الصحافة المحايدة تنقرض في تركيا.. والصحف «تنقي» صفوفها بطرد المخالفين

صحافي تركي يزعم أنه طرد لمعارضته الحزب الحاكم يقول لـ: هم الذين تغيروا وليس نحن

مفيد يوكسال  .... مراد أردين  .... لافنت جولتاكين
مفيد يوكسال .... مراد أردين .... لافنت جولتاكين
TT

الصحافة المحايدة تنقرض في تركيا.. والصحف «تنقي» صفوفها بطرد المخالفين

مفيد يوكسال  .... مراد أردين  .... لافنت جولتاكين
مفيد يوكسال .... مراد أردين .... لافنت جولتاكين

يعيش الإعلام التركي في المرحلة الراهنة حالة من الاستقطاب الشديد بين وسائل إعلام المعارضة والموالاة، مع اضمحلال لافت في وسائل الإعلام المحايدة، الأمر الذي يجعل من موضوع الحريات في هذا البلد الذي يصنف على أنه «أكبر سجن للصحافيين في العالم» وفق توصيف المنظمات المهتمة بالحريات الإعلامية، أمرا شديد الحساسية. وهذا التطور لافت خصوصا أن تركيا من الدول التي تعتمد «التعتيم الإعلامي» في حالة الأزمات، وآخرها الحرب التي تشنها أنقرة ضد تنظيم «حزب العمال الكردستاني» وتنظيم داعش حاليا حيث منعت السلطات نشر أي خبر عن هذه المواجهات إلا تلك التي تأتي من مصادر رسمية. ورغم العدد الكبير من الصحافيين المسجونين، فإن قلة منهم في السجن لأسباب تتعلق بالمهنة، فمعظم هؤلاء في السجن باتهامات جنائية – سياسية.
ويوجد في تركيا حاليا الكثير من التكتلات الإعلامية القوية، ومنها مجموعة «سمانيولو» التي تتبع لرجل الدين التركي المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن الذي تعتبره الحكومة «العدو رقم واحد» وتتهمه بإقامة «دولة خفية» في مؤسسات الدولة، كما توجد مجموعة أخرى تسمى مجموعة «دوغان» الإعلامية، والمجموعتان تمتلكان عددا واسعا من الصحف والمجلات والقنوات الإعلامية، وفي المقابل هناك مجموعات موالية للحكومة يقودها مقربون من الحزب الحاكم، بالإضافة إلى الإعلام الرسمي التركي الذي دخل في حلبة المواجهة أيضا.
وبسبب هذه التكتلات، بدأت الصحافة التركية تفرز نفسها بين موالاة ومعارضة، فالكتاب الموالون للحكومة يذهبون إلى وسائل الإعلام الموالية، والمعارضون لها يذهبون إلى وسائل الإعلام المعارضة. أما من لم يختر الذهاب بنفسه، فهو قد يفصل أو يستقيل بسبب رفض مؤسسته نشر مقالة له تنتقد الجهة التي تنتمي إليها، كما حصل مع الصحافي التركي قدري جورسيل الذي طرد من صحيفة «ملليت» الموالية بسبب «تغريدة» انتقد فيها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، واتهمه فيها بأنه هو المسؤول عن التفجير الذي شهدته مدينة سروج على الحدود مع سوريا. وقد نشرت صحيفة «ملليت» بيانًا على موقعها الإلكتروني عقب التغريدة، قالت فيه إنها تختلف مع جورسيل حيث إن تعليقاته لا تتوافق مع أخلاقيات الصحافة ووجهات النظر المتعلقة بالنشر الخاصة بها.
