ممدوح المهيني: حرب أوكرانيا تشهد على وجودنا في قلب الحدث

المدير العام لـ{العربية} قال لـ «الشرق الأوسط» إن شبكات التواصل الاجتماعي أثرت على المشهد الإعلامي

استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

ممدوح المهيني: حرب أوكرانيا تشهد على وجودنا في قلب الحدث

استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)
استوديوهات «العربية» الجديدة في الرياض (الشرق الأوسط)

تتأهب قناة «العربية» لإكمال عامها العشرين خلال شهر مارس (آذار) المقبل، وهي التي استطاعت «تكوين نموذج مستدام من خلال روح الفريق المتجددة»، وفقاً لما يشير إليه ممدوح المهيني مدير عام القناة. ووفق حديث المهيني لـ«الشرق الأوسط» فإن هذه الروح ساهمت في قدرة القناة على قيادة المشهد الإعلامي الإخباري السياسي خلال العقدين الماضيين، مشيراً إلى أن تلك الخاصية جعلت القناة قادرة على التحوّل والتطوّر ومواكبة تطلّعات كل من صنّاع القرار والمشاهد العربي.
كذلك، تطرّق مدير «العربية» في الحوار إلى تأثير منصَّات التواصل الاجتماعي على المشهد الإعلامي، وتغطية القناة لزلزال سوريا وتركيا، بالإضافة إلى الانتقال الكامل إلى العاصمة السعودية الرياض، وملفات أخرى. وفيما يلي نص الحوار:
> كيف تنظر إلى «العربية» الآن، خصوصاً مع قرب إكمالها عامها العشرين؟
- خلال الشهر المقبل تكمل «العربية» عامها العشرين، وخلال العقدين المنصرمين، وحتى هذا اليوم، نراها تقود المشهد الإعلامي الإخباري السياسي. تملك «العربية» منذ انطلاقتها الأسس المتينة، وفريقاً على قدر كبير من الاحترافية والالتزام والإخلاص. وأنا سعيد بالعمل معهم كل يوم. لقد خلق هذا الفريق روحاً متجددة داخل «شبكة العربية»، وهذا يجعلها قادرة على التحوّل والتطوّر والمواكبة وحجز مكانة كبيرة لها لدى المشاهد العربي. إن أهم صانعي القرار يختارون قناتي «العربية» و«الحدث» (اللتين تضمهما الشبكة) لكي يوصلوا كلمتهم لأنهم يعتبرونهما المحطتين الأهم. ولقد التقينا في وقت سابق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وظهر أخيراً على شاشتنا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، كما تحدث معنا رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، وستبث مقابلة قريباً مع الزعيم الماليزي مهاتير محمد، والقائمة تطول.

