دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

على هامش فوز الكاتب التونسي شكري المبخوت بها عن روايته «الطلياني»

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
TT

دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»

مع أن أدب الرواية جاء متأخرا في تونس (خلال ستينات القرن الماضي)، وبداياتها الخجولة، فإن تطوره بدا سريعا بظهور كتاب من أمثال البشير خريف في روايتيه «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»، ومحمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، ثم بالطبع سطع كاتبها الكبير الذي تخطى الحدود التونسية ليصل إلى العالمية، محمود المسعدي في رائعته «حدث أبو هريرة قال» وكذلك «السد»، و«مولد النسيان» وقد ساهمت دار الجنوب للنشر في نسختها «العيون المعاصرة» التي قام بتأسيسها الأستاذ الكبير محمد المصمودي، والناقد والأديب الكبير توفيق بكار، الذي تخرج على يديه عشرات الأدباء التونسيين الذين أبدعوا أيضا ولا يسعنا ذكرهم جميعا في هذا المقام، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أديب من العيار الثقيل أتحف الأدب التونسي، حسين الواد، برائعتيه «سعادته السيد الوزير» و«روائح المدينة» التي كانت تستحق، باعتقادي، جائزة أدبية مرموقة.
مع المشوار الأدبي سطع شهاب عابر في سماء الأدب التونسي فاجأ المتتبعين لأخبار الأدب والأدباء ببروزه مع أول تجربة روائية له بحصوله على جائزة البوكر. هو شكري المبخوت في روايته «الطلياني» التي منذ صدورها أثارت ضجة إعلامية وأدبية، وآراء متضاربة حول أحقيتها بهذه الجائزة:
«اختيار رواية (الطلياني) للكاتب التونسي شكري المبخوت صدمت كثيرا من المتابعين؛ فالرواية ليست الأجمل ولا الأكثر حبكة بين الروايات المرشحة» (كتب أحمد إبراهيم الشريف).
وتساءلت آلاء السوسي بدورها: كيف لمثل هذه الرواية أن تفوز بجائزة البوكر، موجهة السؤال إلى الشاعر مريد البرغوثي رئيس لجنة التحكيم «كمهتمَّةٍ بالأدب، وكقارئة للرواية، أوجه لسيادتكم هذا السؤال: لماذا فازت (الطلياني) بجائزة البوكر؟».
هذا السؤال بات مطروحا ليس ضد رواية بعينها، أو كاتب ما، بل إنصافا للإبداع. لأن عملا مبدعا لا يموت ويدخل في هوية الشعوب، وذاكرتها الثقافية، فالإبداع الحقيقي يطرد الإبداع المزيف، كالعملة الجيدة التي تطرد العملة الرديئة.
لنقف معا على أهم مفاصل هذه الرواية.
تبدأ الرواية بمأتم في مقبرة الزلاج حيث يوارى الحاج محمود، والد عبد الناصر بطل الرواية، الثرى، وأخيه صلاح الدين الباحث والخبير المالي الدولي العامل في المهجر في سويسرا. كأن الكاتب منذ الانطلاقة الأولى يضع رسما للمجتمع التونسي باندثار الجيل القديم جيل الاستقلال الذي عاش الفترة البورقيبية، وبروز جيل جديد، يعيش كل التناقضات التي تعيشها المجتمعات العربية. فعبد الناصر الملقب بـ«الطلياني» لوسامته (نتساءل هنا هل «الطليان» أكثر وسامة من العرب؟) الذي يمثل جيل الضياع في فترة المد الشيوعي، والحرب الباردة، وكناشط شيوعي فهو رافض للقيم السائدة في مجتمعه. وصلاح الدين المثقف المهاجر الذي لم يجد فرصته في بلده، ثم زينة التي تمثل المرأة التونسية المتحررة والمتعلمة عشيقة وزوجة بطل الرواية التي ينتهي بها المقام أيضا كمهاجرة في فرنسا، ومتزوجة من رجل فرنسي بعمر أبيها. في هذا المأتم نفاجأ بسلوك الطلياني الذي يشتم الشيخ علالة، الذي يصلي على جثمان أبيه، ويبرحه ضربا دون أن نعرف الأسباب حتى نهاية الرواية، عندما يسر لصديق له بأن هذا الشيخ قد اغتصبه صغيرا. ونتعرف على شخصية الطلياني أيضا من خلال هيئته، وملابسه، وشربه الخمر، وعيشته البوهيمية، وإهماله في المنزل، وعدم احترام أمه التي عانت من قذارته.