وكشفت جمعية الصحافيين الأتراك عن طرد 339 صحافيا من أعمالهم خلال عام واحد. ولفتت الجمعية في تقرير لها حول شهر يونيو (حزيران) الماضي إلى تزايد الضغوط الممارسة على الإعلام. وأن البطالة والتمييز أصبحا قدرا بالنسبة للصحافة التركية. ونقلت صحيفة «بوجون» عن بيان الجمعية المعنون بـ«الصحافة من أجل الحرية» أن ممارسة أعمال الضغط والإقصاء ضد الصحافيين لا تزال مستمرة رغم الآمال والتوقعات بترسيخ المزيد من الحريات بعد صدور نتائج الانتخابات العامة.
كما سجلت حالات ترحيل لصحافيين أجانب انتقدوا الحكومة، كما في حالة الصحافي الأذري ماهر زينالوف حيث ذكرت صحيفة «زمان» التركية أن الشرطة رافقت محرر موقعها الإلكتروني وهو من أذربيجان إلى طائرة في إسطنبول. وقال زينالوف بالهاتف من باكو عاصمة أذربيجان «تلقت جهة مرتبطة برئيس الوزراء معلومة سرية مفادها أنني أهنت مسؤولين كبارا وأبلغت وزارة الداخلية التي قررت ترحيلي» مضيفا أنه تقدم بطلب لتجديد تصريح العمل الخاص به الشهر الماضي لكنه رفض. كما رفعت دعوى قضائية بحق الصحافي طولجا طانيش الذي يعمل في أميركا بحجة أنه أساء للرئيس رجب طيب إردوغان.
ويتحدث مراد ايردن الكاتب في جريدة «بوجون» المعارضة عن إغلاق مواقع الإنترنت للكثير من الصحف التركية بعد أن بدأت الحملات العسكرية ضد «داعش» و«الكردستاني»، شاكيا مما وصفه بـ«حملات قمع للإعلاميين ووسائل الإعلام بعد فضائح الفساد التي اعتقل خلالها أبناء وزراء في 17 و25 من ديسمبر (كانون الأول) عام 2013». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «لم يقتصر الأمر على الإعلام المرئي والمكتوب بل شمل أيضا الإعلام الرقمي وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي حيث إن إردوغان انتقد وهدد عدة مرات بأنه سيغلق موقع «تويتر» وبالفعل أغلق «تويتر» و«يوتوب» عدة مرات وقالها إردوغان سنحارب «تويتر» بكل ما نمتلك من وسائل. كما أشار إلى أن الضغوط تخطت الإعلام لتصل إلى المؤسسات غير الإعلامية التي يمتلكها أصحاب تلك الوسائل الإعلامية ولهذا السبب أصبحت تركيا في أسفل القائمة التي تعدها المنظمات الدولية التي تدافع عن الإعلام والصحافة.
وقال: «الحكومة حظرت نشر أي خبر عن أهم الأحداث التي عاشتها تركيا ومن بينها تفجيرات الريحانية وقصف الطائرات التركية للمهربين بالقرب من الحدود العراقية ومن ثم شاحنات الأسلحة التي كانت تنقل أسلحة لداعش وكان آخرها حظر نشر أي معلومات عن تفجيرات سروج والعمليات العسكرية التي تقوم بها القوات المسلحة قبل يومين كما تحظر الوصول إلى أي خبر أو موقع لم يعجب الحكومة أو أيا من وزرائها». وأضاف: «ولكن يجب أن لا ننكر بأننا كصحافين كنا ندعم ونمدح إجراءات العدالة والتنمية عندما كانت إيجابية لأن العدالة كانت تريد أن توسع مجال الحريات في تركيا وهذا شيء يدعم بل ويشجع، ولكن قبل 4 أعوام بدأ الوضع يتغير حيث اختلفت نظرة الحكومة إلى مجال الحريات في البلاد وبدأت تتراجع وكان هذا واضحا في أحداث حديقة جيزي وميدان تقسيم (المواجهات مع الشرطة عام 2013) واستمر هذا في أحداث الفساد، ومع أن الاتحاد الأوروبي كان يدعم جميع خطوات حزب العدالة على صعيد الإصلاحات ويشجعها ولكنه الآن ينتقده لأنه بدأ يمارس العكس وبدأت تركيا تتراجع في مجال الديمقراطية».
