سكان كييف يستعيدون شريط الذكريات المؤلمة بعد عام من الحرب

«الشرق الأوسط» تتحدث لبعض من بقوا في العاصمة الأوكرانية رغم وطأة المعارك

سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط)  -  رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط) - رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
TT

سكان كييف يستعيدون شريط الذكريات المؤلمة بعد عام من الحرب

سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط)  -  رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)
سفياتا واحدة من سكان ضواحي كييف (الشرق الأوسط) - رسلان يعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادق العاصمة (الشرق الأوسط)

بعد عام على الحرب في أوكرانيا، يستعيد سكان العاصمة كييف، شريط الأحداث وخزان الذكريات المؤلمة، مستذكرين اللحظات الأولى التي استفاقوا فيها على دوي صافرات الإنذار والضربات الصاروخية، ورسائل الأخبار العاجلة التي تدفقت على هواتفهم الجوالة؛ بينما غرقت شاشات الفضائيات بالأخبار العاجلة المنبئة عن بدء اندلاع الحرب؛ حينها، دفعت الحرب ملايين الأوكرانيين إلى الفرار من مناطقهم، باحثين عن أماكن أكثر أمناً بعيداً عن جبهات القتال التي اشتعلت في شوارع مدنهم وبين أحيائهم، وبالقرب من منازلهم.
صبيحة اندلاع الحرب يوم الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام الماضي، وجد سكان العاصمة كييف أنفسهم محاصرين بآلات الحرب وأهوالها، إذ طالت الضربات الجوية أحياء المدينة، ووصل القتال إلى شوارعها؛ بينما سارع عشرات الآلاف من السكان حينذاك إلى حزم أمتعتهم، وحمل أحبتهم، للرحيل إلى وجهات أخرى بعيدة عن دوي الانفجارات ولهيب المعارك الضارية. ورغم نزوح مئات الآلاف من أحيائهم بالعاصمة التي باتت شبه خالية هرباً من ويلات الحرب التي اشتدت وتيرتها وارتفعت أكلافها، ثمة من آثروا البقاء في العاصمة؛ رغم خطورة البقاء، حيث رووا لـ«الشرق الأوسط»، تفاصيل اللحظات الأولى التي عاشوها بعيد اندلاع شرارة الحرب في البلاد، والخيارات الضيقة التي باتوا مضطرين للتعامل معها.
سفياتا؛ واحدة من سكان ضواحي كييف، تعود بالذاكرة إلى اللحظات التي تلقت فيها نبأ اندلاع الحرب، تقول إنها كانت فجر ذلك اليوم نائمة في بيتها يوم عطلتها، وتضيف: «تلقيت اتصالاً من صديقتي وطلبت مني أن أقرأ الأخبار، على الفور فتحت هاتفي وعلمت بما يجري حولنا، استفاق صديقي على صوت هاتفه أيضاً وعلم بما يجري، شعرت في تلك اللحظات بحالة من الصدمة وشعور بالارتباك».
تعود سفياتا إلى الأجواء التي خيمت على البلاد في تلك الآونة التي كانت تؤشر إلى احتمال اندلاع حرب، لكنها اعتقدت أن ذلك أمر قد لا يحدث. تقول: «حينها قدّرنا أن كل شيء سيكون على ما يرام، لكن للأسف لم يكن تقديرنا في محله».
في تلك الأثناء، كان عشرات الآلاف من سكان العاصمة قد حزموا أمتعتهم وشرعوا في رحلة طويلة ومضنية ومحفوفة بالمخاطر للرحيل بعيداً عن عاصمتهم نحو وجهات أخرى. تقول سفياتا إنها حاولت التفكير بما يجب عليها فعله، بيد أن خياراتها بدت محدودة. تقول: «كانت العاصمة تشهد فوضى عارمة؛ الاختناقات المرورية في كل شارع والطوابير طويلة في محطة القطارات، خيار مغادرة العاصمة بالنسبة لنا حينها لم يكن مطروحاً لأسباب عملية، فنحن لا نمتلك سيارة وليس بوسعنا المغادرة فوراً، والحال في محطة القطارات غير معقول، كما أنه لم يكن بوسعنا الذهاب إلى بيت عائلتي كونها بشرق البلاد وتعاني وضعاً خطيراً أيضاً».
تحكي سفياتا تفاصيل الساعات والأيام التي تلت ذلك، إذ قررت هي وصديقها البقاء في كييف. تقول إنهما أمضيا الليلة الأولى في محطة المترو تحت الأرض، إذ «كانت المحطات مكتظة بالمدنيين، بينما لم تكف صافرات الإنذار عن التحذير من الصواريخ التي تضرب العاصمة».
