حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

أوروبا تنجح في تخطي اضطراب إمدادات الغاز... و«أوبك» ترسي عوامل استقرار النفط

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط
TT

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

حرب أوكرانيا توجّه بوصلة الطاقة العالمية إلى الشرق الأوسط

أعادت الحرب الروسية الأوكرانية، هيكلة أسواق الطاقة العالمية، وأجبرت الدول التي تعتمد على مصدر وحيد لتوليد طاقتها، سواء من دولة محددة أو مصدر طاقة محدد، إلى تنويع مصادرها من دول كانت خارج حساباتها الاقتصادية والسياسية وحتى بعدها الجغرافي، مع الحرص على تنويع مصادر الطاقة نفسها أيضاً.
وفي الوقت الذي وجد فيه العالم نفسه فجأة أمام مسار إجباري، نهايته غير معروفة حتى الآن، برز قطاع الطاقة كمحدد أساسي في العلاقة بين الدول، حتى تولى ملف الطاقة لدى الدول كافة، الرؤساء أنفسهم، وبدت القبلة هنا شرقاً.
استحوذت دول الشرق الأوسط هنا على النسبة الأكبر من المناقشات والمباحثات والتعاقدات والعقود ومذكرات التفاهم، مع الغرب، وتحديداً الدول الأوروبية، في قطاع الطاقة، وذلك عكس ما كان يروج له الغرب تماماً، من وجوب التحول نحو الطاقة المتجددة والضغط على الدول المنتجة للوقود الأحفوري، حتى تقلل من إنتاجها ومن ثم انبعاثاتها الكربونية.
لم تحدد الدول الغربية، بسبب الحرب الأوكرانية، قبلتها ناحية الشرق، إلا بعد أن استخدمت معظم مصادر الطاقة لديها، حتى إنها عادت إلى عصور الفحم من جديد، الوقود الأكثر تلويثاً للمناخ؛ ومع مؤشرات إطالة زمن الحرب، بدا الشرق الأوسط هنا حلاً متوازناً، يحافظ على مصادر طاقة، أقل تلويثاً، ويحرص على أن يستمر الغرب في النور، من إضاءة وتدفئة تحافظ على سريان الدم في عروق مواطنيه.