ورأى أن الحزب الحاكم «لم يكتف بقمع الإعلام الخاص بل حول مؤسسة الراديو والتلفزيون الرسمية إلى مؤسسة ناطقة باسمه فقط وأصبحت بوقا من أبواق العدالة».
ويشكو الكاتب ليفنت جولتكين من أنه «أجبر على ترك العمل في جريدة (ستار) الموالية لإردوغان مباشرة». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: كنت أعمل في جريدة «ستار» وكنا ندافع عن إجراءات وإنجازات الحكومة لأنها كانت تتماشى مع معايير الانطباق مع الاتحاد الأوروبي في جميع المجالات القضاء والتعليم والديمقراطية والاقتصاد، ولكن الحزب تخلى عن جميع هذه الأشياء وعن المبادئ التي وصل بها إلى الحكم منذ عام 2009. فمثلاً كان قبلها يتشدق بالسلام، اليوم لا يخرج من أفواههم إلا الحرب والاشتباكات، أمس كان ينادي بالحكم المشترك والاستشارة، اليوم تحولت البلاد والحكومة والحزب إلى حكم رجل واحد يسير البلاد حسب أهوائه. ويضيف: «أنا شخصيا لم أقبل الإملاءات ولن أقبل على نفسي كصحافي أن أكون تحت سقف جريدة تزيف الحقائق وتنشر فقط حسب أهواء الزعيم، وأصحاب الجريدة أيضا كانوا يعرفون بأنهم لن يستطيعوا أن يجبروني ولهذا غادرت الصحيفة». ويتابع: «مع الأسف يمكن أن أقول بأن حزب العدالة والتنمية بدأ يتراجع عن جميع الإنجازات التي حققها في مجال الديمقراطية والتي بدأها منذ عام 2002 وحتى عام 2011. واليوم أصبح يطبق ما كان ينتقده في عهد الحكومات التي سبقت حكم العدالة والتنمية، ومع الأسف تحول حزب العدالة من حزب يدافع عن حقوق الناخب إلى حزب يدافع عن الدولة وكيانها وأصبح كباقي أحزاب الدولة السياسية الأخرى فلا فرق بينهم، فالحزب الذي كان ينادي بتوسيع مجال الحريات والانتقال إلى الاقتصاد المفتوح وتنمية البلاد وزيادة رخاء المواطن تخلى عن هذه المبادئ ووضعها في الدرج ولم يبق أي أثر لحزب العدالة والتنمية الذي كنا نعهده قبل عام 2009».
ويرى جولتكين أن الذي تغير في البلد ليسوا الصحافيين والشارع والاتحاد الأوروبي، بل يرى أن «الذي تغير هو العدالة والتنمية الذي بدأ يتنكر لسياسة الحوار ولتوسيع مجالات الديمقراطية وأوقف الانطباق مع الاتحاد الأوروبي... هم الذين تغيروا وليس نحن».
وإذ أشار إلى أن هذا التحول بدأ عام 2009 وظهر جليا عام 2011 حيث أصبح العدالة حزبا مثل أحزاب تركيا في السبعينات وتحول مثلا من حزب يريد حل معضلة دامية في تركيا منذ 40 عاما (القضية الكردية) بالحوار والسياسة إلى حزب يرجح استخدام القوة في حلها وأحداث الأيام الأخيرة تثبت ما أقوله. وقال: «تركيا كانت دولة تعيش دون أي خوف من أحد، ولكن المرحلة التي تعيشها تركيا حاليا حرجة جدا فحياة تركيا الآن مهددة وهي في نفق مظلم ولا يعرف الحكام كيفية الخروج من هذا النفق كل ما يهمهم كم سيبقون على كرسي الحكم أما البلاد فلا تهم قط، ولهذا ستعمل على التقليل من حريات الإعلام بكل الوسائل لأنهم يعون قوة الإعلام كسلطة رابعة في الحكم، ولن يسمحوا لأي صوت مغاير للإعلام الموالي لهم بأن يرفع صوته». ويخلص إلى القول: «حرية الإعلام في تركيا ذاهبة في طريقها إلى الأسوأ وسيركزون على الإعلام الرقمي ومواقع الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي ما سيشكل أرضية للاحتقان وخروج الراديكاليين من جميع الجهات إلى الساحة وستستمر البلاد في الفوضى أكثر مما عليه اليوم».
