إسطنبول خائفة من «زلزال رهيب»

توقعات بتدمير 50 ألف مبنى... وانتقادات لتصرف الحكومة في أموال التأمين

مواطنون يصلون صلاة الغائب على أرواح ضحايا الزلزال في إسطنبول أول من أمس (إ.ب.أ)
مواطنون يصلون صلاة الغائب على أرواح ضحايا الزلزال في إسطنبول أول من أمس (إ.ب.أ)
TT

إسطنبول خائفة من «زلزال رهيب»

مواطنون يصلون صلاة الغائب على أرواح ضحايا الزلزال في إسطنبول أول من أمس (إ.ب.أ)
مواطنون يصلون صلاة الغائب على أرواح ضحايا الزلزال في إسطنبول أول من أمس (إ.ب.أ)

لم يقتصر هلع كارثة الزلزال في تركيا على المناطق التي ضربها يوم 6 فبراير (شباط) الحالي؛ إذ أصاب الهلع أيضاً إسطنبول، كبرى مدن البلاد، التي يقطنها أكثر من 16 مليون شخص، خصوصاً في ظل توقعات وتحذيرات تكررت على مدى 10 سنوات مضت تشير إلى أنها على موعد قريب مع زلزال رهيب ستتراوح شدته بين 7.2 و7.5 درجة على «مقياس ريختر».
بعد وقوع زلزالَي كهرمان ماراش اللذين ضربا 10 ولايات في جنوب وشرق وجنوب شرقي البلاد في 6 فبراير (شباط)، دبَّ الرعب في إسطنبول، وبدأ الحديث عن الزلزال المقبل، وتحرك الناس للاستعداد لاستقباله. فبدأت الأسر شراء الاحتياجات الضرورية في حالة وقوع زلزال؛ من البطاطين الحرارية والخيام الصغيرة والمصابيح التي تعمل بالبطاريات.
وبدأ كثير من ملاك العقارات التفكير في إجراء اختبارات لقوة تحمّل المباني للزلزال، والبعض يفكر في الخروج تماماً من المدينة أو البحث عن منزل مستقل من طابق واحد، مثل عائشة التي تسكن في حي أفجلار بإسطنبول الذي دُمّر بالكامل الشريط الساحلي منه، في مناطق، مثل دنيز كزشلاري وأنبارلي، خلال زلزال مرمرة عام 1999.
إيرام التي تسكن مع والدها في بناية واحدة، لكنها تقيم بالطابق العلوي، هاتفته بعد منتصف الليل قبل يومين لتسأله إذا كان شعر بالزلزال، وقالت له إنها شعرت بهزة قوية وهي نائمة فاستيقظت، لكن الأب أبلغها بأنه لم تقع أي هزات، وهدّأها، وطلب منها أن تعود للنوم.
ومع تصاعد المخاوف، وللأخذ بالاحتياطات، أطلق رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، حملة جديدة لهدم المباني القديمة التي يعود تاريخ إنشائها لعام 1999 أو ما قبله، وإعادة إنشائها وإرساء القواعد التي تمكنها من مواجهة أي زلزال محتمل.
وبات بإمكان المواطنين في إسطنبول التقدم بطلب لفحص المبنى أو تجديده بعد الاتفاق مع جميع سكانه، عبر رابط مخصَّص لذلك.

مدينة إسطنبول تعيش حالة رعب نتيجة تقارير خبراء يرجحون تعرضها لزلزال مدمر (رويترز)

وفي الوقت ذاته، تحدث خبراء محذرين من أن الزلزال المتوقَّع حدوثه في إسطنبول ستفوق خسائره تلك التي تم تسجيلها في زلزال كهرمان ماراش، وستكون له عواقب اقتصادية واجتماعية كارثية.
وأشارت تقارير إلى أنه يوجد في إسطنبول مليون و46 ألف مبنى و4.5 مليون شقة، كل منها يضم 3.3 شخص في المتوسط، ومع وقوع زلزال بقوة 7.5 درجة أو أكثر، سيُصاب 13 ألفاً و492 مبنى بأضرار جسيمة، و39 ألفاً و325 مبنى بأضرار شديدة، و136 ألفاً و746 مبنى بأضرار متوسطة، و300 ألف و369 مبنى بأضرار طفيفة.
وأضافت أن عدد الشقق المتوقَّع تعرضها لأضرار جسيمة وشديدة سيصل إلى أكثر من 211 ألف شقة، بمتوسط 1.3 شخص في كل منها.
ويوجد في إسطنبول 255 ألف مبنى يعود تاريخ إنشائها إلى ما قبل عام 1980، و538 ألف مبنى إلى الفترة ما بين 1980 و2000، وتم بناء 376 ألف مبنى بعد عام 2000.
وتمت إعادة بناء 70 في المائة من المباني في إسطنبول، عقب زلزال مرمرة الذي وقع في أغسطس (آب) 1999، وخلّف أكثر من 17 ألف قتيل، ألف منهم في إسطنبول، أي قبل عام 2000، و30 في المائة في مباني إسطنبول تم تشييدها بعد عام 2000، ولكن هذا لا يعني أنها آمنة بالكامل أو غير آمنة بالكامل، لأنه خلال زلزال كهرمان ماراش سقطت مجمعات فاخرة تم بناؤها قبل بضع سنوات فقط، وتم الترويج لها على أنها مقاومة للزلازل، مثل مجمع «روينسانس ريزيدنس» في هاتاي، الذي كان يسكنه مئات الأشخاص، وانهار تماماً.
وعلى مدى عقد كامل، حذّر عدد من علماء الزلازل في تركيا من وقوع زلزال مدمر في إسطنبول، لأنها تقع عند تقاطع الصفائح التكتونية الأناضولية والأوراسية على بُعد 15 إلى 20 كيلومتراً جنوب ذلك الجزء من فالق شمال الأناضول، الذي يمر تحت بحر مرمرة، وهذا هو ما يحدد مسبقاً التهديد الزلزالي.
وجاء تحذير في ديسمبر (كانون الأول) 2021 من خبير الزلازل التركي الأستاذ في جامعة إسطنبول التقنية، أوكان تويسوز، أثار فيه الرعب من زلزال يقع على خط صدع أنقرة، واقترب موعده، وسيكون مركزه يالوفا وإسطنبول، وسيهدد 24 ولاية، منها أديامان وأفيون كارا حصار وأنطاليا وأنقرة وباليكسير وبطمان وبولو وبورصة.
تويسوز كرَّر تحذيراته مجدداً بعد كارثة زلزالي كهرمان ماراش، وطالَب بالاستعداد لاستقبال زلزال مدمِّر في المناطق التي أشار إليها من قبل، والبدء في اتخاذ التدابير على الفور فيها.
خبير زلازل آخر، هو دوغان كال أوت، قال: «إننا نتابع زلزال إسطنبول. هناك فجوتان زلزاليتان في مرمرة، لا نعرف أي فجوة زلزالية ستنكسر. لكن جميع المحافظات والمناطق السبع في مرمرة ستتأثر بهذه الزلازل... يجب أن يكون مواطنونا الذين يعيشون في منطقة مرمرة قادرين على أن يصبحوا مجتمعاً يتمتع بدرجة عالية من الوعي بالزلازل».
من جانبه، قال رئيس قسم الهندسة المعمارية في جامعة أيدين بإسطنبول، زكي غوندوز، إن كهرمان ماراش وإسطنبول تقعان على صدعَين مختلفين، وهو ما يجعل تأجيج الهزة الأرضية لزلزال إسطنبول المرتقَب أمراً غير ممكن. ولفت إلى أن تركيا تضم صدعين، هما شمال وشرق الأناضول، وأن الهزة الأرضية الأخيرة وقعت على صدع شرق الأناضول، الذي يشهد هزات أرضية في فترات محددة.
وتابع: «هناك فالق بطول 180 كيلومتراً على هذا الصدع؛ ما أسفر عن تفريغ للطاقة المحبوسة. وسيحدث تراكم للطاقة بطرفي الصدع خلال الفترات المقبلة».
ورأى العضو المؤسس لأكاديمية العلوم، عالم الجيولوجيا ناجي غورور، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الوقت ينفد لزلزال إسطنبول المحتمل، الذي يُتوقع أن يكون بقوة 7.2 درجة كحد أدنى و7.6 درجة كحد أقصى، والذي «ستتأثر به الأجزاء الساحلية من الشطر الأوروبي من المدينة أكثر من غيره».
وأضاف أن نتيجة بحث أجرته بلدية إسطنبول توصلت إلى أن الزلزال المحتمل سيؤدي إلى تدمير 50 ألف مبنى، محذراً من حدوث الزلزال على الفور، لأنه علمياً احتمال وقوع زلزال في مرمرة «متوقَّع في أي وقت»، وسيحدث خلال 30 عاماً، بدءاً من عام 1999، وذلك بعد كسر خط الصدع، وهو جزء من شمال الأناضول أسفل مرمرة.
وأوضح أنه يتوقع حدوث أضرار جسيمة في حال وقوع الزلزال نظراً إلى طبيعة الأرض في الشطر الأوروبي من الخليج (القرن الذهبي).
ومع تصاعد الحديث منذ سنوات عن احتمالات تعرض إسطنبول للزلزال، كثّفت «هيئة الكوارث والطوارئ التركية» (أفاد) من تمارين تأهيل عمال الإغاثة وتوعية السكان، وشارك آلاف من عمال الإغاثة والمتخصصين، في واحد من أكبر تمارين التأهُّب للزلازل في 18 موقعاً مختلفاً بإسطنبول مؤخراً، بما فيها مطار إسطنبول، حيث ستعمل منطقة كاغتهانه بالشطر الأوروبي قاعدة للعمليات.
ونفذت التمارين على أساس الاستجابة لسيناريو يضرب فيه زلزال بقوة 7.5 درجة أو أعلى مدينة إسطنبول، وأُجريت تدريبات على الإخلاء والإقامة والتخطيط، بالتركيز على 39 حياً في المدينة نبهت إليها دراسة بلدية إسطنبول.
ووصفت إدارة الكوارث والطوارئ التمارين بأنها أول عملية إجلاء كبيرة، شاركت فيها، إلى جانبها، أطقم من البلديات والمنظمات غير الحكومية، وتم إدخال سكان كاغتهانه بالتمرين من خلال إعطائهم أدواراً في الإخلاء.
وحددت دراسة بلدية إسطنبول، التي توقعت الخسائر البشرية والمادية في 39 حياً بالمدينة، المناطق التسع الأشد خطراً، وهي بيوك تشكمجه، الفاتح، بكير كوي، زيتين بورنو، أسنلر، بيليك دوزو، أفجلار، توزلا، سيلفري.
أما إذا وقع مركز الزلزال في يالوفا أو بورصة أو بيوك آدا، فستكون الخطورة الأشد على المناطق الأثرية داخل إسطنبول. وكل من التوقعَين لا يشير إلى مركز إسطنبول، بل إلى جنوبها أو شرقها، ما يقلل من احتمالات الإصابات والهدم داخل المدينة.
وتوقعت الدراسة أن يلحق الزلزال الضرر بـ22 في المائة من مباني إسطنبول، في حال بلغت شدته 7.5 درجة، وقد يتسبب بوفاة 200 ألف شخص، وستلحق أضرار بولايات أخرى في غرب وجنوب وشمال غربي البلاد، منها إزمير، وموغلا، وتشناق قلعة، وباليكسير، وكوجا إيلي.
واعتبر الدكتور ناجي غرور أن الوضع في إسطنبول ليس جيداً على الإطلاق، مطالباً بضرورة إنشاء وزارة للكوارث وتحديد ميزانية جيدة لها تمكِّنها من إقامة البنية التحتية والتنسيق اللازمين، مع وضع الخطط الخمسية، وتحويل كل منطقة من مناطق الزلازل إلى مدن مقاومة.
ومنذ زلزال مرمرة عام 1999، جمعت الحكومة نحو 38 مليار دولار من دافعي الضرائب، من خلال ضريبة «تأمين الزلزال» التي تستهدف جعل المدن التركية أكثر مقاومة للزلازل. وتقول المعارضة التركية إن هذه الأموال لم تُستخدم في وجهتها الأساسية أو بشكل صحيح، وإنما استخدمتها حكومات حزب «العدالة والتنمية»، برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان، على مدى 20 عاماً لتغطية نفقات حكومية أخرى.
كما استحوذت الحكومة بموجب «قانون الكوارث»، الذي يعطيها الحق في المصادرة باسم «حماية السكان من الزلازل والكوارث الطبيعية الأخرى»، على أراضٍ ذات قيمة عالية في شمال إسطنبول، بعيداً عن خط الصدع، ولكن بالقرب من مضيق البوسفور، أو مطلَّة على المضيق، استُخدمت في إنشاء مشروعات سكانية فاخرة وذات رفاهية عالية، بينما لم يتم تضمين غالبية المباني المعرضة للخطر في مشاريع التحول الحضري، بحسب المعارضة والخبراء.


مقالات ذات صلة

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

العالم العربي منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية صباح الأحد لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر شعر بها عدد من المواطنين دون تسجيل أي خسائر

محمد السيد علي (القاهرة)
يوميات الشرق منطقة شمال مصر لا تقع ضمن نطاق نشاط زلزالي مباشر (تصوير: عبد الفتاح فرج)

لماذا يشعر مصريون بزلازل جزيرة كريت اليونانية؟

ضرب زلزال بقوة 5.77 درجة على مقياس ريختر، صباح الجمعة، منطقة شمال مدينة مرسى مطروح المصرية المطلة على البحر المتوسط.

محمد السيد علي (القاهرة)
آسيا شاشة تلفزيونية في طوكيو تعرض تقريراً لوكالة الأرصاد الجوية اليابانية يحذّر من موجة تسونامي بارتفاع 3 أمتار (رويترز)

اليابان تحذّر من زلزال «هائل» بعد هزة أرضية قوية تسببت بموجة تسونامي

ضرب زلزال بقوة 7.5 درجة منطقة قبالة الساحل الشمالي الشرقي لليابان، ​اليوم، وحثت السلطات السكان على الابتعاد عن المناطق الساحلية بسبب توقعات بحدوث موجات تسونامي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو )
آسيا زلزال سابق في أفغانستان (أرشيفية-رويترز)

مقتل 8 أشخاص وإصابة طفل جراء زلزال ضرب أفغانستان

قالت الهيئة المعنية بإدارة الكوارث في أفغانستان إن ثمانية أشخاص لقوا حتفهم وأُصيب طفل واحد، اليوم الجمعة، عندما انهار منزل في العاصمة كابل عقب زلزال.

«الشرق الأوسط» (كابل )
آسيا أشخاص يتفقدون مبنى تضرر جراء زلزال ضرب مانادو في شمال سولاويزي في إندونيسيا (إ.ب.أ)

مقتل شخص على الأقل في زلزال قوته 7.4 درجات في شرق إندونيسيا

ضرب زلزال بحري بقوة 7,4 درجات شرق إندونيسيا، وفق ما أفادت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية فيما أصدر مركز أميركي تحذيرا من احتمال حدوث «موجات تسونامي

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...