أصوات في «منتدى أصيلة» تحذر من حرب باردة «غير تقليدية»

أجمعت على أن الإرهاب أصبح يشكل آلية لاتخاذ القرار.. والتأثير في الدول

جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)
جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)
TT

أصوات في «منتدى أصيلة» تحذر من حرب باردة «غير تقليدية»

جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)
جانب من ندوة منتدى اصيلة الاولى (تصوير اسامة محمد)

حذر المشاركون في ندوة منتدى أصيلة الأولى «قدما إلى الماضي: نحو حرب باردة عالمية جديدة؟» من نشوب حروب باردة جديدة غير تقليدية، مشيرين إلى ظهور أنماط جديدة لا يمكن توقع نتائجها، خصوصا بعد تعدد الأقطاب وتغير الآيديولوجيات، ووافق بعضهم على أن العالم اليوم يعيش حربا باردة ثانية، غير أن مميزات المرحلة الجديدة تختلف عن سابقتها، وذلك بتجاوز الصراع الآيديولوجي والثنائية والأحادية القطبية للعودة مجددا إلى تعددية الأقطاب، تماما كما كان عليه الوضع قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وأن المرحلة الجديدة لها مميزات تخصها مع وجود تيار عولمة جارف ونظام عالمي جديد.
وأجمع كثير من المشاركين على أن الصيغة الجديدة من الحرب الباردة أصبح يستعمل فيها الإرهاب كآلية للتدخل والتأثير في قرارات الشعوب كالتدخل في أفغانستان والعراق، وأن الإرهاب شكل عنصرًا مهمًا في العلاقات الدولية، إضافة إلى حركات الاحتجاج الاجتماعي التي تستند وتتلقى الدعم بصفتها منظمات غير حكومية، وتكون ميزانياتها من خارج الحدود ووفق طابع آيديولوجي، مشيرين إلى أنها تمثل بنية تفكيك وليس تركيبًا، لأنها لا تحمل أي آيديولوجيات مشتركة حول ما سيكون عليه المستقبل.
واعتبر بعض المشاركين أن الولايات المتحدة حاولت جاهدة أن تلعب دور الدركي والإطفائي، لكنها فشلت في ذلك فشلا ذريعا في العراق وباكستان وغيرها، مبرزين أن المجتمع الدولي اليوم في حاجة ماسة لمراجعة نظام ما بعد الحرب الذي قطع في إطار توافق الكبار من حوله، وذكروا أنه من واجب الدول اليوم أن تتفوق على السيادات الوطنية، ولا وسيلة لتحقيق ذلك من دون تقديم تضحيات جسام تتمثل في التضحية بالطموحات الذاتية وبناء مجتمع جديد يقوم على المساواة وعلى الإنصاف وحسن النية في تحقيق الريادة الحقيقية، داعين إلى نظام عالمي جديد، وإلى مواطنة عالمية، والحاجة إلى مؤسسات دولة جديدة تستجيب للتحول الثقافي والاجتماعي والتحديات التي توجد اليوم.
في سياق ذلك، أوضح تاج الدين الحسيني أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس في المغرب، أن إشكالية حرب باردة جديدة هي إشكالية مهمة تضع في الأذهان مستقبل الإنسانية جمعاء، وأنه يمكن تعريف الحرب الباردة على أنها نموذج من التوتر في الصراع القائم بين الدولتين الأعظم في مرحلة ما بين عامي 1945 و1991 ولكن بوسائل غير عسكرية، وقال الحسيني إنه «يمكن تحديد الوسائل الجديدة البديلة للوسائل العسكرية هي حرب التحالفات وتنظيف حرب الدعايات (البروباغندا)»، ملاحظا أن الغرب ذهب إلى أقبح النعوت في وصف الإمبراطورية الشيوعية، مثل «دولة الشر»، مذكرا أن هذه المرحلة تميزت بالنظام العسكري المتطور، إضافة إلى عنصر دعم الترسانة النووية التي خولت للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي أن يبقيا بعيدا عن الحرب وأن يخلقا ما يسمى «الحروب بالوكالة» في بلدان الضاحية أو المدار.
