع الذي قد يقع في الحب مطلقاً. هو شخص وحيد حتى في محميّته الفرنسية. يرتدي المعطف الواقي دوماً. يدخّن غليونه ولا يكترث للقطات وجه قريبة لكي يقرأ المُشاهد تعبيراً ما عليها.

10 ممثلين آخرين أثْروا السينما الكوميدية

• بستر كيتون

عند هذا الناقد، هذا أفضل كوميدي عرفته السينما في تاريخها. هو أيضاً المخرج الذي رفع شأن الكوميديا في السينما.

• بل موراي

كوميدي هادئ ينقل القدر الصحيح من السخرية لمحيطه ويؤدي أدواره بشفافية وعمق معاً.

• تشارلي تشابلن

- أشهر الممثلين الكوميديين وشخصيّته كمتشرد تبقى ماثلة لليوم.

• جون كاندي

انتمى حضوره إلى نوع نموذجي من الكوميديا. لم يسخر من بدانته أو يقبل المتاجرة بها، بل حوّلها إلى عنصر فعال.

• جيم كاري

رغم أننا لم نعد نراه كثيراً، ما زال من أولئك الذين يبعثون البهجة خصوصاً في أفلامه الأولى.

• روبرتو بنيني

الممثل والمخرج الإيطالي أنجز سريعاً مكانته عبر «الحياة حلوة» سنة 1997.

• عادل إمام

الكوميدي الأعلى نجاحاً في السينما العربية، عرف التوازن بين الأداء واختيار الموضوعات ذات القضايا في الكثير من الأحيان.

• لوريل وهاردي

أفضل ثنائي كوميدي منذ الثلاثينات إلى اليوم. الكيمياء بينهما لم تجد من يتجاوزها.

• هارولد لويد

الكوميدي الأقل شهرة من بستر كيتون وتشارلي تشابلن... شخصية فذة بدورها.

• وودي ألن

الكوميديا عند وودي تنهل من شخصية مليئة بالحسابات والمخاوف وآسرة.


شاشة الناقد: «قوّة» يطرح موضوع البوليس الأميركي اليوم

 كريستوفر ريف كـ «سوبرمان» (وورنر)
كريستوفر ريف كـ «سوبرمان» (وورنر)
TT

شاشة الناقد: «قوّة» يطرح موضوع البوليس الأميركي اليوم

 كريستوفر ريف كـ «سوبرمان» (وورنر)
كريستوفر ريف كـ «سوبرمان» (وورنر)

ثلاثة أفلام تسجيلية/ وثائقية عن ممثل وبوليس وإضراب. اثنان منها عرضهما مهرجان صندانس والثالث استعادة

‪Super/Man: The Christopher Reeve Story‬ ★★★★

إخراج: إيان بونوت وبيتر أتتغي | الولايات المتحدة | 2024‫ ‬

ما زالت المأساة التي تعرّض إليها الممثل كريستوفر ريڤ ماثلة؛ فهي لم تقع منذ زمن غابر. ففي عام 1995 سقط عن حصانه المنطلق وكُسر عموده الفقري والتزم المستشفى مدة طويلة ثم المقعد المتحرك لما بقي له من سنوات حياته (توفي عن 52 سنة في عام 2004).

إصابته كانت بليغة وصوره وهو غير قادر على تحريك عنقه أو جسده كانت مثيرة للأسى؛ كونه هو الممثل ذاته الذي كان يطير في أجواء العالم نسبة لدوره كسوبرمان في أربعة أفلام، أولها سنة 1978 لريتشارد دونر، والثاني «سوبرمان 2» لريتشارد لستر، ثم فيلمان بلا قيمة فنية أنتجتهما برخص شركة «كانون» في 1983 و1987 واضطر الممثل إلى الالتزام بعقد كان وقّعه.

أفلام سوبرمان لم تكن الوحيدة في مهنته؛ إذ ظهر في إنتاجات أخرى من بينها «فخ الموت» (Deathtrap) لسدني لومِت و«البوسطونيون» (The Bostonians) لجيمس إيڤوري بين أخرى. لكن حقيقة أنه الممثل الذي طار والشخص الوسيم الذي كان، ثم أخلاقه وتواضعه، كانت أموراً جذبت إليه الجمهور العريض كما، لاحقاً، التعاطف الشديد لمصابه.

«سوبر/مان: قصّة كريستوفر ريڤ» الذي عُرض في مهرجان صندانس قبل أسبوعين، يبني مادته على ما سبق من حقائق ويضيف إليها ما استخرجه من مواد وثائقية ومن معلومات. هنا نتعرّف على من وقف معه خلال أزمته (بينهم الكوميدي الراحل روبن وليامز) وزوجته مارشا غارسيز. هذا لا يعني أنه لم يكن لديه أصدقاء آخرون تحلّقوا حوله ومنهم الممثلة غلن كلوز والممثلة سوزان ساراندون. يحيط الفيلم كذلك بعائلة الممثل (تزوّج مرتين وأنجب ثلاثة أولاد).

مع فيض من المعلومات حول شخصيّته بعيداً عن الكاميرا وحكاياته مع النساء اللواتي تعرف عليهن وتزوّج بعضهن، يحاول الفيلم ألا يترك شيئاً من دون أن يعرضه. هذا ما يجعله في آن واحد عملاً ينشد نجاحه عبر إثارة التعاطف مجدداً حول الممثل، وفيلماً يبث بانوراما بيوغرافية عن الشخصية تعيد رصف سنوات حياته أمام الكاميرا وبعيداً عنها.

في هذا الصدد ينتقل الفيلم مع شخصه عبر أزمنة متعددة (قبل الحادثة وبعدها) على نحو من التناوب السهل والسلس. ويعرض قرب النهاية تلك اللحظات التي تثير الشجن عندما ظهر ريڤ مقعداً على مسرح الأوسكار في مقعده المتحرك ووقوف الحضور له مصفقين. التحية متبادلة من ممثل يبتسم للحضور وحضور يحييه ويعلن عن حبه له هنا، لكنها تبقى لحظات مؤلمة في كل الأحوال.

‪Power‬ ★★★

إخراج: يانس فورد | الولايات المتحدة | 2024‫

من هو البوليس الأميركي؟ لماذا يعتمد العنف في التصدي للمتظاهرين؟ لماذا بعض عناصره تحمل ضغينة تدفعها لإطلاق النار على أبرياء؟ ثم ما هي مسؤولية الحكومة الأميركية في هذا الشأن؟

يطرح «قوّة» هذه الأسئلة ويجيب عنها من منطلق تحقيق شامل يعرض فيه المخرج الكثير من الواقع الحاضر وبعض الأمثلة والأحداث الماضية. يذكّر الفيلم بأن البوليس الأميركي كان قوّة لا يستهان بها لضبط السود الهاربين من المزارع التي كانوا يعملون فيها عبيداً. كذلك كانوا هناك عندما طُلب منهم إجبار القبائل الأميركية التزام المستوطنات والمناطق التي نُقلوا إليها لكي يستفيد البيض من ثروات الأراضي التي توارثت القبائل الهندية العيش عليها من ألوف السنين.

مخرج «قوة»: يانس فورد (غورڤيداي ميديا)

الحال آنذاك وفي الزمن الحاضر لم يتغيّر، كما يقترح الفيلم ويوفر دلالات، وهو أن هذه القوّة كانت دوماً قوّة من القيادات والأفراد البيض؛ ما يعني أن الوظيفة المسندة إلى رجل الشرطة تمتزج بعنصرية متوارثة وإن لم تمتزج كونها كانت، نظرياً حاضرة، فإنها تنمو وتزداد تبعاً للوظيفة التي يجد فيها رجل الأبيض نفسه فيها ممارساً ما تمارسه الأغلبية.

«قوّة» فيلم مقنع على صعيد رصد هذه الوقائع، لكنه إذ ينتقدها لا يرغب في أن يعادي البوليس ولديه سبب مهم لذلك وهو أن معظم الأميركيين ما زالوا يرون البوليس، عن حق، صمام أمان المجتمع.

من خلال عرض مُعنى به كوثيقة ومشغول بتوليف بين مشاهده بنجاح، يصل الفيلم إلى نقطة أخرى حاسمة، وهي كيف أصبح البوليس المخلب الذي تستخدمه الحكومة لقمع المظاهرات وتأكيد قوّتها ومفهومها للسُلطة؛ وهذا يتضح في أن أحد مهام الشرطة فك الإضرابات العمالية حين تقع. هذا ما يذكر بفيلم حققته باربرا كوبل سنة 1968 بعنوان Harlan County USA حول إضراب عمال مناجم مكسيكيين.