هذا الخنزير (حسب وصف الأم) ليس قذرا فقط، بل هو كسول، وسكير، ولا يذاكر دروسه ويعتمد على زميله الطاهر الذي يجهز له الكراسات ليتقدم للامتحانات وينجح دائما بتفوق بقدرة قادر. ويفاجئنا الكاتب، بأن الطلياني وبنفس قدرة القادر يصبح أحد الطلاب اللامعين في كلية الحقوق، وأحد أبرز طلابها كزعيم ثوري ضد النظام البورقيبي، فهو طالب مبرز، وخطيب مفوّه، وثوري عنيد لا يتوانى عن الدخول في معركة حامية الوطيس مع رجال الأمن، وعبد الناصر بحماسته وخطاباته الرائعة يصور في الاجتماعات العامة الأمر على أن البلاد تعيش حالة من مخاض ثوري، وأن النظام كزعيمه في خريفهما، وستأتي «أمطار الدم لتطهر البلاد من الجراثيم التي عششت فيها وسيعوض العمال المفقرون والفلاحون المعدمون دولة العمالة ونظام الكومبرادور والإقطاع ليقيموا ديكتاتورية البروليتاريا».
ولكن رجل المبادئ والثورة، والمناضل الطبقي والزعيم الطلابي هذا لا يتوانى عن العيش عيشة بورجوازية على حساب صديقه، رئيف، ابن العائلة الغنية الذي يشاطره المسكن. ونكتشف أيضا أن هذا الشاب الثوري سرعان ما يصبح صديقا لضابط الأمن سي عثمان، الذي يساعده في الحصول على عمل في صحيفة باللغة الفرنسية ناطقة باسم الحكومة، على أن يعمل فيها كمدقق لغوي، ولدرجة إتقانه للغة الفرنسية بات أفضل المدققين في الصحيفة، ولبراعته كان يصحح حتى أخطاء رئيس التحرير ومدير الصحيفة سي عبد الحميد، وهذا الأخير، وبوقت وجيز جدا، راح يناقش هذا المدقق الذي دخل لتوه للصحيفة بأمور الدولة، بل ويسر له بأنه ليس «بورقيبيا» بل فرضت عليه، ويعطيه أسرار قصر قرطاجة والصراعات الدائرة فيه.
وعن أسرار الوزراء والمسؤولين ومن يقف وراء مَن.. ومن يخرج مع زوجة مَن، ومن يبيع أسرار مَن.
وهذا الصحافي الكبير ومدير مؤسسة صحافية كبيرة يقول للمحامي المتخرج حديثا: «أنا على ثقة من أنك ستصبح صحافيا كبيرا، لم تدرس في معهد الصحافة، ولست بحاجة إلى ذلك كبار الصحافيين لم يدخلوا تلك المؤسسات البائسة».
هنا نتساءل هل هي دعوة من الكاتب - وهو عميد كلية مرموقة في تونس - لإغلاق معاهد الصحافة «البائسة»، ولم يكتف سي عبد الحميد بذلك بل أوكله بوقت قياسي بتحرير الملحق الثقافي في الصحيفة.
لم تتوقف هذه التناقضات عند هذا الحد، بل تعدته إلى الأمور الجنسية التي يضيق بها القارئ ذرعا - مشاهد متكررة تكاد تسيطر على الرواية بأكملها وتلامس حد الإباحية - فالطلياني، البارع الجمال، صار عشيقا لزوجة الشيخ علالة التي كانت عشيقة صلاح الدين أخي الطلياني سابقا، ثم يتعرف على زينة التي اغتصبت بدورها من قبل أخيها أو أبيها حسب اعتقادها وهي نائمة، وعاش معها حالة عشق «ثوري»، ثم تزوجها لمدة سنتين وطلقها. ولم يتوان خصومها السياسيون بتكنيتها بعاهرة الثورة البروليتارية، ورغم هذا الحب «الثوري» الجارف لزينة، فإنه يخونها مع صديقتها