السؤال المرعب: متى سيضرب زلزال إسطنبول؟

خبراء حددوا لـ«الشرق الأوسط» أسباب الدمار الهائل في كارثة 6 فبراير

جانب من مدينة إسطنبول (رويترز)
جانب من مدينة إسطنبول (رويترز)
TT

السؤال المرعب: متى سيضرب زلزال إسطنبول؟

جانب من مدينة إسطنبول (رويترز)
جانب من مدينة إسطنبول (رويترز)

دقت كارثة زلزالي 6 فبراير (شباط) المنصرم، التي ضربت 11 ولاية في جنوب وشرق وجنوب شرقي تركيا، وخلفت أكثر من 44 ألف قتيل، فضلاً عن تدمير مئات الآلاف من المباني في المنطقة التي يقطنها 14 مليون نسمة، ناقوس الخطر بشدة، وعمقت من المخاوف بشأن زلزال مدمر جرى الحديث عنه لأكثر من عقد من الزمن، في إسطنبول وإن كان علماء الجيولوجيا والزلازل يرفضون تسميته «زلزال إسطنبول» لأنه حال حدوثه سيضرب منطقة مرمرة على غرار الزلزال الكبير الذي وقع فيها في أغسطس (آب) عام 1999 وكان مركزه بلدة غولجوك التابعة لولاية كوجا إيلي في شمال غربي البلاد.
طال ذلك الزلزال المدمر، الذي خلَّف أكثر من 17 ألف قتيل، مدينة إسطنبول في ذلك الوقت، ودمر مناطق مطلة على ساحل مرمرة بأكملها. وتجدد الحديث بكثافة شديدة عن الزلزال المرتقب، الذي يتوقع أن تتراوح شدته بين 7 درجات و7.5 درجة على مقياس ريختر بعد وقوع زلزالي 6 فبراير.
فتحت الكارثة أيضاً الحديث عن خريطة المناطق المعرضة للزلازل في تركيا وعن معايير البناء وإعادة إعمار المناطق المنكوبة، فضلاً عن بدء إجراءات قانونية ضد المقاولين والمتورطين في مخالفات البناء.


عائلات تنتظر أثناء إزالة الحطام أملاً بخروج أحياء في بلدة غولجوك مركز زلزال 1999 بتركيا في أغسطس من العام نفسه (أ.ب)

ومع حالة الهلع الشديد، التي انتابت سكان إسطنبول، البالغ عددهم 16 مليوناً، تحركت بلديتها على الفور لإجراء عمليات المسح الضوئي للمباني، وعمليات هدم وإعادة بناء للمباني التي يعود تاريخها إلى ما قبل عام 1999. والتي افتقدت معايير مقاومة الزلازل، في تصعيد لتحرك بدأته منذ عام 2019 للتوعية بخطر الزلزال والاستعداد له. كما تحركت ولاية إسطنبول وقامت بإغلاق 93 مدرسة وعدد من المستشفيات لأن مبانيها قديمة ولن تتحمل أي زلزال قادم.
وأدلى وزير البيئة والتحضر وتغير المناخ، مراد كوروم، بتصريح لافت، الثلاثاء، ومهم بشأن مبانٍ في إسطنبول تشكل خطراً في حال حدوث الزلزال المحتمل في مرمرة. وقال كوروم: «سننقل 1.5 مليون مسكن محفوف بالمخاطر في إسطنبول إلى منطقتين محميتين حددناهما في الشطرين الأوروبي والآسيوي للمدينة».
ويقول خبراء لـ«الشرق الأوسط»، إن الزلازل المحتمل سيدمر 25 في المائة من المباني الخطرة في إسطنبول، وأنه ستكون هناك صورة مؤلمة للغاية في حال حدوثه، ولذلك بدأت بلدية إسطنبول بتحليل متانة المباني، واستقبلت نحو 80 ألف طلب بعد زلزال كهرمان ماراش.

