دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

على هامش فوز الكاتب التونسي شكري المبخوت بها عن روايته «الطلياني»

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
TT

دعوة لإعادة النظر في اختيار لجان تحكيم جائزة «بوكر» للرواية العربية

شكري المبخوت وروايته «الطلياني»
شكري المبخوت وروايته «الطلياني»

مع أن أدب الرواية جاء متأخرا في تونس (خلال ستينات القرن الماضي)، وبداياتها الخجولة، فإن تطوره بدا سريعا بظهور كتاب من أمثال البشير خريف في روايتيه «برق الليل» و«الدقلة في عراجينها»، ومحمد العروسي المطوي في «حليمة» و«التوت المر»، ثم بالطبع سطع كاتبها الكبير الذي تخطى الحدود التونسية ليصل إلى العالمية، محمود المسعدي في رائعته «حدث أبو هريرة قال» وكذلك «السد»، و«مولد النسيان» وقد ساهمت دار الجنوب للنشر في نسختها «العيون المعاصرة» التي قام بتأسيسها الأستاذ الكبير محمد المصمودي، والناقد والأديب الكبير توفيق بكار، الذي تخرج على يديه عشرات الأدباء التونسيين الذين أبدعوا أيضا ولا يسعنا ذكرهم جميعا في هذا المقام، إلا أنه تجدر الإشارة إلى أديب من العيار الثقيل أتحف الأدب التونسي، حسين الواد، برائعتيه «سعادته السيد الوزير» و«روائح المدينة» التي كانت تستحق، باعتقادي، جائزة أدبية مرموقة.
مع المشوار الأدبي سطع شهاب عابر في سماء الأدب التونسي فاجأ المتتبعين لأخبار الأدب والأدباء ببروزه مع أول تجربة روائية له بحصوله على جائزة البوكر. هو شكري المبخوت في روايته «الطلياني» التي منذ صدورها أثارت ضجة إعلامية وأدبية، وآراء متضاربة حول أحقيتها بهذه الجائزة:
«اختيار رواية (الطلياني) للكاتب التونسي شكري المبخوت صدمت كثيرا من المتابعين؛ فالرواية ليست الأجمل ولا الأكثر حبكة بين الروايات المرشحة» (كتب أحمد إبراهيم الشريف).
وتساءلت آلاء السوسي بدورها: كيف لمثل هذه الرواية أن تفوز بجائزة البوكر، موجهة السؤال إلى الشاعر مريد البرغوثي رئيس لجنة التحكيم «كمهتمَّةٍ بالأدب، وكقارئة للرواية، أوجه لسيادتكم هذا السؤال: لماذا فازت (الطلياني) بجائزة البوكر؟».
هذا السؤال بات مطروحا ليس ضد رواية بعينها، أو كاتب ما، بل إنصافا للإبداع. لأن عملا مبدعا لا يموت ويدخل في هوية الشعوب، وذاكرتها الثقافية، فالإبداع الحقيقي يطرد الإبداع المزيف، كالعملة الجيدة التي تطرد العملة الرديئة.
لنقف معا على أهم مفاصل هذه الرواية.
تبدأ الرواية بمأتم في مقبرة الزلاج حيث يوارى الحاج محمود، والد عبد الناصر بطل الرواية، الثرى، وأخيه صلاح الدين الباحث والخبير المالي الدولي العامل في المهجر في سويسرا. كأن الكاتب منذ الانطلاقة الأولى يضع رسما للمجتمع التونسي باندثار الجيل القديم جيل الاستقلال الذي عاش الفترة البورقيبية، وبروز جيل جديد، يعيش كل التناقضات التي تعيشها المجتمعات العربية. فعبد الناصر الملقب بـ«الطلياني» لوسامته (نتساءل هنا هل «الطليان» أكثر وسامة من العرب؟) الذي يمثل جيل الضياع في فترة المد الشيوعي، والحرب الباردة، وكناشط شيوعي فهو رافض للقيم السائدة في مجتمعه. وصلاح الدين المثقف المهاجر الذي لم يجد فرصته في بلده، ثم زينة التي تمثل المرأة التونسية المتحررة والمتعلمة عشيقة وزوجة بطل الرواية التي ينتهي بها المقام أيضا كمهاجرة في فرنسا، ومتزوجة من رجل فرنسي بعمر أبيها. في هذا المأتم نفاجأ بسلوك الطلياني الذي يشتم الشيخ علالة، الذي يصلي على جثمان أبيه، ويبرحه ضربا دون أن نعرف الأسباب حتى نهاية الرواية، عندما يسر لصديق له بأن هذا الشيخ قد اغتصبه صغيرا. ونتعرف على شخصية الطلياني أيضا من خلال هيئته، وملابسه، وشربه الخمر، وعيشته البوهيمية، وإهماله في المنزل، وعدم احترام أمه التي عانت من قذارته.
