«معركة المسيّرات»... اختبار جاهزية الدفاعات الروسية وضربة للروح المعنوية

هل حصلت أوكرانيا على تقنيات غربية حديثة سمحت لها بتوسيع هجماتها؟

«معركة المسيّرات»... اختبار جاهزية الدفاعات الروسية وضربة للروح المعنوية
TT

«معركة المسيّرات»... اختبار جاهزية الدفاعات الروسية وضربة للروح المعنوية

«معركة المسيّرات»... اختبار جاهزية الدفاعات الروسية وضربة للروح المعنوية

لليوم الثاني على التوالي، واجهت روسيا، الأربعاء، هجوماً واسعاً بالمسيرات التفجيرية استهدف هذه المرة مواقع في شبه جزيرة القرم. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنها أسقطت 6 طائرات مسيرة من دون طيار، ونجحت في تعطيل 4 مسيرات أخرى وحرفها عن مسارها. وشكل الهجوم تطوراً نوعياً في المعارك الدائرة، لجهة طبيعة الأهداف وآلية إدارة المسيرات، التي عبر بعضها مئات الكيلومترات داخل الأراضي الروسية قبل الوصول إلى نقطة الهدف.
وكانت هجمات غير مسبوقة بمسيرات وقعت في عدد من المدن الروسية، ووصلت إحدى المسيرات إلى أطراف العاصمة الروسية، وكانت مجهزة لتفجير محطة لإمدادات الغاز.
وعلى الرغم من عدم إقرار الجانب الأوكراني بوقوفه وراء الهجمات داخل الأراضي الروسية، فإن موسكو بدت واثقة من صحة اتهاماتها لكييف، وأطلقت لجنة التحقيق الفيدرالية الروسية، الأربعاء، تحقيقاً واسعاً في ملابسات الهجمات المتعددة، في محاولة لتحديد آليات إطلاقها والأهداف من ورائها. وضمت روسيا شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في 2014. قال الكرملين الأربعاء إنه لا يصدق ما قاله مستشار الرئاسة الأوكراني ميخايلو بودولياك إن كييف لا تشن هجمات على الأراضي الروسية. وقالت الدفاع الروسية في تقريرها اليومي، الأربعاء، إن أنظمة الدفاع الجوي أسقطت 6 طائرات مسيرة ضاربة أوكرانية، فيما تم تعطيل 4 طائرات أخرى بوسائل الحرب الإلكترونية، من دون وقوع أضرار أو ضحايا على الأرض.

وصول نيران الحرب إلى العمق الروسي
لكن الحادثة أثارت قلقاً واسعاً بعد يوم صعب انطلقت فيه صافرات الإنذار في عدد من المدن الحدودية، ووصلت أصداؤها إلى عاصمة الشمال سان بطرسبورغ التي أعلنت التأهب في الأجواء، وأوقفت حركة الطيران المدني من المدينة وإليها لعدة ساعات. كما أن إصابة أهداف قرب العاصمة الروسية زاد من المخاوف والتساؤلات حول طبيعة هذه الهجمات، وما إذا كانت أوكرانيا قد حصلت على تقنيات غربية حديثة سمحت لها بهذا التصعيد.
ولم يصدر تعليق من الكرملين أو من المستوى العسكري الروسي في هذا الشأن، باستثناء إصرار الديوان الرئاسي الروسي على اتهام كييف بشن الهجمات، رداً على تصريحات أوكرانية أكدت أن المسيرات «ليست أوكرانية». وهو أمر رد عليه الناطق الرئاسي الروسي ديمتري بيسكوف بعبارة مقتضبة: «لا نصدقهم». وكان ميخائيل بودولاك، مستشار رئيس مكتب الرئيس الأوكراني، أكد أن سلطات كييف «ليست متورطة في هجمات على أراضي روسيا».
وكتب المستشار في تغريدة على «تويتر»: «أوكرانيا لا تضرب أراضي روسيا الاتحادية. أوكرانيا تخوض حرباً دفاعية بهدف استعادة كل أراضيها».
ومع غياب التفسير الرسمي لتصعيد «حرب المسيرات» ضد المدن الروسية، تراوحت تقديرات الخبراء العسكريين بين نظريتين، تقوم إحداهما على أن كييف تعمدت شن هجمات لفحص جاهزية القوات الروسية ومدى استعداد الدفاعات الروسية للتعامل مع هجمات نشطة ومكثفة تقع في أكثر من موقع بشكل متزامن. ورأى خبراء أن هذه الفرضية إن صحت فسوف تعني استعداد كييف لتوسيع هجمات مماثلة في المستقبل. في الوقت ذاته، لفتت النظرية الثانية إلى أن الأهداف التي حلقت نحوها المسيرات لا تظهر طبيعة النيات الأوكرانية من الهجمات، ما يرجح أن يكون الهدف الأساسي هو إثارة الذعر بين المواطنين الروس، وتأكيد قدرة التقنيات الأوكرانية على الوصول إلى عمق المدن الروسية.
ورأى أصحاب الفرضية أن الهدف تمثل في تأكيد موسكو على أن مبانيها الحكومية وبنيتها التحتية الحيوية والسكان الذين يعتمدون عليها قد يتعرضون أيضاً للهجوم، ما يحمل تأثيرات نفسية واسعة؛ كون سكان موسكو والمناطق المحيطة بها لم يشعروا حتى الآن بالحرب التي تدور على بعد مئات الكيلومترات.