وسياسة دول الشرق الأوسط هذه، ربما قد تضر بعلاقتها بروسيا، المستمرة في الحرب، والمستمرة أيضاً في ضخ الغاز عبر أوكرانيا للقارة الأوروبية، التي تعارض بشدة تدخلها في أوكرانيا، بل ووقعت عليها عقوبات هي الأشد منذ عقود على أي دولة، ذلك بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، الاقتصاد الأكبر في العالم.
غير أن روسيا عضو في مجموعة «أوبك بلس»، التي تضم أعضاء منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، بقيادة السعودية، (13 دولة) وحلفاءها (10 دول)، وهو ما يتوجب عليه قرارات تحافظ على أسواق الطاقة العالمية، حتى لو كانت موسكو، عضواً في «أوبك بلس».
واضطراب أسواق الطاقة يخدم روسيا ويضر باقي المنتجين، وهو ما لم تسمح به السعودية، أكبر مصدر للنفط في العالم، لذلك وازنت بقراراتها بين العرض والطلب، حتى الآن، مع استقرار الأسعار دون 100 دولار، وهو ما يخدم الاقتصاد العالمي.
بناء على كل هذه المعطيات، تستطيع الدول الأوروبية، أن تقول: «نجحنا في اختبار أزمة الطاقة، بعد مرور عام كامل على الحرب الروسية - الأوكرانية، التي ضربت الاقتصاد العالمي في مقتل، باستهدافها الطاقة والغذاء».
- العالم يتجه شرقاً
بعد عقود من اعتماد القارة الأوروبية على روسيا في توفير أكثر من 40 في المائة من استهلاك الطاقة، بدأت الدول الأعضاء تنتفض، كل حسب درجة تأثره بأكبر أزمة طاقة عالمية منذ عقود.
ألمانيا: توجهت ألمانيا، المتضرر الأكبر من تغيرات أسواق الطاقة، التي كانت تعتمد على روسيا بنحو 50 في المائة في توفير طاقتها، إلى قطر، واتفقت بموجب صفقتين جديدتين نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، بتزويدها ما يصل إلى مليوني طن من الغاز الطبيعي المسال يومياً عبر ناقلات بحرية، بداية من عام 2026 ولمدة 15 عاماً.
يتعين على ألمانيا استبدال 45 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، كان يتم ضخها من روسيا إلى ألمانيا سنوياً عبر خط أنابيب نورد ستريم 1. الذي تضرر بسبب تفجيرات، ما زال منفذها مجهولاً.
ويهدف أكبر اقتصاد في أوروبا، الذي يعتمد على الغاز الطبيعي بشكل أساسي لتشغيل القطاع الصناعي، إلى استبدال جميع واردات الطاقة الروسية بحلول منتصف عام 2024. ذلك وسط تقديرات بخسائر تكبدها الاقتصاد الألماني تتخطى 100 مليار يورو (106.4 مليار دولار)، أو نحو 2.5 في المائة من الناتج الاقتصادي للبلاد، وفق رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية (دي آي دبليو) مارسيل فراتسشر.
إيطاليا: وقعت إيطاليا والجزائر، يناير (كانون الثاني) 2023. اتفاقية لبناء خط أنابيب غاز جديد، لرفع إمدادات روما من الغاز الجزائري من 20 إلى 35 مليار متر مكعب. في الوقت الذي تعتزم فيه إيطاليا رفع واردات الغاز إلى مستوى 50 - 70 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2025، من أجل القيام بدور مركز للطاقة في قارة أوروبا.
ترتبط الجزائر مع القارة الأوروبية بثلاثة خطوط للغاز، الأول: «ترانسميد»، وهو خط قديم يمر عبر تونس إلى صقلية، والثاني: خط «جالسي»، الذي أوقف تنفيذه منذ 10 سنوات، ثم عاد الحديث بشأنه من جديد، ويمر إلى إيطاليا عبر جزيرة سردينيا. بالإضافة إلى الخط الثالث: «ميدغاز»، الذي يصل إلى إسبانيا والبرتغال، مروراً بالمغرب. لذلك تعد إيطاليا وإسبانيا وفرنسا والبرتغال أهم عملاء الجزائر.
كما وقعت إيطاليا، يناير 2023، اتفاقاً لإنتاج الغاز من الحقول الليبية بقيمة 8 مليارات دولار لمدة 25 عاماً، يضمن تعزيز إمدادات الطاقة إلى أوروبا، على أن يبدأ الإنتاج عام 2026 ويستهدف الوصول إلى 750 مليون قدم مكعبة يومياً.