التسمية الصحيحة

بداية، رفض الأستاذ في «مركز تطبيقات وبحوث هندسة الزلازل» بجامعة غازي في أنقرة، الدكتور بولنت أوزمان الربط بين زلزالي 6 فبراير والزلزال المحتمل في منطقة مرمرة، الذي درجت وسائل الإعلام على تسميته «زلزال إسطنبول»، مشيراً إلى أنه «من غير المحتمل أن يتسبب الزلزال الذي يحدث في خط الصدع في شرق الأناضول في حدوث زلزال في خط مرمرة، وأن جميع الدراسات أكدت أن خطر زلزال بحر مرمرة يستمر على الدرجة نفسها، التي كان عليها قبل زلزالي 6 فبراير في كهرمان ماراش».
وأضاف أوزمان، أن تسميته «زلزال إسطنبول»، هي تسمية غير دقيقة وأن الصحيح هو تسميته «زلزال مرمرة»، لأن الزلزال سيحدث في بحر مرمرة، وسيؤثر على جميع المدن التي لها ساحل على هذا البحر، وبخاصة إسطنبول.
واتفق مدير «مرصد قنديللي للزلازل» بجامعة بوغازيتشي في إسطنبول، الدكتور دوغان كالافات، مع هذا الرأي، مؤكداً أن الزلزال لن يضرب إسطنبول وحدها، بل سيضرب منطقة مرمرة، التي يبلغ عدد سكان الولايات فيها نحو 25 مليون نسمة، منهم 16 مليوناً في إسطنبول وحدها.
أما عن الموعد المحتمل لوقوع الزلزال، فقال كالافات، إن احتمال وقوع الزلزال، الذي ستبلغ قوته 7 درجات بحلول عام 2030 هو 64 في المائة، واحتمال حدوثه في الخمسين سنة القادمة 75 في المائة، ونسبة احتمال حدوثه بحلول عام 2120 تبلغ 95 في المائة.
ورأى كالافات أن الأخبار المتواترة عن الزلزال وتسميته بزلزال إسطنبول تضر بالحياة الاجتماعية والاقتصادية أكثر من الزلزال نفسه، «وما نريد القيام به أولاً هو نشر الوعي بالكوارث في المجتمع وتقليل الأضرار المحتملة للزلزال».
وتابع، أنه «من المهم جداً ضمان تشييد المباني وفق المواصفات الهندسية التي تجعلها أكثر مقاومة للزلازل وتقلل الخسائر في الأرواح»، مشيراً إلى أن إسطنبول برزت مرة أخرى بعد زلزالي 6 فبراير بعد أن حفرت اسمها كموطن للزلازل بسبب الزلازل التي شهدتها في السنوات 447 - 542 - 1296 - 1509 - 1719 - 1766 - 1894 - 1912 - 1935 - 1963 - 1999.


صورة تظهر جانباً من مدينة اسطنبول التُقطت في 12 أبريل 2022 (رويترز)

معايير البناء

كارثة الزلزال الأخيرة فتحت الباب أيضاً أمام التساؤلات حول «معايير وقوانين البناء» ومدى تطبيقها في تركيا، لا سيما بعد أن وضعت لائحة تعنى بهذه الأمور عقب زلزال 1999.
يقول عضو هيئة التدريس في جامعة يلدز التقنية في إسطنبول، الدكتور مراد سردار كيرشيل، إن المبنى المقاوم للزلازل هو في الواقع المبني، المصمم وفقاً للقواعد المحددة في قانون الزلازل الحالي، فلدينا تصميم زلزال يقوم على افتراض حدوث الزلزال بنسبة 10 في المائة خلال 50 عاماً، وهذا يمثل خطراً معيناً، بمعنى أنهم يفترضون أن العمر الاقتصادي للسكن أو محل العمل هو 50 عاماً، ويتم إعداد اللوائح وفقاً لذلك.
وأضاف: «إننا نعتمد على احتمال مواجهة حمولة زلزال أكبر من حمولة الزلزال، التي نبني عليها تصميمنا، أي أنه بعبارة أخرى، ستتعرض المباني لحمل زلزال أصغر من حمل الزلازل التي نأخذها في الاعتبار عند التصميم بنسبة 90 في المائة، وتنص اللائحة على وجوب تنفيذ المبنى، وفقاً لهذا التصميم حتى يسمى مبنى مقاوم للزلازل».
واضح، أنه من خلال هذا التصميم «يكون من المتوقع أن ينجو المبنى من الزلازل المعتدلة التي قد يتعرض لها بشكل متكرر، دون أضرار أو بأضرار خفيفة لا تذكر، ومن المتوقع أن ينجو من الزلازل الشديدة بمستوى ضرر قابل للإصلاح، حتى لو كان الزلزال الشديد سيحدث أو سيتصادف أن يحدث مرة واحدة في العمر الاقتصادي للمبنى (50 عاماً)، وفي هذه الحالة حتى لو تضررت المباني إلى درجة لا يمكن معها استخدامها، فإنها لا تنهار، إذ لا يتوقع أن ينجو المبنى المقاوم للزلزال من مثل هذه الزلازل الشديدة دون أن يتضرر بأي شكل من الأشكال، لكن احتمال انهيار مبنى مصمم وفقاً للوائح الحالية يبقى منخفضاً للغاية».
وأشار كيرشيل، إلى أنه «يمكن إقامة المباني على كل أرض، أو على خطوط الصدع، لكن من المهم مراعاة كل هذه المخاطر والتخطيط وفقاً لذلك قبل التصميم»، موضحاً أن «النقطة التي وصلت إليها تكنولوجيا البناء اليوم، تسمح ببناء جميع أنواع المباني في كل مكان، ولا يوجد عائق أمام ذلك».
ونبَّه، إلى «أن هناك قصوراً في الإشراف على المشاريع والتصاميم، لا يمكننا القول بعدم وجودها تماماً، لكن المشاكل التي نواجهها حالياً نابعة من أن المباني لا يصممها مهندسون، وفي الواقع، نصيبهم في هذا هو الأقل».
وبصرف النظر عن ذلك، من المهم استخدام مواد بناء ذات جودة مناسبة أثناء التنفيذ في الموقع، والتحكم في كل هذه الأشياء، فإذا كانت جودة المواد أقل من الطبيعي تكون هناك مشكلة، مشيراً إلى أن «هذه النواقص تكون عن وعي في بعض الأحيان، وأحياناً تكون ناجمة عن الجهل بالمعايير وأسس البناء».

