زلزال جديد يوقع ضحايا ويثير رعباً في تركيا

بعد مباشرة إزالة الأنقاض ووعد إردوغان بمساكن آمنة وتحديد مواعيد بدء الدراسة

الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)
الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)
TT

زلزال جديد يوقع ضحايا ويثير رعباً في تركيا

الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)
الرئيس إردوغان وإلى جانبه دولت بهشلي في هاتاي (رويترز)

في اليوم الخامس عشر على الزلزالين اللذين ضربا جنوب تركيا وشمال سوريا، وفيما أعلن في أنقرة رسمياً عن انتهاء أعمال الانقاذ وبدء مرحلة ازالة الركام وبعدها اعادة الإعمار، ضرب زلزال جديد بقوة 6.4 درجة على مقياس ريختر في منطقة دفنة بولاية هاتاي مساء أمس (الاثنين)، ما أدى إلى سقوط ضحايا وأبنية، وسط حالة من الرعب بين السكان.
وسُمع صوت انفجار شديد وأصوات انهيار مبانٍ في مدينة أنطاكيا بالتزامن مع الزلزال الجديد.
وشعر سكان سوريا ولبنان وفلسطين والعراق بالزلزال الذي أعقبته هزة شديدة بقوة 5.8 ريختر في منطقة صامان يولو في هاتاي أيضاً.
وغادر نزلاء بعض الفنادق في مركز هاتاي إلى الشوارع بعد أن شعروا بهزة قوية كما تحطّم بعض واجهات المنازل. وشوهد مسعفون ينقلون بعض المصابين. وحوصر بعض الأشخاص تحت أنقاض مبانٍ انهارت نتيجة للزلزال والهزة التي أعقبته.
وأكدت إدارة الكوارث والزلازل أن الزلزال وصلت قوته إلى 6.4 درجة ووقع في تمام الساعة 20:04 بالتوقيت المحلي (تغ 3)، في ولاية هاتاي، إحدى الولايات العشر التي ضربها زلزالان قويان مركزهما كهرمان ماراش في 6 فبراير (شباط) الحالي، بقوة 7.7 و7.6 أديا إلى مقتل 41 ألفاً و156 شخصاً، وانهيار 118 ألف مبنى، مع إصابة أكثر من 800 ألف مبنى بأضرار متفاوتة.
وأفيد من الشمال السوري بأن الزلزال الجديد أدى إلى سقوط عدد من الأبنية السكنية في مناطق الأتارب وسلقين وجنديرس وأعزاز بريفي حلب وإدلب، وعلق مدنيون تحت الأنقاض، فيما شهد معظم المدن والمناطق في شمال غربي سوريا، خروج المواطنين إلى الشوارع خشية تساقط الأبنية عليهم، وسط حالة من الخوف والرعب، الذي ترافق مع سماع دوي سيارات الإسعاف واستنفار القوى الأمنية على الطرق ومداخل المدن الرئيسية في الباب وأعزاز وسرمدا وجنديرس وسلقين وحارم والدانا شمال غربي سوريا.
وكانت الولايات المنكوبة بزلزالي 6 فبراير (شباط) في تركيا في اليوم الخامس عشر لوقوع الكارثة شهدت تسارعاً في حركة إزالة الركام والمباني التي تحتاج إلى إزالة. وتواصلت على نحو سريع أيضاً إقامة تجمعات الحاويات في كهرمان ماراش وهاتاي وولايات أخرى، وتزويدها بالكهرباء والتدفئة عبر وحدات الطاقة الشمسية، وتوزيعها على الأسر المتضررة مع إعطاء الأولوية لكبار السن والمعاقين، وتوفير الخدمات الطبية والاحتياجات الأساسية فيها. واستؤنفت الدراسة، الاثنين، في 71 ولاية تركية بعد انتهاء إجازة نصف العام الدراسي التي تم تمديدها من 6 إلى 20 فبراير بسبب وقوع الزلزال، بينما ستستأنف الدراسة في 10 ولايات منكوبة في مواعيد مختلفة خلال شهر مارس (آذار) المقبل حسب الوضع في كل ولاية.
وأعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الذي زار هاتاي ومعه شريكه في «تحالف الشعب» رئيس حزب «الحركة القومية» دولت بهشلي الذي يزور للمرة الأولى إحدى الولايات المنكوبة، أن زلزالي 6 فبراير «تسببا في انهيار 118 ألف مبنى، وتم إخلاء 412 ألف وحدة مستقلة (شقة) على وجه السرعة، كما تمت إزالة حطام أكثر من 71 ألف وحدة مستقلة، كما تم نقل مواطنينا في أكثر من 133 ألف وحدة مستقلة في أكثر من 24 ألف بناية ذات أضرار متوسطة إلى ملاجئ مؤقتة أو أماكن آمنة».
وأضاف إردوغان «أنه تم تحديد 3 ملايين و108 آلاف وحدة مستقلة على أنها متضررة بشكل طفيف أو غير تالفة»، مشيراً إلى أن «عملية تقييم الأضرار التي تجريها وزارة البيئة والتطوير العمراني والتحضر، على وشك الانتهاء، ويمكن لمواطنينا الوصول إلى معلوماتهم حول حالة الأضرار التي لحقت بمنازلهم من خلال موقع الحكومة الإلكتروني».
وذكر إردوغان، أن حصيلة القتلى بلغت 41 ألفاً و156 مواطناً، وبلغ عدد المصابين 114 ألفاً و834 شخصاً، وسيتم إعلان الأرقام النهائية بعد الانتهاء من إزالة الركام.
وتابع، أن عملية البناء ستبدأ قريباً جداً، وسيكون ارتفاع المباني من 3 إلى 4 طوابق فقط. ومع تقييم الأضرار سيزداد عدد المساكن في كل ولاية، ويتم تحديد نوعية الأرض والمسافة من خطوط الصدع بواسطة المتخصصين والأكاديميين، لتحديد أفضل المناطق لبناء المساكن الجديدة.
وبينما تسعى الحكومة التركية إلى الإسراع بالبدء في أعمال إعادة البناء، حذر العضو المؤسس لأكاديمية العلوم عالم الجيولوجيا ناجي غورور، «من البدء سريعاً في إقامة منشآت خرسانية في المناطق التي تعرضت لأضرار كبيرة جراء الزلزالين العنيفين».
ومع بدء عملية إزالة الأنقاض على قدم وساق في الولايات المنكوبة تمهيداً للبدء بإعادة البناء، قال غورور، وهو خبير بارز في علم الزلازل في تركيا، إنه «إذا لم تستخدم الخرسانة المسلحة مسبقة الصب، والمعدة منذ فترة، فلا تلجأوا لصب الخرسانة في الإنشاءات إلا بعد فترة من الوقت؛ لأن توابع الزلزال الصغيرة والكبيرة لا تزال تحدث في كثير من الأحيان». وأعلن وزير البيئة والتطوير العمراني والتحضر مراد كوروم، الاثنين «أن أكبر عملية بناء للمساكن في تاريخ البلاد ستجري في عام واحد، في الولايات المتضررة».
وحول مواعيد استئناف الدراسة بالولايات المنكوبة، قال إردوغان «قمنا بتقييم حالة كل من مدارسنا الابتدائية والثانوية، وحددنا موعد استئناف الدراسة في 1 مارس في أضنة وديار بكر وكيليس وشانلي أورفا، و13 مارس في غازي عنتاب وعثمانية، و27 مارس في هاتاي وكهرمان ماراش، ونقدم جميع سبل الراحة لطلابنا الذين يرغبون في الانتقال إلى ولايات أخرى، حيث سيكون بمقدورهم التحويل إلى المدارس الداخلية لمواصلة تعليمهم».
واستؤنفت الدراسة، أمس (الاثنين)، في 71 ولاية بعد أن تأجل استئناف الدراسة في النصف الثاني للعام الدراسي من 6 فبراير إلى 20 فبراير بسبب وقوع كارثة الزلزال.
ولا يأبه بعض المواطنين بخطر الانهيارات، ويتدافعون لنقل محتويات منازلهم إلى منازل أخرى استأجروها في ولايات أخرى، أو إلى مخازن حتى يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم بعد بنائها من جديد.
ويستمر نزوح المواطنين من الولايات المنكوبة إلى ولايات أخرى، حيث قرروا العيش مع أقاربهم، أو استئجار منازل في ولايات بعيدة عن موطنهم الأصلي، إلى حين الانتهاء من بناء بيوتهم.
في الوقت ذاته، أعلن حلف شمال الأطلسي (ناتو)، انطلاق سفينة من إيطاليا تحمل دفعة أولى من منازل متنقلة (حاويات السكن) خصصها الحلف للإسهام في إيواء المتضررين من الزلزال في تركيا.
وبحسب بيان لحلف «الناتو»، ليل الأحد، انطلقت السفينة من ميناء تارانتو الإيطالي، وعلى متنها 600 منزل متنقل من أصل أكثر من ألف منزل مجهز، قرر الحلف إرسالها إلى تركيا، في سياق هدفه توفير مأوى مؤقت لنحو 4 آلاف شخص على الأقل.
وبدوره، أعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن «أن الولايات المتحدة ستواصل دعم حليفتها تركيا طالما اقتضى الأمر، في أعقاب كارثة الزلزالين المدمرين»، معلناً دعماً بمبلغ 100 مليون دولار للمساعدة في مواجهة آثار الكارثة.
وقال بلينكن، في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو عقب مباحثاتهما في أنقرة الاثنين، إنه شاهد «مأساة في المناطق المنكوبة خلال جولة فيها بالطائرة مع نظيره التركي، فقد دمرت آلاف المباني، وفقد المواطنون منازلهم وعائلاتهم وسيطرت مأساة كبيرة في تلك المناطق».
وأضاف، أنه تمكن بالكاد من الدخول من باب السفارة الأميركية في أنقرة «بسبب تكدس المساعدات التي سترسل إلى المناطق المنكوبة بالزلزال».


مقالات ذات صلة

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended