مشروع خط سكة حديد إسرائيلي.. يقسم الضفة

وزير المواصلات الطامح بمنصب رئيس الحكومة يطرح مشروعًا ويباشر في تنفيذ قسم منه لإعادة بناء سكة حديد الحجاز

مشروع خط سكة حديد إسرائيلي.. يقسم الضفة
TT

مشروع خط سكة حديد إسرائيلي.. يقسم الضفة

مشروع خط سكة حديد إسرائيلي.. يقسم الضفة

المهندس الإسرائيلي ديفيد ريجف، يجلس أمام حاسوبه، ويحلم. لكن كرسيه يجعل حلمه «خطة رسمية» في الدولة العبرية، تؤثر على مصائر الفلسطينيين والإسرائيليين. فهو موظف كبير في وزارة المواصلات. وعلى رأس وزارة المواصلات يوجد وزير «طموح»، يتطلع لمنصب رئيس حكومة إسرائيل القادم. هو يسرائيل كاتس، أحد أقطاب اليمين الإسرائيلي، الذي يعمل حاليا تحت كنف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولكن المقربين منه يؤكدون أنه بات متعجلا للحلول مكانه في قيادة حزب الليكود وبالتالي رئاسة الحكومة. وقد نجح خلال السنوات الست، التي يتولى فيها هذا المنصب، في إحراز تقدم كبير في شق شوارع جديدة وحديثة وتجديد المعابر الحدودية وخطوط السكة الحديد، أحدثت ثورة في تقريب الريف إلى المدن، وتقريب البلدات المنتشرة على الحدود إلى البلدات الواقعة في وسط البلاد وتقليص ساعات السفر فيما بينها. لذلك، فإن ديفيد ريجف يحلم على قد حلم رئيسه الوزير. فيضغط على أزرار حاسوبه ويُشغل برنامج الرسومات الهندسية ويرسم خطوطا تمتد كالشرايين من مدن إسرائيل باتجاه الشرق، لتملأ الضفة الغربية.
هذه الخطوط ستتحول في حلمه إلى شبكة خطوط سكة حديدية تمتد من إسرائيل إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ومن هناك إلى الدول العربية. إنه يعيد فيها رسم خطوط سكة حديد الحجاز التاريخية، تلك التي بنيت في عهد الحكم العثماني، من تركيا وحتى المدينة المنورة ومكة. وعندما وصلت إلى دمشق، امتد منها خط سكة حديد إلى فلسطين. والوزير الإسرائيلي يريد أن يفعلها من جديد.

خط سكة حديد الحجاز بني في حينه (سنة 1908) ليخفف على حجاج بيت الله الحرام ويؤسس لطريق تجاري كبير ما بين مركز الخلافة العثمانية وبين الحجاز. لكن الحروب دمرته مرتين، الأولى في الحرب العالمية الأولى، حيث نسفها الثوار العرب ليقطعوا الإمدادات عن قوات الاستعمار. فتعطلت. والثانية بعد الحرب العالمية الثانية، وقد دمرتها القوات الصهيونية التي خشيت أن يستخدمها العرب في حربهم لمنع قيام الدولة العبرية ومنع النكبة الفلسطينية. وعندما قامت إسرائيل، أهملت هذا الخط، ولكنها لم تترك الحلم بأن تعيد بناءه في يوم من الأيام. وفي مؤتمر مدريد للسلام، سنة 1991، وخلال المحادثات الإسرائيلية العربية المتعددة الأطراف، طرحه شيمعون بيريس على الطاولة كجزء من «الشرق الأوسط الجديد»، الذي «ستكون فيه الحدود مفتوحة بين إسرائيل والعالم العربي أمام التجار والسياح». واليوم يعودون لطرحه في إسرائيل، بمبادرة ممن لا يؤمن بقيام دولة فلسطينية.
البعض يقولون، وليس فقط في الطرف الفلسطيني، إن الهدف هو تكريس الاحتلال الإسرائيلي. ففي تقرير للدكتور جليت باوم، إحدى النشيطات في حركة «ائتلاف النساء الإسرائيليات من أجل السلام»، تقول إنها لفكرة ساخرة أن يطرح الوزير كاتس بالذات مشروعا كهذا بهدف السلام». وتؤكد أن الفكرة نابعة من أطماع احتلالية تقليدية. وتتابع: «من يرد السلام يتنازل أولا عن الاحتلال ويفاوض ممثلي الشعب الآخر على مكنون السلام، ولا يفرض عليه شيئا، حتى لو كان ذا طابع تطويري وتعميري». ثم أكدت أن المشروع غير قانوني، بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي.
لكن هذا لا يمنع الوزير كاتس من التخطيط، والحديث عن «آفاق هذا التخطيط لخدمة الشعبين». لا بل إنه ينفذ بعض المقاطع من المشروع على الأرض.

