مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)

قراءات الصيف.. هل يرتبط طقس القراءة بمستجدات الأحداث.. أم هو مزاج عام؟

مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)
TT

مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)

مثقفو الخليج: كتب علم النفس والرواية والأديان تستحوذ على النصيب الأكبر (1ـ2)

هل تختلف قراءات الصيف عن قراءات الشتاء أو بقية فصول العام؟ وهل تقل هذه القراءات أم تزداد؟.. بكل الأحوال يبقى السؤال الأهم: «ما الذي يقرأه المثقفون هذه الأيام»، وهل للكتب التي بين أيديهم ارتباط بالأحداث والمستجدات على كافة الأصعدة، بما فيها المتغيرات النفسية الحاصلة نتيجة تطورات العصر..أم هي عامة تأتي وفقًا لميول الشخص نفسه وليس على حسب المزاج العام للكون.
أسئلة جديرة بالتوضيح من أصحابها الأدباء والمثقفين بشكل عام، توجهنا بها إليهم، وكأننا نسترق النظر إلى الكتاب الذي بين أيديهم، فكانت هذه الإجابات:

* «الحياة ليست دائمًا وردية»
القاص السعودي حسن علي البطران، يقول: القراءة هوس ومتعة، ووسيلة من خلالها يعبر الشخص وينتقل إلى الضفة الأخرى، فهي تشكل قاربا بل مجموعة من القوارب يمكنك الإبحار فيها وبواسطتها إلى شواطئ بعيدة. فالقراءة فن ومهارة، وهي أيضًا سلاح ومتعة وحياة وصرخة، وابتسامة وألم، وبناء وهدم، لكنها في النهاية «ثقافة»؛ وتراكم معرفة، ومعلومات، وتوسيع مدارك، وهذا يعطينا مساحة كبيرة للبناء ووقتا متسعا لاختيار المواد الخام وتحديد الهندسة المعمارية الموثوق بها..
شخصيًا أقرأ الآن في رواية «الحياة ليست دائما وردية» للكاتبة المصرية رشا عدلي محمد.. وتدور أحداث الرواية في فترة تاريخية معينة ما بين مصر وفرنسا، وقد اختارت الكاتبة فنانة تشكيلية بطلة لروايتها هذه البطلة فقط من خيال الكاتبة وبقيت الأحداث التاريخية والشخصيات حقيقية؛ وتتناول الرواية قصة مهندس مصري حديث الزواج يسكن الإسكندرية، كلفه عمله أن يعمل في القاهرة وسكن في شقة ذات مواصفات عالية مما أثار فضول زوجته حيث وجدت صندوقًا وبه بعض هذه المذكرات التي سردتها الكاتبة بتكنيك روائي جميل وسرد رائع..

* «فازع شهيد الإصلاح»
أما الناقد البحريني فهد حسين، فيقول: «لا شك أن النخب الثقافية المتخصصة وغير المتخصصة حريصة كل الحرص على المتابعة والاطلاع على الأقل في مجال تخصصها وأدنى الطموح متابعة الملحق الثقافي للجريدة التي يحرص على قراءتها، وبالنسبة لي فلدي طريقة في القراءة، فلا أقرأ للمتعة أو قتل الوقت وربما ذلك بحكم انشغالي بمجال الكتابة والتأليف، لقراءتي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم قراءة في موضوع ضمن مشروع تأليف كتاب، وقسم قراءة ما يرفد الحصيلة الثقافية والمعرفية والنقدية، وقسم المجلات التي أتابعها وهي عادة ما يصلنا من إصدارات النادي الثقافي الأدبي بجدة، ومجلة الدوحة، ومجلة دبي الثقافية، فضلا عن إصدارات المجلس الوطني بالكويت».
وفي الوقت نفسه أسجل كل شهر كم كتابا قرأت لأعرف العدد والنوعية والمقارنة بالشهر الذي قبله، ولأني حاليا أعد كتابا عن المرجعيات الثقافية في الرواية الخليجية فأكثر ما تكون قراءتي منصبة في هذا الجانب حيث أنهيت رواية الإعلامي القطري الدكتور أحمد عبد الملك بعنوان «فازع شهيد الإصلاح في الخليج» وقبلها روايتين عندما تستيقظ الأشجان للكاتب الإماراتي علي محمد راشد ورواية درب المسحورة للكاتب العماني محمود الزعبي.

* «سوف تراه عندما تؤمن به»
ويشارك القاص السعودي عبد الخالق الغامدي بقوله: أنا حاليا أقرأ كتابا أعود إليه للمرة الثانية حيث سبق أن قرأته قبل 6 أو 7 سنوات، لكنني رأيت أنني في حاجة إلى العودة لبعض صفحاته، وهو «سوف تراه عندما تؤمن به».. للمؤلف الأميركي «وين دبليو داير»، وترجمة مكتبة جرير.
يتحدث الكتاب عن التحول الذاتي في الحياة وسبل تحقيق التحول. بمعنى أنه يناقش السلوكيات السلبية في حياة الفرد ويضرب له الأمثلة من واقع الفرد والمجتمع ثم يأخذ بيده خطوة خطوة نحو مستقبل أفضل يحقق له مزيدا من النجاحات وجملة من أحلامه إن لم تكن كلها ويرتقي به في التفكير حيث يضيء له الطريق الذي يتوجب عليه أن يسلكه ليصل إلى تحقيق شخصية إيجابية متكاملة.

* «الشرق المتوحش»
ومن الكويت، يقول أمين عام رابطة الأدباء الكويتيين طلال سعد الرميضي: «من الممتع أن نطلع، على الأعمال الأدبية المميزة لأقلام شبابية حيث استمتعت بقراءة رواية (الشرق الموحش) للكاتب عبد الله السعيدي، وهي رواية تدور حول الحياة قديما في الكويت وبواديها والصراعات والتنافس ما بين أبناء القبائل المتناحرة، وفيها إسقاطات على الواقع وتضمنت بعض المعلومات القيمة عن ماضي الأجداد وأخبارهم وقد صيغت بأسلوب أدبي جميل استطاع الكاتب السعيدي أن ينقل القارئ معه في طيات هذه الرواية المثيرة إلى فضاءات حياة الشرق.. الموحش».

* «الجهل المقدس»
أما الكاتب والمحرر في مجلة «العربي» وفي صحيفة «الكويتية» إبراهيم المليفي، فذكر أنه يقرأ حاليًا كتابًا عنوانه «الجهل المقدس.. زمن دين بلا ثقافة» للمؤلف أوليفييه روا، وهو صادر عن دار الساقي في لبنان، وقال: هذا الكتاب الذي لم أنته من قراءته هو الثاني له في مكتبتي بعد كتاب «تجربة الإسلامي السياسي» الذي صدرت طبعته الأولى باللغة العربية عام 1994 ترجمة نصير مروة وحصلت عليه من لندن. وأضاف المليفي: مع «الجهل المقدس» وهو من ترجمة صالح الأشمر، شعرت بانجذاب حاد لأسباب أعتقد أن معظمها صحيح مثل طبيعة الأحداث التي تمر بها المنطقة والتي اتخذت الطابعين الديني والمذهبي بشكل صارخ ومتزامن، الأمر يعود إلى جودة الترجمة واقترابها من المعاني التي أرادها المؤلف وربما تفوقها على النص الأصلي، ومن ثم تفوق هذا الكتاب على ميزة التشويق المعلوماتي وشد القارئ في أي جزء من أجزائه وهذا ما سرع عملية اقتنائه دون تفكير طويل.

