أصوات في «منتدى أصيلة» تحذر من حرب باردة «غير تقليدية»

أجمعت على أن الإرهاب أصبح يشكل آلية لاتخاذ القرار.. والتأثير في الدول

جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)
جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)
TT

أصوات في «منتدى أصيلة» تحذر من حرب باردة «غير تقليدية»

جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)
جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)

حذر المشاركون في ندوة منتدى أصيلة الأولى «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة؟» من نشوب حروب باردة جديدة غير تقليدية، مشيرين إلى ظهور أنماط جديدة لا يمكن توقع نتائجها، خصوصا بعد تعدد الأقطاب وتغير الآيديولوجيات، ووافق بعضهم على أن العالم اليوم يعيش حربا باردة ثانية، غير أن مميزات المرحلة الجديدة تختلف عن سابقتها، وذلك بتجاوز الصراع الآيديولوجي والثنائية والأحادية القطبية للعودة مجددا إلى تعددية الأقطاب، تماما كما كان عليه الوضع قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأن المرحلة الجديدة لها مميزات تخصها مع وجود تيار عولمة جارف ونظام عالمي جديد.
وأجمع كثير من المشاركين على أن الصيغة الجديدة من الحرب الباردة أصبح يستعمل فيها الإرهاب كآلية للتدخل والتأثير في قرارات الشعوب كالتدخل في أفغانستان والعراق، وأن الإرهاب شكل عنصرًا مهمًا في العلاقات الدولية، إضافة إلى حركات الاحتجاج الاجتماعي التي تستند وتتلقى الدعم بصفتها منظمات غير حكومية، وتكون ميزانياتها من خارج الحدود ووفق طابع آيديولوجي، مشيرين إلى أنها تمثل بنية تفكيك وليس تركيبًا، لأنها لا تحمل أي آيديولوجيات مشتركة حول ما سيكون عليه المستقبل.
واعتبر بعض المشاركين أن الولايات المتحدة حاولت جاهدة أن تلعب دور الدركي والإطفائي، لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا في العراق وباكستان وغيرها، مبرزين أن المجتمع الدولي اليوم في حاجة ماسة لمراجعة نظام ما بعد الحرب الذي قطع في إطار توافق الكبار من حوله، وذكروا أنه من واجب الدول اليوم أن تتفوق على السيادات الوطنية، ولا وسيلة لتحقيق ذلك من دون تقديم تضحيات جسام تتمثل في التضحية بالطموحات الذاتية وبناء مجتمع جديد يقوم على المساواة وعلى الإنصاف وحسن النية في تحقيق الريادة الحقيقية، داعين إلى نظام عالمي جديد، وإلى مواطنة عالمية، والحاجة إلى مؤسسات دولة جديدة تستجيب للتحول الثقافي والاجتماعي والتحديات التي توجد اليوم.
في سياق ذلك، أوضح تاج الدين الحسيني أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس في المغرب، أن إشكالية حرب باردة جديدة هي إشكالية مهمة تضع في الأذهان مستقبل الإنسانية جمعاء، وأنه يمكن تعريف الحرب الباردة على أنها نموذج من التوتر في الصراع القائم بين الدولتين الأعظم في مرحلة ما بين عامي 1945 و1991 ولكن بوسائل غير عسكرية، وقال الحسيني إنه «يمكن تحديد الوسائل الجديدة البديلة للوسائل العسكرية هي حرب التحالفات وتنظيف حرب الدعايات (البروباغندا)»، ملاحظا أن الغرب ذهب إلى أقبح النعوت في وصف الإمبراطورية الشيوعية، مثل «دولة الشر»، مذكرا أن هذه المرحلة تميزت بالنظام العسكري المتطور، إضافة إلى عنصر دعم الترسانة النووية التي خولت للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أن يبقيا بعيدا عن الحرب وأن يخلقا ما يسمى «الحروب بالوكالة» في بلدان الضاحية أو المدار.