اللافت في هذه النظرية أنه بعد تثبيت أنظمة الدفاع الجوي على أسطح العديد من المباني في موسكو في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، برز نوع من القلق لدى السكان من احتمال وصول نيران الحرب إلى مناطقهم، لكن هذه المخاوف ظلت افتراضية حتى جاء هجوم المسيرة، الثلاثاء ليحولها إلى مخاوف حقيقية مباشرة.
وتشكل المسافة المقطوعة بين الحدود الأوكرانية وأقرب نقطة في العمق الروسي تم استهدافها مصدر قلق أيضا لكثيرين؛ لأن المسيرة التي استهدفت منطقة قرب موسكو قطعت ما يزيد على 450 كيلومتراً، وهي مسافة تزيد قليلاً عن المسافة بين الحدود والمناطق الأخرى التي تم استهدافها في كراسنودار وأديغيا. ونقلت وسائل إعلام أن المسيرات المهاجمة تم تجهيزها بمحركات نفاثة، ما يزيد من المخاوف حول امتلاك أوكرانيا تقنيات حديثة ربما يكون الغرب قد نقلها إلى كييف.
ميدانياً، أفاد إيجاز وزارة الدفاع الروسية حول مجريات القتال خلال اليوم الفائت، بأنه تم تدمير ما مجموعه 15 طائرة من دون طيار أوكرانية في مناطق متفرقة من خيرسون، وزابوريجيا، ودونيتسك ولوغانسك وخاركيف. كما أسقط الطيران الحربي الروسي طائرة أوكرانية من طراز «سوخوي - 24» في معركة جوية فوق دونيتسك، مشيراً إلى «القضاء على 3 مجموعات تخريب واستطلاع أوكرانية على محور كوبيانسك في أراضي لوغانسك ومقاطعة خاركيف، ليبلغ مجموع خسائر العدو على هذا المحور 90 جندياً خلال يوم». كما أفاد الإيجاز بأن القوات الروسية «قتلت خلال الساعات الـ24 الماضية أكثر من 150 عسكرياً أوكرانياً على محور كراسني ليمان، وما يصل إلى 190 جندياً على محور دونيتسك، إضافة إلى 80 آخرين على محوري جنوب دونيتسك وزابوريجيا». وقامت كذلك بتدمير «نقطة انتشار مؤقت لتشكيل قومي متطرف أوكراني ومستودع ذخيرة تابع للواء الآلي الأوكراني 110 في دونيتسك، إضافة إلى مستودع ذخيرة تابع للواء الدفاع الإقليمي 123 في خيرسون».
موقع إطلاق ثان للمسيرات الروسية
وفيما يخص المسيرات الروسية، قالت وزارة الدفاع البريطانية، أمس الأربعاء، إن الهجوم الذي شنته روسيا على أوكرانيا بطائرة مسيرة يوم الأحد الماضي، تم على الأرجح من منطقة بريانسك الواقعة في غربي روسيا، مما يعني أن الكرملين لديه الآن موقع إطلاق ثان للطائرات المسيرة التي زودته إيران بها. وكان في السابق يتم إطلاق الطائرات من دون طيار من كراسنودار في جنوبي روسيا فقط، وهي المنطقة التي يتم استخدامها منذ منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وجاء في التقرير، القائم على ما توصلت إليه الاستخبارات البريطانية، أن وجود «موقع إطلاق ثان، سوف يوفر للروس محور هجوم مختلفاً، أقرب إلى كييف». وقالت وزارة الدفاع البريطانية إنه «من المرجح أن يؤدي هذا إلى تقليل الزمن في المجال الجوي فوق أوكرانيا، ومحاولة توسيع مجال الدفاعات الجوية الأوكرانية بقدر أكبر». ومن جانبها، قالت أوكرانيا إنه قد تم إسقاط 11 من بين 14 طائرة من دون طيار من النوع الذي يعرف باسم الطائرات المسيرة المتفجرة، بحسب ما ورد في التقرير البريطاني.

مساعدات استخباراتية وتقديم الإحداثيات لكييف
سلط هجوم الطائرات المسيرة الذي فاجأ موسكو، يوم الثلاثاء، الضوء مجدداً على المساعدة التكنولوجية والاستخبارية التي تتلقاها أوكرانيا من حلفائها الغربيين، وخصوصاً من الولايات المتحدة. وفيما عُد الهجوم الأخير على شبه جزيرة القرم رسالةً سياسية مزدوجة لموسكو، من كييف وواشنطن، قبيل هجوم الربيع المتوقع، أعاد التذكير أيضاً بالمساعدة التي تتلقاها أوكرانيا من الولايات المتحدة، لتحديد الأهداف العسكرية التي تقوم بمهاجمتها. واتهمت روسيا مراراً الولايات المتحدة وحلفاءها في الناتو بخوض حرب بالوكالة في أوكرانيا.
ورغم عدم صدور أي تعليق أميركي على تلك الهجمات حتى الآن، فإن تقارير سابقة كانت قد تحدثت عن تقديم واشنطن، معلومات استخبارية مهمة للقوات الأوكرانية، تشير إلى أن الجيش الأوكراني بالكاد استخدم صواريخ «هيمارس»، على سبيل المثال، في مهاجمة المواقع الروسية، من دون إحداثيات يقدمها الجيش الأميركي والقوى الحليفة الأخرى. ونقلت وسائل إعلام أميركية عن مسؤولين أميركيين وأوكرانيين قبل أسابيع، تأكيدهم وجود دور أعمق وأكثر نشاطاً من الناحية العملياتية للبنتاغون في الحرب، على الرغم من أن تقديم الإحداثيات يجري من قواعد عسكرية من بلدان مجاورة، وليس من داخل أوكرانيا. وقال مسؤول أوكراني كبير إن القوات الأوكرانية لا تطلق أبداً الأسلحة المتقدمة، دون إحداثيات محددة يقدمها أفراد الجيش الأميركي من قواعد في أماكن أخرى في أوروبا.
وبحسب المسؤول الأميركي، فإن تقديم تلك الإحداثيات عمل على ضمان الدقة والحفاظ على المخزون المحدود من الذخيرة، لتحقيق أقصى قدر من الفاعلية. لكنه أضاف أن أوكرانيا لا تطلب الحصول على موافقة من الولايات المتحدة على ما ستضربه، وهي تستهدف بشكل روتيني القوات الروسية بأسلحة أخرى. وأضاف أن الولايات المتحدة تقدم إحداثيات ومعلومات استهداف دقيقة في دور استشاري فقط.
وفيما يرفض مسؤولو البنتاغون تقديم إجابات محددة حول كيفية تقديم تلك الإحداثيات، بسبب «مخاوف بشأن أمن العمليات»، قدموا بدلاً من ذلك معلومات سلطت الضوء على القيود المفروضة على أي تدخل أميركي في الحرب. وفي ذلك الوقت، قال المتحدث باسم البنتاغون الجنرال باتريك رايدر: «لقد أدركنا منذ فترة طويلة أننا نشارك المعلومات الاستخبارية مع أوكرانيا لمساعدتهم في الدفاع عن بلادهم ضد العدوان الروسي، وقمنا بمرور الوقت بتحسين كيفية مشاركة المعلومات حتى نتمكن من دعم طلباتهم وعمليات الاستهداف الخاصة بهم بسرعة وحجم محسنين». وأضاف رايدر: «الأوكرانيون مسؤولون عن العثور على الأهداف، وتحديد أولوياتها ثم تحديد الأهداف التي يجب إشراكها في نهاية المطاف. لا توافق الولايات المتحدة على الأهداف، كما أننا لا نشارك في اختيار الأهداف أو إشراكها».
ويؤكد الأوكرانيون أن تحديد الأهداف التي يجب ضربها، يحددها الجيش الأوكراني، ثم يتم إرسال هذه المعلومات إلى كبار القادة الذين ينقلون الطلب بعد ذلك إلى شركاء الولايات المتحدة للحصول على إحداثيات أكثر دقة. وأكدوا أن الأميركيين لا يقدمون دائماً الإحداثيات المطلوبة، وفي هذه الحالة لا تطلق القوات الأوكرانية النار.


مقالات ذات صلة

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أوروبا جنود في الجيش الأوكراني (أ.ب)

إقالة قائد عسكري أوكراني ترك جنوده يتضورون جوعاً على الجبهة

أعلنت أوكرانيا، الجمعة، إقالة قائد وحدة عسكرية بعد انتشار صور لجنود يعانون من الهزال إثر تركهم يتضورون جوعا لأشهر على الجبهة بدون إمدادات كافية من الطعام.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...


«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».