هذا الخنزير (حسب وصف الأم) ليس قذرا فقط، بل هو كسول، وسكير، ولا يذاكر دروسه ويعتمد على زميله الطاهر الذي يجهز له الكراسات ليتقدم للامتحانات وينجح دائما بتفوق بقدرة قادر. ويفاجئنا الكاتب، بأن الطلياني وبنفس قدرة القادر يصبح أحد الطلاب اللامعين في كلية الحقوق، وأحد أبرز طلابها كزعيم ثوري ضد النظام البورقيبي، فهو طالب مبرز، وخطيب مفوّه، وثوري عنيد لا يتوانى عن الدخول في معركة حامية الوطيس مع رجال الأمن، وعبد الناصر بحماسته وخطاباته الرائعة يصور في الاجتماعات العامة الأمر على أن البلاد تعيش حالة من مخاض ثوري، وأن النظام كزعيمه في خريفهما، وستأتي «أمطار الدم لتطهر البلاد من الجراثيم التي عششت فيها وسيعوض العمال المفقرون والفلاحون المعدمون دولة العمالة ونظام الكومبرادور والإقطاع ليقيموا ديكتاتورية البروليتاريا».
ولكن رجل المبادئ والثورة، والمناضل الطبقي والزعيم الطلابي هذا لا يتوانى عن العيش عيشة بورجوازية على حساب صديقه، رئيف، ابن العائلة الغنية الذي يشاطره المسكن. ونكتشف أيضا أن هذا الشاب الثوري سرعان ما يصبح صديقا لضابط الأمن سي عثمان، الذي يساعده في الحصول على عمل في صحيفة باللغة الفرنسية ناطقة باسم الحكومة، على أن يعمل فيها كمدقق لغوي، ولدرجة إتقانه للغة الفرنسية بات أفضل المدققين في الصحيفة، ولبراعته كان يصحح حتى أخطاء رئيس التحرير ومدير الصحيفة سي عبد الحميد، وهذا الأخير، وبوقت وجيز جدا، راح يناقش هذا المدقق الذي دخل لتوه للصحيفة بأمور الدولة، بل ويسر له بأنه ليس «بورقيبيا» بل فرضت عليه، ويعطيه أسرار قصر قرطاجة والصراعات الدائرة فيه.
وعن أسرار الوزراء والمسؤولين ومن يقف وراء مَن.. ومن يخرج مع زوجة مَن، ومن يبيع أسرار مَن.
وهذا الصحافي الكبير ومدير مؤسسة صحافية كبيرة يقول للمحامي المتخرج حديثا: «أنا على ثقة من أنك ستصبح صحافيا كبيرا، لم تدرس في معهد الصحافة، ولست بحاجة إلى ذلك كبار الصحافيين لم يدخلوا تلك المؤسسات البائسة».
هنا نتساءل هل هي دعوة من الكاتب - وهو عميد كلية مرموقة في تونس - لإغلاق معاهد الصحافة «البائسة»، ولم يكتف سي عبد الحميد بذلك بل أوكله بوقت قياسي بتحرير الملحق الثقافي في الصحيفة.
لم تتوقف هذه التناقضات عند هذا الحد، بل تعدته إلى الأمور الجنسية التي يضيق بها القارئ ذرعا - مشاهد متكررة تكاد تسيطر على الرواية بأكملها وتلامس حد الإباحية - فالطلياني، البارع الجمال، صار عشيقا لزوجة الشيخ علالة التي كانت عشيقة صلاح الدين أخي الطلياني سابقا، ثم يتعرف على زينة التي اغتصبت بدورها من قبل أخيها أو أبيها حسب اعتقادها وهي نائمة، وعاش معها حالة عشق «ثوري»، ثم تزوجها لمدة سنتين وطلقها. ولم يتوان خصومها السياسيون بتكنيتها بعاهرة الثورة البروليتارية، ورغم هذا الحب «الثوري» الجارف لزينة، فإنه يخونها مع صديقتها نجلاء، حتى في اليوم الذي