وذكر الحسيني أن الترسانة النووية أصبحت قائمة على مفهوم هو الذي خلق الحرب الباردة، وهذه اللعبة المتداولة بين الطرفين لا يمكن فقط تحطيم أحدهما الآخر، بل وتحطيم الحضارة البشرية ككل، وهذا هو سر التوقف عن الحرب، معتبرا أن المرحلة بين الطرفين طويت، وأن تجاوزها لن يكون من دون نتائج على مستوى توازن القوى، حيث بدأت منذ ذلك التاريخ تتعدد الأقطاب وتأخذ بزمام أمرها.
في هذا السياق، أشار الحسيني إلى ست مميزات أساسية: أولا: تعددية أقطاب الصراع حيث لم تعد ثنائية الصراع قائمة على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثانيا: تنوع الأطراف الفاعلة التي عرفت دخول عناصر جديدة كالمنظمات غير الحكومية والحركات والتنظيمات الإرهابية المؤثرة بشكل كبير في اتخاذ القرار في كل الدول، وثالثا، ميوعة التحالفات، إذ يمكن لأي دولة أن تغير موقع تحالفها بما يخدم مصالحها الحيوية، ورابعا: تكثف الدول في المجال النامي وتعدد سيادتها، وخامسا: تأجج الصراع الديني الذي عوض الصراع الآيديولوجي بشكل واضح، ويظهر في الصراع بين السنة والشيعة وصراع الحضارات والإسلاموفوبيا في الغرب.
واعتبر فيكتور بورغيس رئيس مؤسسة التنمية والتبادل الدولي ووزير خارجية الرأس الأخضر الأسبق، أن لعبة القوى العظمى تؤدي إلى اعتبارات انفعالية نتيجة إهمال القوى الأخرى، وأنه عندما نعرف الحرب الباردة نقول غياب الصراع المباشر لدى قوتين متصارعتين، لكن من الممكن أن تكون الحرب الباردة ساخنة.
وتساءل بورغيس عن سبب قبول دول كثيرة لمصطلحات منمطة ومقنعة في العلاقات الدولية، ومن بينها المجتمع الدولي والحرب الباردة والغالب والمغلوب ومجتمعات المعرفة، كما عبر عن خوفه إزاء تبسيط الأمور إلى أبيض وأسود، إذ إن النظام الجديد يزداد تعقيدا، والعولمة بفضل الثورة التكنولوجية ستكسبه المزيد من التعقيد، مشيرا إلى أن هناك موجة مطلبية تدعو إلى تجسير الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وأن المفارقة في أفريقيا تتجلى في توفرها على موارد معدنية وثروات طبيعية لكنها تعجز عن الاستفادة منها من دون تدخل القوى العظمى.
من جهة أخرى، لاحظ غولشان لوترا، مدير تحرير مجلة الهند استراتيجيك ديفوس، أن الصين تحتل منذ أواخر العام الماضي استراتيجية جديدة ومهمة، حيث تسعى إلى حماية مصالحها في أعالي البحار، وأن القدرة التنافسية في صدارة اهتماماتها، مما سيساهم في إكسابها قدرة واسعة على النفوذ، بيد أن الكل أصبح يتحدث عن نشوء نمط جديد من العلاقات بين الصين والولايات المتحدة وغيرها من الدول، سواء على مستوى تبادل الأسلحة وغير ذلك، معتبرا أن الحرب الباردة انطلقت من سيادة القانون والنظام المستقر ويكفي النظر في المعطيات الجغرافية.
وأشار لوترا إلى الموقع المحوري بين الصين وباكستان ودعم الصين لها، بينما لا تزال الهند ضعيفة في انتظار توجه دعمها من أميركا.
وقال مختار بنعبد لاوي، باحث مغربي وأستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، إن الإجابة عن سؤال: هل نحن أمام حرب باردة؟ أقول: نعم ولا، موضحا إجابته بـ«لا» إذا كان التصور أن الحرب الباردة ستعود كما كانت في السابق، و«نعم» إذا كانت الحرب الباردة سوف تعود بشكل جديد ووفق معطيات جديدة.