وفي المقابل، يؤكد مفيد يوكسال من جريدة «يني شفق» الموالية للحكومة أنه لا يوجد أي تراجع في مجال الحريات في الإعلام ولكن خرج علينا ما يمكن أن نسميه تكتلات إعلامية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «حتى عام 2011 كانت التكتلات الإعلامية ضعيفة جدا ولا يعمل لها أي حساب، ورغم أن هذه التكتلات بدأت تعلن عن نفسها بكل قوة، فإنها لم تتعرض إلى أي ضغوطات أو عمليات ابتزاز من قبل الحكومة، حيث توجد كتل تتكون من إعلام جماعة فتح الله غولن ومجموعة دوغان الإعلامية، التي اتخذت موقفا مؤيدا لجماعة فتح الله غولن في حربها مع حزب العدالة والتنمية، كما يوجد بعض الكتل التي تعتبر نفسها مستقلة وكتلة إعلامية موالية للحكومة، ولكن الكتلة الموالية للحكومة يوجد بها أصوات تنتقد إجراءاتها». ويشدد أنه لم يسمع أو يقرأ بأنه حجب أو منع نشر أي خبر من الطرف أو الكتلة المعارضة للحكومة وخاصة إعلام الجماعة وإعلام مجموعة دوغان الذين ينشرون ويبثون في جميع وسائلهم كل ما يريدون وبكل حرية بل وينتقدون السلطة ورئيس الجمهورية انتقادات حادة ولم نسمع أو نرى بأن أحدهم اعتقل أو سجن نتيجة انتقاده للحكومة.
ويرى يوكسال أنه «من الطبيعي أن تتدخل الحكومة أو المقربون منها في عناوين الصحف أو كيفية صياغة الأخبار لأن الكتل الأخرى أصبحت لا شغل لها إلا تشويه صورة الحكومة والعدالة ورئيس الجمهورية، كما أن هذا الأسلوب أيضا ينطبق على الصحف والمجلات والوسائل الإعلام الأخرى المقربة من حزب الشعب الجمهوري أو الحركة القومية أو ديمقراطية الشعوب». وأردف قائلا: «هذا من حقهم أيضا كل يوجهه مؤيدوه حسب ما يراه صوابا، فلماذا ينتقد حزب العدالة والتنمية الذي نال تأييد 52 في المائة من الشارع التركي الذي من الطبيعي أن يكون له صحف ومؤيدون وموالون، ولكن حسب ما استشفيت من السياسيين فإن هذه التكتلات خاصة من طرف العدالة والتنمية ستقل حدتها خاصة بعد أن انخفضت نسبة تأييد الحزب إلى 40 في المائة».
أما بالنسبة لحظر بعض المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي في الفترة الأخيرة، فيرى يوكسال أن الأمر لا يقتصر على تركيا ففي جميع أنحاء العالم وخاصة الدول المتقدمة تقوم بمثل هذه الإجراءات سواء لأسباب أمنية أو لأسباب اجتماعية أو غيرهما، ولم يستمر الحظر طويلا بل أعيد التواصل بتلك القنوات بعد ساعات وأعتقد بأن الحكومة لن تقوم منذ الآن فصاعدا بإغلاق أو حجب أي موقع إلكتروني لأن هذا يضر بسمعة تركيا أكثر مما ينفعها، وهذا الموضوع يناقش وبكل جدية في الحزب والحكومة والجميع أجمع على أن إغلاق تلك المواقع ليس بصالح الحزب ولهذا أقر بأنه لا يغلق أي موقع إلكتروني بعد الآن، معربا عن اعتقاده أن الحزب سيعيد جميع حساباته من جديد وسيرجع إلى المبادئ التي بدأها منذ عام 2002 وسيسرع من تطبيق الديمقراطية وفسح المجال للحريات أكثر فأكثر.



لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
TT

لماذا يهتم الإعلام العالمي بحروب ويتجاهل أخرى؟

لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)
لقطة من حرب أوكرانيا (آ ف ب)

في حين تتصدر بعض الحروب والنزاعات اهتمامات وسائل الإعلام الدولية، فإن حروباً أخرى قد تكون أكثر مأساوية، تتوارى ولا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية. وهذا ما أرجعه خبراء لأسباب عدة من بينها هيمنة الغرب على الإعلام، وقلة اهتمامه بالصراعات في الدول الفقيرة، إضافةً إلى مستوى تعقيد نزاعٍ ما وطول أمده.

في تقرير نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، أخيراً، ذكر أنه بخلاف نزاعَي أوكرانيا والشرق الأوسط، «من غير المرجح أن تحظى حروب أخرى باهتمام الإعلام الدولي». ولفت التقرير إلى أنه «بدءاً من عام 2025، كان هناك 59 نزاعاً نشطاً بين دول حول العالم، وهو أعلى عدد منذ الحرب العالمية الثانية وفقاً لمعهد الاقتصاد والسلام».

أيضاً تضمّن تقرير «معهد رويترز» مقابلات مع ثلاثة صحافيين من بوركينا فاسو وأوغندا وإثيوبيا سبق لهم تغطية نزاعات وحروب، أعربوا كلهم عن إحباطهم من ضعف التغطية لقصص لها تأثير إنساني عميق.

ثم أشار التقرير إلى أن «الأزمات في الدول الفقيرة، خصوصاً في أفريقيا، تحظى باهتمام أقل من غيرها... وأنه خلال عام 2024 رصد المجلس النرويجي للنازحين تغطية إعلامية ضئيلة لأكثر أزمات النزوح، ثمانٍ منها كانت في أفريقيا، حيث تصدّرت الكاميرون وإثيوبيا وموزمبيق القائمة».

الأهمية الجيوسياسية

وأضاف أن «التغطية الإعلامية للنزاعات تعكس رؤية ضيقة تشكلها الأهمية الجيوسياسية أكثر من الإلحاح الإنساني». ثم لاحظ أن نتائج دراسة لـ«المرصد الأوروبي للصحافة» بيّنت إن «نحو 10 في المائة فقط من وقت البث في نشرات الأخبار العامة في ألمانيا وسويسرا والنمسا يُخصص لدول الجنوب العالمي».

محمد عبد الحميد عبد الرحمن، الصحافي السوداني ورئيس تحرير القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية ومدير وكالة السودان للأبناء سابقاً، رأى أن «هناك علاقة معقدة بين الإعلام والسياسة والرأي العام». وأوضح في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الإعلام في أثناء الحرب لا يغطي ولا يعكس الواقع كما هو، بل يعكس ما يُعد مهماً أو قابلاً للتسويق أو يخدم سرديات معينة، لذلك تختلف التغطية من حرب إلى أخرى». ثم أردف: «المصالح الجيوسياسية، خصوصاً للدول الكبرى وحلفائها، وتحديداً أميركا ودول غرب أوروبا، هي التي تحدد مدى وكيفية تغطية الحروب ومبرّراتها وفظائعها ومترتباتها الإنسانية الفادحة».

ومن ثم، أضاف عبد الرحمن، الذي عمل خلال مسيرته المهنية مراسلاً حربياً في السودان والشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا: «الاهتمام الإعلامي الدولي بالحروب يتناسب طردياً مع مدى تأثيرها على مصالح القوى الدولية والإقليمية واستراتيجياتها إلى حد ما»، لافتاً إلى تراجع الاهتمام بالوضع في السودان مع اندلاع حرب غزة، وتراجع الاهتمام بغزة في ظل استحواذ أوكرانيا على الاهتمام.

بعدها تطرّق الصحافي السوداني إلى «عوامل أخرى تؤثر في تغطية الحروب؛ من بينها البُعد الجغرافي لموقع الحرب عن مواقع مؤسسات الإعلام الدولية الكبرى، حيث غالباً ما تهم النزاعات التي يصعب الوصول إليها». وفي مقارنة بين حرب أوكرانيا والنزاع الممتد منذ عقود في الكونغو الديمقراطية، قال عبد الرحمن إن «وسائل الإعلام تتجنّب الخوض في النزاعات المعقّدة التي تتطلّب معرفة معقولة بخلفياتها، وتميل إلى التركيز على النزاعات التي يمكن تبسيطها إلى نزاع بين قوى شريرة وأخرى خيّرة ومظلومة».