«في اليوم التالي عدنا لبيتنا، بيد أننا أمضينا الليالي السبع التالية في الملجأ القريب، كنا ننام في الملجأ وفي الصباح نعود للمنزل للاستحمام، ولتناول بعض الطعام، وتغيير ملابسنا وحاجياتنا، قبل أن نعود مجدداً إلى الملجأ».
وبعد عام كامل أمضته سفياتا في العاصمة على وقع الحرب، تقول إنها لم تفكر أبداً في ترك مدينتها، فلا مكان آخر تذهب إليه، مضيفة: «قررنا الحفاظ على هدوئنا والتمسك بقرارنا بالبقاء في كييف، كان لدينا إيمان بأن العاصمة ستظل قوية ومحمية لذلك آثرنا البقاء هنا».
رسلان، واحد من سكان العاصمة ويعمل موظفاً للاستقبال في أحد فنادقها، يتذكر تفاصيل اللحظات التي عاشها فور نشوب الحرب في البلاد، فقد كان على رأس عمله عند الرابعة صباحاً يوم الرابع والعشرين من فبراير الماضي، يروي كيف بدأ نزلاء الفندق يتدفقون على مصاعده للمغادرة دون أن يقوموا بإجراءات الخروج المعتادة أو حتى طلب إلغاء لياليهم المتبقية وتعويضهم ثمنها، يقول: «لم أشعر بالخوف في تلك اللحظات، لكنني لم أفهم ما الذي يجري حولي فعلاً، كان هناك دون شك شعور عام بأن الحرب قد تبدأ لكني لم أتوقع أن يحدث الأمر في ذلك اليوم». ويضيف: «بقيت على رأس عملي وحاولت مساعدة بعض النزلاء قبل مغادرتهم، لكن غالبيتهم غادروا فوراً دون الحديث معنا في قسم الاستقبال».
وحول ما إذا فكَر بما يجب عليه فعله بعد إنهاء عمله، قال إنه لم يفكر بشيء في تلك اللحظات، متسائلاً حينها: كيف جرى ذلك؟ وكيف صارت العاصمة تحت القصف؟ وكيف بدأت الدبابات الروسية الدخول إلى المناطق الأوكرانية؟ مضيفاً: «كان هذا مربكاً للغاية». بعد ذلك، يسرد يومياته في الملجأ، إذ مكث هناك لبعض الوقت؛ «طيلة الأيام التي تلت بدء الهجوم لم أفكر بالخروج من العاصمة أو مغادرة البلاد، في النهاية أنا أوكراني وهذه بلدي. صحيح لا أستطيع أن أكون جندياً، لكن يمكنني البقاء هنا ومساعدة الناس قدر استطاعتي، كان هذا جانباً مهماً بالنسبة لي».
تدهور الأوضاع الأمنية مع استمرار القصف وصعوبة الحياة وسط تداعيات الحرب قد يدفع بمن قرروا البقاء في العاصمة بالشعور بالندم على قرارهم، إلا أن رسلان يقول: «لم أندم على قراري البقاء هنا، صحيح أن الحياة صعبة مع استمرار الحرب وتفاقم آثارها علينا وعلى الاقتصاد وعلى جوانب حياتنا، لكننا لا نزال هنا، نعمل ونمارس الحياة ونحب من حولنا ولهذا لن يستطيعوا هزيمتنا».
ومنذ أشهر، يحاول سكان العاصمة العودة إلى يوميات حياتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، رغم الأكلاف العالية التي خلفتها الحرب، بينما تعاني العاصمة حالها حال باقي المدن من تبعات صعبة للحرب، سواء بالدمار الذي خلفه القتال في أحيائها، أو الضربات التي طالت البنى التحتية الرئيسية، لا سيما الحيوية منها.
أواخر العام الماضي، طالت الضربات الروسية محطات الطاقة الرئيسية في كييف، ما أدخل العاصمة في العتمة، وضاعف من أعباء الحرب على السكان قبل أن تعود الخدمات تدريجياً إلى طبيعتها. وعلى الرغم من التداعيات الصعبة مع دخول الحرب عامها الثاني، بدت حركة عودة السكان إلى مدنهم ومناطقهم نشطة، عمدة كييف فيتالي كليتشكو، كان قال في حديث صحافي أواخر العام الماضي، إن عدد سكان العاصمة كييف عاد إلى مستوى ما قبل اندلاع الحرب بنحو 3.6 مليون شخص، وذلك وفقاً لبيانات استخدام الهواتف، بعد أن انكمش بداية الحرب لنحو مليون فقط، بينما وقفت الدبابات على عتبات المدينة. ومع دخول الحرب عاماً جديداً يقول سكان العاصمة اليوم؛ إن عودتهم لأحيائهم، وممارسة حياتهم، رغم نذر التصعيد التي تلوح في الأفق؛ تعدان شكلاً من أشكال المقاومة للغزو الروسي لبلادهم؛ في مسعى منهم للتمسك بالحياة رغم ما ألقته الحرب عليهم من ظلال كئيبة، وما حفرته في نفوسهم من ندوب عميقة لن تسقط من ذاكرتهم.