* «خطأ النادل»
وللكاتبة استبرق أحمد تقرأ أكثر من كتاب في وقت هذا الأيام، ولها وجهة نظر توضحها كالآتي: القراءة المعينة للكاتب على الكتابة والحياة، هي العالم الذي يحمل له نتاجات يسد بها جوع ذائقة جشعة وصعبة في معاييرها بمقدار ما يقرأ. وتضيف: في الأسابيع الماضية قرأت كتابات إبداعية لافت أغلبها منها المجموعة القصصية «خطأ النادل» للكاتب الفلسطيني زياد خداش، و«مصحة الدمى» كتاب فوتوغرام - حكائي كما أشار على غلافه كاتبه المغربي أنيس الرافعي، ورواية «سماء قريبة أعرفها» للكاتبة الكويتية تسنيم الحبيب، ومجموعة «مرعى النجوم الدافئة» للعماني محمود الرحبي، وحاليا أقرأ رواية «ليل تشيلي» للكاتب التشيلي روبرتو بولانيو، التي بمصادفة باهرة كتبت الأميركية سوزان سونتاج عنها بأنها «نهر رائع من المشاعر، تأمل مدهش، خيال آسر. ليل شيلي عملٌ شديد الأصالة والتفرد». وتتابع استبرق أحمد: «إنها رواية معاصرة كتبت لتحتل مكانة عالية في الأدب العالمي». منبع الصدفة وتقرأ استبرق أيضًا كتاب السيرة الذاتية الخاص بسوزان سونتاج المعنون بـ«ولادة ثانية» وتقول عنه إنه يحمل اكتشافات الذات والعالم لكاتبة وناقدة نهمة في القراءة والبحث.

* عودة لكتاب عن الأصولية
الروائي حمد الحمد، تميل قراءاته مع ما يستجد من أحداث، فيقول: نظرا لتوحش الأصولية بظهور «داعش» وغيرها من فرق بالوطن العربي وتكوينها دولة في سوريا والعراق ووجودها في بقاع أخرى، فإن كل هذه الفرق تُنسب من قبل الغرب للأصولية الإسلامية، وقد انتبه المفكرون الغربيون ومنهم ريتشارد هرير دكمجيان وهو أستاذ العلوم السياسية بجامعة نيويورك وأصدر كتابه المعنون بـ«الأصولية في العالم العربي»، وقد صدر الكتاب قبل ثلاثين سنه عام 1985، وما زلت أحتفظ بالنسخة المُترجمة للعربية، وهذه الأيام رحت أطالعه وأعود لما كتبه هذا المؤلف حيث يُرجع الأصولية لعدد من الشخصيات العربية، وهذا ما يراه هو، حيث إن الفكر الأصولي قد اتفق على مرتكزات هي: الالتزام بتجديد الأمة بالعودة إلى الأصولية الإسلامية. والدعوة إلى النضالية والجهاد بالدفاع عن الإسلام. والجمع بين المذهبية الأصولية والحركية السياسية والاجتماعية في حياتهم. والاستعداد لتحدي السلطة السياسية والدينية والرغبة والتضحية من أجل الإسلام.

* «وليمة متنقلة»
أما الروائية الكويتية إيمان سعد فتقول عن كتابها الذي بين يديها: حين تمر عليك تلك الأوقات التي تشعر فيها بأنك الوحيد على وجه الأرض ولا أحد بمقدوره أن يتفهم مشاعرك، حينها، إن كنتَ محظوظًا، يبعث لك القدر بكتاب. وتعتبر إيمان سعد نفسها من المحظوظين: أنا كنت محظوظة. ففي الوقت الذي أعيش فيه قلق ما بعد الرواية الأولى والشكوك أثناء كتابة الرواية الثانية، ومعهما فوبيا السفر إلى باريس للمرة الأولى، وقع بين يدي كتاب «وليمة متنقلة» لأرنست همنغواي.
هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة من القصص القصيرة جدًا موضوعها يوميات همنغواي في باريس في عشرينات القرن الماضي حين عاش فيها مع زوجته ليتفرغ لكتابة روايته الأولى «الشمس تشرق أيضًا». على مدار الكتاب يدخل القارئ في خفايا تجربة الروائي الشاب الذي يعشق الكتابة في المقهى ساعات الصباح الباكر ليتفرغ بقية اليوم للتنزه في باريس والالتقاء بأصدقائه الذين يشاركونه تجربة الكتابات الأولى.