وأوضح بنعبد لاوي ثلاث حالات، أولا: الحرب الباردة جاءت بعد الحرب العالمية الثانية وكان هدفها توزيع المكاسب والأسواق والمجال الأوروبي فيما بينها، ثانيا: كان هناك فشل لعصبة الأمم، وهناك حاجة إلى إطار عالمي جديد يجزي ويقدم ضمانات قانونية للدول المنتصرة لكي تستثمر في انتصاراتها، ثالثا: السلاح النووي الذي يجب تنظيم استعماله واحتواء المخاطر التي قد تنجم عن ذلك والحاجة إلى آلية تضمن أن يكون السلاح النووي رادعا فقط وغير قابل للاستعمال.
وخلص بنعبد لاوي إلى أن تطور مراحل الحرب الباردة لا يعني نهاية الآيديولوجيات، بل هناك تغير واختلاف في الآيديولوجيات، حيث لم تعد الشيوعية والتصور الليبرالي بالشكل الذي كانت تعبر عنه وسائل الإعلام الأميركية، مشيرا إلى أن عقد الانفراد بقدر ما عكس قوة وصعود الولايات المتحدة جرى هذا الاستنزاف بشكل سريع، وبالتالي انتقلنا إلى مستوى ثالث هو تعدد الأقطاب، الذي اصطلح عليه «حرب الجميع على الجميع»، فهناك حاجة أميركية إلى احتواء الاتحاد الروسي، والولايات المتحدة تتفرج على صعود الصين، وتسعى بكل الوسائل إلى احتواء هذا الصعود وضبطه، وفي هذه المرحلة لم يعد هناك صديق دائم وعدو دائم.
وقدم كوبينا عنان، وهو سفير غاني، ثلاث ركائز على الحكومات الأفريقية أن تأخذها بالاعتبار للتعامل مع الحروب المقبلة سواء الباردة أو الساخنة، أولها، سيادة القانون، وهو مبدأ مقدس لا يمكن أن يكون الرئيس أو غيره فوق القانون، وإن تحققت سيادة القانون فسيحفز الشركات على الاستثمار في البلدان الأفريقية، وأن تغيير القوانين من يوم لآخر يخل بالاستقرار. ثانيا، الزعامة الحكيمة، إذ من دونها حكم على الدولة بالكساد والتخلف حتى وإن حققت التنمية والنمو. وثالثا، الحكم السديد الذي يجب أن يتميز بعدالة القانون ونزاهة القضاء.
من جهته، قال أنيبال جوزامي، رئيس الجامعة الوطنية تريس فبيرايرو في الأرجنتين، إن الحرب الباردة بأنماطها التقليدية لن تتكرر لكن التكتلات الموجودة لا تتعاون بطريقة متناغمة، مضيفا أن انهيار الكتلتين المتجانستين وأيضا موت الآيديولوجيات السابقة لا يعني أن تكون الحلول سلمية وسهلة التطبيق، بل إن اليقظة تولد العنف.
من جهة أخرى، انتقد يوسف العمراني، مكلف مهمة لدى الديوان الملكي المغربي والوزير في الخارجية المغربية الأسبق، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في كونه لم يغير مفهومه حول طريقة حل النزاعات الدولية التي أصبحت أكثر تعقيدا وبات من الصعب التحكم فيها، داعيا إلى تكثيف الجهود لتفعيل دوره أكثر في ظل ضمان التوازنات العالمية، والعمل على مكافحة والتصدي للخطابات المتشددة المحملة بالحقد وأشكال العنف، موضحا أن المغرب بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس يسعى إلى تكريس الديمقراطية ودولة الحق والقانون واحترام حقوق الإنسان.
ويرى العمراني أنه لبناء المغرب الكبير الذي سيشكل رافعة حقيقية للاقتصاد والتنمية، يجب على الجزائر أن تنخرط بحسن نية إلى جانب المغرب من أجل بناء علاقة قوية مع هذا البلد، تقوم على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل، من أجل تشييد فضاء للسلم والازدهار المتقاسم داخل المنطقة المتوسطية، وبالتالي ضمان استقرار وأمن المغرب الكبير ومنطقة الساحل والصحراء.



منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
TT

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)
النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقَّعت اليابان والمنظمة الدولية للهجرة (IOM)، مذكرتَي تفاهم تتعلقان بمنحة مخصصة لدعم الأوضاع الإنسانية في اليمن، وذلك في إطار مشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

وجرى توقيع المذكرتين، في جنيف بين القائم بالأعمال بالإنابة في البعثة الدائمة لليابان لدى المنظمات الدولية في جنيف، يوشيزاني إيشئي، والمدير الأول للاستراتيجية والتواصل الخارجي في المنظمة الدولية للهجرة، كيم - توبياس إيلينغ. وتبلغ قيمة المنحة نحو 840 مليون ين ياباني، (5.3 مليون دولار).

النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

وقالت السفارة اليابانية لدى اليمن، في بيان، إن هذا المشروع يأتي في ظلِّ الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها اليمن جراء النزاع المستمر منذ سنوات، حيث تستضيف محافظة مأرب، التي يبلغ عدد سكانها نحو 3.1 مليون نسمة، أكبر تجمع للنازحين داخلياً في البلاد، يقدَّر عددهم بنحو 1.8 مليون شخص، ويعيش أكثر من 60 في المائة من هؤلاء في ملاجئ طارئة أو خيام.

وأضافت السفارة: «وفق المعطيات المتاحة، يفتقر أكثر من 260 ألف نازح في المحافظة إلى خدمات الرعاية الصحية الملائمة، في حين يضطر أكثر من 50 ألف شخص إلى الاعتماد على مصادر مياه غير آمنة، مثل البرك وشبكات المياه المتدهورة».

ويهدف المشروع إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين والمجتمعات المستضيفة عبر تنفيذ عدد من التدخلات الإنسانية، من بينها إعادة تأهيل المرافق الصحية والطبية، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بإدارة الكوارث، إضافة إلى إنشاء ملاجئ في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين في مأرب.

ومن المتوقع أن يسهم المشروع - بحسب السفارة اليابانية - في تحسين الأوضاع الإنسانية في المحافظة، بما يعزِّز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات المرتبطة بالنزوح المستمر، مؤكدة أن تحقيق السلام والاستقرار في اليمن يمثل عاملاً مهماً لاستقرار منطقة الشرق الأوسط.

ويُنظَر إلى المشروع، الذي يستهدف تحسين الوضع الإنساني والمساهمة في تعزيز الاستقرار، بوصفه جزءاً من الجهود الرامية إلى دعم الأمن الاقتصادي في المنطقة. وأشارت طوكيو إلى أنها ستواصل العمل بالتعاون مع الأمم المتحدة والدول المعنية لدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في اليمن.


تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تقارير حقوقية توثّق آلاف الانتهاكات الحوثية بحق اليمنيات

مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلح حوثي يمر أمام تجمع للسكان بحيّ في صنعاء (إ.ب.أ)

سلطت أحدث التقارير الحقوقية الضوء على آلاف الانتهاكات التي ترتكبها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات في مختلف المدن والمناطق الخاضعة لسيطرتها، بالتوازي مع تحذيرات أممية من استمرار تفاقم الوضع الإنساني والمعيشي للنساء والفتيات.

وندد المركز الأميركي للعدالة، وهو منظمة حقوقية مقرها في أميركا، في بيان بمناسبة اليوم الدولي للمرأة الذي يصادف 8 مارس (آذار) من كل عام، باستمرار الانتهاكات المُمنهجة ضد اليمنيات قمعاً وتهجيراً، مُحملاً جماعة الحوثيين التبعات الجنائية المُباشرة غير الإنسانية لتحويل النساء إلى رهائن سياسيات، كما طالب التقرير المعنيين بالعمل على بناء شبكات حماية حقيقية ومستدامة تتجاوز مربع الاستجابات الإغاثية الطارئة، وتعمل على تخفيف وطأة القيود المفروضة على النساء.