أجهضت فيه، التي تحولت في نهاية الأمر إلى عاهرة ترتاد الفيلا الخاصة «بالحلاقة» التي تسوق إليها وإلى فتيات أخريات الرجال من أعيان البلد ومسؤوليه هذه «الحلاقة»، التي ستصبح السيدة الأولى في البلاد. وقبلها مع صديقة زوجة أخيه أنجليكا التي رأت فيه «جمالا يخلب الألباب»، ثم مع نساء كثيرات لا حصر لهن كن يتهافتن عليه في منزل أخيه صلاح الدين في حي النصر الذي حوله إلى ما يشبه الماخور «كان حسنه ولسانه الذي يغزل الحرير كافيين ليصل إلى أي غادة منهن كثيرا ما كانت الواحدة منهن حتى أمام صويحباتها تبادر ولا تتمالك نفسها أمام يوسف تلك المطاعم والمقاهي والحانات» (هل هذه هي صورة المرأة التونسية؟) ثم ينتهي إلى ريم س. الفتاة الجميلة التي ساقها إلى «الماخور» وهم بها وهمت به، رغم أنه في تلك اللحظة أبلغته أخته هاتفيا بوفاة أبيه، فلم يتأثر بهذا الخبر المفجع.
لكن إذا عدنا إلى زينة الفتاة الجادة المتخرجة من كلية الفلسفة المفتونة بالفيلسوفة اليهودية الألمانية حنا أرندت (صاحبة كتاب «أصول الشمولية»، وكانت قد عملت على دعم اليهود لبناء دولة إسرائيل، التي ذكرت في أكثر من مكان من الرواية، لم نفهم لماذا ورد ذكرها من بين كل فلاسفة العالم) نكتشف أيضا أنها خانت زوجها مع إريك ش. (وهنا يضع الكاتب الحرف الأول من اسم العشيق الجديد والزوج فيما بعد لزينة كشخصية حقيقية، كما فعل مع ريم س. إذ كان بإمكانه الاكتفاء بالاسم الأول).
لقد أجهد الكاتب نفسه في وضع شخصيات غير ضرورية، ولا تخدم البناء السردي كشخصية عماد الدين الصحافي الشاب المتدرب على يد الطلياني، ثم أسهب في مقاطع طويلة كان يمكن الاستغناء عنها دون أن تتأثر الرواية في شيء. ومقاطع أخرى كأنها وجدت طريقها إلى الرواية صدفة دون تخطيط مسبق. لكن المؤسف له أن هناك بعض المقاطع يستشف منها بأنها تصفية حساب مع كاتب ومفكر تونسي كبير من أمثال هشام جعيط، إذ يقول على لسان أبي السعود الرقيب «لو كان مسؤولا في تلك المجلة غير المسؤولة لمنع هشام جعيط من نشر ذلك المقال التافه الذي يشكك فيه في شرعية من أنقذ البلاد بتحذلق الجامعيين، وغباء المفكرين.. لو تفرغ للتاريخ والكوفة والجزيرة العربية لكان خيرا له ولنا. هكذا تكلم أبو السعود ولم يفهم الناس أنه على حق، ولكن لا نبي في قومه».
حتى إن الكاتب يعتبر أن «الكثير من الثقافة والفن في هذه البلاد يسبب بلاء كثيرا يبدأ بمعاقرة الخمور ليصل إلى الجنون، مرورا باليأس والإحباط والسأم وضروب من العدمية غير المبدعة».
ونتساءل كيف إذن لهذا الكاتب أن يصل إلى مرحلة الإبداع في هذه البلاد ولم يصل إلى مرحلة الجنون؟
كما قام الكاتب باقتباسات شعرية لا ضرورة لها بل جاءت ممجوجة فهو يصف عبد الناصر بمثل: «أما الفارس فكانت الخيل والليل والبيداء تعرفه»، أو «عاد ذات يوم إلى البيت كأنه عصفور بلله القطر».
ثم يستخدم كلمات بالتونسية العامية من الصعب فهمها في غير موطنها «ميبون»، «كبول»، «طحان»، «أدباش»، «سفساري»، «دنقري» أو كلمات فرنسية بأبجدية عربية «جوغينع»، «ترمس»، «فاتورة».
إننا نتساءل كما تساءل آخرون هل الإبداع العربي بات يُباع ويشترى؟ أليس من حق المبدعين والكتاب العرب بكل هيئاتهم أن يطالبوا بإعادة النظر في تقييم هذه الأعمال ولجان التحكيم؟



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.