أسبوع ميلانو لخريف 2023 وشتاء 2024... قوّته في بساطته

تعافي قطاع الموضة في إيطاليا ينعكس على تصاميم تلعب على الفخامة الهادئة

من عرض «فندي»... لمسات هادئة لم تختفِ بها اللوغوهات (خاص)
من عرض «فندي»... لمسات هادئة لم تختفِ بها اللوغوهات (خاص)
TT

أسبوع ميلانو لخريف 2023 وشتاء 2024... قوّته في بساطته

من عرض «فندي»... لمسات هادئة لم تختفِ بها اللوغوهات (خاص)
من عرض «فندي»... لمسات هادئة لم تختفِ بها اللوغوهات (خاص)

«المعنى الحقيقي لما نقوم به هو إبراز أهمية الحياة اليومية بكل بساطتها واهتمامها بالغير»، هذا ما قالته ميوتشا برادا في البيان الصحافي التي تم توزيعه على الضيوف ووسائل الإعلام. ميوتشا لم تكن الوحيدة التي عبَّرت عن حنينها للحياة البسيطة كما كانت، سواء بتكافلها الاجتماعي الذي يتجسد في رعاية بعضنا لبعض، أو بالابتعاد عن الأزياء المعقدة. فالحياة لا تحتاج إلى المزيد من التعقيدات. ويبدو أن الكثير من المصممين يفكرون بنفس الطريقة بدليل أن معظم ما تم عرضه خلال أسبوع ميلانو لخريف 2023 وشتاء 2024 لعب على هذه النغمة بشكل أو بآخر. بساطة التصاميم التي تميز بها معظم العروض قد يُفسِرها البعض بأنها تجارية محضة، لكن التفاصيل التي كانت تتراقص بين طياتها وثنياتها فضلاً عن زخرفاتها كانت تقول عكس ذلك تماماً. الواقع أيضاً يُعزز الرأي الأخير. فرغم أن إيطاليا عانت أكثر من غيرها خلال جائحة «كورونا» فإن قطاع الموضة فيها نجح في التعافي بسرعة أكبر من باقي العواصم العالمية.

من عرض «سبورتماكس» (خاص)

من عرض «فندي» (خاص)

من عرض «برادا» (رويترز)

من عرض «موسكينو»   (رويترز)

تعافي بيوت الأزياء الإيطالية ظهرت بوادره في عام 2021 بزيادة حجم المبيعات بنسبة 21.2 في المائة مقارنةً بالمستويات المنخفضة جداً في ذروة أزمة الجائحة. الآن يتنفَّس هذا القطاع الصعداء أكثر من ذي قبل. الإشارات بانخفاض أسعار الغاز وتراجع التضخم يقابلها ارتفاع في إيرادات المجموعات العملاقة مالكة البيوت المهمة مثل مجموعة «إل في إم إتش» التي تضم «فِندي» و«بولغاري» و«لورو بيانا»، ومجموعة «كيرينغ» التي تضم «غوتشي» و«بالنسياغا» و«بوتيغا فينيتا» وغيرهما. الأولى حققت مبيعات بقيمة 79.2 مليار يورو، في عام 2022، وبلغ دخلها التشغيلي 21.1 مليار يورو، أي بارتفاع 23 في المائة لكلا الرقمين، بينما ارتفعت أرباح «كيرينغ» الصافية إلى 3.6 مليارات يورو، أي بزيادة 14 في المائة، رغم تراجع أداء علامتها التجارية «غوتشي» بنسبة 11 في المائة خلال الربع الرابع من عام 2022. ما خسرته في «غوتشي» عوَّضته في «بوتيغا فينيتا». إيرادات هذه الأخيرة ارتفعت بنسبة 16 في المائة عام 2022.

لم تتخلَّ دار «ماكسمارا» عن ألوانها وأضافت إليها ألواناً جديدة (خاص)

هذا التفاؤل بغدٍ أفضل شمل أغلب عروض الأزياء البالغ عددها نحو 59. من «فِندي» و«روبرتو كافالي» و«تودز» و«بوتيغا فينيتا» و«إيترو»، إلى «برادا» و«جيني» و«غوتشي» و«ماكسمارا»، وهلم جرا. لم تكن الأجواء هي الوحيدة التي تضج بهذا الإحساس، فقاعات العروض كانت عبارة عن مهرجان من الألوان الفاتحة مثل الأصفر والأحمر والأخضر والتصاميم التي قد تخلو من أي تعقيدات أو مبالغات فنية إلا أنها تضجُّ بالأناقة والحرفية التي تفخر بهما إيطاليا. وليس أدل على هذا من تشكيلة «برادا» التي أبدعت فيها المصممة ميوتشا وراف سيمونز تشكيلة تتنفس أسلوباً يمكن القول إنه جديد على الدار، بخطوطه الأنثوية وتفاصيله التي تبدو بعيدة بعض الشيء عن الحداثي الذي عوّدتنا عليه في تشكيلاتها السابقة.