* المخطط
حسب الخرائط الاستراتيجية للمشروع، فإن الحديث يجري عن شبكة خطوط السكة الحديد، تدخل خدمات القطار لأول مرة إلى الضفة الغربية. وهي موزعة على النحو التالي: مقطع طولي - وهو ينطلق بخطي سكة حديد اثنين، الأول يصل ما بين مدينة بيسان في الشمال وأريحا في الجنوب، على طول الطريق الغربي لنهر الأردن. والثاني ينطلق من مدينة العفولة (عشرة كيلومترات جنوب مدينة الناصرة) في مرج ابن عامر، ويمتد نحو جنين في شمال الضفة الغربية ثم نابلس ورام الله والخليل وحتى النقب وإيلات.
المقاطع العرضية - هنا يجري الحديث عن ستة خطوط سكة حديد رئيسية ولبعض منها توجد عدة فروع. الأول لا يتعلق بالفلسطينيين في الضفة الغربية، إنما يمتد من حيفا وحتى بيسان ومن هناك إلى الأردن ويصل إلى مدينة إربد، حيث كان يمر في الماضي خط سكة حديد الحجاز بالضبط. وقد تحدث الوزير كاتس عن هذا الخط، خلال كلمة ألقاها يوم 5 سبتمبر (أيلول) 2012، في حفل ترميم وتجديد معبر الملك حسين (اللنبي سابقا)، الذي يصل بين الضفة الغربية والأردن، ولكن إسرائيل تسيطر عليه منذ احتلال 1967، فقال إنه سيصل إسرائيل بالعالم العربي ويتحول إلى معبر تجاري بحري بري ما بين أوروبا ودول الشرق العربي، سوريا والأردن ومنهما إلى العراق ودول الخليج. والثاني يربط ما بين القدس وأريحا ومن ثم العاصمة الأردنية عمان، لنفس الهدف. والثالث ما بين مدينة نتانيا الإسرائيلية الساحلية وبين طولكرم في الضفة الغربية، ثم يتوجه إلى مدينة نابلس، بعد أن يمر على منطقة بركان الصناعية الاستيطانية ثم مدينة وجامعة أرئيل الاستيطانية. وخط سكة الحديد الرابع يصل بين نابلس ورأس العين. والخامس بين الخليل وقطاع غزة. والسادس بين تل أبيب والقدس.
وهو ليس مشروعا على الورق فحسب، إنما نجد أن الوزارة أنجزت أكثر من نصف العمل في مقطعين رئيسيين منه. المقطع الأول، خط سكة حديد من تل أبيب إلى القدس، وهو يمر عميقا في أراضي الضفة الغربية، ويثور حوله الجدل. فقد أدخلوه إلى الضفة الغربية كي يتجنبوا مروره بالقرب من المستوطنات «الوادعة»، التي ترفض تقريبه إليها حتى لا يزعج ضجيج القطارات المستوطنين فيها. ولكن تقريبه من البلدات الفلسطينية المحتلة يثير المخاوف الأمنية، من «اعتداءات فلسطينية إرهابية». ولكن وزير المواصلات يصر على إكماله ويقول إن على قوات الأمن أن تهتم بحماية القطار والمسافرين، مؤكدا أنه سيخدم كلا الشعبين.
وأما المقطع الثاني الذي بوشر بتنفيذه في الشمال، فيعني عمليا إعادة تفعيل خط سكة حديد الحجاز القديم، الممتد من دمشق وحتى حيفا. وحسب قرار الوزارة سيتوقف خط سكة الحديد حاليا عند نهر الأردن، على أمل أن تتغير الظروف ويتواصل في الجهة الأردنية والسورية من النهر لاحقا.
كلا هذين المقطعين سينجزان بالكامل في السنة القادمة (2016)، والعمل فيهما جارٍ على قدم وساق.