نجلاء، حتى في اليوم الذي أجهضت فيه، التي تحولت في نهاية الأمر إلى عاهرة ترتاد الفيلا الخاصة «بالحلاقة» التي تسوق إليها وإلى فتيات أخريات الرجال من أعيان البلد ومسؤوليه هذه «الحلاقة»، التي ستصبح السيدة الأولى في البلاد. وقبلها مع صديقة زوجة أخيه أنجليكا التي رأت فيه «جمالا يخلب الألباب»، ثم مع نساء كثيرات لا حصر لهن كن يتهافتن عليه في منزل أخيه صلاح الدين في حي النصر الذي حوله إلى ما يشبه الماخور «كان حسنه ولسانه الذي يغزل الحرير كافيين ليصل إلى أي غادة منهن كثيرا ما كانت الواحدة منهن حتى أمام صويحباتها تبادر ولا تتمالك نفسها أمام يوسف تلك المطاعم والمقاهي والحانات» (هل هذه هي صورة المرأة التونسية؟) ثم ينتهي إلى ريم س. الفتاة الجميلة التي ساقها إلى «الماخور» وهم بها وهمت به، رغم أنه في تلك اللحظة أبلغته أخته هاتفيا بوفاة أبيه، فلم يتأثر بهذا الخبر المفجع.
لكن إذا عدنا إلى زينة الفتاة الجادة المتخرجة من كلية الفلسفة المفتونة بالفيلسوفة اليهودية الألمانية حنا أرندت (صاحبة كتاب «أصول الشمولية»، وكانت قد عملت على دعم اليهود لبناء دولة إسرائيل، التي ذكرت في أكثر من مكان من الرواية، لم نفهم لماذا ورد ذكرها من بين كل فلاسفة العالم) نكتشف أيضا أنها خانت زوجها مع إريك ش. (وهنا يضع الكاتب الحرف الأول من اسم العشيق الجديد والزوج فيما بعد لزينة كشخصية حقيقية، كما فعل مع ريم س. إذ كان بإمكانه الاكتفاء بالاسم الأول).
لقد أجهد الكاتب نفسه في وضع شخصيات غير ضرورية، ولا تخدم البناء السردي كشخصية عماد الدين الصحافي الشاب المتدرب على يد الطلياني، ثم أسهب في مقاطع طويلة كان يمكن الاستغناء عنها دون أن تتأثر الرواية في شيء. ومقاطع أخرى كأنها وجدت طريقها إلى الرواية صدفة دون تخطيط مسبق. لكن المؤسف له أن هناك بعض المقاطع يستشف منها بأنها تصفية حساب مع كاتب ومفكر تونسي كبير من أمثال هشام جعيط، إذ يقول على لسان أبي السعود الرقيب «لو كان مسؤولا في تلك المجلة غير المسؤولة لمنع هشام جعيط من نشر ذلك المقال التافه الذي يشكك فيه في شرعية من أنقذ البلاد بتحذلق الجامعيين، وغباء المفكرين.. لو تفرغ للتاريخ والكوفة والجزيرة العربية لكان خيرا له ولنا. هكذا تكلم أبو السعود ولم يفهم الناس أنه على حق، ولكن لا نبي في قومه».
حتى إن الكاتب يعتبر أن «الكثير من الثقافة والفن في هذه البلاد يسبب بلاء كثيرا يبدأ بمعاقرة الخمور ليصل إلى الجنون، مرورا باليأس والإحباط والسأم وضروب من العدمية غير المبدعة».
ونتساءل كيف إذن لهذا الكاتب أن يصل إلى مرحلة الإبداع في هذه البلاد ولم يصل إلى مرحلة الجنون؟
كما قام الكاتب باقتباسات شعرية لا ضرورة لها بل جاءت ممجوجة فهو يصف عبد الناصر بمثل: «أما الفارس فكانت الخيل والليل والبيداء تعرفه»، أو «عاد ذات يوم إلى البيت كأنه عصفور بلله القطر».
ثم يستخدم كلمات بالتونسية العامية من الصعب فهمها في غير موطنها «ميبون»، «كبول»، «طحان»، «أدباش»، «سفساري»، «دنقري» أو كلمات فرنسية بأبجدية عربية «جوغينع»، «ترمس»، «فاتورة».
إننا نتساءل كما تساءل آخرون هل الإبداع العربي بات يُباع ويشترى؟ أليس من حق المبدعين والكتاب العرب بكل هيئاتهم أن يطالبوا بإعادة النظر في تقييم هذه الأعمال ولجان التحكيم؟



العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة
TT

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

العراق... تشوه اقتصاديات الثقافة

قد يبدو السؤال عن سرديات الاقتصاد مفارقاً، ومثيراً، وباعثاً على الجدل حول علاقته بتسويق فرضية تقويض الأنماط المهيمنة للاقتصاد، والسياسات الساندة لها، وبطبيعة تغيراتها في التعاطي مع مفاهيم السوق والاستهلاك والإعلان، فضلاً عن علاقتها بمظاهر القوة والسيطرة المصرفية والمعلوماتية، فما حدث بعد الصدمة الأميركية عام 2001 أفقد العالم كثيراً من مألوفيته واطمئنانه، وجعله مكشوفاً على صراعات معقدة، انهارت معها الاقتصادات التقليدية، وبرزت الشركات العابرة للقارات كتمثيل استحواذي لـ«الزمن الأميركي» وتداعياتها على مستوى اختلاط التاريخ بالآيديولوجيا، والسياسة بالأمن، على نحوٍ جعلهما مهيئين للدخول إلى صياغة «تاريخ جديد»، بدا وكأنه معادل ثقافي وآيديولوجي لتمثلات الليبرالية الجديدة.

هذا التمثيل كان أكثر وضوحاً من التعبير عن نشوء تشكلات ثقافية معقدة، وتناقضات جيوسياسية صادمة، أثارت أسئلة فارقة حول توصيف الثنائيات القديمة لـ«الغرب والشرق» أو «الشمال والجنوب»، إذ كشفت هذه المفارقات عن معطيات بدا بعضها مصنوعاً، وبعضها الآخر مُصمَّماً في مختبرات سرية، تتعامل مع الأفكار مثلما تتعامل مع الفئران، لكن غاياتها تكمن بالخروج بنتائج تتوخى تحويل القوة إلى أدوات قاهرة، مقبولة وخادعة، وإلى أسواق غاوية للاستهلاك، وإلى انقلابات أو حركات أو أدلجات يمكن استعمالها في تكريس مفهوم الهيمنة في السوق والجغرافيا والآيديولوجيا، فضلاً عن توظيفها على طريقة «فوكوياما» في الترويج لإشاعة «الإنسان الأخير» بوصفه تمثيلاً آيديولوجياً لفكرة هيمنة المشروع العالمي للمركزية الأميركية.

ما حدث في العراق بعد عام 2003 ليس بعيداً عن ذلك، فسرديات الدولة الكبرى قد تقوضت، واقتصاد «القطاع العام» فقد قاعدته الإنتاجية، مثلما تعرضت سرديات آيديولوجيا المعسكر والحزب والقائد الرمز إلى انهيار كبير، لتصعد عبرها «سرديات صغيرة» وأدلجات غائمة ومضللة للجماعة والطائفة والهوية، على نحوٍ أعطاها زخماً وعنفاً ضاغطين، لم تعد فيهما توصيفات اليسار واليمين، والاشتراكية والقومية فاعلة، وما برز فيها تبدى عبر صعود سريع وحادّ لقوى لا وضوح طبقي لها، ولا تاريخ لها مع السلطة، فانشغلت بنزعات شعبوية، استغرقها كثير من مظاهر العنف والامتلاك والاستحواذ، لتصعد معها رساميل صغيرة عشوائية، تغذت عبر واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس، لم تصنع منه «الدولة الجديدة» قوة فاعلة، لها برامجها ومشاريعها، ونظرتها لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدل الاجتماعي. فرغم فشل تلك الرساميل في أن تتحول إلى رساميل كبرى، أو إلى شركات عابرة للقارات، فإن هامشيتها جعلت منها قوة عنيفة، تسلل كثير منها إلى منظومات السلطة الرسمية، لتدخل في نظامها الاقتصادي والأمني، وفي أدلجتها، ولتكوّن وجودها عبر فاعليات ضاغطة، أسهمت في تغيير كثير من سياسات الدولة، ومسارات اقتصادها الرخو. وهذا ما جعلها تلعب دوراً في صناعة الاقتصادات الطارئة، وفي تعطيل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وفي فشل نظامها المؤسسي، فضلاً عن تعرّض جهازها الإداري إلى التضخم والترهل والتشوه البنيوي.

استبدال السرديات القديمة بإعادة صياغة مفهومية لمركزيات الأمة والقومية والتاريخية أفرز أشكالاً هجينة لتلك السرديات الصغيرة، ولمظاهر عنفها واضطرابها في تمثيل المجال التداولي للمفاهيم المجاورة التي تخص الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون، باتجاهٍ جعل من الاجتماع السياسي مخترقاً من خلال انتهاكات عميقة، فقد معه تمثيله «الوطني» مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة وضاغطة، لا تجمعها سوى مصالح الاستملاك، ونزعات الاستهلاك الكبيرة، أي أن وجودها ظل رهيناً بنزعات تشييد مظاهر إدامة هذا الاستهلاك، من خلال تشييد مؤسسات أهلية عائمة، غير خاضعة إلى رقابة الدولة، ولا علاقة لها بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة الأنماط؛ مستشفيات أهلية، جامعات أهلية، مدارس أهلية، مولات، الشركات، نوادٍ، مقاولات، غيرها. وهذا ما أسهم في تمهيد الطريق إلى تضخم قوة هذه المؤسسات، وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة «المجتمع الظل» الذي يتغذى من خلال جماعات الفساد الكبير، والتمثلات الإيهامية للإشباع الرمزي، حتى من خلال التلويح بفرضية العنف الاقتصادي. تلك التي تكرست عبرها نزعات الانفلات عن النظام العام، وتغولت مظاهر التفرد بالاستهلاك، مقابل تعطيل فاعلية أدوات تشكيل الدول الناجحة، عبر ربطها بالسياسات الناجحة والإدارة المهنية الناجحة، وببرامج وخطط التنمية والأمن الاقتصاديين.

تضخم مظاهر الاستهلاك كشف عن كثير من مظاهر رثاثة التأسيس، وترسيم حدود التقدم والبناء الدولتي، فرغم أنها ارتبطت بنشوءات طارئة، وبتشوهات صنعها الاقتصاد الطفيلي، فإن تغولها ارتهن إلى ثقافات هشة، على نحو أسهم بجعل المجتمع العراقي أكثر استعداداً للانقسام الطبقي الداخلي، بين قوى نفعية تتمترس بمظاهر الاقتصاد الزائف، وحيازة رساميل غامضة، وعبر تشكلات طبقية غائمة، وسياسات مكرسة لحمايتها، حتى عبر أدلجات جعلت من العنف جزءاً من أنساقها الحاكمة، فبدت وكأنها طاردة ومتعالية على جماعات تعيش التهوين الطبقي والضآلة الاجتماعية، لكنها غارقة في صراعاتها وفي أوهامها النخبوية والشعبوية، ما أسهم في تحوير موضوع الاستهلاك ليبدو مضللاً، بعشوائية حيازة الثروة ونزعات الاستملاك.

سرديات الاستهلاك

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الآيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم «الصناعة العراقية» عام 1964. فمع صعود الدولة القومية، وأنموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة، وإلى الخضوع لسياسات الدولة المركزية، وإدارتها المركزية، ليسهم في صناعة وتكريس دولة الاقتصاد، عبر تسميات زائفة، مثل «الاقتصاد الاشتراكي» أو «القطاع العام» فتعطلت معها أي ممارسات للاقتصاد الحر، ولفاعليات الاستثمار.

التلازم ما بين الدولة القومية المركزية وبين الاستحواذ المركزي على الإنتاج أسهم في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة، المحكومة بمركزية الأنموذج الآيديولوجي المتعالي للخطاب القومي، الذي يتغذى عبر شعار «الثروة ملك الشعب والأمة»، حيث القطاع العام أو «الاشتراكي» يكون هو المجال الناظم لمصالح القوى النافذة في الحكومة والحزب والمعسكر، بما فيها قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة.

مع تقويض هذه المركزية الديكتاتورية بعد الاحتلال الأميركي تقوض كثير من تلك المفاهيم، وكذلك تعثرت معها السياسات الناظمة، و«القوانين» التي فرضتها لتيسير أعمال القطاعات الاقتصادية والتجارية والتعليمية والصحية، ما أسهم في تحويل البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشظي، وخلخلة موازين وسياقات العمل، إذ تحولت الدولة الى «مصرف» بعد أن انهارت القطاعات التقليدية الأهلية والعامة، ليبرز «الاقتصاد الاستيرادي» السهل، بوصفه مجالاً تعويضياً، لكنه كان من أكثر مظاهر الاقتصاد تشوهاً، على مستوى رثاثته، واغترابه عن استحقاقات التنمية والبناء، وعلى مستوى إدارته من قبل جماعات هامشية، لها علاقة بالجهاز السياسي، لا بالجهاز الاقتصادي، ولا بفكرة الدولة واستحقاقاتها.