وذكر الحسيني أن الترسانة النووية أصبحت قائمة على مفهوم هو الذي خلق الحرب الباردة، وهذه اللعبة المتداولة بين الطرفين لا يمكن فقط تحطيم أحدهما الآخر، بل وتحطيم الحضارة البشرية ككل، وهذا هو سر التوقف عن الحرب، معتبرا أن المرحلة بين الطرفين طويت، وأن تجاوزها لن يكون من دون نتائج على مستوى توازن القوى، حيث بدأت منذ ذلك التاريخ تتعدد الأقطاب وتأخذ بزمام أمرها.
في هذا السياق، أشار الحسيني إلى ست مميزات أساسية: أولا: تعددية أقطاب الصراع حيث لم تعد ثنائية الصراع قائمة على الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ثانيا: تنوع الأطراف الفاعلة التي عرفت دخول عناصر جديدة كالمنظمات غير الحكومية والحركات والتنظيمات الإرهابية المؤثرة بشكل كبير في اتخاذ القرار في كل الدول، وثالثا، ميوعة التحالفات، إذ يمكن لأي دولة أن تغير موقع تحالفها بما يخدم مصالحها الحيوية، ورابعا: تكثف الدول في المجال النامي وتعدد سيادتها، وخامسا: تأجج الصراع الديني الذي عوض الصراع الآيديولوجي بشكل واضح، ويظهر في الصراع بين السنة والشيعة وصراع الحضارات والإسلاموفوبيا في الغرب.
واعتبر فيكتور بورغيس رئيس مؤسسة التنمية والتبادل الدولي ووزير خارجية الرأس الأخضر الأسبق، أن لعبة القوى العظمى تؤدي إلى اعتبارات انفعالية نتيجة إهمال القوى الأخرى، وأنه عندما نعرف الحرب الباردة نقول غياب الصراع المباشر لدى قوتين متصارعتين، لكن من الممكن أن تكون الحرب الباردة ساخنة.
وتساءل بورغيس عن سبب قبول دول كثيرة لمصطلحات منمطة ومقنعة في العلاقات الدولية، ومن بينها المجتمع الدولي والحرب الباردة والغالب والمغلوب ومجتمعات المعرفة، كما عبر عن خوفه إزاء تبسيط الأمور إلى أبيض وأسود، إذ إن النظام الجديد يزداد تعقيدا، والعولمة بفضل الثورة التكنولوجية ستكسبه المزيد من التعقيد، مشيرا إلى أن هناك موجة مطلبية تدعو إلى تجسير الفجوة بين الفقراء والأغنياء، وأن المفارقة في أفريقيا تتجلى في توفرها على موارد معدنية وثروات طبيعية لكنها تعجز عن الاستفادة منها من دون تدخل القوى العظمى.
من جهة أخرى، لاحظ غولشان لوترا، مدير تحرير مجلة الهند استراتيجيك ديفوس، أن الصين تحتل منذ أواخر العام الماضي استراتيجية جديدة ومهمة، حيث تسعى إلى حماية مصالحها في أعالي البحار، وأن القدرة التنافسية في صدارة اهتماماتها، مما سيساهم في إكسابها قدرة واسعة على النفوذ، بيد أن الكل أصبح يتحدث عن نشوء نمط جديد من العلاقات بين الصين والولايات المتحدة وغيرها من الدول، سواء على مستوى تبادل الأسلحة وغير ذلك، معتبرا أن الحرب الباردة انطلقت من سيادة القانون والنظام المستقر ويكفي النظر في المعطيات الجغرافية.
وأشار لوترا إلى الموقع المحوري بين الصين وباكستان ودعم الصين لها، بينما لا تزال الهند ضعيفة في انتظار توجه دعمها من أميركا.
وقال مختار بنعبد لاوي، باحث مغربي وأستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، إن الإجابة عن سؤال: هل نحن أمام حرب باردة؟ أقول: نعم ولا، موضحا إجابته بـ«لا» إذا كان التصور أن الحرب الباردة ستعود كما كانت في السابق، و«نعم» إذا كانت الحرب الباردة سوف تعود بشكل جديد ووفق معطيات جديدة.
