الأوكرانيون الفارون إلى بولندا وألمانيا عالقون بين احتمال البقاء وأمل العودة

لاجئات أوكرانيات يتلقين دروساً في اللغة بمركز للاجئين بمدينة دورتموند الألمانية (د.ب.أ)
لاجئات أوكرانيات يتلقين دروساً في اللغة بمركز للاجئين بمدينة دورتموند الألمانية (د.ب.أ)
TT

الأوكرانيون الفارون إلى بولندا وألمانيا عالقون بين احتمال البقاء وأمل العودة

لاجئات أوكرانيات يتلقين دروساً في اللغة بمركز للاجئين بمدينة دورتموند الألمانية (د.ب.أ)
لاجئات أوكرانيات يتلقين دروساً في اللغة بمركز للاجئين بمدينة دورتموند الألمانية (د.ب.أ)

داخل محلها لحياكة الملابس في العاصمة البولندية وارسو، قالت الأوكرانية مارينا شفيتشنكو البالغة من العمر 43 عاماً: «أحياناً لا أستطيع أن أستوعب كيف استطعنا أن ننجز هذا الأمر على نحو جيد».
وأضافت مارينا التي نزحت من مدينتها دنيبرو الواقعة شرقي أوكرانيا بالقرب من بولندا، بصحبة ابنها (15 عاماً) وابنتها (9 أعوام): «لم أرد أن أصيب أولادي بصدمة نفسية». أقامت الأم مع ابنها وابنتها في البداية في فندق متواضع، وبعد ذلك عاشوا مكتظين داخل مسكن سيدة بولندية لمدة أربعة شهور.
وبعد مضي عام على اندلاع الحرب، استقر المقام بهم في بولندا؛ حيث أصبحت مارينا تدير ورشة حياكة الملابس الخاص بها، بينما يتلقى ابنها تدريباً فنياً ليصبح طاهياً، والتحقت ابنتها بمدرسة ابتدائية بولندية. ولا تخطط مارينا للعودة إلى أوكرانيا؛ حيث تقول إن «بولندا في الاتحاد الأوروبي، إذا تلقى ابناي تدريبهما هنا فإن هذا التدريب سيكون معترفاً به دولياً».
وكما هي الحال مع مارينا، تسير الأمور مع كثير من الأوكرانيين الذين فروا من الحرب إلى بولندا وألمانيا، إذ كلما طال أمد الحرب، زاد احتمال بقائهم داخل البلد الذي وفَّر لهم ملاذاً آمناً.
يُذكَر أن ألمانيا آوت ثاني أكبر عدد من لاجئي الحرب الأوكرانية بعد بولندا. وكشفت نتائج استطلاع للرأي أن 37 في المائة من اللاجئين يرغبون في البقاء في ألمانيا إلى الأبد أو لعدة أعوام، بينما قال 34 في المائة إنهم يرغبون في البقاء إلى حين انتهاء الحرب أياً كان موعده. ولم يحسم 27 في المائة من هؤلاء اللاجئين أمرهم بعد. وأوضحت النتائج أن 2 في المائة فقط يعتزمون مغادرة ألمانيا في غضون عام، حسبما أفادت وكالة الأنباء الألمانية في تقرير لها.
من جانبها، تقول أولينا زينيك التي تترأس في وارسو قسم دعم الأسرة لدى مؤسسة البيت الأوكراني، إن سماع عبارة «سأسافر إلى وطني قريباً» تزداد ندرة. وأوضحت أن الاهتمام انصب بالدرجة الأولى بعد فترة وجيزة من اندلاع الحرب على توفير الاحتياجات الأساسية للاجئين، من مأكل ومأوى وكسوة «وحالياً نقدم أيضاً مشورات مهنية ودورات لدراسة اللغة».
وحسب سجلات مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وصل عدد لاجئي الحرب الأوكرانية في أوروبا إلى أكثر من 8 ملايين شخص، حصل أكثر من 8.4 مليون شخص منهم على وضع طالب حماية، وهناك أكثر من 5.1 مليون شخص منهم في بولندا. غير أن المفوضية تعترف في الوقت نفسه بأن البيانات عن عدد طالبي الحماية غير دقيقة، نظراً لتكرار التسجيل في كثير من الدول. وتجاوز عدد لاجئي الحرب الأوكرانية في ألمانيا مليون شخص.
وعلى الرغم من أن بولندا التي يبلغ عدد سكانها نحو 38 مليون نسمة توفر حماية لعدد كبير نسبياً من الأوكرانيين، فإن الدعم للاجئين داخل المجتمع البولندي لا يزال كبيراً، وهو ما أظهرته نتائج استطلاع أجراه علماء اجتماع من جامعة وارسو في يناير (كانون الثاني) الماضي. وأوضحت النتائج أن 87 في المائة يتبنون الرأي الذي يطالب بولندا بمساعدة لاجئي أوكرانيا، بينما يطالب 37 في المائة بالسماح لهؤلاء اللاجئين بالتوطين الدائم ببولندا. كما أن هناك تفهماً كبيراً داخل ألمانيا لاحتياجات اللاجئين.
ولما كان من غير المسموح في غالب الأحوال للرجال في سن التجنيد بمغادرة أوكرانيا، فإن النساء يشكلن أكثر من 69 في المائة من لاجئي الحرب البالغين الذين تم إيواؤهم في ألمانيا. وحسب البيانات الرسمية الخاصة بالوضع حتى الخامس عشر من يناير الماضي، فإن نحو 140 ألف لاجئ أوكراني غادروا ألمانيا، إما للعودة إلى أوطانهم أو لمواصلة السفر إلى بلد آخر. وهناك أسباب متنوعة لهذا، منها الحنين إلى الوطن، أو وجود أقارب يحتاجون إلى الرعاية، أو القلق من فقدان الوظيفة القديمة.
ويميل الأشخاص المنحدرون من مدن تعرضت لتدمير قوي، بصورة أكبر، إلى التفكير في القيام بلم شمل عائلاتهم في ألمانيا في وقت لاحق.
وشهدت بعض الأوساط في ألمانيا نقاشاً حول وجود لاجئين من الدرجة الأولى والدرجة الثانية، وذلك في ظل السماح للاجئين القادمين من أوكرانيا بالبقاء بشكل فوري، بناء على توجيه من الاتحاد الأوروبي، والحصول على إعانة الدخل الأساسي للمواطن، بينما لا يُسْمَح بذلك للاجئين الآخرين.
غير أنه ليس هناك فارق على الأقل فيما يتعلق بالالتحاق بدورات الاندماج، ذلك أن الحكومة الألمانية قررت عدم قصر هذه الدورات على الأجانب الذين لديهم فرص جيدة للبقاء. ووفقاً لبيانات وزارة الداخلية الألمانية، وصل عدد الموافقات على الالتحاق بدورات الاندماج منذ بدء الحرب وحتى نهاية يناير الماضي إلى نحو 430 ألفاً و600 حالة، ووصل عدد المشتركين الذين تم تسجيلهم إلى نحو 224 ألفاً و100 مشترك. وكانت بيانات مؤقتة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي قد أفادت بأن نحو 125 ألف شخص يحملون الجنسية الأوكرانية يعملون في وظائف تخضع لمساهمات الضمان الاجتماعي، بزيادة بمقدار نحو 67 ألف شخص مقارنة بعددهم قبل اندلاع الحرب.
وتكفل بولندا للاجئين الأوكرانيين حق الحصول على خدمات النظام الصحي مجاناً، كما تصرف لهم دفعة ترحيبية لمرة واحدة، وتمنحهم الحق في الحصول على إعانة أطفال بقيمة 110 يوروات شهرياً لكل طفل. أما آخر البيانات المتاحة في ألمانيا في الخريف فتفيد بأن غالبية اللاجئين يعيشون على إعانات الضمان الاجتماعي. وأوضحت بيانات الوكالة الاتحادية للعمل أن نحو 432 ألف لاجئ من أوكرانيا قادرون على العمل، و218 ألف لاجئ غير قادرين على العمل -عادة ما يكونون أطفالاً- حصلوا في أكتوبر (تشرين الأول) على إعانة الدخل الأساسي، بينما حصل نحو 65 ألف أوكراني في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي على إعانات التأمين الأساسي لسن الشيخوخة والتقاعد بسبب العجز، بزيادة بمقدار نحو 45 ألف شخص مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
لم تكن البدايات في بولندا سهلة لكل اللاجئين القادمين من أوكرانيا، كما كان الحال مع الخياطة مارينا. ويقول رجل الأعمال فاديم أونيشتشوك الذي يدير نزلاً جماعياً مع أفراد آخرين على أطراف وارسو: «يقيم لدينا حالياً 1100 شخص. نحن بالنسبة لكثيرين مجرد محطة عبور، غير أن هناك 600 لا يمكنهم المغادرة». هناك من بين النزلاء الدائمين فلاديمير، وهو طاهٍ متقاعد من محيط خيرسون. يريد فلاديمير مواصلة طريقه إلى ألمانيا؛ حيث يرى أن الظروف هناك أفضل؛ لكن على الرغم من ذلك فإن فلاديمير لا يزال عالقاً في النُّزُل الجماعي منذ 3 شهور. وهو نفسه لا يعرف السبب وراء عدم ذهابه إلى ألمانيا، وقالت واحدة من عاملي الإغاثة المتطوعين: «ربما يخاف من البدء من جديد».