* «سيكولوجية الجماهير»
أما الدكتور سمير علي البلوشي، فكتابه الذي يقرأه حاليًا هو: «سيكولوجية الجماهير». تأليف المؤرخ الفرنسي وعالم الاجتماع جوستاف لوبون في سنة 1895، ومحاور الكتاب تتركز حول عدة نقاط هي: العاطفة ضد العقلانية. اللاوعي ضد الوعي. الفرد ينسلخ من صفاته الفردية ويتطبع ويتبنى فكر الجماهير دون تفكير أو تعقل. ويبينها لوبون ويدلل عليها في أشهر كتبه. وقد قسم كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسية:الخصائص العامة للجماهير. آراء الجماهير وعقائدها. وتصنيف الجماهير. ويجيب الدكتور سمير عن السؤال: «لماذا اخترت هذا الكتاب الذي عمره أكثر من مائة عام الآن»؟ ويجيب: «لأننا في أمس الحاجة الآن مع ظهور الثورات من حولنا لأن نفهم ما يحصل من ناحية علمية ونفسية واجتماعية لهذه الجماهير الثورية. حتى يتشكل لدينا الوعي الكافي ولا ننجرف خلف ما لا نعيه. الكتاب سلاح ذو حدين. فهو يشرح للقائد كيف يحرض الجماهير ويسيطر عليهم. ويشرح للجماهير كيف يتم تحريضهم والسيطرة عليهم».

* «الراهب الذي باع سيارته الفيراري»
من المثقفين الذين يختارون كتبًا متميزة باللغة الإنجليزية، عبد العزيز إبراهيم الموسى الذي يفصح لنا عن كتابه قائلاً: هو كتاب «الراهب الذي باع سيارته الفيراري» لمؤلفه روبن شارما (The Monk Who Sold His Ferrari)، ويشرح الموسى مجريات الكتاب: يروي قصة خيالية عن محامٍ مشهور يدعى جوليان مانتر أدى به انغماسه الشديد في عمله إلى أن أصبح أحد أشهر وأثرى المحامين في أميركا متمتعا بكل ملذات الحياة ومنها تلك السيارة الفيراري التي كان مغرما بها جدا، ولكن انغماسه الشديد في عمله كان على حساب صحته وعدم تكوينه عائلة، حتى انهار ذات يوم في إحدى جلسات المحكمة مصابا بأزمة قلبية حادة كادت أن تودي بحياته.

* «خرائط التيه»
الروائية والقاصة باسمة العنزي تعجبها رواية بعنوان «خرائط التيه» لزميلتها الروائية بثينة العيسى، وقول: قرأت مؤخرا بمزاج حزين رواية بثينة العيسى «خرائط التيه» فزاد عملها حزني!، وتصف باسمة العنزي الرواية بأنها رواية عن الضياع بأكثر من شكل ومعنى، عن الطفولة المعذبة والخريطة الممزقة، عن الباحثين عن خلاص، وعن السفلة الذين كانوا يوما ضحايا الحروب والفقر والجهل. وتضيف: بثينة في عملها الأخير غيرت من خطها الروائي ونجحت في الاحتفاظ بقارئ ينتظر جديدها. عمل كويتي مختلف بجرعة إنسانية عالية، وفضاء أحداث متسارعة خارج الإطار المحلي.