الاتحاد الأوروبي: في يونيو (حزيران) 2022، وقَّعت مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، اتفاقية ثلاثية، تقوم بمقتضاها القاهرة وتل أبيب بتصدير وإعادة تصدير الغاز إلى دول الاتحاد الأوروبي، تحت مظلة منتدى غاز شرق المتوسط. ورغم عدم الإعلان رسمياً عن مدة وقيمة الصفقة، غير أنها قد تمتد 3 سنوات، مع تمدد تلقائي لمدة عامين.
صدرت مصر 8 ملايين طن من الغاز خلال عام 2022، مقارنة بنحو 7 ملايين طن في العام المقارن، وذلك من 50.6 مليون طن إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي خلال العام الماضي. وسط مساعٍ لزيادة حجم الصادرات الغازية بالتزامن مع إجراءات ترشيد الطاقة في البلاد.
- أميركا تتصدر
في مارس 2022، أصبحت الولايات المتحدة أكبر مُصدِر للغاز الطبيعي المسال في العالم، للمرة الأولى على الإطلاق، وذلك بفضل زيادة شحناتها إلى أوروبا المتعطشة للطاقة.
تعد أستراليا وقطر والولايات المتحدة وروسيا والجزائر والسعودية، من كبار مصدري الغاز في العالم.
فاق الإنتاج الأميركي، إنتاج قطر وأستراليا من الغاز، في ديسمبر (كانون الأول) 2021، بعدما قفزت الصادرات من منشآت سابين باس وفريبورت، وفقاً لبيانات تتبع السفن نشرتها «بلومبرغ».
تحولت أميركا من مستورد للغاز الطبيعي المسال إلى أكبر مصدر في أقل من عقد، بفضل إنتاج الغاز الطبيعي الصخري، فضلاً عن ضخ استثمارات بمليارات الدولارات في مرافق التسييل.
ارتفعت صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي في عام 2022، في صورة غاز مُسال 8 في المائة لتبلغ 10.6 مليار قدم مكعب يومياً، أي أقل بقليل من 10.7 مليار قدم مكعب يومياً تصدرها أستراليا. بينما ظلت الولايات المتحدة متقدمة على قطر، التي احتلت المرتبة الثالثة بتصديرها 10.5 مليار قدم مكعب يومياً، وفقاً لبيانات «رفينيتيف».
- الصين تدخل على الخط
في الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو الشرق الأوسط لتأمين إمدادات الطاقة، وتحديداً الغاز، دخلت الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم، لتضمن نصيباً يضمن لها الحفاظ على مركزها الاقتصادي، حتى شكلت الشركات التي يقع مقرها بالصين نحو 15 في المائة تقريباً من كافة العقود التي تبدأ في عمليات تسليم إمدادات الغاز الطبيعي المسال حتى 2027. وفق تحليل بيانات «بلومبرغ إن إي إف».
يقدر حجم عمليات إعادة بيع الصين بـ5.5 مليون طن غاز طبيعي مسال خلال العام الماضي، وفق تقرير البحث الشهري لشركة «إي إن إن إنيرجي» لشهر يناير الماضي. يعادل ذلك نحو 6 في المائة من إجمالي حجم سوق العقود الفورية.
أبرمت الصين عقوداً مع برامج تصدير أميركية أكثر من أي دولة أخرى منذ 2021، وفق بيانات «بلومبرغ إن إي إف»، ووقعت الصين اتفاقية تاريخية، نوفمبر 2022، بقيمة 60 مليار دولار لشراء الغاز الطبيعي المسال من قطر، بموجبها يتم إرسال 4 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنوياً اعتباراً من عام 2026. لمدة 27 عاماً.
- أوروبا تنجح حتى الآن
انخفضت حصة إمدادات الغاز الطبيعي الروسي من نحو 50 في المائة من إجمالي الإمدادات في أوروبا إلى أقل من 10 في المائة، وفق بيانات الاتحاد الأوروبي. وفي حال استمرار الإمدادات الروسية عند مستوياتها الحالية، على الاتحاد الأوروبي استيراد 20 مليار متر مكعب من الغاز الروسي فقط، خلال العام الحالي، مقابل 155 مليار متر مكعب، قبل نشوب الحرب الروسية ضد أوكرانيا.