خريطة تظهر مركز زلزال إزميز عام 1999 بالقرب من اسطنبول (موسوعة بريتانيكا)

تجديد المخزون

وأكدت «جامعة إسطنبول التقنية» في تقرير أولي أعدته حول زلزالي 6 فبراير، الحاجة إلى تجديد مخزون البناء القديم والضعيف، مشيرة إلى أنه «لوحظ في مناطق مثل هطاي وأديامان وكهرمان ماراش، أن المباني انهارت في وضع مائل عن طريق غرقها في الأرض بسبب التربة، وتأثير التميع».
وأضاف: «الأسباب الأكثر وضوحاً لانهيار تلك المباني، كانت لأنها لم تبنَ وفق المعايير، إلى جانب عيوب أخرى في البناء ومستويات الطوابق المختلفة للمباني المقامة بالترتيب المجاور في ولايتي كهرمان ماراش وأديامان، حيث لوحظ أن الطوابق الأولى من المباني في حالة دمار كلي أو جزئي، وانهيار جميع الطوابق على شكل شطائر فوق بعضها بعضاً».
كما اتضح، «أن جميع الهياكل، مثل المباني الخرسانية المسلحة، والمستشفيات وبعض المباني العامة، التي تم إنشاؤها وفقاً لمعايير لائحة الزلزال يمكن أن تصاب بأضرار محدودة للغاية».
ولفت التقرير إلى أن «هناك العديد من العوامل الفعالة في تدمير المباني المنهارة، منها عمر المباني، وضعف قدرة الأراضي التي وضعت عليها الأساسات على التحمل، وجودة المواد المستخدمة في البناء، وأبعاد المقطع العرضي للمبنى، والأعمدة والعوارض ومقدار التعزيز، وعدم البناء وفقاً للوائح المعمول بها في سنوات إنشاء المباني».
وأكد أحمد يلديز تورون، أحد المهندسين المدنيين الذي شارك في فحص 500 مبنى في هطاي لـ«الشرق الأوسط»، أن العيوب التي تسببت في الدمار «كانت إما بسبب عمود ضعيف، أو استخدام حديد مسطح، أو أضرار للعناصر الحاملة، أو التقسيم غير الملائم، أو التباعد غير المناسب للأعمدة وعدم ربط الأعمدة بالعوارض أو الأرضية اللينة أو تسييل التربة، واستخدام مواد غير جيدة مثل رمل البحر الخشن، وهي أخطاء فادحة ومتكررة».
ولفت إلى «أن المشكلة الأكثر شيوعاً كانت رداءة نوعية الخرسانة، أي أنها لم تكن تتمتع بالقوة المطلوبة، وأن التعزيزات كالحديد لم تكن بالقطر والهيكل المطلوبين».


جانب من الدمار الذي خلفه زلزالا 6 فبراير 2023 في محافظة هاتاي التركية (رويترز)

محاسبة الجميع

وألقت السلطات التركية القبض على 203 من المقاولين الذين انهارت مبان كانوا مسؤولين عن إنشائها في الولايات المنكوبة، منهم رئيس بلدية نورداغي في غازي عنتاب، أككوش كاواك، المنتمي إلى حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، الذي شيد مبنيين انهارا في الزلزال، حيث يملك شركة مقاولات بالشراكة مع مقاول آخر، قبض عليه أيضاً، وكان عضواً في مجلس البلدية.
وقال كاواك إنه تنازل عن حصته في الشركة لشقيقه بعد أن أصبح رئيساً للبلدية، وتبين أن جميع المباني التي أقامتها الشركة لم تتم مراجعتها من قبل البلدية للتأكد من سلامتها.
وقال رئيس بلدية هطاي، لطفي صاواش، إنه يعد تقريراً عن المباني التي دمرت في الزلازل سيعلنه خلال أقل من شهر، مؤكداً أن البلديات لا تتحمل كل المسؤولية، فهناك 4 مكونات في تشييد المباني ويجب أن تكون المحاسبة للجميع.
وأضاف أن «البلدية ليست المكون الوحيد، هناك شركات مقاولات، وشركات تفتيش على المباني، والبلدية والحكومة، هناك مقاولون وشركات مقاولات لديهم رسم المشاريع يحضرون المشروع إلى البلدية وتفحصه، وتمنح الترخيص، وتصدر وزارة البيئة والتحضر رخصة فحص البناء. ويقوم المقاول وشركة التفتيش بالتشييد معاً. شركة التفتيش هي الضامن لهذا العمل».


أشخاص في بلدة يالوفا التركية يبحثون عن أحياء بين ركام الزلزال الذي ضرب تركيا عام  1999 وأحدث دماراً في اسطنبول (Daily Sabah)



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended