أحمد الشهاوي: لست بعيداً عن الرواية ولديّ شغف بالسرد والأساطير

الشاعر المصري يقول إن هدفه من «حجاب الساحر» إمتاع نفسه أولاً ومن بعده القرَّاء

أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي
TT

أحمد الشهاوي: لست بعيداً عن الرواية ولديّ شغف بالسرد والأساطير

أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي

«حجاب الساحر» للشاعر أحمد الشهاوي هي النص الروائي الأول له، حيث بدأ الشهاوي مسيرته مع الشعر قبل 35 عاماً حين نشر ديوانه الأول عام 1988. ولا تنفصل أجواء الرواية عن أعماله السابقة، التي تتنوع ما بين الشعر والأدب الصوفي؛ ومنها دواوينه: «أحوال العاشق»، و«الأحاديث»، و«كتاب الموت»، و«قل هي»، و«الوصايا في عشق النساء»، و«لسان النار»، و«لا أراني»، و«ما أنا فيه»، وغيرها. وكان الشهاوي قد حصل على جائزتي «اليونيسكو في الآداب» عام 1995، و«كفافيس الدولية في الشعر» من اليونان عام 1998. في هذا الحوار نتعرف على مبررات التحول نحو الرواية وإلى أي مدى تضيف لتجربته الشعرية.

> بعد سنوات ممتدة من حضورك على ساحة الشعر، فاجأت الجميع بروايتك الأولى «حجاب الساحر»، ما كواليس ومبررات تلك الخطوة الجديدة في مشروعك الإبداعي؟
- لا يوجد مبررٌ ما للكتابة ولا قصدية متعمَّدة تسبق فعل الإبداع، سوى أن يريد المرء أن يكتب، وأن يعبّر بالطريقة التي يستحسنها. المهم أن تكون لديه الرغبة والأدوات التي تدعم وتساند موهبته وتجربته. منذ عام 1990 وأنا أنشرُ وأكتبُ النثر، فلديَّ شغفٌ بـ«أدب التصوف» و«أدب العشق» و«فلسفة الدين»، وقد أنجزتُ فيها تسعة كُتب، غير ما لم يُنشَر بعد.
ولم أكن يوماً بعيداً عن الرواية، ومَن يعرفني شخصياً يدرك شغفي بالسَّرد وولعي بالحكي والسِّحر والأساطير، وقبل عشر سنوات أو أكثر كتبت رواية، لكنَّ ستين صفحة منها أفسدتها مياه «الشغّيلة»، خلال تنظيف بيتي، ولم أفلح في استعادتها، ولم أكُن ساعتها أكتبُ على الكمبيوتر، فقفلتُ منها، وقلت في نفسي: سأعودُ إليها وأنشرها بالطبع، وبدأتُ روايةً أخرى هي «حجاب الساحر» في أجواء ليست بعيدة عن تجاربي ومعارفي وخبراتي، لكنَّني مستمر في كتابة عدد من الروايات ستظهر في السنوات المقبلة.
وربَّما نكون نحن العرب الذين يفصلون بين الفنون والأجناس الأدبية، في حين نجد أغلب روائيي العالم لهم شعرٌ كثير، أو العكس. وكان أسلافُنا يشتغلون في الأدب والكيمياء والفلسفة والطب والفلك، ولم يقل لهم أحدٌ: ما دمتم كيميائيين فلماذا تشتغلون بعلوم الصيدلة والفلك مثلاً.
> بطلة الرواية الأساسية هي «شمس حمدي» التي تتجلى كأسطورة بين نساء الأرض، حتى إنها تتوحد مع ربات مصر القديمة مثل «سخمت» و«إيزيس» وتجمع بين الطابع الحسي والآفاق الروحانية في مزيج فريد. هل يمنح الواقع المعيش مثل هذا النموذج، أم أنه شغف مطاردة المستحيل لدى الشعراء والأدباء؟
- الكاتب عادةً يراود المستحيل ويبحث عن المُطلق والحُلم الذي يبتغيه، لكن الواقع الذي عشتُه في مصر وخارجها ملآن بنماذج غريبة وفريدة، أسطورية ونادرة، وكل امرأة لا تتشابه مع أخرى، ولها قصةٌ مغايرة وحياةٌ مختلفة، لكن النساء يكتُمن ولا يبُحن، إذ كل امرأة - بل كل إنسان - لديه سرٌّ أو أسرارٌ يضمرها ولا يبوح بها لأحد، لكنَّني وجدتُ «شمس حمدي» أو أنشأتُها، وهى نموذج يمكن أن نجدَه بسهولة في أي بلد عربي أو غير عربي؛ لأن النفس الإنسانية ملأى بالغريب والعجيب، والسِّحري، وقد حاولتُ الإمساك به في روايتي «حجاب الساحر».

> الخطاب السردي في العمل جاء مشحوناً بطاقة شعرية لافتة، إلى أي حد تدخّل الشاعر بداخلك في «هندسة» النص لغة وروحاً وخيالاً؟
- عندما أخوض تجربةَ الرسم فأنا هنا الذي يرسم، لكنَّني لا أنسى أنني شاعر بالأساس، وكذا في كل كتاباتي، فأنا الشاعر الذي يكتب الرواية، ومن الطبيعي أن تكون لغة السرد عندي تمتحُ من الشعر وتأخذ منه، فقد حافظتُ على طقوس عملي في الكتابة، وهي المُراجعة الدقيقة والحذف (لقد حذفتُ ستة آلاف كلمة من الرواية)، وكنتُ سعيداً بذلك؛ فالكتابة ليست وحياً مُرسلاً، وتحتملُ الحذف والإضافة والمساءلة، لكنَّني كنتُ واعياً لفكرة الفصل بين القصيدة والرواية، وحاولتُ أن أتفادى أخطاء الشعراء عندما يكتبون نصوصاً روائية. لقد سعيتُ، وابتعدت عما لا أحبُّه في الكتابة الروائية، إذ كان هدفي إمتاع نفسي أولاً، ومن بعدي القرَّاء، فلم أكتب روايةً لتكون الأكثر مبيعاً أو أسلِّي الناس، ولكنَّني هدفتُ إلى إمتاع الروح بالأساس.
> ثمة غوص مدهش في عالم السحر بطلاسمه وتمائمه وتعاويذه، فهل كانت مرحلة البحث والتحضير حاسمة في مثل هذه الرواية؟ وهل هي السبب الرئيس في استغراق العمل خمس سنوات كاملة كي يخرج إلى النور، كما يشير التنويه في نهاية النص؟
- استغرقتْ كتابة روايتي «حجاب الساحر» خمس سنوات، لكنَّني نشرتُ، خلال هذه السنوات، أربعة كتب أخرى، وما تأخُّري إلا بسبب الخوف من الإخفاق، فأنا لا أحبُّ الفشل، أنا ابنٌ للدَّأب والسعي والمحاولة والتروّي والمراجعة، وبالأساس أنا بحثتُ داخلي، فقد عشتُ طفولتي وصباي مع السِّحر ومسكُونًا به، وأمره ليس غريباً عليَّ، لكنَّني قرأتُ آلاف الصفحات وأنا أكتب «حجاب الساحر». وبشكلٍ عام، لكي أكتب جُملة واحدة فبالمقابل لا بد أن أقرأ كتاباً، وهي عادتي، قارئ محترفٌ وكاتبٌ هاوٍ، وإن لم تكن الرواية بجانب التشويق والإمتاع في السرد تحقق معرفةً، فهي عندي لا لزومَ لها أو لا تحقق «شروط» الكتابة التي أحبُّها.
> ما السبب في الاستشهاد المتكرر بآيات من القرآن الكريم في الرواية؟
-لا أتعاملُ مع القرآن على أنه كتابٌ مقدَّسٌ سماويٌّ إلهيٌّ فقط، ولكنَّني أراه أيضاً كتابَ إعجاز في اللغة والتصوير الفني، وقد تربيتُ عليه، ودائماً ما أوظّفه وأستلهمه في شعري ونثري، فأنا ابنُ بيت أزهريّ، كما أنه يفيدني لغويّاً؛ لما فيه من البلاغة والبيان والفصاحة. إنه كتاب واضح لي، وأنا أحبُّ الوضوح والإبانة في الكتابة، وفي كل شيء.