وأوضح بنعبد لاوي ثلاث حالات، أولا: الحرب الباردة جاءت بعد الحرب العالمية الثانية وكان هدفها توزيع المكاسب والأسواق والمجال الأوروبي فيما بينها، ثانيا: كان هناك فشل لعصبة الأمم، وهناك حاجة إلى إطار عالمي جديد يجزي ويقدم ضمانات قانونية للدول المنتصرة لكي تستثمر في انتصاراتها، ثالثا: السلاح النووي الذي يجب تنظيم استعماله واحتواء المخاطر التي قد تنجم عن ذلك والحاجة إلى آلية تضمن أن يكون السلاح النووي رادعا فقط وغير قابل للاستعمال.
وخلص بنعبد لاوي إلى أن تطور مراحل الحرب الباردة لا يعني نهاية الآيديولوجيات، بل هناك تغير واختلاف في الآيديولوجيات، حيث لم تعد الشيوعية والتصور الليبرالي بالشكل الذي كانت تعبر عنه وسائل الإعلام الأميركية، مشيرا إلى أن عقد الانفراد بقدر ما عكس قوة وصعود الولايات المتحدة جرى هذا الاستنزاف بشكل سريع، وبالتالي انتقلنا إلى مستوى ثالث هو تعدد الأقطاب، الذي اصطلح عليه «حرب الجميع على الجميع»، فهناك حاجة أميركية إلى احتواء الاتحاد الروسي، والولايات المتحدة تتفرج على صعود الصين، وتسعى بكل الوسائل إلى احتواء هذا الصعود وضبطه، وفي هذه المرحلة لم يعد هناك صديق دائم وعدو دائم.
وقدم كوبينا عنان، وهو سفير غاني، ثلاث ركائز على الحكومات الأفريقية أن تأخذها بالاعتبار للتعامل مع الحروب المقبلة سواء الباردة أو الساخنة، أولها، سيادة القانون، وهو مبدأ مقدس لا يمكن أن يكون الرئيس أو غيره فوق القانون، وإن تحققت سيادة القانون فسيحفز الشركات على الاستثمار في البلدان الأفريقية، وأن تغيير القوانين من يوم لآخر يخل بالاستقرار. ثانيا، الزعامة الحكيمة، إذ من دونها حكم على الدولة بالكساد والتخلف حتى وإن حققت التنمية والنمو. وثالثا، الحكم السديد الذي يجب أن يتميز بعدالة القانون ونزاهة القضاء.
من جهته، قال أنيبال جوزامي، رئيس الجامعة الوطنية تريس فبيرايرو في الأرجنتين، إن الحرب الباردة بأنماطها التقليدية لن تتكرر لكن التكتلات الموجودة لا تتعاون بطريقة متناغمة، مضيفا أن انهيار الكتلتين المتجانستين وأيضا موت الآيديولوجيات السابقة لا يعني أن تكون الحلول سلمية وسهلة التطبيق، بل إن اليقظة تولد العنف.
من جهة أخرى، انتقد يوسف العمراني، مكلف مهمة لدى الديوان الملكي المغربي والوزير في الخارجية المغربية الأسبق، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في كونه لم يغير مفهومه حول طريقة حل النزاعات الدولية التي أصبحت أكثر تعقيدا وبات من الصعب التحكم فيها، داعيا إلى تكثيف الجهود لتفعيل دوره أكثر في ظل ضمان التوازنات العالمية، والعمل على مكافحة والتصدي للخطابات المتشددة المحملة بالحقد وأشكال العنف، موضحا أن المغرب بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس يسعى إلى تكريس الديمقراطية ودولة الحق والقانون واحترام حقوق الإنسان.
ويرى العمراني أنه لبناء المغرب الكبير الذي سيشكل رافعة حقيقية للاقتصاد والتنمية، يجب على الجزائر أن تنخرط بحسن نية إلى جانب المغرب من أجل بناء علاقة قوية مع هذا البلد، تقوم على أساس حسن الجوار والاحترام المتبادل، من أجل تشييد فضاء للسلم والازدهار المتقاسم داخل المنطقة المتوسطية، وبالتالي ضمان استقرار وأمن المغرب الكبير ومنطقة الساحل والصحراء.



الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.