أحمد الشهاوي: لست بعيداً عن الرواية ولديّ شغف بالسرد والأساطير

الشاعر المصري يقول إن هدفه من «حجاب الساحر» إمتاع نفسه أولاً ومن بعده القرَّاء

أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي
TT

أحمد الشهاوي: لست بعيداً عن الرواية ولديّ شغف بالسرد والأساطير

أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي

«حجاب الساحر» للشاعر أحمد الشهاوي هي النص الروائي الأول له، حيث بدأ الشهاوي مسيرته مع الشعر قبل 35 عاماً حين نشر ديوانه الأول عام 1988. ولا تنفصل أجواء الرواية عن أعماله السابقة، التي تتنوع ما بين الشعر والأدب الصوفي؛ ومنها دواوينه: «أحوال العاشق»، و«الأحاديث»، و«كتاب الموت»، و«قل هي»، و«الوصايا في عشق النساء»، و«لسان النار»، و«لا أراني»، و«ما أنا فيه»، وغيرها. وكان الشهاوي قد حصل على جائزتي «اليونيسكو في الآداب» عام 1995، و«كفافيس الدولية في الشعر» من اليونان عام 1998. في هذا الحوار نتعرف على مبررات التحول نحو الرواية وإلى أي مدى تضيف لتجربته الشعرية.

> بعد سنوات ممتدة من حضورك على ساحة الشعر، فاجأت الجميع بروايتك الأولى «حجاب الساحر»، ما كواليس ومبررات تلك الخطوة الجديدة في مشروعك الإبداعي؟
- لا يوجد مبررٌ ما للكتابة ولا قصدية متعمَّدة تسبق فعل الإبداع، سوى أن يريد المرء أن يكتب، وأن يعبّر بالطريقة التي يستحسنها. المهم أن تكون لديه الرغبة والأدوات التي تدعم وتساند موهبته وتجربته. منذ عام 1990 وأنا أنشرُ وأكتبُ النثر، فلديَّ شغفٌ بـ«أدب التصوف» و«أدب العشق» و«فلسفة الدين»، وقد أنجزتُ فيها تسعة كُتب، غير ما لم يُنشَر بعد.
ولم أكن يوماً بعيداً عن الرواية، ومَن يعرفني شخصياً يدرك شغفي بالسَّرد وولعي بالحكي والسِّحر والأساطير، وقبل عشر سنوات أو أكثر كتبت رواية، لكنَّ ستين صفحة منها أفسدتها مياه «الشغّيلة»، خلال تنظيف بيتي، ولم أفلح في استعادتها، ولم أكُن ساعتها أكتبُ على الكمبيوتر، فقفلتُ منها، وقلت في نفسي: سأعودُ إليها وأنشرها بالطبع، وبدأتُ روايةً أخرى هي «حجاب الساحر» في أجواء ليست بعيدة عن تجاربي ومعارفي وخبراتي، لكنَّني مستمر في كتابة عدد من الروايات ستظهر في السنوات المقبلة.
وربَّما نكون نحن العرب الذين يفصلون بين الفنون والأجناس الأدبية، في حين نجد أغلب روائيي العالم لهم شعرٌ كثير، أو العكس. وكان أسلافُنا يشتغلون في الأدب والكيمياء والفلسفة والطب والفلك، ولم يقل لهم أحدٌ: ما دمتم كيميائيين فلماذا تشتغلون بعلوم الصيدلة والفلك مثلاً.
> بطلة الرواية الأساسية هي «شمس حمدي» التي تتجلى كأسطورة بين نساء الأرض، حتى إنها تتوحد مع ربات مصر القديمة مثل «سخمت» و«إيزيس» وتجمع بين الطابع الحسي والآفاق الروحانية في مزيج فريد. هل يمنح الواقع المعيش مثل هذا النموذج، أم أنه شغف مطاردة المستحيل لدى الشعراء والأدباء؟
- الكاتب عادةً يراود المستحيل ويبحث عن المُطلق والحُلم الذي يبتغيه، لكن الواقع الذي عشتُه في مصر وخارجها ملآن بنماذج غريبة وفريدة، أسطورية ونادرة، وكل امرأة لا تتشابه مع أخرى، ولها قصةٌ مغايرة وحياةٌ مختلفة، لكن النساء يكتُمن ولا يبُحن، إذ كل امرأة - بل كل إنسان - لديه سرٌّ أو أسرارٌ يضمرها ولا يبوح بها لأحد، لكنَّني وجدتُ «شمس حمدي» أو أنشأتُها، وهى نموذج يمكن أن نجدَه بسهولة في أي بلد عربي أو غير عربي؛ لأن النفس الإنسانية ملأى بالغريب والعجيب، والسِّحري، وقد حاولتُ الإمساك به في روايتي «حجاب الساحر».