مقالات ذات صلة

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الاقتصاد ناقلة نفط ترسو بالقرب من محطة «كوزمينو» في خليج ناخودكا الروسي (رويترز)

الهند تسد فجوة نقص النفط مع انخفاض الإمدادات من الشرق الأوسط

أفاد محللون بأن الهند كثّفت مشترياتها من النفط الروسي وأعادت تنشيط مصادر وطرق بديلة من أفريقيا وإيران وفنزويلا؛ لتخفيف حدة النقص في نفط الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
أوروبا جندي أوكراني وهو يمر بجوار مبنى متضرر في ضواحي دروجكيفكا بمنطقة دونيتسك (أ.ف.ب)

3 قتلى بضربات روسية على أوكرانيا

أسفرت ضربات روسية في أنحاء أوكرانيا عن مقتل 3 أشخاص وإصابة 4 على الأقل بجروح.

«الشرق الأوسط» (كييف)
آسيا رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين (رويترز)

مسؤول روسي يزور كوريا الشمالية في ذكرى إرسالها قوات لحرب أوكرانيا

ذكرت وكالة «تاس» الروسية للأنباء، أن رئيس البرلمان الروسي فياتشيسلاف فولودين، الحليف المقرب للرئيس فلاديمير بوتين، وصل إلى كوريا الشمالية اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (سيول)
أوروبا شعار تطبيق «سيغنال» (رويترز) p-circle

ألمانيا تُحمّل روسيا مسؤولية هجمات تجسس على مسؤولين عبر تطبيق «سيغنال»

حمّل مسؤولون كبار في الحكومة الألمانية، السبت، روسيا، مسؤولية هجمات «تجسس» متكررة استهدفت نواباً ومسؤولين حكوميين رفيعي المستوى يستخدمون تطبيق «سيغنال».

«الشرق الأوسط» (برلين)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...