من عرض «سبورتماكس» (خاص)

دار «فندي» قدمت بدورها تشكيلة كل ما فيها يرقص على السهل الممتنع، فهي بسيطة، إلا أن كل ما فيها ينبض بالأنوثة والديناميكية. بألوان هادئة تتباين بين الأزرق السماوي وحلاوة الشوكولاته، أرادها مصممها كيم جونز أن تخاطب كل الشرائح، وتُعبر عن الواقع الحالي بكل تناقضاته وازدواجيته. مرة أخرى لم يبخل عليها بـ«لوغو» الدار، بعد أن أثبت أنه وسيلة سهلة للتسويق. كيم جونز الذي التحق بدار «فندي» منذ عامين يُبرهن في كل تشكيلة على أن فهمه لشخصية الدار يزيد ويتطور. أسلوبه يختلف عن أسلوب سلفه، الراحل كارل لاغرفيلد، من ناحية أنه أكثر هدوءاً ترجم فيه أناقة الدار الرومانية بلغة أكثر بساطة بحيث تدخل القلب بسهولة.


من عرض «تودز» (خاص)

قال إنه استلهم هذه التشكيلة من أرشيف الدار الغني ومن مصممة المجوهرات ديلفينا ديليتريز فندي «من تلك الأناقة التي يميزها الخروج عن المألوف»، حسب قوله. من هذا المنظور استكشف الكلاسيكية وفكَّكها ليخلق مجموعة تتلاعب على التناقضات. التفصيل الذكوري تزاوج بالنعومة الأنثوية، مثلاً، واللامبالاة والانطلاق بسحر الأناقة المحسوبة، بينما جاءت الفخامة في بعض الإطلالات مطبوعة بلمسة بانك خفيفة. كل هذا من خلال أقمشة مثل الدانتيل أو فساتين بقصات جامحة تارة وبثنيات تكشف عن بطانة من الترتر تارة أخرى.
دار «ماكسمارا» أيضاً لعبت على المضمون بأسلوبها الخاص. لم تتخلَّ عن لونها الجملي بكل درجاته. حافظت عليه وأضافت إليه ألواناً جديدة مثل الوردي المائل للأرجواني، والأخضر الغامق، لتواكب موجة التفاؤل الطاغية على الأسبوع. تشرح الدار أن تشكيلتها نتاج رحلة عبر الزمن إلى القرن الثامن عشر. بطلتها هي إيميلي دو شاتليه، ماركيزة وفيلسوفة صاحبة فكر متنوِّر كان لها دور كبير في التشجيع على تعليم المرأة والتمرد على الفكر الذكوري. وصف زوجها الشاعر فولتير علاقتهما بأنها كانت أكثر من مجرد توافق فكري، قائلاً عنها إنها «رجل عظيم ذنبه الوحيد أنه وُلد كامرأة». أما كيف ترجمت «ماكسمارا» أفكار إيميلي وحياتها وأفكارها في هذه التصاميم، فمن خلال فساتين ذات ثنيات ضخمة وجيوب كبيرة وبنطلونات بتصميم رجالي، وزخرفات استعملت فيها شعر الخيول وعظام الحيتان والريش. ولأن القرن الثامن عشر كان مطبوعاً بالفخامة والأناقة المتناهية، كان لا بد من لمسة ترف تمثلت في إدخال أقمشة الديباج المزركشة، لتأتي التشكيلة مزيجاً بين الكلاسيكي والشاعري، لكن دائماً بأسلوب عملي يعكس عزوف إيميلي عن كل ما يمكن أن يُقيد حريتها وحركتها.
دار «سبورتسماكس» الأخت الصغرى لـ«ماكسمارا» قدمت تشكيلة أطلقت عليها عنوان «عاري». عنوان صادم للوهلة الأولى لأنه لا يتماشى مع مفهوم الموضة على الإطلاق. لكن يتبين أن العاري هنا هو العودة إلى الأصل والغريزة الفطرية. وكما قالت الدار فإن التشكيلة «دعوة للعودة للطرق البدائية وإظهار قوة البساطة الطبيعية والرغبة الوحشية التي تجمع بين الصفاء والفوضى في آن واحد، مشحونة بسيل من الطاقة الذكورية والأنثوية». أما كيف تم تطوير هذه الأفكار وترجمتها في التشكيلة، فبالاعتماد على أعمال فنانين ومصورين مثل بيتر هوجار وروبرت مابلثورب ونان جولدين. فهؤلاء أيضاً أظهرت أعمالهم الجمال المختبئ خلف الظلال، حيث قال بيتر هوجار ذات مرة: «أنا أصوّر أولئك الذين يدفعون أنفسهم إلى أقصى الحدود... الأشخاص الذين يكونون على سجيتهم». من هذا المنظور يمكن تلخيص التشكيلة بأنها تتوخى الحرية. فأن تكون «عارياً» معناه أن تكون مُرتاحاً ومتصالحاً مع نفسك. فهي تلعب على الكثير من التناقضات مثل البرجوازية والبدائية والأنثوية، من خلال أكتاف جريئة وبنطلونات واسعة وفساتين تستوحي خطوطها من فترة التسعينات. لكن أهم ما فيه هي الراحة.
أما بالنسبة إلى دار «موسكينو» فلا يمكن أن يمر عرضها مرور الكرام. كان ولا يزال طبقاً دسماً من الألوان والنقشات مع لمسات شقية مستوحاة من البوب آرت وغيره من الفنون. لموسم خريف 2023 استلهم المصمم جيريمي سكوت، من الرسام سيلفادور دالي السريالي حبه للغرابة. تنوعت التصاميم بين الواسعة بمسامير مدببة ومليئة بالمجوهرات وتنانير كلاسيكية متنوعة الطول ومعاطف تغطي الركبة. من السترات الجلدية والبدلات الكلاسيكية التي تزينها سلاسل وأزرار من اللؤلؤ والذهب، كان القاسم المشترك بينها جرأتها وتوهج ألوانها، وكونها تعكس لوحات دالي المليئة بالساعات والإكسسوارات المتدلية مثل الإكسسوارات التي تحمل شعار السلام وتتميز بالضبابية. في حين تتزين جيوب السترات الجلدية برسومات تشبه مواد مُذابة مع نقشات مميزة تشبه السائل.
أما علامة «جيني» فنسجت قصاتها لموسم خريف وشتاء 2023-2024 من وحي شخصية الرسوم الهزلية الإيطالية الشهيرة، إيفا. تخيَّلت المصممة سارة كافازا فاتشيني إيفا وهي تتصفّح جريدة فتقع عيناها على خبر يقول إن علامة «جيني» تعتزم طرح تشكيلتها الجديدة في ميلانو، وأن فاتشيني أحضرت معها عيّنة نادرة من زهرة الأوركيد السوداء من تايلندا. أثار الخبر فضولها ورغبتها في الحصول عليها. على ضوء هذه القصة، نسجت المصممة تصاميم كانت فيها زهرة الأوركيد عنصراً مهماً ولعبت فيها على التنوع والغموض وعلى الأنوثة والحرية في الوقت ذاته.
ربما تكون «غوتشي» من بين الدور القليلة التي غرّدت عكس السرب. كانت مزيجاً من الإيحاءات وافتقرت إلى تلك التيمة الواحدة التي تجعلها متماسكة. ربما يعود السبب إلى أنها نتاج فريق كامل، عمل بعضه مع المصمم توم فورد منذ عقود في انتظار أن يقدم مصممها الجديد ساباتو دي سارنو أول تشكيلة له في الموسم المقبل. يُشعرك العرض بأن التعليمات كانت واضحة، تتلخص في الابتعاد عن أسلوب المصمم السابق أليساندرو ميكيلي الذي غلب عليه «الماكسيماليزم». صحيح أنه نجح فنياً وتجارياً لعدة سنوات لكنه أصاب البعض بالملل، وكان لا بد من التغيير. بيد أن ما قدمه فريق التصميم الإبداعي للموسمين المقبلين، لم يُنصف الدار لا سيما أنه بين الإطلالة والأخرى كانت تقفز تصاميم تستحضر صوراً قديمة لم تستطع أن تُودِّع أو تنسى الماضي، في وقت تحتاج فيه الموضة إلى أن تنظر نحو المستقبل.


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نوارة»... أناقة من التراث السيوي (الشرق الأوسط)

الموضة في رمضان... تصاميم مصرية تستلهم التراث بروح عصرية

في رمضان نحتاج إلى أزياء تمنح المرأة شعوراً بالاحتواء والطمأنينة، وتعيدها إلى جذورها دون أن تعزلها عن حاضرها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.