الجانب الآخر الذي يوفره المخرج فورد في هذا الموضوع، أن المواطنين البيض، في العموم وخصوصاً ولايات الوسط والجنوب، حافظوا على مسافة كبيرة بينهم وبين السود. إذا كان هذا وضعاً متوقعاً من عائلات بيضاء ثرية، فإن الغريب أن العائلات البيضاء الفقيرة أيّدته ومارسته أيضاً.

ما لا يستطيع الفيلم تغطيته هو أن دور البوليس الأميركي قد يكوم مميّزاً عن سواه بالأحداث العنصرية (يأتي ذكر مقتل رودني كينغ وجورج فلويد)، لكنه ليس دوراً تنفرد الولايات المتحدة به. بما أن المشاهد لا يتوقع أن يغطي الفيلم نماذج من دول أخرى مارست فيها الشرطة بطشاً عنيفاً استدعى النقد، فإن تموضع الفيلم في إطار البلد الواحد مفهوم ومقبول.

• عروض مهرجان صندانس

Harlan County‪,‬ USA ★★★★

إخراج: باربرا كوبل | الولايات المتحدة | 1968

ما سبق يحيلنا إلى فيلم باربرا كوبل «مقاطعة هارلن، الولايات المتحدة». هي بدورها مخرجة أميركية ناقدة وهذا الفيلم كان الأول لها في هذا المجال.

كانت في ولاية أخرى عندما وصلها نبأ دخول إضراب عمال مناجم في ولاية كنتكي شهره السادس فقررت تصوير ما يحدث وبذلك خرجت بفيلم نال الأوسكار في فئة الأفلام التسجيلية.

خلال التصوير تعرضت للضرب المبرح. أحد مديري التصوير (هارت بَري) أصيب بطلقة في ذراعه. ووجهت بتهديدات مختلفة ومحاولات ترغيب لكن السائد هو أن من قابلتهم في الجهة المعارضة للإضراب لم يكن لديهم أي كلمات حسنة حيال ما تقوم به ووافقوا على الحديث للكاميرا لتأكيد وجهة نظرهم فقط.

من «هارلان كاونتي، يو أس أ (كابين كريك).

في النهاية وبعد أشهر طويلة من العمل عليه، فازت بفيلم فنياً بديع وسياسياً جارح وبصرياً مخيف تبعاً لطريقة تصويره.

القضية هي أن عمال مناجم مكسيكيين في ولاية كنتاكي قرروا الإضراب إلى أن تتحسن شروط العمل. هي بسيطة وليست صعبة: رفع الأجور، خفض ساعات العمل وتوفير حماية طبية يفصح الفيلم عن أن الأجور بسيطة والزيادة المقترحة كانت ستبقيها على هذا النحو. أما ساعات الدوام فهي أكثر مما يسمح به القانون والحماية الطبية قد تمنع عنهم استنشاق الفحم وتسرباته في الأبدان.

لكن إدارة المنجم رفضت كل العروض وجلبت مرتزقة مسلحين لفضه. القتال بين الجانبين (عمال وبلطجية) تقع أمام الكاميرا والمخرجة ومدير تصويرها في الوسط غير آبهين. لكن كوبل تأخذ الوقت الكافي لرصد دور المرأة في هذا الوضع من خلال مقابلاتهن وتصوير ظروفهن المُعاشة. لا يهم ما تقوله كل زوجة بقدر ما يهم أن المخرجة أرادت ضمان صوت المرأة فيما تقدّمه.

الفيلم مشغول كما لو إنه تقرير، لكن النفحة المؤيدة للمضربين على نحو إنساني واضحة ومع دخول الوضع مرحلة النزاع المسلح بين الطرفين يشعر المرء أن مثل هذا الفيلم لم يخطئ عندما انحاز لجانب دون آخر.

• عروض متوافرة على النت

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أفلام سِيَر شخصيات مع «توابل» لزوم الترويج

برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)
برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)
TT

أفلام سِيَر شخصيات مع «توابل» لزوم الترويج

برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)
برادلي كوبر عازفاً في «مايسترو» (سيكيليا بردودكنز)

شهدت صالات السينما خلال العام المنصرم ما لا يقل عن 20 فيلماً من نوع «السِّيَر الشخصية» أو «البيوغرافي»، وهو رقم قريب من عدد الأفلام التي عُرضت من هذا الفصيل في العام الأسبق، 2022 (نحو 18 فيلماً). أما عدد الأفلام السيوغرافية المتوقعة خلال العام الحالي، فمن الأرجح ألا تتجاوز الـ10 أفلام؛ لكن سواء تجاوزت ذلك الرقم أو لم تتجاوزه، فإن هذا النوع هو أحد الأنواع السائدة بين الإنتاجات الحالية، وهي مختلفة، من قصّة حياة إلى قصص من الحياة أو لفترة منها. هناك أفلام عن شخصيات مشهورة، وأخرى عن شخصيات لم نكن لنعرف عنها شيئاً لولا الأفلام التي صنعت عنها؛ وتتنوّع كذلك الفترات التاريخية من تلك الآتية من زمن بعيد، إلى تلك التي تنتمي إلى سنوات معاصرة.

عن الحب والحرب

في عداد الأفلام المتبارية للأوسكار هناك فيلمان روائيان من هذه الفئة هما الأميركيان «أوبنهايمر» و«مايسترو». في عداد الأفلام غير الروائية هناك 3 من ألأفلام الـ5 المرشّحة وهي، الفيلم الأميركي «بوبي واين: رئيس الشعب» (Bobi Wine‪:‬ The Peop‪le’s‬ President)، والتونسي «بنات ألفة» (مقدّم باسم Four Daughters)، والتشيلي «الذاكرة الأبدية» (La Memoria Infinita).

هناك فيلمان قريبان من السير الشخصية هما «نابليون» لريدلي سكوت، عن الحب والحرب في حياة نابليون بونابرت و«قتلة ذا مون فلاور» لمارتن سكورسيزي، الذي يعرض لشخصيات حقيقية بدورها.

ما تجتمع عليه هذه الأفلام وسواها هو، البحث في تاريخ بعض الشخصيات وحاضرها، التي تسجلها على أشرطتها. وبطبيعة الحال فإن الفيلم الروائي لديه هامش كبير من الخروج عن سيرة الحياة التي يختارها.

هذا اعتراف غير مباشر بأن قصّة حياة شخص مشهور، لنقل جون ف. كندي، أو سيغموند فرويد، قد تكون مملّة على الشاشة بحيث لا بد من رشّ بعض البهارات عليها لتصبح مقبولة. هذا يتضح جلياً مع فيلم برادلي كوبر عن حياة الموسيقار ليونارد بيرنستين في فيلم «مايسترو».

يلعب كوبر شخصية الموسيقار (1919- 1999)، الذي وضع موسيقى لمئات الأفلام والمسرحيات والأعمال التلفزيونية من بينها موسيقى «عصر البراءة» لسكورسيزي (1992)، و«زيت لورنزو» لجورج ميلر (1992)، ومن قبلهما «بوابة الجنة» لمايكل شيمينو (1980)، و«ويست سايد ستوري» لروبرت وايز (1961)، و«نافذة خلفية» لألفرد هيتشكوك (1954)، على سبيل المثال.

المشكلة هنا هي أن «مايسترو» حاول بيع حياة برينستين للجمهور، وهذا يعني أنه تغاضى عما يمكن اعتباره دراسة حياة أو جاذباً أكثر للجمهور: بعض ملامح الشخصية الاجتماعية، وحديثه عن الموسيقى، ومشهد له وهو منكبّ على تأليفها، ومن ثمّ قصّة الحب التي جمعته مع زوجته (كاري موليغان).

الأمر نفسه مع تناول كريستوفر نولان شخصية «أوبنهايمر» من حيث إنه جلب بعض المشاهد التي لم تقع فعلياً ولو لأمر لا علاقة له بالزينة مثل ذلك المشهد، الذي جمع بين أوبنايهمر وألبرت آينشتاين؛ إذا ما كان هناك سبب وجيه فهو بقي في نوايا المخرج ولم يظهر على السطح جيداً.