* «حين ينام العالم»
وفي جعبة الكاتبة حصة العجمي رواية «بينما ينام العالم» للكاتبة سوزان أبو الهوى، وتقول: لم يحدث قبلاً أن أعجز عن كتابة تعليق عن رواية أو رأي كما حدث مع رواية من النوع الذي أحب، كتبت عن تفاصيل النفس البشرية وجعلت الصورة كاملة من غير إسهاب في وصفٍ يجعلك تتململ.. رواية تتحدث عن القضية الفلسطينية على مدى أربعة أجيال أبطالها كل فرد أتى ذكره في الرواية، سرقة الفتاة البدوية للحصان رغبه فقط في امتطائه، بينما تبادل طلاء الأظافر إشارة لبدء الرحيل عن مرحلة الطفولة، وتفاصيل أخرى مثل: الحياة في مخيمات اللاجئين مع أمل العودة.

* «فئران أمي حصة»
بينما تقرأ الشاعرة أمينة بوغيث رواية الكاتب سعود السنعوسي الجديدة «فئران أمي حصة»، وتقول عنها إنها عمل روائي رائع يستحق القراءة للروائي الكويتي سعود السنعوسي، وقد صدرت عن دار العربية للعلوم ناشرون، وتدور أحداثها في الكويت ما بين عامي 1985 وحتى الزمن الافتراضي الذي تتحرّك فيه الرواية في عام 2020 مرورا بأحداث الغزو العراقي. وتصف أمينة الرواية بأنها «جميلة جدا ومؤلمة جدا لأنها رواية تحذيرية. هي نص كتب ببراعة بقدر ما تسعدك فإنها أيضًا تحزنك لأنها تضعك في مواجهة صريحة ومباشرة مع نفسك، ولأنّها حقيقية جدًا، تشبهنا جدًا.

* «ليل الخطاطين»
الشاعر حمود الشايجي يقول انتهيت قبل أيتم من رواية صغيرة مختلفة بعنوان «ليل الخطاطين» للمؤلفة ياسمين غاتا. بحثت عن الرواية طويلاً حتى وجدتها. عناء الوصول إليها بعد قراءتها تبدد بل تحول إلى سعادة. لأني لم أقرأ منذ مدة بعيدة كتابًا ناعما سلسًا لهذه الدرجة. رغم أن الكتاب مترجم فإني لم أشعر بذلك. ربما لبراعة المترجم. وربما لأسلوب الكاتبة الساحرة. الناعم البسيط. ففي هذه الرواية تروي الكاتبة تاريخًا ممزوجًا بسيرة ذاتية لجدتها الخطاطة التركية. حيث تصف العوالم الشرقية وتحولاتها التي طرأت عليها بقدوم كمال أتاتورك ومدى تأثير سقوط الدولة العثمانية والإجراءات التي جرت على عالم الخط من تحريم الكتابة بالعربية وتحويل الأحرف من عربية إلى حروف تركية مشتقة من الحروف اللاتينية.

* الحياة الروحانية
الشاعرة حنان عبد القادر تختار كتابًا غير الشعر لتقرأه، هو بعنوان «دين الإنسان» للكاتب المهتم بالأساطير فراس السياح، وتقول عن الكتاب بأنه يتناول وصف الظاهرة الدينية عند الإنسان بما أنه كائن متدين منذ الخلق، فقد ترك ما يدل على ذلك فوق جدران كهوفه، وتبين أن الدين ظهر مع التكنولوجيا كمؤشرين أساسيين على بدء الحضارة الإنسانية، ورغم قبول الكاتب بالتقسيم المعتاد لتاريخ الفكر الإنساني: السحر فالدين فالفلسفة فالعلم التجريبي، إلا أنه يرى امتصاص الفكر الديني لصدمة انتصار العلم والفلسفة، وما زال يزاحم وبقوة على اقتسام هوى وعقل الناس في كل مكان. وتقول: يريد الكاتب من خلال هذا البحث التعرف على الظاهرة الدينية في حقيقتها عن طريق وصفها بدقة، وعزلها عن بقية الظواهر الثقافية الإنسانية الأخرى في محاولة لتقصي الحياة الروحية عند الإنسان.



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.