«زينبيات» يرفعن أسلحة تظهر عليها شعارات الحوثيين في صنعاء (غيتي)

وبحسب التقرير الحقوقي، فقد تحولت الانتهاكات الحوثية ضد المرأة اليمنية إلى سياسة يومية مُمنهجة، حيث تبرز هذه المنهجية القمعية للجماعة باتخاذ الاعتقال التعسفي والمحاكمات المُسيسة أدواتٍ لكسر الإرادة المجتمعية، كما هو الحال مع المُعتقلة فاطمة العرولي، مؤكداً عدم توقف آلة القمع والترهيب الحوثية عند هذا الحد، لتتسع وتشمل مصادرة الفضاء المدني عبر استمرار تغييب عدد من الناشطات وصاحبات الرأي اليمنيات.

وأشار التقرير إلى أن استمرار تقاعس المنظومة الدولية واكتفاءها ببيانات القلق إزاء الانتهاكات المُتكررة بحق النساء اليمنيات يجعلاها طرفاً متواطئاً في إطالة أمد هذه المعاناة، واستعادة الأمن الإنساني للمرأة اليمنية.

آلاف الجرائم

وثقت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» في تقرير حديث، أكثر من 5.8 ألف جريمة وانتهاك حوثي بحق المرأة في اليمن خلال 9 سنوات، شمل بعضها القتل والإصابات والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، والفصل من الوظيفة والتجنيد القسري.

ورصد الفريق الميداني للشبكة نحو 5.834 انتهاكاً ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق اليمنيات خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) 2017 وحتى نهاية 2025، في 15 محافظة، شملت: الحديدة، الضالع، تعز، حجة، ذمار، لحج، مأرب، ريمة، شبوة، إب، صنعاء، البيضاء، الجوف، صعدة، صنعاء، عمران.

وشمل بعض الانتهاكات الحوثية 1.479 جريمة قتل، و3.398 حالة إصابة، و547 حالة اختطاف وإخفاء قسري وتعذيب، و176 حالة تجنيد قسري للنساء والفتيات، من بينهن طالبات، فضلاً عن انتهاكات أخرى.

يمنية مع طفلها على جسر لعبور المشاة في صنعاء (الشرق الأوسط)

وجاءت هذه الانتهاكات في وقت لا تزال تعاني فيه المرأة في اليمن ظروفاً إنسانية ونفسية بالغة القسوة من جراء استمرار العنف الممنهج، وفقدان الآلاف من أفراد الأسرة والمنازل، إضافة إلى وجود مئات النساء اللواتي يعانين من إعاقات دائمة وتشوهات جسدية ناجمة عن الحرب.

وعلى الرغم من تطور أساليب ووسائل الحرب، يؤكد التقرير أن المرأة اليمنية لا تزال هدفاً مباشراً لهذه الجرائم، مع استمرار القصف الحوثي الذي يطول منازل المواطنين والأحياء السكنية، بما فيها المناطق البعيدة عن خطوط المواجهات.

وطبقاً للتقرير، لا تزال مُعظم النساء اليمنيات يعانين من ضيق نفسي شديد من جراء العنف المفرط وتكرار أعمال القتل والفظائع التي ترتكبها الجماعة الحوثية ضد كثير منهن، وأكد التقرير أنه لا يمر يوم دون موت أو دمار.

كما حمّل التقرير المجتمع الدولي ومجلس الأمن التابع للأمم المتحدة المسؤولية القانونية والأخلاقية لحماية المدنيين، وفي مقدمتهم النساء، من الإرهاب والانتهاكات التي يمارسها الحوثيون، داعياً لاتخاذ إجراءات رادعة وعاجلة لوقف هذه الجرائم وضمان مُحاسبة مرتكبيها.

تحذيرات أممية

على وقع هذه الانتهاكات، حذّرت الأمم المتحدة من تفاقم الوضع الإنساني للنساء والفتيات في اليمن، مؤكدة أن نحو 6.2 مليون امرأة وفتاة بحاجة عاجلة إلى الحماية من العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قيود كثيرة ومشددة يفرضها الحوثيون على اليمنيات (أ.ف.ب)

وأوضح صندوق الأمم المتحدة للسكان، في بيان له، أن تقلّص المساحات الآمنة والخدمات المخصصة للنساء والفتيات في اليمن يزيد من تعرضهن لمخاطر جسيمة، بما في ذلك العنف الأسري، وزواج القاصرات، وأشكال متعددة من الاستغلال.

وأكد البيان أن استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية يزيد معاناة النساء والفتيات، ويجعل توفير الحماية والدعم لهن أولوية إنسانية ملحّة. مُبيناً أن ملايين اليمنيات ضمن 18 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد هذا العام، ولافتاً إلى أن 3 نساء يمتن يومياً بسبب مضاعفات الحمل، بينما يفتقد 5 ملايين امرأة خدمات الصحة الإنجابية الأساسية.


رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
TT

رغم القلق... «سوريّو مصر» يحافظون على طقوسهم الرمضانية

الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)
الحلويات أبرز ما يميز «رمضان السوريين» (الشرق الأوسط)

على سفرة منزلها في مدينة القاهرة الجديدة بشمال العاصمة، استنسخت أسرة رجل الأعمال السوري أنس ربيع طقوس شهر رمضان التي كانت تمارسها في سوريا... من مأكولات خاصة، إلى مناكفة على مشروب «العرقسوس»، إلى الاحتفاء بالأطفال الصائمين لأول مرة.

ويقول ربيع إن استقرار جزء من عائلته في مصر أتاح استحضار العادات نفسها، وروح الشهر الدمشقية، وإضافة عادات مصرية إليها.

يقيم ربيع في مصر منذ أكثر من عقد، حيث افتتح مصنعاً للشوكولاته، وتوسَّع في عمله، وحصل على إقامة استثمارية تمكّنه من البقاء مطمئناً دون قلق، على عكس سوريين آخرين يمنعهم قلق الترحيل من الاستمتاع بالأجواء الرمضانية، نظراً لانتهاء مدة إقامتهم، سواء التعليمية، أو لزواج من حامل للجنسية المصرية، أو المسجلين لدى مفوضية اللاجئين، ووجود صعوبات في تجديدها في ظل حملة لتقليل أعداد الوافدين في مصر، بحسب مراقبين.

أحد هؤلاء هو الصحافي السوري سامر مختار، الذي رُحّل قبل أيام رغم حملة أطلقها صحافيون ونشطاء لمناشدة السلطات تجديد إقامته لمنع تشتيت شمله عن ابنه الوحيد، المصري الجنسية.

«التكريزة» و«الزفة»

تذهب التقديرات إلى أن حجم الجالية السورية في مصر يصل إلى مليون ونصف المليون نسمة، وفق ما أعلنه رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وتتشابه عادات المصريين والسوريين في شهر رمضان، من حيث تزيين المحال والشوارع استقبالاً لشهر الصوم، والإكثار من ولائم الإفطار مع الأهل، والأصدقاء، وارتباطه بأنواع معينة من الحلوى؛ غير أن ذلك لا يخلو من تفاصيل مميزة لكل شعب، فبينما يتفوق المصريون في الزينة، يتميز السوريون بالمأكولات، والمشروبات.

مطاعم سورية ملاصقة لأخرى مصرية في وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

ويبدأ استعداد السوريين لشهر رمضان بـ«التكريزة» التي يصفها ربيع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأنها نزهة للعائلة قبل شهر رمضان بأسبوعين أو أقل، احتفالاً بقدوم الشهر، وتوديعاً للتنزه الذي يصعب تكراره مع روتين رمضان الخاص. ولا تزال أسرته تحرص على هذه العادة منذ استقرارها في القاهرة قبل أكثر من عشرة أعوام.

أما إن كان لدى الأسرة السورية طفل يصوم لأول مرة، فالأمر لا يخلو من إقامة «زفة» احتفالاً، وتشجيعاً.