كما أن صعود نوع من «الزبائنية» المتمردة على النظام، كرّس بنية الاقتصاد العراقي الهشّ، وأفقد الموازنات العامة قيمتها الإجرائية، فأكثر من ثلثي هذه الموازنة يذهب إلى «الموازنة التشغيلية»، أي يسهم في تغطية المعاشات، وتغذية الطفيلية العائمة في القطاع العام، فضلاً عن تعطيل واضح في «الموازنة الاستثمارية» التي تكرست عبرها مظاهر غير فاعلة في التنمية، وفي توسيع الإنتاج المحلي، ولا سيما مجال الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية، فكانت السياسة الاقتصادية مؤسَّسة على أساس برامج محدودة التأثير، في مجال القروض المصرفية، ودعم المشاريع الصغيرة، مع غياب أي دعم واضح لمشاريع الاستثمار الثقافي، ولا سيما مجالي السينما والمسرح، وفي دعم اقتصاديات المعرفة والبحث العلمي.

لقد كرست هذه المظاهر كثيراً من سرديات النمط الاستهلاكي للاقتصاد العراقي، فتتحول المخيلة الشعبية إلى أداة لتبرير وهم التقوّض الطبقي، ولإشباع غرائز الامتلاك، ليكون دافعاً عشوائياً لتوسيع الثروة، عبر العمل الطفيلي، وعبر الفساد غير المُراقب، وعبر صناعة الجماعة السياسية وتمثلاتها فيما سمّي بـ«المكاتب الاقتصادية». بالمقابل، فإن الاقتصاد الريعي تحول إلى مجال لتغذية ذلك الفساد والضآلة الاقتصادية، ما يعني تحجيم البحث عن أي تعظيم لموارد الدولة، لتنمية سياقات عمل الإدارة الناجحة، والسعي إلى توظيف التدفقات المالية في إطار بنية الاقتصاد العام، بما يجعل الطبقة السياسية أكثر انهماماً بتطوير فاعلية الدولة وخطابها من خلال النجاعة الاقتصادية، ليكون الاقتصاد هو الوجه التمثيلي للسياسة، والتقليل من المديونية، على نحوٍ تتقوض معه مركزية الاقتصاد الريعي المشوه.

التوصيف الثقافي للاقتصاد

ليس الاقتصاد الحرّ والسوق الحرة بدعتين، بعيدتين عن التخطيط وعلم الإدارة، وثقافات النظم الاجتماعية والتعليمية، فغياب الوعي بأهمية هذا التخطيط، وبجعل الاقتصادات خاضعة إلى سياسات الدولة، وإلى حرية الاستثمار، والجدية العلمية بتوظيف الثروات، وبمصادرها، وبقواها الفاعلة، تفقد الدولة كثيراً من مشروعيتها، ومن أهليتها في إدارة الشأن العام، وفي تطبيق العدالة الاجتماعية، وفي تنمية ذلك الاستثمار وتوسيع حلقاته، ليكون جزءاً من فاعليات التنمية المستدامة، ومن هوية الدولة الحديثة، فتوصيف الدولة الناجحة يكمن في قدرتها على التنمية، وفي صيانة مشاريعها الاستراتيجية، بما فيها المشروع الاقتصادي، وتطبيق السياسات التي من شأنها أن تمنح الاقتصاد قوة خلاقة، تربط تنمية الاقتصاد بمراكز متخصصة في الأكاديمية العراقية، وبمؤسسات الرقابة الوطنية، وبالجهازين المالي والمصرفي، لأن صياغة التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة، ويُعطي لاقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت «القيم السيادية» للاستقرار والأمن والإشباع، ولمواجهة الأزمات والتحديات التي يواجهها العالم في ظل التحولات الكبرى، حتى الجاهزية إزاء التحديات الإقليمية ذات الأبعاد الجيوسياسية المعقدة.

لا تعني اقتصاديات الثقافة الاهتمام بصناعتها فقط، بقدر ما تعني الاهتمام العميق بعلاقة هذه الصناعة، وبفاعليتها الإجرائية، وبالأطر العملياتية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي، وفي برامج التنمية، وفي مجال دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، بوصفها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة، وتوسع مساحات إنتاج مصادر المعرفة، وبالاتجاه الذي يجعلها تكتسب قوة الفعل من خلال إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، عبر أطر تشريعية وقانونية تكفل التوصيف الثقافي وديمومته، من خلال ضمان الحقوق، بما فيها حقوق الملكية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، وإدماج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي، على مستوى الموازنات العامة، أو على مستوى عمل الوزارات، وباتجاهات يعضدها القانون، بعيداً عن مزاج السلطة وفهمها للثقافة ومرجعياتها الآيديولوجية والفقهية.


الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.