مقالات ذات صلة

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

أوروبا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو يوم 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»... ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران

روبيو يتهم زيلينسكي بـ«الكذب»، ولا يستبعد تحويل أسلحة مخصصة لأوكرانيا إلى حرب إيران، وبوتين يتوقع تقارباً مع أوروبا، وبرلين تحذر من تراجع الدعم لكييف بسبب الحرب

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين متحدثاً خلال «المؤتمر السنوي لاتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس» بموسكو 26 مارس الحالي (أ.ب) p-circle

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون

حرب إيران تضغط على أوكرانيا واستنزاف «التوماهوك» يربك البنتاغون... الكرملين ينفي أن بوتين طلب تبرعات للحرب من مليارديرات روسيا

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم أعلام دول مجموعة السبع في يوم اجتماع وزراء خارجية المجموعة بالقرب من باريس - 26 مارس 2026 (رويترز)

مجموعة السبع تسعى إلى موقف مشترك مع واشنطن لإنهاء حرب إيران

تسعى مجموعة السبع المجتمعة في باريس إلى بلورة موقف مشترك مع الولايات المتحدة لإنهاء حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده على متن طائرة بقاعدة أندروز المشتركة بولاية ماريلاند الأميركية 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

روبيو: روسيا تركّز بشكل أساسي على حربها مع أوكرانيا بدل دعم إيران

قال ​وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، إنه ‌يعتقد ‌أن ​روسيا ‌تركّز بالدرجة الأولى ​على حربها مع أوكرانيا وليس على مساعدة إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية بدأت أوكرانيا سلسلة هجمات على سفن تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود أواخر نوفمبر الماضي ما دفع تركيا إلى تحذير الجانبين (أ.ف.ب)

تركيا تؤكد متابعة الوضع في البحر الأسود بعد هجوم على ناقلة نفط

أكدت تركيا أنها تتابع من كثب المخاطر التي تشكلها المركبات البحرية غير المأهولة والطائرات المسيرة المستخدمة في البحر الأسود خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة )

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.