«جاسوس رحيم» (كارتمبكوين)

امرأة حديدية

لا يكترث فيلم نولان كثيراً للحديث عن أوبنهايمر يهودياً، ولو أن ذلك مذكور بطبيعة الحال، لكن «غولدا» حافل بهذا الجانب؛ هو فيلم بريطاني/ أميركي مشترك أخرجه غاي ناتيف عن حياة غولدا مايير خلال حرب 1973. المشهد هنا هو عن كيف تصرّفت رئيسة الوزراء الإسرائيلية خلال تلك الفترة العصيبة من زاوية تخليد ذكراها بصفتها امرأة إسرائيل الحديدية التي أنقذت دولتها من الدمار.

الصدى التجاري للفيلم كان هامداً. جلب 6 ملايين دولار من الدول التي عرضته تجارياً، لكن الصدى النقدي كان أسوأ منه. قال فيه الناقد البريطاني بيتر برادشو في «الغارديان»: «كفيلم حربي ممل على نحو مربك، كدراما سياسية هو بلا روح. أما كصورة شخصية لمايير فهو خامل ومصطنع».

الأميركي جوني ألكسينسكي في «نيويورك بوست» منح الفيلم نجمة واحدة وكتب: «منح المخرج فيلماً رخواً يوفر أسوأ أنواع السّيَر المنسية. هيلين ميرين تؤدي دورها بباروكة شعر على أمل أن يخفي الفيلم أسوأ تمثيل».

الفيلم ليس تماماً بهذا السوء، لكنه يعكس بعض المطبّات الصعبة للأفلام التي تسرد حياة شخصيات معروفة، وهو وضعٌ كاد أن ينجو منه فيلم مايكل مان «فيراري» (عن صانع سيارات فيراري الشهيرة)، لكنه لم يفعل تماماً مثله، في هذا الوضع قصّة حياة برسيليا بريسلي (زوجة المغني الذائع الصيت إلفيس بريسلي) الذي كان الأسترالي باز لورمان قدّم سيرة حياته في فيلم «إلفيس» في العام السابق.

حكاية برسيليا بريسلي في «بريسليا» (أميركان زوتروب)

خلطة

تلك اللمعة التي شوهدت في «مايسترو» و«برسيليا» و«غولدا» ومن قبلها في الأعوام القليلة السابقة «إلفيس»، و«تار»، و«أن نكون ريكاردوس»، و«سيرجيو»، و«حبيبتي فيفيان» جعلت من تلك السّيَر ما يشبه «السوب أوبرا» التلفزيونية (مسلسل تلفزيوني طويل)، وأحياناً، كما الحال في «هيتشكوك»، الذي ادّعى أن المخرج العظيم لم يصوّر «سايكو» بكامله، وكما حال «مانك»، الذي اقترح أن أورسون ويلز لم يكن له أيّ فضل يُذكر حين صنع «المواطن كاين».

الفيلم الذي تحاشى الانحدار بين ما عُرض مؤخراً لهذا المستوى هو فيلم مايكل مان «فيراري»، الذي كانت لديه مشاكل في خانات أخرى منه، لكن ليس من بينها الكثير مما يخرج كثيراً عن التقليد السليم لسرد قصّة حياة في فيلم روائي.

هذا على الصعيد الروائي، لكن عندما يأتي الأمر إلى تقديم شخصيات حقيقية في السينما التسجيلية أو الوثائقية، فإن المشاكل تختلف.

كبداية تختلط المسائل قليلاً بين أفلام تدور عن شخصيات حقيقية، وأخرى في رحى أماكن لا بدّ لها أن تسرد ما له علاقة بشخصيات معيّنة.

