الأمم المتحدة تطلب تمويلاً لمساعدة 874 ألف متضرر من الزلزال

واشنطن تقدم 85 مليون دولار وتعلّق مؤقتاً عقوبات على دمشق

مخيم للنازحين جراء الزلزال في كهرمان ماراش بجنوب شرقي تركيا أمس (إ.ب.أ)
مخيم للنازحين جراء الزلزال في كهرمان ماراش بجنوب شرقي تركيا أمس (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تطلب تمويلاً لمساعدة 874 ألف متضرر من الزلزال

مخيم للنازحين جراء الزلزال في كهرمان ماراش بجنوب شرقي تركيا أمس (إ.ب.أ)
مخيم للنازحين جراء الزلزال في كهرمان ماراش بجنوب شرقي تركيا أمس (إ.ب.أ)

قررت الولايات المتحدة تقديم مساعدة عاجلة قيمتها 85 مليون دولار لكل من تركيا وسوريا، للتعامل مع تداعيات الزلزال المدمر في البلدين، وعلقت لستة أشهر بعض العقوبات المفروضة على دمشق، فيما طلب برنامج الغذاء العالمي تمويلاً لمساعدة 874 ألفاً تضرروا من الكارثة الطبيعية، واستعدت الأمم المتحدة لإطلاق نداء إنساني يجمع مزيداً من المعونات من الدول والجهات المانحة.
وتسبب الزلزال في مقتل أكثر من 22 ألف شخص، وتشريد مئات الآلاف من السكان في البلدين وسط برد الشتاء القارس. وتجمع كثير من المشردين في مخيمات مؤقتة بساحات انتظار السيارات والمساجد وعلى جانب الطرق وسط الحطام، من دون إمدادات كافية من الغذاء والماء والتدفئة.
وأفاد وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، بأنه بعد زلازل 6 فبراير (شباط)، «حشدت الولايات المتحدة، بتوجيه من الرئيس جو بايدن، الوكالات الفيدرالية والشركاء بسرعة، لتقديم المساعدة المنقذة للحياة على وجه السرعة بالتنسيق الوثيق مع حلفائنا الأتراك والمنظمات الشريكة في سوريا». وأضاف أنه استكمالاً للعمل الجاري «وصل المئات من الموظفين الأميركيين الإضافيين إلى المنطقة للمساعدة في إنقاذ الأرواح ومساعدة المحتاجين». وأعلن تقديم 85 مليون دولار «مساعدات إنسانية عاجلة لدعم الجهود التي يقوم بها فريق المساعدة والاستجابة للكوارث التابع للوكالة الأميركية للتنمية الدولية». وأوضح أن الفرق الأميركية «لديها معدات متخصصة لعمليات البحث والإنقاذ. وانضم إليهم مديرو الطوارئ وفنيو المواد الخطرة والمهندسون واللوجيستيون والمسعفون والمخططون».
ويشمل الدعم الأميركي حتى الآن نشر أكثر من 150 شخصاً كجزء من فريقي البحث والإنقاذ المدينيين المدربين تدريباً عالياً إلى واحدة من أكثر المناطق تضرراً ومهام الجسر الجوي التي تقوم بها طائرات هليكوبتر من طراز «بلاك هوك»، لدعم عمليات الإنقاذ. وتساعد طائرات الهليكوبتر أفراد الإنقاذ في الوصول إلى مناطق يصعب الدخول إليها، كما أن واشنطن تجهز مسبقاً معدات الإغاثة التي تأمل في أن تنضم إلى جهود التعافي.
وعبر عن امتنان الإدارة الأميركية للحكومة التركية التي أعادت فتح الحدود حتى تتدفق المساعدات إلى شمال غربي سوريا، مرحباً بوصول أول قافلة مساعدات للأمم المتحدة عبر معبر باب الهوى. وطالب نظام الرئيس السوري بشار الأسد بـ«السماح فوراً بدخول المساعدات عبر كل المعابر الحدودية، والسماح بتوزيع المساعدات على كل المناطق المتضررة، والسماح للعاملين في المجال الإنساني بالوصول إلى جميع المحتاجين في سوريا من دون استثناء».
- بلينكن ـ جاويش أوغلو
وكان بلينكن تحادث مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو «للتعبير عن دعمنا المستمر لتركيا والشعب التركي في أعقاب الزلازل المدمرة». وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس، إن المسؤولين «ناقشا المساعدة الإضافية التي يمكن أن تقدمها الولايات المتحدة لدعم جهود الإغاثة التركية»، ناقلاً عن بلينكن تعهده «مواصلة بذل كل ما في وسعنا بالتنسيق مع تركيا لمساعدة ضحايا الزلزال في كل من تركيا وسوريا». وقال أيضاً للصحافيين: «نحض نظام الأسد على السماح فوراً بدخول المساعدات عبر كل المراكز الحدودية والسماح بوصول (المنظمات) الإنسانية إلى جميع السوريين المحتاجين بلا استثناء».
وهذا الاتصال هو الثاني بين بلينكن وجاويش أوغلو منذ وقوع الزلزال.
وأعلنت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أن التمويل مخصص للشركاء على الأرض «بهدف تقديم المساعدة الطارئة الضرورية إلى ملايين الأشخاص»، مضيفة أنه «سيدعم أيضاً تأمين مياه الشرب النظيفة والصرف الصحي لمنع تفشي الأوبئة».
وفي وقت متزامن، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية رفع بعض العقوبات المفروضة على سوريا مؤقتاً، بهدف إيصال مساعدات إلى السكان المتضررين في أسرع وقت ممكن. وأوضحت أن هذا الإجراء «يسمح لمدة 180 يوماً بكل الصفقات المتعلقة بمساعدة ضحايا الزلزال، التي كانت محظورة» بموجب العقوبات المفروضة على سوريا. وأشارت أيضاً إلى أن برامج العقوبات الأميركية «تتضمن أساساً استثناءات متينة للعمليات الإنسانية».
- الأمم المتحدة وبرنامج الغذاء
في غضون ذلك، أفادت الناطقة باسم برنامج الغذاء العالمي في نيويورك شذى مغربي، بأن برنامج الأغذية العالمي قدم مساعدات غذائية عاجلة إلى 115 ألف شخص في سوريا وتركيا في الأيام الأربعة الأولى بعد الزلازل في المنطقة. ونسبت إلى المديرة الإقليمية للبرنامج في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كورين فلايشر، أن «ما يجري تقديمه بشكل أساسي هو وجبات ساخنة وحصص غذائية جاهزة وحزم طعام عائلية - أشياء لا تتطلب مرافق طهي ويمكن استهلاكها على الفور». وأضافت أنه «بالنسبة لآلاف الأشخاص المتضررين من الزلازل، يعد الطعام إحدى أهم الحاجات في الوقت الحالي، وأولويتنا هي توفيره للأشخاص الذين يحتاجون إليه بسرعة».
وقالت مغربي: «يناشد برنامج الغذاء العالمي من أجل الحصول على 77 مليون دولار أميركي لتقديم المساعدة من خلال الحصص الغذائية والوجبات الساخنة لما مجموعه 874 ألف شخص من المتضررين من الزلزال في تركيا وسوريا»، موضحة أن ذلك يشمل 284 ألف نازح جديد في سوريا و590 ألف شخص في تركيا، حيث يوجد 45 ألف لاجئ و545 ألف نازح».
ووسط استعدادات في الأمم المتحدة لإطلاق نداء إنساني، قال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن المنظمة الدولية «تساعد في حشد فرق الطوارئ وعمليات الإغاثة»، مضيفاً أن «فرقنا الإنسانية تؤكد أنه في سوريا، بما في ذلك الشمال الغربي، هناك حاجة إلى تمويل عاجل لتوفير المأوى والصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي والنظافة والتعليم والحماية وخدمات الدعم النفسي والاجتماعي وكثير من الأشياء الأخرى التي تعد حاسمة في هذه المرحلة من ردنا على الزلزال». وأكد أن الأمين العام أنطونيو غوتيريش سيعلن بحلول أوائل الأسبوع المقبل، نداءً عاجلاً لدعم المانحين للمتضررين من الزلزال.