السِّحر عند العرب هو «كلّ أمر يخفى سببُه، ويُتخيل على غير حقيقته، ويجري مجرى التمويه والخداع، وكل ما لطف مأخذه ودقّ، وإخراج الباطل في صورة الحق، واستخدام القوى الخارقة بواسطة الأرواح»، وتاريخ السحر قديم بقدم الإنسان على هـذه الأرض. وعموماً السحر ثابت بنصّ القرآن والسنة؛ ولذا كثر استشهادي في «حجاب الساحر» بآيات من القرآن الكريم.
> هل يُعدّ خوضك تجربة الكتابة الروائية اعترافاً غير مباشر منك بصحة مقولة الدكتور جابر عصفور بأننا نعيش «زمن الرواية» التي صارت «ديوان العرب» الحديث؟
- الشعر يحتاج إلى قارئ مدرَّب على القراءة وخاص في تلقِّيه، وعلى درجة من المعرفة بالآداب والفنون؛ لأنه لم يتلقّ تعليماً حقيقياً يؤهله لتلقّي الشِّعر، والشعر بطبيعته نخبويٌّ منذ الجاهلية إلى الآن، والشعر موجود ما دام هناك كونٌ وبشرٌ يحيون فيه؛ لأنه من دُون الشعر نصبح إزاء موت الروح، وقتل القلب، والاستغناء عن الموسيقى والأغنية، بينما الرواية تحظى بقرَّاء أكثر، ومن ثم توزيع أكثر، وهُنا يفضِّل الناشرُ العربيُّ أو الأجنبي الرواية على الشعر؛ لأن نشرَ الشعر الآن صار مُغامرةً ماليةً له. أذكرُ أن كُتباً شعرية لي طبع منها في «مكتبة الأسرة» خمسةٌ وعشرون ألف نسخة، ونفدت جميعها في أقل من شهر، وكان أقل عدد يُطبع لكتبي هو ثلاثة آلاف نسخة، الآن صارت الطبعة ألف نسخة فقط.
لو أتيح لديوان الشعر توزيعٌ جيدٌ وسعرٌ زهيد، سينتشر بشكلٍ مُرضٍ، ولنا في مشروع «مكتبة الأسرة» مثالٌ وقدوة.
ولا يوجد جنسٌ أدبيٌّ يسود على جنس آخر؛ لأن السيادة للجودة والتفرُّد في أيّ فنّ، والصحيح أن نقول إننا ينبغي أن نكون في زمن الفن والأدب الجيدين على مستوى الموسيقى واللوحة والمنحوتة والقصيدة والرواية والفيلم والمسرحية والقصة القصيرة.
> تنوع إنتاجك ما بين الشعر وأدب العشق وفلسفة الأديان والأدب الصوفي، ما الذي يربط بين هذه المجالات من وحي تجربتك؟ وما أقربها إليك؟
- أنا شاعرٌ مشغولٌ بالتصوُّف وأعتبرُه أهم روافدي، كما أنَّني ابنٌ لأدب العشق، وأحبُّ الكتابة فيه وعنه وحوله؛ وبشكل عام أحبُّ أن أكتب عما أعرفُ ولي فيه تجاربُ وخبراتٌ، ولا أحبُّ أن أكتب من الوضع جالساً في بيتي، لا بد من أن تكون النارُ في أيدينا وأرواحنا ونحن نكتب.
ومن ثم أسعد بكثرة روافدي ومراجعي ومصادري في الكتابة، فهي تتيح لي التنوع، وأحاول في كل كتاب أن آتي بجديد، وأنا مع تداخل النصوص والأنواع والأجناس، فلا يوجد جنسٌ أدبيٌّ لا يستفيد من آخر، المهم كيف نكتب ونحقق أنفسَنا في متن النص، ويظلُّ الشعر نصِّي الأوَّل والأساسي، وكل ما أكتب هو لخدمة الشاعر فيَّ؛ بمعنى أن الشاعر موجود ومتحقِّق في كل ما كتبتُ في غير الشعر.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».