هناك فيلم رائع لمخرج اسمه حسن فرحاني بعنوان «143 شارع الصحراء»، ينتمي إلى تلك الأفلام التي تتحدث عن شخصيات حقيقية، لكنه ليس بيوغرافياً، بل تسجيلاً حاضراً لحياته. إنه عن امرأة غير متزوّجة (ولا تأبه لذلك)، تعيش وحيدة في دكانٍ يقع في شارع صحراويّ، تبيع فيه الطعام لمن يريد التوقف بشاحنته أو سيارته لتناول الطعام. ما يوفره الفيلم في نحو ساعة ونصف الساعة هو، متابعة الحياة اليومية لهذه المرأة والاستماع إلى الحوارات التي تدور بينها وبين سائقي الشاحنات غالباً، (هناك مسافرة وحيدة من فرنسا تتوقف لبضع دقائق ثمينة)، وتكوين صنفٍ من الحياة في جوٍ خاصٍ ومثيرٍ للاهتمام. لكن الحدود مغلقة أمام هذا الاختيار. لا يستطيع الفيلم الخروج من موقع المرأة مشهدياً كونه مرتبطاً بها وحدها. وهي لا تسافر ولا تنتقل إلا قليلاً. نلحظ اتكالها على الغيب وعدم انشغالها، (ظاهرياً على الأقل)، بما قد يؤول إليه مستقبلها.

هذا الفيلم من نوع أمد أشهر الأفلام التسجيلية في التاريخ وهو «نانوك الشمال»، حققه روبرت ج. فلاهرتي سنة 1922 عن رجل وزوجته يعيشان فوق ثلوج القطب الشمالي متابعاً حياتهما الصعبة.

الجزء المتعلق بحياة أناسٍ على نحو الإبحار في سير حياتهم ولو لفترة معيّنة يتقدّمها في الأشهر الأخيرة «جاسوس رحيم» (A Compationate Spy)، الذي يكشف عن جاسوس أميركي سرّب للاتحاد السوفياتي خلال الخمسينات، أسراراً مكّنت الروس من بناء سلاحهم النووي. عندما سُئل عن السبب قال، إنه أدرك أن السلاح بيد دولة واحدة خطير، أمّا بيد دولتين فهو خطوة للسلام.

للطّرافة ربما، أن الجاسوس ثيودور هول كان يعمل في «مانهاتن بروجيكت»، الذي كان أوبنهايمر أسّسه وأشرف عليه (ويرد ذكره في فيلم «أوبنهايمر»).

المخرج ستيف جيمس لديه فيلم بديع آخر يدور حول شخصية حقيقية التقطها في الوقت المناسب. الفيلم هو «الحياة نفسها» (Life Itself)، وهي عن حياة الناقد السينمائي روجر إيبرت وعن مهنته التي امتدت لأكثر من 30 سنة وجعلته واحداً من أشهر الأسماء النقدية حول العالم.

عشرة أفلام رائعة تداولت شخصيات حقيقية

1- Andre Roublev ★★★★★ رائعة أندريه تاركوفسكي عن حياة فنان الأيقونات في القرن الـ15 (1966)

2- Bound for Glory ★★★★ عن حياة المغني الأميركي وودي غوثري في فترة البؤس الاقتصادي في الثلاثينات (1976)

3- Capote ★★★★ المؤلف ترومان كابوت مستجوباً قاتلين فعليين لوضع كتابه «في دم بارد» (2005)

4- Coal Miner’s Daughter ★★★★ قصة حياة ابنة عامل منجم لوريتا لين، التي تحوّلت إلى مغنية ناجحة. إخراج مايكل أبتد (1980).

5- Danton ★★★★★ معالجة المخرج أندري فايدا لأحداث ما بعد الثورة الفرنسية وإعدام دانتون لوقوفه ضد ما يدور (1983) 6

- Elephant Man, The ★★★★ فيلم ديفيد لينش الداكن حول رجل ولد بخرطوم وعانى مِن معاملته غير الإنسانية (1983) 7

- The Fog of War ★★★★★ فيلم تسجيليّ عن حياة وزير الدفاع الأميركي روبرت ماكنامارا. إخراج إيرول موريس.

8- Malcolm X ★★★★ معالجة سبايك لي للمعارض مالكولم إكس الذي اعتنق الإسلام ودعا إلى دحر العنصرية (2003) 9

- Pat Garrett and Billy the Kid ★★★★★ الأفضل بين عشرات الأفلام عن الشريف غاريت والمجرم كيد. حققه سام بيكنباه بدفق شعري (1973).

10- Raging Bull ★★★★ دراسة درامية - نفسية من إخراج مارتن سكورسيزي عن الملاكم جيك لاموتا في الحلبة وحياته الخاصة (1980)