مقالات ذات صلة

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

أميركا اللاتينية صورة تُظهر جانباً من مدينة سانتياغو في تشيلي (رويترز-أرشيفية)

زلزال بقوة 6.6 درجة يضرب وسط تشيلي

قال المركز الألماني لأبحاث علوم الأرض إن زلزالاً بقوة 6.6 درجة ضرب وسط تشيلي، يوم الخميس.

«الشرق الأوسط» (سانتياغو)
آسيا مرشد سياحي في منطقة باهالغام بالشطر الهندي من كشمير (أرشيفية - أ.ب)

قتيل وأضرار جراء زلزال بقوة 6 درجات في شمال باكستان

لقي شخص حتفه وانهارت منازل عدة بعدما ضرب زلزال بقوة ست درجات ‌كشمير بشمال ‌باكستان، الاثنين، ⁠حسبما ​أفاد ‌مسؤول والمركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
أميركا اللاتينية لم ترد على الفور أي معلومات عن وقوع خسائر محتملة أو أضرار ناجمة عن الزلزال (رويترز)

زلزال بقوة 5.6 درجات يضرب جنوب المكسيك

أفادت الهيئة الوطنية المكسيكية لرصد الزلازل، الجمعة، بوقوع زلزال بقوة 5.6 درجات على مقياس ريختر بولاية كينتانا رو جنوب المكسيك.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو)
المشرق العربي العاصمة الأردنية عمان (أرشيفية - بترا)

هزة أرضية بقوة 4.1 درجة تضرب الأردن

وقعت هزة أرضية بقوة 4.1 درجة على مقياس ريختر، شعر بها سكان مناطق مختلفة من الأردن، منها محافظتا عمان والبلقاء، صباح اليوم.

«الشرق الأوسط» (عمان)
شؤون إقليمية عناصر من الجيش الإسرائيلي (أ.ب)

تفعيل صافرات الإنذار في إسرائيل عقب زلزال بجنوب البلاد

أعلن الجيش الإسرائيلي تفعيل صافرات الإنذار في مدينة عراد بجنوب البلاد، وفي البحر الميت، نتيجة لوقوع زلزال، اليوم (الخميس).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...