وفَّر الاتحاد الأوروبي 12 مليار يورو (8.‏12 مليار دولار) من الغاز منذ بداية الأزمة الروسية، بفضل زيادة توليد طاقة الرياح والطاقة الشمسية. وفق بيانات مركز أبحاث الطاقة (إمبر) الصادرة 22 فبراير (شباط) 2023.
وخفضت دول الاتحاد الأوروبي استهلاك الغاز بنسبة 3.‏19 في المائة منذ الصيف الماضي، لتتجاوز هدف الاستهلاك، الذي وضعته الكتلة الأوروبية. وفق وكالة الإحصاء الأوروبية «يوروستات» الثلاثاء الماضي.
كانت الدول الأوروبية قد تعهدت بخفض الطلب على الغاز بنسبة 15 في المائة خلال الأشهر ما بين أغسطس (آب) 2022، ومارس (آذار) 2023، مقارنة بالفترة نفسها خلال الخمسة أعوام السابقة. وذلك بعدما خفضت روسيا صادرات الغاز للكتلة الأوروبية في أعقاب غزو أوكرانيا.
وأظهر تقييم للأشهر من أغسطس 2022، حتى يناير 2023، أن 22 دولة من بين 27 دولة خفضت الطلب بنسبة 15 في المائة أو أكثر.
ووفقاً لـ«يوروستات»، سجلت فنلندا وليتوانيا والسويد أكبر خفض بنسبة سالب 3.‏57 في المائة، وسالب 9.‏47 في المائة وسالب 2.‏40 في المائة على التوالي.
وخفضت دول أخرى استهلاك الغاز، ولكن بنسبة أقل من المستهدف، وهي سلوفينيا (سالب 2.‏14 في المائة) وإسبانيا (سالب 7.‏13 في المائة) وآيرلندا (سالب 3.‏0 في المائة). وسجلت دولتان فقط بالاتحاد الأوروبي زيادة في الطلب، وهما سلوفاكيا بزيادة بنسبة 6.‏4 في المائة ومالطا بنحو 9.‏11 في المائة. ومع هذا التخفيض في الطلب الأوروبي على الغاز، تراجعت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا إلى نحو 50 يورو لكل ميغاواط في الساعة، نزولاً من زهاء 350 يورو سجلتها خلال ذروة الأزمة، أو ما يعادل 100 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. كما تراجعت أسعار العقود الآجلة للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة لأقل من دولارين لكل مليون وحدة حرارية لأول مرة منذ 2020. إلى 1.9 دولار لكل مليون وحدة حرارية تسليم مارس 2023.
ولا يتعارض كل هذا، مع التسعيرة الجبرية (سقف للأسعار) التي وضعتها أوروبا على الغاز الروسي. غير أن المخاوف تتزايد مع كل فصل من فصول العام، سواء موسم الشتاء الذي يتطلب التدفئة أو موسم الصيف الذي يتطلب التبريد.
- فرص الشرق الأوسط تزداد
تقول إيمان هيل، رئيسة الاتحاد الدولي لمنتجي النفط والغاز، إن الصراع الروسي الأوكراني سلَّط الضوء على أهمية أمن الطاقة للعالم أجمع، ولفت الانتباه إلى أزمة كبيرة جنباً إلى جنب مع عمليات إزالة الكربون وتحول الطاقة: «نحن جميعاً معنيون بصناعة النفط والغاز لدفع عملية إزالة الكربون وتحول الطاقة، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك على حساب أمن الطاقة».
أضافت لـ«الشرق الأوسط»: «على سبيل المثال، إذا نظرنا إلى أوروبا، فقد أوضحت الحرب الروسية أنه لا يمكنك الاعتماد بشكل مفرط على الإمداد من بلد واحد، أو منطقة واحدة، مثل أوروبا، التي اعتمدت بشكل مفرط على روسيا في إمدادات الطاقة».
ترى هيل أن هناك فرصة كبيرة لدول الخليج والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لسد الفجوة في الطلب على الطاقة، وسط سياسة تنويع الإمدادات بعيداً عن الغاز والنفط الروسي، التي تتبعها الدول الأوروبية، وبعض الدول الأخرى، خوفاً من العقوبات. وقالت: «ستكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منطقة مهيمنة من حيث الإنتاج لعقود قادمة». نظراً لأن المنطقة تتمتع بإمكانيات كبيرة سواء في الطاقة التقليدية أو الطاقة المتجددة.


مقالات ذات صلة

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أوروبا أفراد من الشرطة الروسية (أ.ف.ب)

روسيا: إحباط مخطط لتفجير يستهدف مسؤولين في قطاع الاتصالات

أعلنت روسيا أنها أحبطت مخطّطاً لتفجير كان يستهدف مسؤولين في هيئة تنظيم الاتصالات الحكومية، في وقت يتصاعد الاستياء داخل البلاد جراء القيود المفروضة على الإنترنت.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا أسرى أوكرانيون لدى الإفراج عنهم من روسيا (الرئيس الأوكراني عبر منصة إكس)

روسيا وأوكرانيا تعلنان تبادل 193 أسير حرب من كل جانب

أعلنت موسكو وكييف، الجمعة، تبادل 193 أسير حرب من كل جانب، وأوضح الجيش الروسي أن الإمارات والولايات المتحدة توسّطتا في عملية التبادل الجديدة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
العالم الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكدًا أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا ألكسندر غروشكو نائب وزير الخارجية الروسي 12 يناير 2022 (رويترز)

روسيا تحذر الدول الأوروبية من نشر قاذفات قنابل نووية فرنسية

حذرت روسيا من أن أي دولة أوروبية تقبل بنشر قاذفات استراتيجية فرنسية قادرة على حمل أسلحة نووية ستجعل من نفسها هدفاً لهجمات قوات موسكو.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ونظيره الأوكراني يوقّعان اتفاقية ألمانية - أوكرانية للتعاون الدفاعي في برلين 14 أبريل الحالي (إ.ب.أ) p-circle

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

رائد جبر (موسكو)

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» تبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويتر» للأنباء».

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في البنتاغون.

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة لبعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم البنتاغون كينجسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.


بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
TT

بعد دعوته لدعم أوكرانيا... ترمب: الأمير هاري «لا يتحدث باسم بريطانيا»

الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)
الأمير البريطاني هاري (إ.ب.أ)

وسط استمرار الحرب في أوكرانيا وازدياد تداخل المواقف السياسية في هذا الملف، أثارت تصريحات للأمير البريطاني هاري جدلاً، خصوصاً بعد تعليقه على دور الولايات المتحدة في النزاع. وسرعان ما جاءت ردود فعل رسمية، حيث رفض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تلك التصريحات وشكّك في صفة تمثيل هاري لبلاده.

فقد انتقد ترمب تصريحات الأمير هاري بشأن الصراع الأوكراني، مؤكداً أنه «لا يتحدث باسم المملكة المتحدة»، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وجاءت هذه التصريحات عقب خطاب حماسي ألقاه هاري خلال مشاركته في منتدى كييف الأمني يوم الخميس، دعا فيه «القيادة الأميركية» إلى «الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية»، مشدداً على أهمية الدور الأميركي المستمر في حفظ الأمن العالمي.

وفي مداخلة نادرة له حول قضايا دولية، أوضح هاري أنه لا يتحدث بصفته سياسياً، بل «جندي يُدرك معنى الخدمة»، في إشارة إلى خلفيته العسكرية.

ورداً على هذا الخطاب، الذي ألقاه الأمير خلال زيارة مفاجئة لأوكرانيا، قال ترمب للصحافيين: «أعلم أمراً واحداً، وهو أن الأمير هاري لا يتحدث باسم المملكة المتحدة، هذا أمر مؤكد. بل أعتقد أنني أتحدث باسم المملكة المتحدة أكثر منه».

وأضاف ترمب بنبرة لافتة: «لكنني أُقدّر نصيحته كثيراً».

ثم وجّه سؤالاً قال فيه: «كيف حاله؟ وكيف حال زوجته؟ أرجو إبلاغها تحياتي».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

وتأتي زيارة الأمير هاري المفاجئة، وهي الثالثة له إلى أوكرانيا منذ اندلاع الحرب عام 2022، بعد أيام قليلة من اختتام جولة قام بها في أستراليا برفقة زوجته ميغان ماركل.

وفي كلمته، شدد هاري على أن للولايات المتحدة دوراً محورياً في هذا الملف، قائلاً: «للولايات المتحدة دور فريد في هذه القضية، ليس فقط بسبب قوتها، بل لأنها كانت جزءاً من ضمان احترام سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها عندما تخلت عن أسلحتها النووية».

وأضاف: «هذه لحظة للقيادة الأميركية، لحظة لأميركا لتُظهر قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب المعاهدات الدولية، ليس بدافع الإحسان، بل انطلاقاً من دورها الدائم في تعزيز الأمن العالمي والاستقرار الاستراتيجي».


إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
TT

إثيوبيا و«تيغراي»... تحركات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام

أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)
أفراد من القوات الخاصة يحرسون أحد شوارع مدينة حميرة بإثيوبيا (رويترز)

دخلت الأزمة بين إثيوبيا وإقليم تيغراي مرحلة جديدة من الصراع، بعد إعلان الحزب السياسي الرئيسي في الإقليم اعتزام استعادة سيطرته على مقاليد الأمور من الحكومة الفيدرالية.

ويعتقد خبير بالشأن الأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط» أن تلك التطورات تهدد اتفاق «بريتوريا» للسلام، وقد تعيد مشاهد النزاع مجدداً، بينما يرى برلماني ومحلل سياسي في إثيوبيا إمكانية لحل الخلافات عبر مسار سلمي.

وشهدت إثيوبيا أزمات عديدة، بينها اندلاع حرب بين «جبهة تحرير شعب تيغراي» والقوات الفيدرالية بين عامَي 2020 و2022 في إقليم تيغراي أودت بحياة مئات الآلاف وتسببت في نزوح نحو مليون نسمة.

و«جبهة تحرير شعب تيغراي» حركة مسلحة تحولت إلى حزب سياسي وهيمنت على الحياة السياسية الإثيوبية لما يقرب من ثلاثة عقود، قبل أن تنتهي تلك الهيمنة مع تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء عام 2018.

انتقادات حقوقية دولية

من جهة أخرى، قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية الدولية في تقرير، صدر الأربعاء، إن أبناء إقليم تيغراي، الواقع في شمال إثيوبيا، يتعرّضون «للتمييز والاعتقال التعسفي»، وإن الانتهاكات بحقهم قد ترقى إلى «جرائم ضدّ الإنسانية».

وذكرت لايتيتيا بدر، نائبة مديرة قسم أفريقيا في المنظمة، أن أبناء تيغراي يواجهون «قيوداً قاسية ولا إنسانية على كل جوانب حياتهم»، واتهمت السلطات الإثيوبية وشركاءها بتجاهل هذا الواقع.

وجاءت تلك الانتقادات بعد يومين من تحركات داخلية بالإقليم مناهضة للحكومة الفيدرالية، حيث اتهمتها «جبهة تحرير شعب تيغراي» بانتهاك اتفاقية «بريتوريا» عبر حجب الأموال المخصصة لدفع رواتب موظفي الخدمة المدنية في الإقليم، وأشارت إلى تمديدها ولاية رئيس الإدارة المؤقتة تاديسي ووريدي قبل أيام دون استشارة الحزب. وبحسب الجبهة، فإن الحكومة الفيدرالية تستعجل شن «حرب دامية أخرى».

وقالت الجبهة في بيان إنها تعتزم ممارسة مهامها على كامل الإقليم، وتعهدت بتعزيز الصداقات مع شعوب المناطق الإثيوبية المجاورة ودول الجوار.

وكانت الحكومة الفيدرالية الإثيوبية قد وقَّعت مع «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» اتفاق «بريتوريا للسلام» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بجنوب أفريقيا، لإنهاء حرب أهلية دامية استمرت عامين. ونص الاتفاق على وقف دائم للأعمال العدائية، وتشكيل إدارة مؤقتة لإدارة الإقليم، عبر حوار بين الطرفين، لتحل محل الهيئات المنتخبة في الإقليم إلى حين تنظيم انتخابات جديدة.

وكررت الحكومة الفيدرالية أكثر من مرة في بيانات رسمية التزامها باتفاقية بريتوريا، واتهمت «جبهة تحرير شعب تيغراي» بالتآمر ضدها مع إريتريا، التي نالت استقلالها عن إثيوبيا عام 1993 وخاض البلدان حرباً حدودية بين عامي 1998 و2000.

مخاوف من صدامات جديدة بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير تيغراي» (رويترز)

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، صلاح حليمة، أن «جبهة تحرير تيغراي» المقربة من إريتريا، ليست وحدها التي تتبنى توجهات ذات نزعة استقلالية، مشيراً إلى منطقة الأورومو، وإقليم أوغادين كذلك.