الدمار في غزة (آ ف ب)

ملاحقة الجديد وهجر الحروب الطويلة

وأردف: «الصحافيون وأجهزة الإعلام عادةً ما يميلون إلى ملاحقة الجديد والابتعاد عن الحروب الطويلة، فكل كارثة تسرق الأضواء من سابقاتها، لكن رغم ذلك تلعب التغطية الإعلامية دوراً مهماً جداً، بل وحاسماً في بعض الأحيان، لتشكيل الرأي والضغط على أطراف النزاع والمجتمع الدولي للتخفيف من حدة النزاع أو تصعيده حسب المصالح المعرَّضة للخطر جرّاء استمرار الحرب».

من ناحية أخرى، وفق محمد عبد الحميد عبد الرحمن، «التغطية المتحيزة أو المتأثرة بالمصالح قد تعمل في بعض الأحيان على إطالة أمد الحرب؛ ذلك إلى أن استمرار تغطية نزاعٍ ما لفترة طويلة لا يعني بالضرورة استمرار اهتمام الرأي العام به، بسبب ما يمكن أن نسميه إرهاق التغطية والمتابعة والتعاطف».

وتابع: «لا تؤدي التغطية المكثفة بالضرورة إلى إنهاء النزاعات والميل إلى إنهائها كما نلاحظ بوضوح في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي... لأن المواقف الدولية تحكمها المصالح والتحالفات ولا تخضع في معظم الأحيان للضغط الإعلامي».

على صعيد متصل، وفق تقرير «معهد رويترز»، فإن «النزاعات بين الدول المستقلة تحظى بتغطية أكبر من النزاعات الداخلية؛ نظراً إلى تأثيرها الأوسع على السياسة العالمية والاستقرار الاقتصادي. أما النزاعات في المناطق الأقل تأثيراً اقتصادياً، فمن المرجح تجاهلها بغضّ النظر عن شدّتها أو آثارها الإنسانية... يلعب القرب الثقافي دوراً في تحديد الخبر المهم، وغالباً ما تحظى النزاعات التي يشعر الجمهور الغربي بأنها أقرب إليه بتغطية كبرى».

هنا أرجع يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، غياب بعض الحروب عن العناوين الرئيسية، جزئياً، إلى «هيمنة الغرب على وسائل الإعلام والاتصال». وقال لـ«الشرق الأوسط» خلال حوار معه، إن «تجانس المحتوى الإعلامي يزيد من تفاقم أوجه عدم المساواة أو الاختلال في التوزيع العالمي للمحتوى الإعلامي».

وقارن بين حجم التغطية الإعلامية للحروب الجارية في أوكرانيا وإيران، وحجم التغطية للحروب المستعصية المستمرة منذ عقود في الصومال والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فنبّه إلى أن «توزيع وسائل الإعلام يفترض ضمناً هيمنة السياسة والاتصال ورأس المال».

لجنة ماكبرايد

كذلك تطرّق إكو إلى إنشاء «اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال» عام 1977 برئاسة الآيرلندي شون ماكبرايد (حامل جائزة نوبل للسلام)، ومشاركة ممثلين من 15 دولة أخرى. وقال إن اللجنة أعدَّت فيما بعد تقريراً بعنوان «أصوات متعددة... عالم واحد»، عُرف بـ«تقرير ماكبرايد»، شدد على «وجود اختلال فادح بين الشمال والجنوب، لا تزال أصداؤه تتردد إلى اليوم».

وللعلم، كان إكو قد أجرى عام 1991 دراسة حول تغطية الصحف النيجيرية للأزمات الإقليمية والدولية، كدراسة حالة عن ليبيريا وحرب الخليج. وذكر أن «الدراسة أظهرت أن وسائل الإعلام الغربية آنذاك، لا سيما (سي إن إن) الأميركية و(بي بي سي) البريطانية كانتا تقودان السرديات المتعلقة بالحروب... وهذا الوضع لم يتغير، إذ ما زال الإعلام الغربي يهيمن على سرديات الحروب حتى الآن».

أما بالنسبة إلى «حرب غزة»، فقد أورد تقرير «معهد رويترز» أنه «رغم التغطية الكبيرة للحرب في غزة، فإن بعض الضحايا يحظون باهتمام إعلامي أكبر من غيرهم. حيث كانت التغطية الإعلامية لكل قتيل إسرائيلي أعلى بـ33 مرة من نظيرتها للقتيل الفلسطيني في محتوى (بي بي سي) خلال سنة».