ممدوح المهيني

> تغير المشهد الإعلامي كثيراً خلال الأعوام الأخيرة مع دخول شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) لاعباً رئيسياً في المشهد، هل أثّر هذا على «شبكة العربية»؟
- هذا صحيح. وأعتقد أنه من الخطأ تجاهل دور شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) وتأثيرها الكبير على الساحة الإعلامية، وهي اليوم تلعب دوراً مهماً في حياتنا، وفي الإعلام تحديداً. إلا أن «شبكات التواصل الاجتماعي» (السوشيال ميديا) مزيج واسع من الأخبار والمعلومات الصحيحة والمزيّفة، وباتت مسرحاً واسعاً لظاهرة ما يسمى التضليل المتعمّد وغير المتعمّد. وبالتالي، فإن ما نؤكد عليه باستمرار في قناة «العربية» هو التركيز على المحتوى الصحافي وتقديمه للمشاهدين بأفضل صورة ممكنة. على سبيل المثال، عندما وقعت أزمة أوكرانيا كان لدى «العربية» العديد من المراسلين الذين كانوا ينقلون المعلومات للمشاهدين ويذهبون إلى جبهات القتال لنقل الصورة والمعلومة الدقيقة على الهواء مباشرة. كنّا موجودين عندما عبرت الدبابات الروسية الحدود، وأحد مراسلينا نقل مشاهد مروّعة لصور الجثث والأعضاء المبتورة عندما وصل إلى هناك بعد دقائق من نهاية معركة بين الروس والأوكرانيين، واضطررنا إلى وقف المشاهد ومنعها من العرض. أيضاً، خلال فترة «كوفيد - 19» عندما كان العالم مغلقاً ذهب مراسلو «العربية» و«الحدث» إلى بؤر الجائحة التي يهرب منها الناس، وذلك لتغطية التطورات والدخول إلى المستشفيات المكتظة بالمرضى. بالإضافة إلى ذلك، إبّان مظاهرات إيران، كانت «العربية» هي المتابعة للتطوّرات والاعتقالات، في وقت امتنعت عن ذلك محطات أخرى. لقد تابعنا قصة «طالبان» منذ البداية، وكنا هناك قبل سقوط كابل وبعدها والتقينا المسؤولين في «طالبان»، ثم غطينا أزمة منع النساء من الدراسة والعمل... وهي أزمة كبيرة لم يوجد هناك مَن تابعها عن قرب. وهناك منحنا جماعة «طالبان» فرصة للدفاع عن أنفسهم، وطرحنا عليهم أسئلة مباشرة قوية ونقلنا لهم معاناة المرأة الأفغانية. وأخيراً قدمنا تغطية شاملة لكارثة الزلزال في تركيا وسوريا وعملنا على مدار الساعة لنقل المعاناة الإنسانية التي مرّ ويمرّ بها الناس هناك. إن ما ذكرته أمثلة قليلة للتأكيد على أننا حريصون على تقديم المحتوى الإخباري قبل أي شيء آخر، وبأكبر قدر من المهنية. وجواباً على سؤالك... أقول إننا لم نتأثّر سلبياً بالتغيّرات التي أحدثتها منصّات «السوشيال ميديا»، بل استفدنا منها. أنا أرى المؤثرين وصانعي المحتوى لاعبين مهمين ويُكملون المشهد الإعلامي، ولكن المؤسسات الإعلامية الكبرى مثل «العربية» بسبب تركيزها على دورها الصحافي ومكانتها القوية هي من تلعب الدور الأكبر والأهم.
> قلت قبل قليل إنكم استفدتم من شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)... هل يمكن أن تشرح أكثر؟
- نعم... بقدر اهتمامنا بالشاشة فقد عزّزنا قدراتنا في شبكات التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا). قبل 3 سنوات كان متابعو «شبكة العربية» 98 مليون متابع، أما اليوم فقد قفز هذا الرقم إلى 180 مليوناً. نحن اليوم نقدّم المحتوى السياسي بأشكال جديدة على كل المنصات بلا استثناء لكي نصل إلى كل الفئات. والتجربة أثبتت أن الجمهور لديه اهتمام بالقضايا السياسية والمواد الرصينة على عكس الاعتقاد الشائع بأنه يهتم بالمحتوى غير الجاد. توسعُنا لا يتوقّف لأننا نعتقد أن مساحة التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) مهمّة والتنافس موجود، واستطعنا بالفعل أن نصل لدول عديدة، قد لا تجد على الشاشة مساحة كافية لتغطية شؤونها. وأيضاً، توسعُنا شمل منصات التواصل الاجتماعي التي تركّز على فئات الشباب، حيث نتواصل معها بأسلوب خاص من دون تغيير سياستنا أو خطنا التحريري. الهدف هو تهيئة الجيل الجديد للانضمام إلى الجمهور الأساسي للقناة في المستقبل.
> إلى أي مدى تعتبر التكنولوجيا عنصراً مهماً في عالم الأخبار... وخاصة في قناة «العربية»؟
- إلى جانب اهتمامنا بالمحتوى السياسي والتميّز بالتغطيات، لدينا أيضاً اهتمام باستعمال التكنولوجيا وتقنية الواقع المعزّز. ولا يزال المشاهدون يتذكرون تغطية الانتخابات الأميركية الأخيرة وكَم من التحضيرات أخذت وكَم كانت القيمة الإخبارية التي لم تتوفر لدى أي محطة إخبارية أخرى. وبالإضافة إلى ذلك، استمر استعمال الواقع المعزّز لعرض القصص، التي نريد إيصالها للمشاهدين بأساليب شيّقة. الاهتمام بالتكنولوجيا لا يتوقّف لدينا... إذ استفدنا من تقنية الذكاء الاصطناعي، حيث يوجد الآن تطبيق «العربية» على جهاز «أمازون أليكسا» و«أبل كار بلاي».
> كيف اختلفت تغطية كارثة زلزال تركيا وسوريا عن سابقاتها؟