وأضاف أن هذا النزاع الجاري يشكل تهديداً لاستقرار إثيوبيا ويؤثر على وحدتها وسلامتها الإقليمية، «فضلاً عن أن اتفاق بريتوريا في خطر، ما لم تُعالج الأمور بشكل سليم عبر توافق بين الجبهة والحكومة المركزية بمشاركة إريتريا لكونها طرفاً في هذه المشكلة».

في المقابل، يرى النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الحكومة الإثيوبية تواصل تنفيذ بنود «اتفاقية بريتوريا»، وقال إن «جبهة تحرير تيغراي» حتى لو كانت قد نفذت بعض الالتزامات «فإنها لم تطبق ما ورد في نص الاتفاقية بشكل كامل، حيث يوجد خلل كبير في هذا الجانب».

ويشير المحلل السياسي الإثيوبي عبد الشكور عبد الصمد إلى حملة عسكرية شنتها «جبهة تحرير تيغراي» قبل بضعة أشهر عبر ثلاثة محاور، سبقتها بأشهر تحركات عبر منطقة شمال عفر على الحدود، وقال إن هذه التحركات «هي جزء من الجهود والضغوط التي تبذلها الجبهة سعياً للحصول على دعم دولي وإعلامي وإقليمي».

تصعيد وسط أجواء حوار

تأتي الأزمة الحالية رغم بدء جولة أولى من «منتدى التشاور» في إثيوبيا أوائل الشهر الحالي بحضور معنيين من إقليم تيغراي، في أجواء وصفتها «وكالة الأنباء الإثيوبية» وقتها بأنها إيجابية.

و«الحوار الوطني» هو عملية أطلقتها الحكومة الإثيوبية عام 2021 وتديرها لجنة وطنية مكونة من 11 مفوضاً، بهدف معالجة جذور النزاعات، وتعزيز السلام والمصالحة المستدامة بعد الحروب والاضطرابات، خاصة في إقليم تيغراي، فيما يأتي الحوار قبل انتخابات مقررة في يونيو (حزيران) المقبل.

لكن الأزمة تأتي بعد أجواء حشد عسكرية في فبراير (شباط) الماضي وكانت متبادلة بين الجيش الإثيوبي الذي حاصر الإقليم، وقوات «تيغراي» التي انتشرت باتجاه حدودها.

ولا يستبعد السفير حليمة احتمال المواجهة العسكرية إذا استمر التصعيد بين الحكومة والجبهة، لافتاً إلى أن الحوار المعلن يبدو أنه لم يقدم نتائج، ولم يُفضِ إلى قبول مطالب الجبهة ورؤيتها، ويؤدي بالضرورة إلى دفع الأمور نحو مزيد من التصعيد.

ولا يعتقد النائب الإثيوبي محمد نور أحمد أن الأمور ستصل إلى صدام، خاصة في ظل الحوار الوطني الجاري الذي أوشك على الانتهاء في جميع المناطق والأقاليم الإثيوبية، متهماً بعض لجان الجبهة بمحاولة تخريب الاتفاق.

وقال: «حكومتنا تنظر للأمور بهدوء وعدم استعجال، ولذلك فإننا نتوقع أن تحل هذه المشاكل القائمة قريباً عبر الطرق السلمية».

ويتفق معه عبد الصمد قائلاً إن الجبهة غير قادرة على فعل شيء، خاصة في ظل وجود انقسام داخلي عميق داخل صفوفها، مضيفاً: «أستبعد الصدام العسكري، رغم وجود بعض المساعي الإقليمية والداخلية لمحاولة جر المنطقة إلى هذا الصراع».

واستطرد قائلاً: «الشارع داخل إقليم تيغراي أعلن مراراً وتكراراً أنه قد تعب، ولا يريد الانجرار إلى حرب أخرى. ولذلك، أستبعد خيار الصراع، ونتمنى تلافي ذلك عبر حل سياسي يكون شاملاً».