* المخاوف الفلسطينية
المسؤولون الفلسطينيون الرسميون يرفضون هذه المشاريع ويعتبرونها اعتداء على السيادة الفلسطينية كونها لا تتم بالتنسيق معهم ولا تأخذ بالاعتبار مصالحهم. وكما يقول المهندس محمد القاووق، فإن الحديث يجري عن مد 11 خط سكة حديدية إسرائيلية في الضفة الغربية، مجموع طولها ٤٧٥ كيلومترا (على سبيل المقارنة يبلغ مجموع طول سكك الحديد داخل إسرائيل نحو ١١٠٠ كيلومتر). وعمليا ستمتد هذه السكك من شمال الضفة الغربية حتى جنوبها على جبالها وأغوارها وترتبط بخطوط عرضية لتربط معظم التجمعات الاستيطانية اليهودية المقامة زورًا وعدوانًا على أراضي الضفة الغربية في المدن الاستيطانية الإسرائيلية الواقعة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، لتبتلع 30 ألف دونم في مسار السكة والطريق المحاذية وحدود خط القطارات ومحطاتها ونقاط التفتيش، ثم ستكبل أيدي الفلسطينيين من استخدام نحو 70 ألف دونم أخرى على جانبي هذه السكة بحجة الارتداد للحماية الأمنية. وعليه سيفقد الفلسطينيون مائة ألف دونم جديدة ستتحول للسيادة المباشرة للاستيطان اليهودي العنصري وتضاف لما فقده الفلسطينيون حتى اليوم والبالغ 2.2 مليون دونم.
ولكن الفلسطينيين لا يقدمون على أي خطوة نضالية ضده، ما جعل إسرائيليين كثيرين، خصوصا في وزارة المواصلات يعتقدون أن هناك موافقة خفية على المشروع. ونسأله عن ذلك: «ما يضيرك إذا بنت إسرائيل خطوط سكك الحديد هذه، ففي نهاية المطاف سيزول الاحتلال حتما مثل أي احتلال في التاريخ، وتبقى سكك الحديد لكم. لماذا لا تدعونهم يكملون المشروع؟».
فيجيب: «أولا يمكن لإسرائيل أن تنفذ المشروع، فهي لا تأخذ رأينا حتى عندما تنهب الأرض وتحدث تغييرات جوهرية في معالمها وتملأها بالمستوطنات الاستعمارية. وقد يكون هناك بعض المنطق فيما تقول، فنحن أيضا نعتقد أن الاحتلال سيزول وعلينا أن نحاول الاحتفاظ بكل ما يبنيه ويعمره على أرضنا. لكننا نتحدث هنا عن قضية حقوق وطنية مسلوبة. فبالنسبة إلينا نتعامل مع هذا المشروع كأي مشروع استيطاني. نرفضه مبدئيا ونقاومه. فإن لم نفعل، سيسجلون علينا أننا وافقنا بالصمت على نهب أرضنا وحقوقنا. وسيطالبوننا في المستقبل بدفع ثمنه مضاعفا. لذلك، إذا بنوا فعلا سكك حديد، فهذا ضد إرادتنا».
يضيف القاووق إن إسرائيل تزعم دائما بأنها تقيم المشاريع لصالح الشعبين. هكذا ادعت عندما شقت شبكة الطرقات الواسعة، ثم جعلتها حكرا على المستوطنين اليهود ومارست سياسة فصل عنصري مأخوذة من فلسفة الأبرتهايد، فيحظر على الفلسطينيين العبور من معظمها. وهكذا تدعي عند إقامة المصانع، ومع أن عمالنا يعملون في هذه المصانع (25 ألف عامل فلسطيني حسب إحصائيات وزارة العمل الإسرائيلية)، فإنهم يتقاضون رواتب منخفضة بالمقارنة مع الأجور في إسرائيل وبشروط عمل تنطوي على الكثير من التعسف. ولن يختلف الأمر عند إقامة شبكة سكك الحديد. فبعد أن تبتلع نحو 100 ألف دونم جديد من أراضينا، ستحيطها بالحواجز العسكرية بدعوى الأمن. ولن يكون لنا منها نصيب. بل ستتحول إلى عقبة أخرى في طريق التخلص من الاحتلال وإقامة السلام.

* المخاوف الإسرائيلية
في إسرائيل أيضا هناك من يعترض على هذا المشروع، وليس فقط بين قوى السلام. د. آدم رويتر، رئيس شرطة «رويتر ميدان» ومدير عام شركة الاستشارة الاقتصادية في تل أبيب، يشكك في جدوى هذه الشبكة ويقول إن الفائدة التي ستعود على إسرائيل منه هي ضئيلة جدا. ولذلك يستغرب ويتساءل: ما الحكمة من المشروع؟ ويقول، في دراسة أعدها ونشرها مؤخرا، إن «سكة الحديد من حيفا إلى إربد تستهدف توسيع نطاق التجارة. تكلفة بنائها لا تبدو مجدية، لأن الثمن باهظ والمردود قليل. فمن الجهة الإسرائيلية للمشروع، تعتبر منطقة المروج وحتى غور الأردن محدودة السكان من الناحية العددية. وقليلة السيارات نسبيا. وشوارعها معقولة. لا توجد فيها ازدحامات مرورية. ولا تحتاج إلى قطار أبدا، وخصوصا أن تكاليف المشروع تتجاوز 1.2 مليار دولار. وأما الاتجار مع الأردن فإنه ضعيف جدا. والدخل الفردي في إسرائيل سنويا يصل إلى ثمانية أضعاف الدخل الفردي في الأردن. والعاهل الأردني، الملك عبد الله لا يتحمس له، ويحبذ الاستيراد عن طريق ميناء العقبة (على البحر الأحمر)، باعتبار أنه ميناء أردني يشغل كوادره الأردنية المحلية.
ويشير د. رويتر إلى أن هناك طريقا تجاريا قائما حاليا في الاتجاهين بين إسرائيل والأردن من منطقة الشمال، حيث يتم تبادل البضائع التجارية من إنتاج البلدين ومن إنتاج بلدان أخرى. تركيا مثلا، بدأت تفعيل خط تجاري كهذا منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا. فترسل بضائعها إلى ميناء حيفا، ومن هناك إلى الأردن ومختلف الدول العربية في الشرق. ومن المعروف أن إحدى الشركات الأساسية التي ترسل هذه البضائع عبر إسرائيل، شركة يملكها نجل الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان. تفرغ حمولتها في ميناء حيفا، ومن هناك تشحن بالطريق البري إلى الأردن. ويتساءل الكاتب: «لماذا يجب استبدال هذا الطريق بسكة حديد تكلف 1.2 مليار دولار؟». وهل دخول قطار إسرائيلي إلى الأردن يعتبر مناسبا للمنطق الأمني في ظل تدهور الأمن في العالم العربي؟



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.