- الكارثة كبيرة وهائلة على كل المستويات. التوقّعات أن يصل عدد القتلى إلى رقم يتجاوز الخمسين ألفاً، وهذا رقم كبير، بالإضافة إلى المُصابين والمشرّدين. لقد قمنا بتغطية أخبار الزلازل والهزّات فور وقوعها. ورغم صعوبة الوصول إلى هناك بسبب الدمار الهائل في الطرق والبنى التحتية استطاع مراسلونا الوصول إلى المناطق المتضررة ونقلوا إلى المشاهدين عن قرب ما يجري. وهنا دعني أقول إنها تجربة صعبة مررنا بها في غرفة الأخبار ولدى المراسلين بسبب المشاهد المؤلمة. ليس من السهل أن تغطّي كارثة أدت إلى مقتل آلاف الأبرياء، بينهم أطفال دفنوا تحت الأنقاض في أقل من دقيقتين.
> كيف تنظر إلى المنافسة والأداء بين القنوات الإخبارية العربية؟
- عندما نتكلم عن أداء التلفزيون، لا تزال «شبكة العربية» ممثلة بقناتي «العربية» و«الحدث» في الطليعة في معظم الدول العربية. على سبيل المثال، قناة «الحدث» تأتي في المرتبة الأولى ضمن القنوات الإخبارية الإقليمية في العراق وليبيا واليمن. أما إذا تكلمنا عن منصات التواصل الاجتماعي، فإن تطلعات وأهداف الشبكة هي المنافسة على المراتب القيادية على مستوى شبكات الأخبار العالمية. المنافسة دائماً محفّز مهم على الإبداع... وبالنسبة لـ«شبكة العربية» فنحن نملك الكثير من نقاط القوة، منها خبرة الزملاء والزميلات في غرفة الأخبار، بالإضافة إلى مراسلينا في الميدان في مناطق الصراعات والحروب، وأيضاً الوجوه التي تظهر على «العربية» والعمل الاحترافي الذي يقدّمه الجميع في الشبكة.
> في ظل توسع القناة وانتقال مقرها إلى العاصمة السعودية الرياض، كيف تنظر إلى هذه الخطوة؟
- الرياض من بين العواصم الأهم في العالم، وهذا بلا شك سينعكس على نمو «شبكة العربية»، وقد بدأنا تقديم نشرات وبرامج من مقرّنا هناك... ونحن الآن في طور الانتقال الكامل الذي سيكتمل في المقر الجديد.
> في رأيك، ما أبرز ملامح الخط التحريري عند قناة «العربية»؟
- لدى «العربية» خبرة طويلة في الإعلام، لكن لدينا أيضاً إيمان بقدرتنا على مواكبة الخبر. والدليل أن هناك جيلاً وُلد بعد انطلاقة «العربية» وبدأ يتابعها. لقد استضافت قناة «العربية» أهم الوجوه في العالم، وغطّت أهم النزاعات، والأزمات والكوارث الطبيعية. ولدينا إيمان مطلق بتقديم الحِرَفية الإعلامية وبقدرتنا على التطوّر. ثم إنه، رغم تغيّر المشهد الإعلامي، فإن «العربية» لا تزال تمثّل المصدر الموثوق لمتابعة الخبر. أيضاً، رغم ما واجهناه من مخاطر كمثل تدمير مكتب العراق، وتخريب مكتب السودان من دون معرفة مَن يقف خلفه، وتعرّض زميلنا في تركيا للاعتقال، وتعرّض زملائنا في لبنان للضرب من قبل عناصر «حزب الله»، وتعرض زميلنا في اليمن محمود العتمي لعملية تفجير سيارة، مما أدى إلى مقتل زوجته وطفله... قدّمنا وما زلنا مادة صحافية قيمة، وهذا دليل على التزامنا الكامل بتقديم العمل الصحافي بأفضل طريقة ممكنة... ونحن فخورون بهذا.
> خارج نطاق الأخبار الآنية، ما هي خطط «العربية» فيما يتعلق بالأفلام الوثائقية التي تُعَدّ منتَجاً مطلوباً لدى المشاهد العربي؟
- أؤكد أننا ملتزمون بتقديم المادة الصحافية المتوازنة، وكذلك نشر فكر الاعتدال في العالم العربي، الذي عاش فترات طويلة ضحية للخطابات المتطرفة والمأزومة. ومن ضمن خطط «العربية» في هذا الإطار، تقديم وثائقيات من إنتاجنا الخاص عن أهم المفكّرين المسلمين والعرب مثل فرج فودة ونجيب محفوظ، وأخيراً نصر حامد أبو زيد. كل هذا بهدف دعم الرؤى الفكرية المعتدلة والإنسانية لأننا نرى في ذلك مصلحة كبيرة للشباب العربي... بعكس مَن يروج لخطاب الكراهية والعنف.
> بعيداً عن مسؤولياتك في «العربية»... على مستوى شخصي أنت أيضاً كاتب في صحيفة «الشرق الأوسط»... كيف تجمع بين الدورين؟
- الكتابة بالنسبة لي متعة كبيرة وتمرين عقلي وتحتاج ساعات طويلة من القراءة... والكتابة في صحيفة عريقة مثل «الشرق الأوسط» تجربة مختلفة وجميلة. وأنا أشكر القائمين على هذه الصحيفة على منحي الفرصة للكتابة فيها. والعمل الصحافي في التلفزيون أو الصحيفة هو تقريباً نفسه مع اختلاف الأشكال والأنماط، ولكن في العمق يحرّكه البحث عن الانفراد والحصول على المعلومات الحصرية والمقابلات الخاصة... وقبل كل ذلك الشغف بالمهنة، وهذا هو أهم شيء في عملنا الصعب والممتع في آن معاً.


مقالات ذات صلة

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)
يوميات الشرق تُكرّم «جوائز List» مجموعة تجارب استثنائية تُعيد تعريف معايير التميّز والرفاهية في العالم العربي (SRMG)

مجلة «List» تطلق النسخة الأولى من جوائزها

أطلقت مجلة «List»، النسخة الأولى من جوائزها، بالشراكة مع علامة «ريتشارد ميل»، التي تحتفي بالإبداع والتميّز بمجالات السفر والرفاهية والثقافة وفنون الطهي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».