وهنا علّق خالد القضاة، عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين، في لقاء مع «الشرق الأوسط» فقال إن «الواقع يؤكد أن موضوع الحياد الإعلامي غير موجود، فبعض المؤسسات الإعلامية هي انعكاسات لسياسات دولية وتنسجم مع مواقفها فيما يتعلق بالحروب والنزاعات».

وأوضح أن «تغطية النزاعات والحروب تختلف بين المتابعة داخل دولة النزاع نفسها والتي تتعرض لانحيازات حسب مواقف الدولة وأطراف الصراع، والتغطية في المؤسسات الدولية التي تنحاز أيضاً إلى مواقف دولها واهتمامات شعوبها». وشدد من ثم على «ضرورة التنوع في مؤسسات الإعلام من أجل تقليل درجة الانحياز في تغطية النزاعات وضبط المصطلحات والمواقف وزيادة الاهتمام بالنزاعات المهملة».


ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
TT

ما تأثير تحديثات «إكس» للروابط الخارجية على المحتوى والجمهور؟

شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)
شعار "إكس" فوق أحد مقراتها في سان فرانسيسكو (رويترز)

على الرغم من تراجع منصة «إكس» عن دعم الأخبار المعززة بروابط خارجية، فإن تعديلات خوارزمية أخيرة أجرتها المنصة «قد تعيد المحتوى الإخباري إلى واجهة الاهتمامات بشرط تغيير عقيدة النشر التقليدية».

هذا التحول لم يعد مجرّد تكهّن تقني؛ بل أثبتته الأرقام في دراسة حديثة أجراها مختبر «نيمن لاب» للصحافة التابع لجامعة هارفارد الأميركية، وأشارت إلى «عقوبات خوارزمية» غير مُعلنة تواجهها الروابط الخارجية، مقابل مكافآت لمنتجي المحتوى داخل المنصة.

الدراسة، التي نشرت نتائجها في أبريل (نيسان) الحالي، أوضحت أن «الناشرين الذين يعتمدون على نشر عنوان الخبر مرفقاً برابط يُخرج المستخدم من التطبيق لصالح بقائه على المنصة الإخبارية مالكة الخبر، باتوا يعانون من تراجع حاد في معدلات الوصول».

بينما رصدت الدراسة عدة عوامل أخرى قد تدفع بالأخبار إلى الواجهة. مثلاً، وجدت أن التغريدات التي تبدأ بعبارة «خبر عاجل» حققت تفاعلاً يزيد بمقدار 4 أضعاف بشرط أن يكون المحتوى مكتوباً بأسلوب «أصلي» يغني القارئ عن الخروج من المنصة.

أيضاً، حذّرت الدراسة من أن الخوارزمية أصبحت تتعامل بصرامة مع مقاطع الفيديو «المعاد تدويرها» من منصات أخرى؛ إذ يُخفض الوصول للفيديوهات التي تحمل علامات مائية لمنصة أخرى مثل «تيك توك» بنسبة تصل إلى 90 في المائة.

مستشار الإعلام الرقمي، رامي الطراونة، قال لـ«الشرق الأوسط» معلقاً إن «إكس» تسعى - حالها كحال جميع المنصات – إلى تعزيز وقت مكوث المستخدمين عليها لأطول مدة ممكنة. وأوضح أن الهدف هو بقاء المستخدم، غير أن «المنصة معنية كذلك بالحفاظ على طابع وصبغة محتواها الإخباري الملخص والمركز، مستغلة ميل المتابعين إلى تجربة مبسطة تتضمّن أقل عدد ممكن من التنقل والنقرات مع أكبر زخم من المعلومات (المعلبة) في المكان نفسه». وتابع: «لذلك فإن المنشورات التي تكتفي برابط وعنوان دون تفاصيل لم تَعُد تحظى بمكانتها السابقة، بينما باتت الأفضلية أوضح للمحتوى الذي يقدم الخبر نفسه داخل المنشور».