وعن طقس «الزفة» يقول ربيع: «الطفل الذي يبلغ 7 سنوات مثلاً ويرغب في صوم رمضان، نختبره بصيام يوم النصف من شعبان؛ فإذا استطاع صيامه، صام رمضان. وعند الإفطار في أول يوم من الشهر، تنظم العائلة المجتمعة له زفة، مثل زفة العُرس، وتغدق عليه بالأموال احتفالاً به، وتشجيعاً له على الصوم».

المطبخ السوري

لطالما اشتهر السوريون بأطباقهم الشهية التي كانت مفتاحاً لقلوب المصريين. وهم يحتفون برمضان عبر قائمة مأكولات ومشروبات مميزة ترتبط بالشهر، خصوصاً الحلوى، مثل «الناعم»، وهو يشبه الخبز المقرمش مع «الدِبس».

ويحرص هيثم عثمان (31 عاماً)، وهو رجل أعمال سوري مقيم في مدينة 6 أكتوبر جنوبي القاهرة، على إحضار حلوى رمضان السورية لعائلته كل عام منذ استقروا في مصر قبل سنوات.

يقول: «العادات متشابهة إلى حد كبير، خصوصاً العزومات التي تجمع الأهل والأصدقاء طيلة الشهر».

غير أن الناشط السوري سليم سبع الليل يرى أن الحلوى السورية لم تكن متوفرة بسهولة في مصر هذا العام مع غلق الكثير من المطاعم، وعودة أهلها إلى سوريا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السوريون كانوا يُفضلون تناول الإفطار خارج المنزل داخل مطاعم تقدم الأكل السوري التقليدي، لكن بعضها أُغلق، ما أثر على هذه العزومات أيضاً».

حالة من القلق تسيطر على السوريين بشأن مستقبلهم في مصر (مفوضية اللاجئين)

وعن المشروبات، يقول ربيع إنها «شيء أساسي على السفرة قبل الإفطار، خصوصاً العرقسوس، والتمر هندي، والجلاب»، وهو مشروب قريب من «العنَّاب» لدى المصريين.

ويظل «العرقسوس» لدى السوريين، كما المصريين، محل مناوشات على وسائل التواصل، وداخل الأُسر كل عام، بين محب وكاره له، وكل ينتقد الآخر على ذوقه.

أما أشهر المأكولات السورية فهي «الشاكرية»، وهي لحم ضأن مطبوخ بالزبادي السوري، بالإضافة إلى «الشوربة» و«البرك»، وهي مخبوزات لا توجد في المطبخ المصري، حسب ربيع.

ويتطرق ربيع إلى عادة أخرى لدى السوريين تتمثل في الوقوف لنحو ربع الساعة أمام المساجد بعد صلاة التراويح، لاحتساء الشاي الذي يُحضره كبار العائلات في أوانٍ تحفظ الحرارة، وهي عادة ما زالوا يمارسونها في مصر.

عادات مكتسبة من المصريين

وعدَّد السوريون في حواراتهم مع «الشرق الأوسط» العادات التي اكتسبوها من المصريين في شهر رمضان، بداية من الزينة على البيوت والطرقات، وانتهاء بـ«شُنط رمضان» التي يعبئون فيها سلعاً غذائية، ويوزعونها على الأسر البسيطة.

يقول ربيع: «أصبحنا نزيّن المنزل احتفالاً بقدوم شهر رمضان، وهي عادة لم تكن لدينا في سوريا».

وعن «سلة رمضان» كما يطلق عليها السوريون، أو «شنط رمضان» الخيرية، قال عثمان: «في سوريا كانت تُوزع على نطاق ضيق. من الممكن أن يُهديها صاحب العمل للعاملين لديه. لكن في مصر تُوزع بشكل واسع على الفقراء والمحتاجين دون وجود أي صلة بين من يوزعها ومن يحصل عليها».

ويلفت إلى أنه تعلم التوسع في هذا العمل الخيري خلال وجوده في مصر.