> الخطاب السردي في العمل جاء مشحوناً بطاقة شعرية لافتة، إلى أي حد تدخّل الشاعر بداخلك في «هندسة» النص لغة وروحاً وخيالاً؟
- عندما أخوض تجربةَ الرسم فأنا هنا الذي يرسم، لكنَّني لا أنسى أنني شاعر بالأساس، وكذا في كل كتاباتي، فأنا الشاعر الذي يكتب الرواية، ومن الطبيعي أن تكون لغة السرد عندي تمتحُ من الشعر وتأخذ منه، فقد حافظتُ على طقوس عملي في الكتابة، وهي المُراجعة الدقيقة والحذف (لقد حذفتُ ستة آلاف كلمة من الرواية)، وكنتُ سعيداً بذلك؛ فالكتابة ليست وحياً مُرسلاً، وتحتملُ الحذف والإضافة والمساءلة، لكنَّني كنتُ واعياً لفكرة الفصل بين القصيدة والرواية، وحاولتُ أن أتفادى أخطاء الشعراء عندما يكتبون نصوصاً روائية. لقد سعيتُ، وابتعدت عما لا أحبُّه في الكتابة الروائية، إذ كان هدفي إمتاع نفسي أولاً، ومن بعدي القرَّاء، فلم أكتب روايةً لتكون الأكثر مبيعاً أو أسلِّي الناس، ولكنَّني هدفتُ إلى إمتاع الروح بالأساس.
> ثمة غوص مدهش في عالم السحر بطلاسمه وتمائمه وتعاويذه، فهل كانت مرحلة البحث والتحضير حاسمة في مثل هذه الرواية؟ وهل هي السبب الرئيس في استغراق العمل خمس سنوات كاملة كي يخرج إلى النور، كما يشير التنويه في نهاية النص؟
- استغرقتْ كتابة روايتي «حجاب الساحر» خمس سنوات، لكنَّني نشرتُ، خلال هذه السنوات، أربعة كتب أخرى، وما تأخُّري إلا بسبب الخوف من الإخفاق، فأنا لا أحبُّ الفشل، أنا ابنٌ للدَّأب والسعي والمحاولة والتروّي والمراجعة، وبالأساس أنا بحثتُ داخلي، فقد عشتُ طفولتي وصباي مع السِّحر ومسكُونًا به، وأمره ليس غريباً عليَّ، لكنَّني قرأتُ آلاف الصفحات وأنا أكتب «حجاب الساحر». وبشكلٍ عام، لكي أكتب جُملة واحدة فبالمقابل لا بد أن أقرأ كتاباً، وهي عادتي، قارئ محترفٌ وكاتبٌ هاوٍ، وإن لم تكن الرواية بجانب التشويق والإمتاع في السرد تحقق معرفةً، فهي عندي لا لزومَ لها أو لا تحقق «شروط» الكتابة التي أحبُّها.
> ما السبب في الاستشهاد المتكرر بآيات من القرآن الكريم في الرواية؟
-لا أتعاملُ مع القرآن على أنه كتابٌ مقدَّسٌ سماويٌّ إلهيٌّ فقط، ولكنَّني أراه أيضاً كتابَ إعجاز في اللغة والتصوير الفني، وقد تربيتُ عليه، ودائماً ما أوظّفه وأستلهمه في شعري ونثري، فأنا ابنُ بيت أزهريّ، كما أنه يفيدني لغويّاً؛ لما فيه من البلاغة والبيان والفصاحة. إنه كتاب واضح لي، وأنا أحبُّ الوضوح والإبانة في الكتابة، وفي كل شيء.