حسب الطراونة فإن «إكس» لا تعادي الأخبار؛ لكنها لم تعد تكافئ «الكسل التحريري»، على حد قوله. قبل أن يضيف: «لقد صار الوصول يُبنى على جودة الصياغة داخل (إكس) لا على مجرد رابط وانتظار جهد من المتابعين». ودلل على ذلك بأن محتوى «إكس» من المنشورات النصية والفيديو يمثل مصدر تغذية أساسي لـ«غروك» (نموذج ذكاء اصطناعي توليدي خاص طورته المنصة أخيراً)، الذي تستثمر فيه «إكس» بشكل كبير، وهو ما يضيف بعداً وقيمة إضافية لأهمية نشر المحتوى الكامل على المنصة من وجهة نظر ملاكها».

أيضاً وفق الطراونة فإن «الممارسة الأنسب حالياً لمواكبة تغيرات المنصة وخوارزميتها، هي ببساطة أن يبدأ المنشور بخلاصة خبرية قوية ومباشرة، تتضمن أهم معلومة أو تطور أو رقم، ثم يستكمل السياق عبر شرح أو محتوى مرئي سريع». وأردف: «كلما كان المحتوى أصلياً ومباشراً وسهل الالتقاط في لحظة الحدث، زادت فرص ظهوره ضمن التدفقات والملخصات الفورية». أما عن فرص الربح أمام الناشرين داخل المنصة، فقال: «رغم تقلبات (إكس) ما تزال أدوات الربح فيه تمثل فرصة مفيدة، إذا استُخدمت كرافعة تمويل لا كموجه تحريري... ويمكن للمؤسسات الإخبارية الاستفادة من الاشتراكات، ومشاركة الإيرادات، وتحقيق الدخل من الفيديو، ثم إعادة توظيف جزء من هذه العوائد لدعم انتشار المحتوى الجاد والعام ذي القيمة».

من جهة ثانية، في نقاش مطلع الشهر الحالي، جمع رئيس قسم المنتجات في «إكس»، نيكيتا بير، وصحافيين في الـ«نيويورك تايمز»، عبر المنصة، اتهمت الصحيفة المنصة بأنها «تحد من التفاعل على الأخبار»، لكن بير نفى، وأرجع التراجع إلى أسلوب الصحيفة. إذ قال إنها «لم تغير أسلوب صياغة عناوينها منذ 20 سنة، ووصف ذلك بـ«الأسلوب القديم» الذي لا يتناسب مع الخوارزمية، وأن المشكلة في «طريقة النشر» التي لا تشجع المستخدم على التفاعل.

من جانبه، اعتبر أحمد البرماوي، رئيس تحرير منصة «فولو آي سي تي» للاقتصاد الرقمي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أنه «لا تزال فرص انتشار المحتوى الإخباري على منصة (إكس) قائمة، لكنها شهدت تحولاً واضحاً في آليات الوصول للجمهور». ثم أوضح أنه لم يعد أمام المؤسسات الإخبارية «خيار أحادي بين جذب الزيارات إلى مواقعها أو الاكتفاء بالنشر داخل المنصة»، بل أصبح الاتجاه نحو «نموذج هجين هو الأكثر واقعية وفاعلية».

وأضاف أن «الاعتماد الكامل على الروابط لم يعد يحقق النتائج المرجوة، في ظل القيود التي تفرضها الخوارزميات، بينما يحمل الاعتماد الكامل على النشر داخل المنصة مخاطر تتعلق بالتحكم في الوصول». وتابع: «لذا تميل المؤسسات الناجحة إلى المزج بين تقديم محتوى متكامل وجذاب داخل (إكس) مع استخدام الروابط بشكل انتقائي وذكي، وهذا التحول يعكس حقيقة أن (إكس) لم تعد مجرد وسيلة لتوزيع المحتوى؛ بل منصة نشر قائمة بذاتها تتطلب استراتيجيات تحريرية مخصصة».

أخيراً، على صعيد تحقيق الإيرادات، يرى البرماوي أنه «يمكن للناشرين الاستفادة عبر مسارين: الأول مباشر من خلال برامج تحقيق الدخل المرتبطة بنسبة التفاعل والمشاهدات. والثاني غير مباشر عبر بناء جمهور قوي يمكن توظيفه لاحقاً في الشراكات الإعلانية أو توجيهه إلى منصات أخرى».


جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».