السِّحر عند العرب هو «كلّ أمر يخفى سببُه، ويُتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، وكل ما لطف مأخذه ودقّ، وإخراج الباطل في صورة الحق، واستخدام القوى الخارقة بواسطة الأرواح»، وتاريخ السحر قديم بقدم الإنسان على هـذه الأرض. وعموماً السحر ثابت بنصّ القرآن والسنة؛ ولذا كثر استشهادي في «حجاب الساحر» بآيات من القرآن الكريم.
> هل يُعدّ خوضك تجربة الكتابة الروائية اعترافاً غير مباشر منك بصحة مقولة الدكتور جابر عصفور بأننا نعيش «زمن الرواية» التي صارت «ديوان العرب» الحديث؟
- الشعر يحتاج إلى قارئ مدرَّب على القراءة وخاص في تلقِّيه، وعلى درجة من المعرفة بالآداب والفنون؛ لأنه لم يتلقّ تعليماً حقيقياً يؤهله لتلقّي الشِّعر، والشعر بطبيعته نخبويٌّ منذ الجاهلية إلى الآن، والشعر موجود ما دام هناك كونٌ وبشرٌ يحيون فيه؛ لأنه من دُون الشعر نصبح إزاء موت الروح، وقتل القلب، والاستغناء عن الموسيقى والأغنية، بينما الرواية تحظى بقرَّاء أكثر، ومن ثم توزيع أكثر، وهُنا يفضِّل الناشرُ العربيُّ أو الأجنبي الرواية على الشعر؛ لأن نشرَ الشعر الآن صار مُغامرةً ماليةً له. أذكرُ أن كُتباً شعرية لي طبع منها في «مكتبة الأسرة» خمسةٌ وعشرون ألف نسخة، ونفدت جميعها في أقل من شهر، وكان أقل عدد يُطبع لكتبي هو ثلاثة آلاف نسخة، الآن صارت الطبعة ألف نسخة فقط.
لو أتيح لديوان الشعر توزيعٌ جيدٌ وسعرٌ زهيد، سينتشر بشكلٍ مُرضٍ، ولنا في مشروع «مكتبة الأسرة» مثالٌ وقدوة.
ولا يوجد جنسٌ أدبيٌّ يسود على جنس آخر؛ لأن السيادة للجودة والتفرُّد في أيّ فنّ، والصحيح أن نقول إننا ينبغي أن نكون في زمن الفن والأدب الجيدين على مستوى الموسيقى واللوحة والمنحوتة والقصيدة والرواية والفيلم والمسرحية والقصة القصيرة.
> تنوع إنتاجك ما بين الشعر وأدب العشق وفلسفة الأديان والأدب الصوفي، ما الذي يربط بين هذه المجالات من وحي تجربتك؟ وما أقربها إليك؟
- أنا شاعرٌ مشغولٌ بالتصوُّف وأعتبرُه أهم روافدي، كما أنَّني ابنٌ لأدب العشق، وأحبُّ الكتابة فيه وعنه وحوله؛ وبشكل عام أحبُّ أن أكتب عما أعرفُ ولي فيه تجاربُ وخبراتٌ، ولا أحبُّ أن أكتب من الوضع جالساً في بيتي، لا بد من أن تكون النارُ في أيدينا وأرواحنا ونحن نكتب.
ومن ثم أسعد بكثرة روافدي ومراجعي ومصادري في الكتابة، فهي تتيح لي التنوع، وأحاول في كل كتاب أن آتي بجديد، وأنا مع تداخل النصوص والأنواع والأجناس، فلا يوجد جنسٌ أدبيٌّ لا يستفيد من آخر، المهم كيف نكتب ونحقق أنفسَنا في متن النص، ويظلُّ الشعر نصِّي الأوَّل والأساسي، وكل ما أكتب هو لخدمة الشاعر فيَّ؛ بمعنى أن الشاعر موجود ومتحقِّق في كل ما كتبتُ في غير الشعر.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.